← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الفاسق؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (١)، فأمر ﵎ بالتبين عند قبول قول الفاسق، ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله ويجب التبيين عند حكمه، ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً، فلئلا يكون قاضياً أولى (٢). دليل أصحاب القول الثاني: (اشتراط العدالة) أن مقصد الوقف هو استمرار المنفعة، وجريان الصدقة على الدوام، وولاية الأوقاف مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن؛ لأنه يخل بهذا المقصود، وربما أدى إلى هلاك الوقف، وتعطل نفعه (٣). ونوقش: بأنه يسلم أن الخائن لا يولى لما ذكر، لكن لا يدل ذلك على اشتراط العدالة، وإنما يدل على اشتراط الأمانة. دليل أصحاب القول الثالث: (اشتراط العدالة في الناظر إذا كان موقوفاً عليه أو منصوبا من قبل الواقف) أن العدالة إنما اشترطت لحفظ حق الموقوف عليه، فإذا كان الناظر هو الموقوف عليه فلا حاجة إلى اشتراطها؛ لأنه ينظر لنفسه، فكان له ذلك، كما في ملكه الطلق، أما إذا كان منصوباً من قبل الواقف فلا تشترط فيه العدالة وضم إلى الفاسق عدل؛ لأن في إبقائه تحقيقاً لشرط الواقف، ويضم إليه عدل حفظاً للوقف (٤). ونوقش: بأن ما ذكروه دليلاً على صحة تولية الفاسق إذا كان موقوفاً عليه

стр. 1367

لا يكفي؛ وذلك لأن وظيفة ناظر الوقف لا تقتصر على رعاية منافع العين الموقوفة، وإنما حفظ عين الوقف والقيام بشؤونها، وحفظ العين لا تخص الموقوف عليه، فإذا لم تتوفر فيه العدالة لم يصح توليته نظارة الوقف؛ لاحتمال أن يؤدي ذلك إلى ضرر عين الوقف، فيلحق الضرر واقف العين بتوقف جريان الصدقة، كما يلحق الضرر ما يأتي من البطون الموقوف عليها، فالقول إن الموقوف عليه إذا كان ناظراً فهو ينظر لنفسه غير دقيق حتى تصحح ولايته رغم فسقه، وإنما نظره شامل لحقه، وحق الواقف، وحق ما يأتي من البطون. وأما الاحتجاج على صحة تولية غير العدل إذا كان منصوباً من قبل الواقف بتحقيق شرط الواقف: فإن تحقيق شرط الواقف ومراعاته إنما يكون إذا لم يخالف الشرع، أما إذا خالف مقتضيات الشرع فلا يجوز العمل به اتفاقاً (١). دليل أصحاب القول الرابع: (صحة تولية الفاسق إذا كان الموقوف عليه رشيداً): أن الموقوف عليهم إذا كانوا راشدين لا يمكنون الناظر من الخيانة، فمتى ما رأوا منه شيئاً من ذلك حملوه على السداد (٢). ونوقش: بأنه ليس من لازم كون الموقوف عليه معيناً رشيداً ألا يقع من ناظر وقفه خيانة، كما أنه ليس كل من وقع عليه ظلم دفعه، والواقع يشهد لذلك، فكم من أوقاف أكلها النظار عليها والموقوف عليه حاضر رشيد،

стр. 1368

بحجة عدم الرغبة في الخوض في المشاكل، أو أن ما يأتيه من ريع الوقف لا يساوي تعطله في متابعه الناظر، وهذا أمر واضح لا يخفى (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بأن العدالة ليست شرطاً لصحة النظر على الوقف، لكن تشترط الأمانة لصحة النظر على الموقوف؛ لدلالة القرآن، ولأن فيه حماية للوقف من الضياع بخلاف الأقوال الأخرى، ومراعاة جانب الوقف أهم من إبقاء ولاية الخائن عليه، وإن كان موقوفاً عليه، أو منصوباً من قبل الواقف (٢). الشرط الخامس: الحرية: وهي شرط عند الشافعية فقط (٣). أما الحنفية: فإنهم نصوا على عدم اعتبار الحرية في نظارة الوقف (٤). قال ابن عابدين: "ويشترط للصحة بلوغه وعقله، لا حريته وإسلامه" (٥). وأما المالكية، والحنابلة: فلم يتعرضوا لذكر الحرية عند سياقهم شروط ولاية الوقف مما يدل على أنهم لا يرونها شرطاً في ذلك، والله أعلم (٦). والدليل على ذلك: عموم أدلة النظر على الوقف، وهذه تشمل الرقيق. أما الذكورة، والبصر: فليسا من شروط صحة النظارة على الوقف (٧)،

стр. 1369

فيجوز أن تتولى المرأة نظارة الوقف؛ لما ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ أوصى بالنظر إلى ابنته حفصة ﵂، وكذلك يجوز أن يتولى الأعمى نظارة الوقف.

