← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وهذا هو مقتضى إطلاق المالكية (١)، والشافعية (٢)، وبه قال الحنابلة (٣). القول الثاني: أن تنازل من له الولاية لغيره إذا لم يشترط له لا يصح ما لم يكن في مرض موته فيصح. وبه قال الحنفية (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - أن الناظر المشروط إنما ينظر بالشرط، فلا يتعدى ما شرط له، فلا يصح تنازله؛ لأنه لم يشرط له حق الإيصاء (٥). ٢ - أنه إدخال في الوقف لغير أهله، فلم يملكه (٦). دليل أصحاب القول الثاني: (أن تفويض من له الولاية الفرعية لا يصح إلا بالشرط، أو مرض الموت) ١ - ما تقدم من الأدلة على العمل بشرط الواقف (٧). ٢ - القياس، حيث قاسوا المتولي المفوض في مرض الموت على الوصي، فقالوا: بما أن للوصي أن يوصي إلى غيره، فكذلك للمتولي إذا كان في مرض موته أن يفوض إلى غيره (٨).

стр. 1402

ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، فلا يصح، ولذلك قال بعض الفقهاء: " إن كلامنا الآن في تفويض المتولي بمعنى فراغه عن النظر ونزوله عنه لآخر لا في إيصاء بالنظر حتى يصح القياس على الوصي، وذلك أن الإيصاء جعل الغير وصياً بعد الموت، والتفويض جعل الغير متولياً في الحال فافترقا " (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول وذلك لقوة ما استدلوا به.

стр. 1403

المبحث السادس: تعدد النظار وفيه مطالب: المطلب الأول: اتحاد الوقف المنظور فيه بالاتفاق (١) يجوز تعدد ناظري الوقف مع اتحاد المنظور فيه، وذلك بأن يسند شخص النظر على وقفه إلى شخصين أو أكثر قياساً على الوكالة والوصية (٢). ولا يخلو من حالتين: الحال الأولى: أن يسند الواقف النظر على وقفه إلى شخصين، ويصرح بأن لكل واحد منهما حق الانفراد بالتصرف. فلكل واحد منهما الانفراد بالتصرف بغير خلاف بين أهل العلم (٣).

стр. 1404

الحال الثانية: أن يسند الواقف النظر على وقفه إلى شخصين، ويصرح باجتماعهما على التصرف. فليس لواحد منهما الانفراد بالتصرف بغير خلاف بين أهل العلم (١). الحال الثالثة: أن يسند الواقف النظر على وقفه إلى شخصين ويطلق: وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكم انفراد أحدهما بالتصرف فيها من بيع غلاتها وعمارتها ونحو ذلك على قولين: اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أن أحد النظار لا يملك الانفراد بالتصرف مستقلاً عن الآخرين إلا إذا كان النظر قد شرط لكل منهم. وبه قال الإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن (٢)، وهو الظاهر من قول المالكية حيث قالوا بعدم جواز انفراد أحد الوكلاء بالتصرف إذا تعددوا إلا إذا كان الموكل قد شرط له ذلك كما سبق (٣). وبه قال الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٦).

стр. 1405

القول الثاني: أن أحد النظار يملك الانفراد بالتصرف مطلقا. وبه قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة (١). الأدلة: دليل القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: أن الواقف بإسناده النظر إلى اثنين أو أكثر لم يرض بانفراد أحدهم بالتصرف، وإلا لما أسنده إليهم جميعاً، فلا يصح (٢). دليل القول الثاني: (أنه يملك الانفراد) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: القياس على الوصي، فكما أنه يصح لأحد الوصيين الانفراد بالتصرف، فكذلك يصح لأحد النظار الانفراد بالتصرف (٣). ونوقش هذا الدليل من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم بأنه يصح لأحد الوصيين الانفراد بالتصرف مطلقاً، بل لا يصح إلا إذا جعل الموصي ذلك (٤). الوجه الثاني: على تقدير التسليم بذلك فهو قياس مع الفارق؛ لأن هناك فرقاً بين الوصية والوقف، قال البهوتي: " قال أحمد: الوقف غير الوصية؛ لأنه لا يباع ولا يورث ولا يصير ملكاً للورثة " (٥).