стр. 1370

المبحث الرابع: وظيفة الناظر على الوقف اتفق أصحاب المذاهب الأربعة -الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) -. والضابط في هذا أنه لا يخلو من أحوال: الحال الأولى: أن يكون في ذلك شرط لفظي من الواقف فيرجع إليه. الحال الثانية: أن يكون في ذلك شرط عرفي فيرجع إليه. الحال الثالثة: إذا لم يكن شيء من ذلك، فيرجع إلى كلام العلماء. قال الطرابلسي: "ليس له حد معين، وإنما هو على ما تعارفه الناس من الجعل عند عقده الوقف ليقوم بمصالحه من عمارة، واستغلال، وبيع غلات، وصرف ما اجتمع عنده فيما شرطه الواقف، ولا يكلف من العمل بنفسه إلا مثل ما يفعله أمثاله، ولا ينبغي له أن يقصر عنه، وأما ما تفعله الأجراء والوكلاء فليس ذلك بواجب عليه حتى لو جعل الولاية إلى امرأة، وجعل لها أجراً معلوماً لا تكلف إلا مثل ما تفعله النساء عرفاً، ولو نازع أهل الوقف

стр. 1371

القيم، وقالوا للحاكم: إن الواقف إنما جعل له هذا في مقابلة العمل وهو لا يعمل شيئاً، لا يكلفه الحاكم من العمل ما لا يفعله الولاة " (١). وقال ابن رشد فيمن حبس على أولاده الصغار: "إن كانت الصدقة والحبس على صغار كلهم، فحيازة أبيهم لهم حوز إذا أشهد لهم وبتل لهم صدقتهم أو حبسهم، فكان هو القائم بأمرهم والناظر لهم في كراء إن كان أو ثمرة ما تحتاج إليه الصدقات من المرمة والاصلاح " (٢). وقال النووي: "وظيفة المتولي: العمارة والإجارة، وتحصيل الغلة، وقسمتها على المستحقين، وحفظ الأصول والغلات على الاحتياط -هذا عند الإطلاق- ويجوز أن ينصب الواقف متولياً لبعض الأمور دون بعض بأن يجعل إلى واحد العمارة وتحصيل الغلة، وإلى آخر حفظها وقسمتها على المستحقين، أو يشرط لواحد الحفظ واليد، والآخر التصرف " (٣). وقال المرداوي: "وظيفة الناظر: حفظ الوقف والعمارة والإيجار والزراعة والمخاصمة فيه، وتحصيل ريعه من تأجيره أو زراعة أو ثمرة، والاجتهاد في تنميته، وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح، وإعطاء مستحق ونحو ذلك، وله وضع يده عليه، وعلى الأصل، ولكن إذا شرط التصرف له، واليد لغيره، أو عمارته إلى واحد، وتحصيل ريعه على آخر فعلى ما شرط، قاله الحارثي" (٤).

стр. 1372

الفصل الثاني: أقسام الولاية على الوقف وفيه مباحث: المبحث الأول: ولاية الواقف على الوقف. المبحث الثاني: ولاية الموقوف عليه على الوقف. المبحث الثالث: ولاية الحاكم على الوقف. المبحث الرابع: التوكيل في ولاية الوقف. المبحث الخامس: تنازل الناظر عن ولاية الوقف. المبحث السادس: تعدد النظار.

стр. 1373

المبحث الأول: ولاية الواقف على الوقف وفيه مطالب: المطلب الأول: ملكية الواقف ولاية الوقف بلا شرط اختلف الفقهاء في ثبوت حق الواقف في الولاية على وقفه بلا شرط منه، وذلك على قولين: القول الأول: أن للواقف حق النظر على الوقف. وهذا هو المذهب عند الحنفية (١)، وبه قال المالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣)، وبعض الحنابلة (٤). القول الثاني: أنه ليس للواقف حق النظر على الوقف. وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن من أصحابه (٥)، وهو المذهب

стр. 1374

عند الشافعية (١)، وبه قال أكثر الحنابلة (٢). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - أدلة الأمر بالوفاء بالعقد، والوفاء بشروط العقد (٣). وجه الدلالة: والعرف أن الواقف يتولى وقفه إذا لم يعين ناظر، والمعروف عرفاً كالمشروط لفظاً. ٢ - أن النبي ﷺ لما أشار على عمر بوقف أرضه لم يقل له: لا يصح ذلك حتى تخرجها عن يدك ولا تلي نظرها، فدل ذلك على صحة بقائها في يده تحت ولايته؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد قال الإمام الشافعي: "ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال" (٤). أما القول بغير ذلك فهو قول مخالف للصواب، قال ابن القيم ﵀: "وأي غرض للشارع في ذلك؟ وأي مصلحة للواقف أو الموقوف عليه؟ بل المصلحة خلاف ذلك؛ لأنه أخبر بماله، وأقوم بعمارته ومصالحه وحفظه من الغريب الذي ليست خبرته وشفقته كخبرة صاحبه وشفقته" (٥). ٣ - أن الصحابة ﵃ كانوا يلون أوقافهم بأنفسهم حتى توفوا.

стр. 1375

فقد تقدم أن عمر ﵁ ولي صدقته حتى مات (١). وقال الإمام الشافعي ﵀: " أخبرني غير واحد من آل عمر وآل على أن عمر ولي صدقته حتى مات، وجعلها بعده إلى حفصة، وولي على صدقته حتى مات، ووليها بعده الحسن بن على (٢) ﵄، وأن فاطمة بنت رسول الله ﷺ وليت صدقتها حتى ماتت، وبلغني عن غير واحد من الأنصار أنه ولي صدقته حتى مات " (٣). وقال ﵀ أيضاً: "ولقد حفظنا الصدقات عن عدد كثير من المهاجرين والأنصار، لقد حكى لي عدد من أولادهم وأهليهم أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا، ينقل ذلك العامة منهم عن العامة لا يختلفون فيه، وإن أكثر ما عندنا بالمدينة ومكة من الصدقات لكما وصفت لم يزل يتصدق بها المسلمون من السلف يلونها حتى ماتوا، وإن نقل الحديث فيها كالتكلف" (٤). ٤ - القياس على قسمة رب المال لما وجب عليه من الزكاة، فإنه إذا ثبت الحق في الولاية على الصدقة لمن وجبت عليه، فإنه من باب الأولى أن يثبت له ذلك الحق على الصدقة التطوعية، وهي هنا الوقف (٥). ٥ - القياس على متخذ المسجد، ومعتق العبد، فالواقف هو أقرب الناس إلى وقفه، وأحقهم بإدارته وعمارته، كمن اتخذ مسجداً فإنه أولى بعمارته، وكمن أعتق عبداً فإن الولاء له؛ لأنه أقرب الناس إليه (٦).

стр. 1376

دليل أصحاب القول الثاني: القياس على سائر الأجانب في المنع من النظارة والتدبير في الوقف إلا بتعيين، وبيان ذلك: أن الواقف لما حبّس العين وسلمها للقيم فقد أخرجها عن ملكه ويده، وصار هو وسائر الأجانب فيه سواء، وكما أن التدبير في الوقف ليس إلى سائر الأجانب، فكذلك لا يكون التدبير إلى الواقف (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ الواقف تعلق بالوقف بخلاف الأجنبي، فهو وقفها لتكون له صدقة جارية على الدوام، ويعنيه دوام عينها وعمارتها؛ لأن من لازم ذلك استمرار الثواب العائد عليه، وفي تعطلها وانقطاع نفعها منعاً لجريان الصدقة، فكان من حقه رعاية الوقف والوقوف على كل ما يطرأ عليه، بخلاف الأجنبي، فلا حق له في تلك العين (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لقوة ما استدلوا به من أن عمر ﵁، وغيره من الصحابة ﵃ كانوا يلون صدقاتهم.

стр. 1377

المطلب الثاني: اشتراط الواقف الولاية لنفسه اختلف الفقهاء في صحة اشتراط الواقف الولاية على الوقف لنفسه، وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن للواقف الحق في اشتراط النظر لنفسه، والشرط صحيح. وبه قال جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). قال ابن القيم ﵀: "إذا وقف وقفاً وجعل النظر فيه لنفسه مدة حياته، ثم من بعده لغيره صح ذلك عند الجمهور، وهو اتفاق من الصحابة " (٤). القول الثاني: أنه لا يصح اشتراط الواقف النظر لنفسه، والوقف والشرط باطلان. وبه قال محمد بن الحسن، وهلال من الحنفية -في رواية عنهما (٥) -.

стр. 1378

القول الثالث: أن اشتراط الواقف الولاية لنفسه يبطل الوقف إن حصل مانع قبل الاطلاع عليه وحيازته، ما لم يكن وقفه على محجور، فيصح مطلقاً. وبه قال المالكية (١). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: (للواقف الحق في اشتراط النظر لنفسه) ١ - الأدلة الدالة على صحة شروط الواقفين، وهذه بعمومها تشمل شرط الواقف النظر لنفسه (٢). ٢ - حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " إنما الولاء لمن أعتق " (٣). فإذا كان المعتق أولى بالولاء كان الواقف أولى بوقفه. ٣ - قياس شرط الولاية لنفسه على سائر شروطه في وجوب المراعاة، كما في تعيين الموقوف عليه، وصفته، وقدر استحقاقه (٤). ٤ - أن المتولي إنما يستفيد الولاية من جهة الواقف بشرطه، فيمتنع ألا تكون له الولاية بشرطه، وغيره يستفيد الولاية منه (٥). ٥ - أن الواقف هو أقرب الناس إلى هذا الوقف، فيكون أولى بولايته، كمن اتخذ مسجداً يكون أولى بعمارته، ونصب المؤذن فيه؛ لأنه أقرب الناس إليه (٦).