стр. 1406

الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن تعديد النظار من قبل الواقف أو القاضي مقصود لمصلحة الوقف، فيجب مراعاته لتحقيق هذه المصلحة. المطلب الثاني: تعدد ناظري الوقف مع اختلاف المنظور فيه بالاتفاق (١) على جواز تعدد ناظري الوقف مع اختلاف المنظور فيه، وذلك بأن يجعل شخص النظر على وقفه إلى شخصين ويخص كل واحد منهما بشيء معين، كأن يوقف أرضاً ويجعل ولايتها إلى شخص، ويوقف أرضاً أخرى ويجعل ولايتها إلى شخص آخر. فولاية كل واحد منهما مقصورة على ما جعل إليه، وليس له التصرف فيما جعل إلى الآخر، قياساً على الوصية.

стр. 1407

المطلب الثالث: إذا مات أحد الناظرين، أو وجد منه ما يوجب عزله إذا مات أحد الناظرين أو وجد منه ما يوجب عزله -كالفسق والجنون-، فإن كان الواقف لم يشرط النظر لكل منهما، فإن الحاكم يقيم مقام الميت أو المتغير أميناً، وليس للآخر أن ينفرد بالتصرف؛ "لأن الواقف لم يرض بواحد". جاء في كشاف القناع: " (ولو أسند) الواقف (النظر إلى اثنين) من الموقوف عليهم أو غيرهم (فأكثر أو جعله) أي: النظر (الحاكم أو الناظر) الأصلي (إليهما) أي: إلى اثنين فأكثر (لم يصح تصرف أحدهما مستقلا) عن الآخر (بما شرط)؛ لأن الواقف لم يرض بواحد، وإن لم يوجد واحد، وأبى أحدهما أو مات أقام الحاكم مقامه آخر " (١). أما إن كان الواقف قد شرط النظر لكل منهما، ففي هذه الحالة للآخر أن ينفرد بالتصرف، وليس للحاكم أن يقيم مقام الميت أو المتغير أميناً، وهذا بالاتفاق (٢)؛ " لأن البدل مستغنى عنه، واللفظ لا يدل عليه " (٣). قال المرداوي: " وأما إذا شرطه لكل واحد من اثنين استقل كل منهما

стр. 1408

بالتصرف لاستقلال كل منهما بالنظر، وقال في المغني: إذا كان الموقوف عليه ناظرا إما بالشرط وإما لانتفاء ناظر مشروط وكان واحدا استقل به، وإن كانوا جماعة فالنظر للجميع كل إنسان في حصته. انتهى. قال الحارثي: والأظهر أن الواحد منهم في حالة الشرط لا يستقل بحصته؛ لأن النظر مسند إلى الجميع فوجب الشركة في مطلق النظر فما من نظر إلا وهو مشترك " (١). وإذا تغيرت حال الناظر تغيراً لا يزيله عن النظر كالعجز عنه لضعف، أو علة، أو كثرة عمل فالحكم في هذه الحالة كالحكم فيما سبق، والله أعلم.

стр. 1409

الفصل الثالث: محاسبة الوالي على الوقف، وعزله وفيه مبحثان: المبحث الأول: محاسبة الناظر. المبحث الثاني: عزل الوالي على الوقف.