стр. 1379

دليل أصحاب القول الثاني: (لا يصح الواقف النظر لنفسه) أن اشتراط الواقف النظارة لنفسه يمنع إخراج العين من يده، والوقف لا يصح إلا بإخراجه من يد واقفه، وتسليمه إلى غيره (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن بقاء العين في يد واقفها يتولى أمرها لا تأثير له على صحة الوقف؛ إذ ليست الحيازة شرطاً لا لصحة الوقف، ولا للزومه على الصحيح (٢)، كما تقدم تقريره (٣). فهم يعطون للواقف الحق في اشتراط النظر لنفسه ما لم يكن ذلك مانعاً للحيازة المعتبرة عندهم، كما سبق توضيح ذلك في إعطائهم الواقف حق الولاية الأصلية على الوقف (٤). دليل أصحاب القول الثالث: (أن اشتراط الواقف الولاية لنفسه يبطل الوقف إن حصل مانع قبل الاطلاع عليه وحيازته، ما لم يكن وقفه على محجور، فيصح مطلقاً) ١ - استدلوا على إبطال الوقف عندهم: بما استدل به أصحاب القول الثاني؛ لأنهم يوافقون أصحاب القول الثاني في اشتراط إخراج العين عن يد واقفها (٥). ٢ - واستدلوا على حالة تصحيح الوقف والشروط عندهم: بأن اشتراط الواقف النظر لنفسه فيما وقفه على محجوره اشتراط لما يوجبه الحكم له، واشتراط ما يوجبه الحكم جائز لا كراهة فيه (٦)، وهم يسقطون اشتراط الإخراج عن اليد إذا وقف على محجوره.

стр. 1380

ونوقش هذا الاستدلال: بأنه إذا كان اشتراط ما يوجبه الحكم جائزاً بلا كراهة، فيلزم منه أن يصح اشتراط الواقف النظر لنفسه مطلقاً دون تخصيص حالة دون حالة؛ لأن الصحيح أنه لا يشترط إخراج العين عن يد واقفها (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول القائل بأحقية الواقف في اشتراط النظارة لنفسه؛ لقوة ما استدلوا به، ولما سبق أن الراجح إعطاء الواقف الحق في الولاية على الوقف بلا شرط، فإعطاؤه الحق في الولاية بالشرط أولى وأحرى (٢). المطلب الثالث: اشتراط الناظر الولاية لغيره للواقف الحق في اشتراط ناظر الوقف، نص عليه الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 1381

الأدلة: ١ - ما تقدم من الأدلة على وجوب العمل بشرط الواقف (١). ٢ - عمل الصحابة ﵃. فقد جعل عمر بن الخطاب ﵁ وقفه إلى بنته حفصة ﵂ تليه ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها (٢) (٣). وفي وقف علي ﵁ شرط النظر لابنه الحسن ﵁، ثم لابنه الحسين ﵁ (٤) (٥). ٣ - القياس، فيقاس حق الواقف في التولية على حقه في بيان المصرف، فكما أن مصرف الوقف يتبع فيه شرط الواقف، فكذلك الناظر فيه (٦).

стр. 1382

المطلب الرابع: حق الواقف في تعيين ناظر الوقف إذا لم يشترطه لأحد، أو جعله لإنسان فمات إذا لم يشترط الواقف النظارة لأحد، أو اشترطه لإنسان فمات، ففي أحقيته في تعيين ناظر على وقفه خلاف بين الفقهاء على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن للواقف الحق في تعيين ناظر لوقفه، حتى ولو لم يشترطه لأحد، أو اشترطه لشخص فمات. وبهذا قال الحنفية (١)، والمالكية (٢). القول الثاني: أن الواقف لا يملك تعيين ناظر آخر ما لم يشترط لنفسه حق التعيين. وبهذا قال محمد بن الحسن من الحنفية (٣)، وهو قول الحنابلة (٤). القول الثالث: التفصيل: وهو أن للواقف حق التعيين إذا اشترط الولاية

стр. 1383

لنفسه، أو لم يشترطها لأحد، وقلنا له الولاية الأصلية على الوقف، وإلا فلا. وبهذا قال الشافعية (١). الأدلة: دليل أصحاب القول الأول: (للواقف الحق في تعيين ناظر الوقف) استدل لهذا الرأي بما يلي: أن عمر ﵁ عين بنته حفصة ﵂ على وقفه بعد ما وليه هو، وبعد مضي سنوات على وقفه، فقد جاء في كتاب عمر ﵁: " هذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين في ثمغ، أنه إلى حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرأي من أهلها … ، والمئة وسق الذي أطعمني النبي ﷺ ، فإنها مع ثمغ على سننه الذي أمرت به، وإن شاء ولي ثمغ أن يشتري من ثمره رقيقاً يعملون فيه فعل، وكتب معيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم " (٢). فعمر ﵁ كتب هذا الكتاب في خلافته؛ لأن معيقيباً كان كاتبه زمن الخلافة، ولأن معيقيبا وصف عمر في هذا الكتاب بأنه أمير المؤمنين في حين أن عمر تصدق بثمغ حين رجع رسول الله ﷺ من خيبر سنة سبع من الهجرة (٣). دليل أصحاب القول الثاني: (الواقف لا يملك تعيين الناظر) قياس الواقف على الأجنبي عن الوقف في عدم إثبات حق له في تعيين

стр. 1384

ناظر للوقف؛ لأن الواقف لما حبس العين فقد أخرجها عن ملكه، وصار كالأجنبي عنها، فلا يملك النصب ولا العزل، كما لا يملكه الأجنبي (١). ونوقش: بأن إلحاق الواقف بالأجنبي بالنسبة للوقف لا يصح، حيث إن الواقف له تعلق بالوقف، ومصلحته في دوامه وعمارته؛ لأن في ذلك استمرار الأجر له، بخلاف الأجنبي (٢)، فالواقف وإن أخرج العين عن ملكه فمن حقه تعيين ناظر عليها ليطمئن على استمرار صدقته. دليل أصحاب القول الثالث: (للواقف حق تعيين الناظر إذا اشترط الولاية لنفسه، وعلى القول بأن له حق الولاية الأصلية) الجمع بين دليل القول الأول ودليل القول الثاني، فمتى ما أثبتنا له حق التولية، فلخبر عمر بن الخطاب ﵁، ومتى ما منعناه من التولية، فلأنه قد أزال ملكه عن العين، فلا تبقى ولايته عليها (٣). ونوقش: بأن إثبات حق التولية للواقف لخبر عمر ﵁، أما منعه من التولية لزوال ملكه عن العين الموقوفة ففيه نظر؛ لأنه وإن زال ملكه فإن له تعلقاً بالعين التي أوقفها، حيث إنها سبب في جريان الثواب له، فيهمه أن يتولى عليه من يثق بأمانته وعدله (٤). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول القائل بثبوت حق الواقف في تعيين ناظر لوقفه، حتى ولو لم يشترطه لأحد، أو اشترطه لشخص فمات أو عزل؛ لقوة ما استدلوا به.

стр. 1385

المبحث الثاني: ولاية الموقوف عليه على الوقف إذا لم يشترط الواقف النظر لأحدٍ، فإن الوقف لا يخلو من إحدى حالتين: الحال الأولى: أن يكون الوقف على غير محصورين، كالفقراء والمساكين، أو على مسجد، أو مدرسة، ونحو ذلك: إذا كان الوقف على جهة عامة، فالنظر على الوقف يكون للقاضي خاصة. قال الدردير: "إن لم يجعل ناظراً، فإن كان المستحق معيناً رشيداً فهو الذي يتولى أمر الوقف، وإن كان غير رشيد فوليه، وإن كان المستحق غير معين -كالفقراء- فالحاكم يولي عليه من شاء، وأجرته من ريعه، وكذا إن كان الوقف على كمسجد " (١). وقال المرداوي: "محل الخلاف إذا كان الموقوف عليه معيناً، أو جمعاً محصوراً، فأما إن كان الموقوف عليهم غير محصورين -كالفقراء والمساكين- أو على مسجد، أو مدرسة، أو قنطرة أو رباط، أو نحو ذلك، فالنظر فيه للحاكم قولاً واحداً " (٢).

стр. 1386

والدليل على هذا: ١ - حديث عائشة ﵂، وفيه قوله ﷺ : "والسلطان ولي من لا ولي له" (١). ٢ - أن الوقف في هذه الحال ليس له مالك متعين ينظر فيه، فيكون النظر فيه للقاضي (٢). الحال الثانية: أن يكون الوقف على معين محصور: وفي هذه الحال اختلف الفقهاء فيمن يستحق النظر على الوقف، وذلك على قولين: القول الأول: أن النظر على الوقف إذا كان الموقوف عليه معيناً محصوراً يستحقه الموقوف عليه. وبهذا قال بعض الحنفية (٣)، وبه قال المالكية (٤)، وبعض الشافعية (٥)، وهو المذهب عند الحنابلة (٦). القول الثاني: أن النظر على الوقف إذا كان الموقوف عليه معيناً محصوراً يستحقه القاضي، وله أن يولي عليه من يشاء. وهذا هو القول المفتى به عند الحنفية (٧)، وهو المذهب عند

стр. 1387

الشافعية (١)، وبه قال بعض الحنابلة (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - أن الوقف ملك للموقوف عليه، ونفعه له، فكان نظره إليه، كملكه المطلق (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم بأن الوقف ملك للموقوف عليه، بل الراجح أنه ملك لله كما سبق تحريره (٤). ٢ - أنه مالك لنفعه وثمرته، فكان أولى بولايته. ٣ - أن ولاية الموقوف عليهم على الوقف تنفي ما يشكو منه المستحقون للوقف من استغلال النظار للغلة بعدم إيصال الحقوق إليهم وأكلها. ٤ - أن الموقوف عليهم أحرص من غيرهم على نماء الوقف وإدارته، والمحافظة عليه بترميمه وعمارته؛ لأنهم يشعرون أن الغلة لهم، وأن النماء سيعود بالربح الوفير لهم، فهم يحافظون عليه محافظة المالك المطلق على ملكه. ٥ - أن تولية الموقوف عليه على الوقف تمنع اقتطاع جزء من غلة الوقف لإعطائها كأجر للمتولي الأجنبي، وهو مال ليس بالقليل، فأحرى أن يستفيد منه المستحقون (٥).