стр. 1410

المبحث الأول: محاسبة الناظر وفيه مطالب: المطلب الأول: تعريف المحاسبة، وبيان مشروعيتها تعريف المحاسبة: المحاسبة: من الحسب: وهو العد والإحصاء، والحسب والمحاسبة عدك الشيء. والحسب يطلق على قدر الشيء، يقال: الأجر بحسب ما عملت وحسبه: أي قدره. ويطلق على الاكتفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ (١)، أي: يكفيك الله، ويكفي من اتبعك. وإنما سمي الحساب في المعاملات حساباً؛ لأنه يعلم به ما فيه كفاية ليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان (٢).

стр. 1411

وأما في الاصطلاح فتختلف باختلاف الأبواب: فالحساب في اصطلاح الفرضيين مثلاً: تأصيل المسائل، وحسابها. وفي الاصطلاح: قواعد يتوصل بها إلى استخراج المجهولات العددية (١). والمحاسبة هنا: متابعة العامل، ومناقشته، ومساءلته عما أسند إليه. جاء في المعجم الوسيط: "حاسبه محاسبة وحساباً: ناقشه الحساب وجازاه" (٢). مشروعية محاسبة ناظر الوقف: ناظر الوقف أمين على ما تحت يده من الأوقاف وغلاتها، لا يضمن ما تلف بلا تفريط (٣)، والأصل صدقه فيما يقول، لكن ذلك لا يمنع محاسبته ومتابعته، فإن أئمة سلف الأمة لم يطلقوا الأمر للأمناء، بل تابعوهم وحاسبوهم، فأمير المؤمنين عمر ﵁ كان يحاسب عماله ويراقبهم. قال أبو حامد الغزالي: "لقد كان عمر يراقب الولاة بعين كالئة ساهرة" (٤). مشروعية محاسبة نظار الأوقاف في الجملة: قال ابن نجيم نقلاً عن القنية: " ينبغي للقاضي أن يحاسب أمناءه فيما في أيديهم من أموال اليتامى ليعرف الخائن فيستبدله، وكذا القوام على الأوقاف" (٥).

стр. 1412

وقال ابن رشد في ناظر وقف على نساء: " لو كن غير مالكات لأمور أنفسهن لوجب إذا ثبت عند السلطان أنه سيئ النظر غير مأمون، يعزله، ويقدم سواه، ولم يلتفت إلى رضا من رضي به منهن " (١). وقال ابن مفلح: " ولهم انتساخ كتاب الوقف والسؤال عن حاله " (٢). المطلب الثاني: الأصل في مشروعية محاسبة ناظر الوقف الأصل في مشروعية محاسبة ناظر الوقف: (٢٩٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام، عن أبيه، عن أبي حميد الساعدي أن النبي ﷺ استعمل ابن اللتبية (٣) على صدقات بني سليم، فلما جاء إلى الرسول ﷺ وحاسبه قال: هذا لكم وهذه هدية أهديت لي، فقال رسول الله ﷺ : " فهلا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً "، ثم قام رسول الله ﷺ فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد: فإني أستعمل رجالاً منكم على أمور مما ولاني الله، فيأتي أحدكم، فيقول: هذا لكم وهذه هدية أهديت لي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً، فوالله لا يأخذ

стр. 1413

أحدكم منها شيئاً بغير حقه إلا جاء الله يحمله يوم القيامة، ألا فلأعرفن ما جاء الله رجل ببعير له رغاء (١)، أو بقرة لها خوار (٢)، أو شاة تيعر " (٣) -ثم رفع يديه حتى رأيت بياض أبطيه- " ألا هل بلغت " (٤). قال النووي: " فيه محاسبة العمال؛ ليعلم ما قبضوه وما صرفوا " (٥). وقال ابن حجر: " في الحديث مشروعية محاسبة المؤتمن " (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " هذا أصل في محاسبة العمال المتفرقين" (٧). وقال بعض أهل العلم: " يحتمل أن يكون العامل المذكور صرف شيئاً من الزكاة في مصارفه فحوسب على الحاصل والمصرف " (٨). وحاصل ما تقدم أن محاسبة الأمناء والعمال أمر مقرر شرعاً، ولا شك أن الناظر من جملة الأمناء، فينبغي محاسبته مطلقاً (٩). وقد أشار ابن حجر إلى أن محاسبة الأمناء إنما تكون عند التهمة، حيث

стр. 1414

قال في هذا الحديث: " الذي يظهر من مجموع الطرق أن سبب مطالبته بالمحاسبة ما وجد معه من جنس مال الصدقة وادعى أنه أهدي إليه " (١). المطلب الثالث: الفائدة من مشروعية محاسبة ناظر الوقف فائدة محاسبة النظار ظاهرة وهي المحافظ على عين الوقف، والاطمئنان على وصول ريعها ومنفعتها إلى المستحق، وقطع دابر ظلم الولاة عليها، فبالمحاسبة يتمكن القاضي من معرفة الخائن من الأمين، فيستبدل الخائن بغيره، وهذا بلا شك يقطع الطريق على من تسول له نفسه اللعب بأوقاف المسلمين، بل قد يدفع حتى الناظر الأمين إلى مضاعفة الجهد، وتحري العدل، والبعد عن مواطن الظلم. ولم تشرع المحاسبة ليأخذ القضاة وأتباعهم من نظار الأوقاف شيئاً بحجة المحاسبة على الأوقاف، ولذلك قال ابن نجيم: " إن مشروعية المحاسبات للنظار إنما هي ليعرف القاضي الخائن من الأمين، لا لأخذ شيء من النظار للقاضي وأتباعه، والواقع -بالقاهرة في زماننا- الثاني، وقد شاهدنا فيها من الفساد للأوقاف كثيراً بحيث يقدم كلفة المحاسبة على العمارة والمستحقين، وكل ذلك من علامات الساعة المصدقة،

стр. 1415

(٢٩٧) روى البخاري من طريق عطاء بن يسار، عن أبى هريرة ﵁، وفيه قول النبي ﷺ : " إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة " (١) (٢). ولحيدة بعض القضاة عن القصد الشرعي للمحاسبة وتسلطهم على بعض الولاة، فقد أحدث ذلك رد فعل عند بعض الفقهاء، فأعطى النظار الحق بالامتناع عن التفصيل، من ذلك قول الحصكفي: " إن الشريك والمضارب والوصي والمتولي لا يلزم بالتفصيل، وأن غرض قضاتنا ليس إلا الوصول لسحت المحصول " (٣). وهذا الموقف من بعض العلماء إن سد الباب على ضعاف النفوس من القضاة، فقد أعطى ضعاف النفوس من النظار دافعا قوياً على ظلم المستحقين بمنعهم ما يستحقونه من منافع وقفهم، كما أن فيه طمأنة للنظار الذين قضوا على الأوقاف بسبب عدم مبالاتهم بها وإهمالهم لها. فالمقصود من ذلك أن محاسبة نظار الأوقاف هي الطريق السليم للمحافظة على أعيان الأوقاف وصيانتها من الدمار، كما أنها الوسيلة الناجحة لحماية حقوق المستحقين لمنافع الأوقاف من ظلم نظارها، والله الموفق.

стр. 1416

المطلب الرابع: كيفية المحاسبة، والجهات المسؤولة عنه وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أقوال الفقهاء في كيفية محاسبة ناظر الوقف: باتفاق الفقهاء في الجملة مشروعية محاسبة ناظر الوقف، لكن اختلفت وجهات نظر الفقهاء في كيفية المحاسبة (١)، ولذلك اختلفت نصوصهم في ذلك: قال الحصكفي: "لا تلزم المحاسبة في كل عام، ويكتفي القاضي منه بالإجمال لو معروفاً بالأمانة، ولو متهماً يجبره على التعيين شيئاً فشيئاً، ولا يحبسه بل يهدده ولو اتهمه يحلفه. قلت: وقدمنا في الشركة أن الشريك والمضارب والوصي والمتولى لا يُلزم بالتفصيل: وأن غرض قضاتنا ليس إلا الوصول لسحت المحصول" (٢). أما قبول قوله فيما قدمه وفصله، فقالوا: يقبل قوله بلا بينة، أما توجه اليمين عليه فإن كان أميناً قبل قوله بلا يمين إن وافق الظاهر، وإلا لم يقبل إلا باليمين، ورأى كثير منهم تحليفه (٣).