стр. 1388

أدلة القول الثاني: (أن النظر للقاضي) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - حديث عائشة ﵂، وفيه قوله ﷺ : "والسلطان ولي من لا ولي له" (١). ويدخل في ذلك الولاية على الوقف إذا كان على محصورين، ولا ناظر له. ٢ - أن ملكية الوقف تنتقل إلى الله ، فالحاكم ينوب فيه ويصرفه إلى مصارفه؛ لأنه مال الله، فكان النظر فيه إلى حاكم المسلمين، كالوقف على المساكين (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بالفرق؛ إذ الوقف على المساكين وقف على جهة عامة، بخلاف مسألتنا فهو وقف على جهة خاصة. ٣ - أن النظر على الوقف يتعلق به حق الموجودين من الموقوف عليهم، وحق من يأتي من البطون، فلا يستقل به الموجود، بل يكون نظره إلى الحاكم (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بالتسليم، فحق الموقوف عليه من النظر ينقطع بموته، ولا يملك تأجيره مدة طويلة؛ احتياطاً لمن بعده من البطون كما تقدم تحريره (٤). ٤ - أن للقاضي النظر العام، فكان أولى بالنظر على الوقف (٥).

стр. 1389

ونوقش هذا الاستدلال: بأنه استدلال في محل النزاع. ٥ - أنه لا حق للموقوف عليه في التصرف في الوقف، إنما حقه في أخذ الغلة (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن النظر ليس تصرفاً في عين الوقف، وإنما هو استثمار لتلك العين، وما دام أن الغلة للموقوف عليه فلا مانع من أن يتولى تحصيل الغلة. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول القائل بأن النظر على الوقف إذا كان الموقوف عليه معيناً محصوراً يستحقه الموقوف عليه، وإن كانت ملكية العين الموقوفة تنتقل إلى الله فإن ثمرته ومنفعته تكون للموقوف عليه، فكان أولى به من الأجنبي الذي يرتبه القاضي، ولأنه إذا كانت الولاية له دعاه ذلك إلى المحافظة عليه، وتنميته، وتكثير نفعه؛ إذ سيعود عليه.

стр. 1390

المبحث الثالث: حق الحاكم في الولاية على الوقف باتفاق المذاهب الأربعة -الحنفية (١)، والمالكية (٢) (٣)، والحنابلة (٤) - على أحقية الحاكم في الولاية على الأوقاف، عند عدم وجود الناظر الخاص. لما روته عائشة ﵂ من قول الرسول ﷺ : "السلطان ولي من لا ولي له" (٥) (٦). وفيه مطالب:

стр. 1391

المطلب الأول: نظر القاضي مع وجود الناظر الخاص باتفاق المذاهب الأربعة -الحنفية (١)، والمالكية (٢) (٣)، والحنابلة (٤) - على أنه متى وجد للوقف ناظر خاص فليس للحاكم (الناظر العام) حق التصرف في الوقف، حتى لو كان الناظر الخاص معيناً من قبل الحاكم. لقاعدة: " الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة " (٥).

стр. 1392

المطلب الثاني: اعتراض القاضي على الناظر القاضي له أن يعترض على القاضي إذا فعل ما لا يسوغ له فعله من مخالفة لشرط الواقف، أو إضرار بالوقف، أو غير ذلك. قال المناوي: "له -يعني القاضي- الاعتراض على نظارها في اختيار ما لا يليق" (١). وقال البهوتي: " للحاكم النظر العام، فيعترض عليه أي على الناظر الخاص إن فعل الخاص ما لا يسوغ له فعله؛ لعموم ولايته " (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ليس للحاكم أن يولي ولا يتصرَّف في الوقف بدون أمر الناظر الشرعي الخاص، إلا أن يكون الناظر الشرعي قد تعدى فيما يفعله، فللحاكم أن يعترض عليه إذا خرج عما يجب عليه " (٣). ومعنى اعتراض القاضي أن يمنعه من التصرف، ويلغي أثر تصرفه، أو يضمن الناظر ما فوَّته، ولابن تيمية رأي في تصرف الناظر بخلاف ما يسوغ يقول فيه: "لو قُدِّرَ أن ناظر الوقف، ووصى القيم والمضارب والشريك، خانوا ثم تصرَّفوا مع ذلك، فلا بد من تصحيح تصرفهم في حق المشتري منهم، وحق رب المال، وإلا فلو أبطل ذلك فسد عامة أموال الناس التي