стр. 1417

قال ابن عابدين: " لو أتهمه يحلفه -أي وإن كان أميناً- كالمودع يدعي هلاك الوديعة أو ردها، قيل: إنما يستحلف إذا ادعى عليه شيئاً معلوماً، وقيل: يحلف على كل حال " (١). ثم إن قبول قول الناظر محمول عند كثير من الحنفية على دعواه الصرف على غير أرباب الوظائف المشروط لهم العمل؛ إذ هي كالأجرة (٢). وأما المالكية (٣): قال الصاوي: " إذا ادعى الناظر أنه صرف الغلة صدق إن كان أميناً، ما لم يكن عليه شهود في أصل الوقف فلا يصرف إلا باطلاعهم، ولا يقبل بدونهم، وإذا ادعى أنه صرف على الوقف مالاً من عنده صدق من غير يمين إن لم يكن متهماً، وإلا فيحلف " (٤). وأشار بعضهم إلى أن قبول قول الناظر إنما يكون إذا كان الظاهر يوافق قوله، فإن خالفه لم يقبل قوله (٥). وأما الشافعية: مطالبة الناظر بالحساب فإن كان الموقوف عليهم معينين ثبتت لهم المطالبة بالحساب، وإن كانوا غير معينين ففي مطالبته بالحساب خلاف عندهم على قولين، أوجههما أنه يطالب بالحساب (٦). قال المناوي: "يصدق الناظر بيمينه في إنفاق محتمل فيما يرجع للعمارة وأجرة الصناع ونحوهما، وفي الصرف لجهة عامة كالفقراء بلا يمين فإن اتهمه

стр. 1418

القاضي حلَّفه " إلى أن قال: " وهل للإمام محاسبته إذا كان لجهة عامة وجهان "، قال الأذرعي: أقربهما نعم، وعليه عمل الحكام، ويحتمل تقييده بظهور ريبة أو تهمة " (١). وأما الحنابلة: قال الحجاوي: "ولا اعتراض لأهل الوقف على من ولاه الواقف أمر الوقف إذا كان أميناً، ولهم مساءلته عما يحتاجون إلى علمه من أمور وقفهم حتى يستوى علمهم فيه وعلمه، ولهم مطالبته بانتساخ كتاب الوقف؛ لتكون نسخة في أيديهم وثيقة " (٢). فإن ادعى عليه ودفع صرف ريع الوقف في جهات معينة، فقد اختلف أهل العلم هل تلزمه بينة أو لا؟ على أقوال: القول الأول: أن الأمين يقبل قوله بيمينه، وغير الأمين لا يقبل قوله إلا ببينة. وهو قول الحنفية (٣). القول الثاني: أن الوقف إذا كان على معينين فلا يقبل إلا ببينة، وإذا كان على جهة عامة فيصدق بيمينه. وهو قول الشافعية (٤). القول الثالث: أنه إذا اشترط عليه الإشهاد فلا يقبل قوله إلا ببينة، وإن لم يشترط عليه الإشهاد عند الصرف فيقبل قوله بيمينه.

стр. 1419

وهو قول المالكية (١). القول الرابع: أن الناظر المتبرع يقبل قوله بيمينه، وغير المتبرع لا يقبل قوله إلا ببينة. وهو قول الحنابلة (٢). ولذا أفتى بعض المتأخرين بعدم قبول قول الناظر إذا كان مستنداً لدفاتره فقط ما لم يكن له بينة عليه، قال في كشاف القناع: "لا يعمل بالدفتر الممضى منه المعروف في زمننا بالمحاسبات في منع مستحق ونحوه إذا كان بمجرد إملاء الناظر والكاتب على ما اعتبر في هذه الأزمنة، وقد أفتى به غير واحد في عصرنا " (٣). ولذا فإن الناظر لا يقبل قوله في الصرف على شؤون الوقف، أو المستحقين إلا ببينة أو سند إلا اليسير الذي تجري العادة بالمسامحة فيه، أو ما يصعب أخذ السند فيه (٤). والله تعالى أمر بالإشهاد عند دفع المال للأيتام فقال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٥)، فمن ترك الإشهاد فقد فرط ولا شك أن المفرط يلزمه الضمان (٦)، وهذا في الولي والناظر أولى. والخلاصة: أن الناظر أمين -كما سيأتي- يقبل قوله فيما يتعلق بالوقف، إلا مع التهمة أو خالف الظاهر، -والله أعلم-.

стр. 1420

فرع: كيفية إجراء المحاسبة في حاشية الرهوني: " بأن يجلس الناظر والقابض والشهود وتنسخ الحوالة كلها من أول رجوع الناظر إلى آخر المحاسبة، وتقابل وتحقق، ويرفع كل مشاهرة، أو مسانهة أو كراء أو صيف أو خريف، وجميع مستفادات الحبس حتى يصير ذلك كله نقطة واحدة، ثم يقسم على المواضع لكل حقه، ويعتبر كل المرتبات وما قبض ومن تخلص ومن لا، وينظر في المصير، ولا يقبل في ذلك إلا جميع شهود الأحباس، وكذلك جميع الإجارات، ويطلب كل واحد بخطته " (١). وقد سلك متأخرو الحنابلة في محاسبة الناظر مسلكاً جيداً ودقيقاً حيث أعطوا ولي الأمر الحق في إنشاء ديوان خاص لمحاسبة نظار الأوقاف، يقدم النظار إليه بياناً تفصيلياً لواردات الأوقاف وطريقة تصرفهم في تلك الواردات، ووجوه الإنفاق التي سلكوها، ومدى التزامهم بتنفيذ شروط الواقفين (٢). المسألة الثانية: الجهات التي يحق لها مساءلة الناظر. باستقراء كلام الفقهاء يظهر أن الجهات التي يحق لها مساءلة الناظر ثلاث جهات: الأولى: السلطان. فالسلطان تثبت له الولاية العامة على مصالح المسلمين، وينوب عنه القاضي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لولي الأمر أن ينصب ديواناً مستوفياً

стр. 1421

لحساب الأموال السلطانية، كالفيء وغيره، وله أن يفرض له على عمله ما يستحقه مثله من كل مال يعمل فيه بقدر ذلك المال، واستيفاء الحساب، وضبط مقبوض المال، ومصروفه من العمل الذي له أصل؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ (١)، وفي الصحيح: أن النبي ﷺ استعمل رجلاً على الصدقة فلما رجع حاسبه " (٢)، ولحديث عائشة ﵂ السابق: "السلطان ولي من ولي له" (٣). وهذا أصل في محاسبة العمال المتفرقين، والمستوفي الجامع نائب الإمام في محاسبتهم، ولا بد عند كثرة الأموال ومحاسبتهم من ديوان جامع … ، وإذا قام المستوفي بما عليه من العمل استحق ما فرض له، والجعل الذي ساغ له فرضه، وإذا عمل هذا ولم يعط جعله فله أن يطلب على العمل الخاص، فإن ما وجب بطريق المعاملة يجب " (٤). وفى حاشية ابن عابدين: " قال في الخيرية: وهو صريح في أن نائب القاضي لا يملك إبطال الوقف، وإنما ذلك خاص بالأصل الذي ذكره له السلطان في منشوره نصب الولاة والأوصياء، وفوّض له أمور الأوقاف " (٥). ولما عدّد الفقهاء ما يستفيده القاضي إذا ثبتت ولايته ذكروا منها: النظر في الوقوف في عمله، وعللوه: بأن العادة من القضاة توليها، فعند إطلاق تولية القضاء تنصرف إلى ولاية ما جرت العادة بولايته لها. وفي مجموع الفتاوى: " الجواب: نعم، لولي الأمر أن ينصب ديوانا