стр. 1393

يتصرف فيها بحكم الولاية أو الوكالة؛ لغلبة الخيانة على الأولياء والوكلاء، لاسيما ويدخل في ذلك من تصرفات ولاة الأمور ما لا يمكن إبطاله -والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها- فلا يجوز لأحد رعاية حق مجهول في عين حصل عنها بدل خير له منها: أن يحرم عليه وعلى المشترين أموالهم فإن هذا بمنزلة من يهدم مصراً ويبني قصراً " (١). وفيما ذكره إعمال لمبدأ المصلحة فيما يصححه القاضي من التصرف الواقع من الناظر بين إبطال التصرف وإلغاء أثره، أو تضمين الناظر، متحرياً في ذلك ما يكون الصلاح فيه حاصلاً بليغاً، والمفسدة به معطلة أو قليلة. قال الطرابلسي: "لو أجر الوقف بما لا يتغابن فيه لا تجوز الإجارة، وينبغي للقاضي إذا رفع إليه ذلك أن يبطلها، ثم إن كان المؤجر مأموناً، وكان ما فعله على سبيل السهو والغفلة فسخ الإجارة وأقرها في يده، وإن كان غير مأمون أخرجها من يده ودفعها إلى من يوثق به، وهكذا الحكم لو أجرها سنين كثيرة يخاف على الوقف تبطل الإجارة، ويخرجها من يد المستأجر، ويجعلها في يد من يثق به " (٢). وجاء في اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية: " ولا نظر لغير الناظر الخاص معه، وللحاكم النظر العام، فيعترض عليه إن فعل ما لا يشرع، وله ضم أمين إليه مع تفريطه أو تهمته ليحصل المقصود " (٣).

стр. 1394

المطلب الثالث: التقرير في الوظائف فقد اختلف الفقهاء فيمن يتولاه على قولين: القول الأول: أن التقرير في الوظائف للناظر ما لم تكن تلك الوظائف من الأمور العامة في الإسلام. لكن متى امتنع الناظر من نصب من يقوم بمصلحة الوقف نصب القاضي من يقوم بصلحته. وبه قال الشافعية (١)، والحنابلة (٢). وقال في كشاف القناع: "ومتى امتنع عن نصب من يجب نصبه، نصبه الحاكم، كما في عضل الولي في النكاح". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ليس للحاكم أن يولي، ولا يتصرف في الوقف بدون أمر الناظر الشرعي الخاص، إلا أن يكون الناظر الشرعي قد تعدى فيما يفعله" (٣). وقال في كشاف القناع: "يقرر حاكم في وظيفة خلت لما فيه من القيام بلفظ الواقف في المباشرة ودوام نفعه".

стр. 1395

القول الثاني: أن التقرير في الوظائف للحاكم ما لم يشترط الواقف ذلك للناظر الخاص. وبه قال الحنفية (١). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: ١ - أن: "الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة"، فيتولى الناظر الخاص كل ما يتعلق بالوقف (٢)، ما لم يكن لها تعلق بالأمور العامة للمسلمين (٣)؛ لأنه أعلم بمن يصلح ومن لا يصلح، وهو المفوض إليه من جهة الشرع. ٢ - أن التقرير في الوظائف وظيفة الواقف، والناظر يستفيد كل ما كان للواقف (٤). ٣ - ولأنه حق ثابت للواقف فيلزم ثبوته لنائبه عند الإطلاق. ٤ - أنه ليس للحاكم مع الناظر الخاص ولاية على ذلك، كما ليس له ولاية وكيل المتصدق (٥). دليل أصحاب القول الثاني: أن تقرير الوظائف تصرف في الموقوف عليهم بغير شرط الواقف، وذلك لا يجوز بخلاف ما إذا شرطه الواقف (٦).

стр. 1396

ونوقش هذا الاستدلال: بأن الناظر نائب عن الواقف في وقفه، فيكتسب بسبب تلك الولاية كل ما كان للواقف، ولو لم يشترطه الواقف (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لقوة ما استدلوا.

стр. 1397

المبحث الرابع: التوكيل في ولاية الوقف التوكيل في ولاية الوقف هو: إنابة ناظر الوقف من يقوم مقامه في التصرفات التي يملكها (١). وقد حكي الإجماع على أن للناظر أن ينيب في بعض التصرفات التي يملكها. (٢). والدليل على هذا: ١ - عموم الأدلة الدالة على جواز التوكيل، كقول الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣)، وتوكيل النبي ﷺ أبا هريرة ﵁ في حفظ زكاة رمضان، فقد روى البخاري من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: " وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان … " (٤). (٢٩٤) ٢ - ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد: حدَّثَنَا محمد بن سليمان لُوَيْن، حدثنا محمد بن جابر، عن سِمَاك، عن حَنَش، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي ﷺ دعا النبي ﷺ أبا بكر ﵁ فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال لي: " أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه، فاذهب به إلى أهل مكة، فاقرأه عليهم "،

стр. 1398

فلحقته بالجحفة، فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله نزل في شيء؟ قال: " لا، ولكن جبريل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك " (١). (٢٩٥) ٣ - ما رواه الترمذي قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عفان بن مسلم وعبد الصمد بن عبد الوارث قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن سِمَاك بن حرب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: بعث النبي ﷺ ببراءة مع أبي بكر ﵁، ثم دعاه فقال: "لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي"، فدعا علياً فأعطاه إياه (٢).

стр. 1399

قال السيوطي: " هذه استنابة من النبي ﷺ في تبليغ ما أمر بتبليغه، ثم لما أمر أن يستنيب رجلاً من قبيلة مخصوصة رجع إليه، فيستدل بفعله أولاً على جواز الاستنابة مطلقاً إذا سكت الواقف عن شرط، ويستدل بفعله ثانياً على أنه إذا خصص الواقف تخصيصاً يتبع شرطه " (١). ٤ - الإجماع، حيث انعقد على جواز الوكالة (٢).

стр. 1400

المبحث الخامس: تنازل الناظر عن ولاية الوقف لغيره لا يخلو من أحوال: الحال الأولى: إذا كانت الولاية استفادها الناظر بلا شرط ولا تعيين فله أن يتنازل عنها باتفاق المذاهب الأربعة (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الحاكم -على أي مذهب كان- إذا كانت ولايته تتناول النظر في هذا الوقف كان تفويضه سائغاً " (٢). الحال الثانية: أن يكون هذا التنازل بإذن الناظر أو القاضي فجائز باتفاق (٣). الحال الثالثة: ما عدا ذلك، ففي صحته خلاف بين الفقهاء، وذلك على قولين: القول الأول: أنه لا يصح تنازل من له الولاية على الوقف لغيره إذا لم يشترط له ذلك.

стр. 1401

وهذا هو مقتضى إطلاق المالكية (١)، والشافعية (٢)، وبه قال الحنابلة (٣). القول الثاني: أن تنازل من له الولاية لغيره إذا لم يشترط له لا يصح ما لم يكن في مرض موته فيصح. وبه قال الحنفية (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - أن الناظر المشروط إنما ينظر بالشرط، فلا يتعدى ما شرط له، فلا يصح تنازله؛ لأنه لم يشرط له حق الإيصاء (٥). ٢ - أنه إدخال في الوقف لغير أهله، فلم يملكه (٦). دليل أصحاب القول الثاني: (أن تفويض من له الولاية الفرعية لا يصح إلا بالشرط، أو مرض الموت) ١ - ما تقدم من الأدلة على العمل بشرط الواقف (٧). ٢ - القياس، حيث قاسوا المتولي المفوض في مرض الموت على الوصي، فقالوا: بما أن للوصي أن يوصي إلى غيره، فكذلك للمتولي إذا كان في مرض موته أن يفوض إلى غيره (٨).

стр. 1402

ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، فلا يصح، ولذلك قال بعض الفقهاء: " إن كلامنا الآن في تفويض المتولي بمعنى فراغه عن النظر ونزوله عنه لآخر لا في إيصاء بالنظر حتى يصح القياس على الوصي، وذلك أن الإيصاء جعل الغير وصياً بعد الموت، والتفويض جعل الغير متولياً في الحال فافترقا " (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول وذلك لقوة ما استدلوا به.

стр. 1403

المبحث السادس: تعدد النظار وفيه مطالب: المطلب الأول: اتحاد الوقف المنظور فيه بالاتفاق (١) يجوز تعدد ناظري الوقف مع اتحاد المنظور فيه، وذلك بأن يسند شخص النظر على وقفه إلى شخصين أو أكثر قياساً على الوكالة والوصية (٢). ولا يخلو من حالتين: الحال الأولى: أن يسند الواقف النظر على وقفه إلى شخصين، ويصرح بأن لكل واحد منهما حق الانفراد بالتصرف. فلكل واحد منهما الانفراد بالتصرف بغير خلاف بين أهل العلم (٣).

стр. 1404

الحال الثانية: أن يسند الواقف النظر على وقفه إلى شخصين، ويصرح باجتماعهما على التصرف. فليس لواحد منهما الانفراد بالتصرف بغير خلاف بين أهل العلم (١). الحال الثالثة: أن يسند الواقف النظر على وقفه إلى شخصين ويطلق: وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكم انفراد أحدهما بالتصرف فيها من بيع غلاتها وعمارتها ونحو ذلك على قولين: اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أن أحد النظار لا يملك الانفراد بالتصرف مستقلاً عن الآخرين إلا إذا كان النظر قد شرط لكل منهم. وبه قال الإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن (٢)، وهو الظاهر من قول المالكية حيث قالوا بعدم جواز انفراد أحد الوكلاء بالتصرف إذا تعددوا إلا إذا كان الموكل قد شرط له ذلك كما سبق (٣). وبه قال الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٦).

стр. 1405

القول الثاني: أن أحد النظار يملك الانفراد بالتصرف مطلقا. وبه قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (١). الأدلة: دليل القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: أن الواقف بإسناده النظر إلى اثنين أو أكثر لم يرض بانفراد أحدهم بالتصرف، وإلا لما أسنده إليهم جميعاً، فلا يصح (٢). دليل القول الثاني: (أنه يملك الانفراد) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: القياس على الوصي، فكما أنه يصح لأحد الوصيين الانفراد بالتصرف، فكذلك يصح لأحد النظار الانفراد بالتصرف (٣). ونوقش هذا الدليل من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم بأنه يصح لأحد الوصيين الانفراد بالتصرف مطلقاً، بل لا يصح إلا إذا جعل الموصي ذلك (٤). الوجه الثاني: على تقدير التسليم بذلك فهو قياس مع الفارق؛ لأن هناك فرقاً بين الوصية والوقف، قال البهوتي: " قال أحمد: الوقف غير الوصية؛ لأنه لا يباع ولا يورث ولا يصير ملكاً للورثة " (٥).
следующие страницы →