стр. 1422

مستوفيا لحساب الأموال الموقوفة عند المصلحة، كما له أن ينصب الدواوين مستوفيا لحساب الأموال السلطانية: كالفيء وغيره. وله أن يفرض له على عمله ما يستحقه مثله: من كل مال يعمل فيه بقدر ذلك المال، واستيفاء الحساب، وضبط مقبوض المال، ومصروفه من العمل الذي له أصل " (١). وفي يومنا هذا يوجد بما يسمى بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، أو ما يسمى بهيئة الأوقاف تتولى النظر في جملة من الأوقاف. الثانية: الواقف: للواقف ولاية إشرافية على الناظر في جملة أمور، فهو الذي ينصب الناظر، وله عزله -عند بعض العلماء كما حررته في موضعه من هذا البحث- وله تحديد أجرته، وإنما يعمل الناظر بشرط الواقف. الثالثة: الموقوف عليهم: فإن للموقوف عليهم المستحقين من غلة الوقف مطالبة الناظر بالمحاسبة على المستخرج والمصروف، ولهم مساءلته عما يحتاجون إلى علمه من أمور وقفهم، ولهم مطالبته بانتساخ كتاب الوقف لتكون نسخته في أيديهم. هذه هي الجهات التي لها أن تسائل الناظر أو تراقبه، أو لها ولاية إشراف عليه (٢).

стр. 1423

المطلب الخامس: يد ناظر الوقف يد أمانة يد الناظر على مال الوقف يد أمانة؛ إذ قبض المال بإذن المالك، فلا يتحمل تبعة هلاك ما تحت يده ما لم يتعد أو يفرط في المحافظة عليه. ولا يلزم الناظر أن يقدم بياناً تفصيلياًً للقاضي، بل يكتفي بالإجمال، إلا عند الدعوى المستلزمة للمحاسبة أو إذا كان متهماً. وفي حاشية ابن عابدين: "وعلى هذا فإذا صارت الغلة في يد الناظر صارت أمانة عنده ملكا للمستحقين لهم مطالبته بها " (١). وجاء في الفتاوى الخيرية: " صرح علماؤنا قاطبة بأن يد الناظر على الوقف يد أمانة لا يد عدوان "، وفي نوازل الوزانى: " أنه لا خفاء أن الناظر هو من جملة الأمناء ". قال الشيخ عبد الله العبدوسي: "وبالجملة فهو أمين فلا ضمان عليه، والأصل براءة ذمته، فلا تعمر إلا بيقين من تعد أو تفريط، والروايات بذلك متضافرة متعاضدة متواترة في المدونة وغيرها من الدوابن المذهبية". وقال السعدي: "ومنها: إذا تلفت العين الموقوفة في يد الناظر على الوقف، فإنه لا يضمن هذا التلف إلا بالتعدي أو التفريط؛ لأنه من جملة الأمناء، والأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، والله أعلم" (٢).

стр. 1424

المبحث الثاني: عزل الوالي على الوقف وفيه مطالب: المطلب الأول: عزل الناظر نفسه قد يعزل ناظر الوقف نفسه عن النظارة؛ لعدم تفرغه، أو لعدم قدرته لكبر أو مرض، أو لغير ذلك، فهل يملك ذلك بنفسه، أو لا بد من إبلاغ القاضي به؟. اختلف الفقهاء في هذا على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الناظر لا ينعزل بعزله نفسه حتى يبلغ القاضي بذلك. وبه قال الحنفية (١). القول الثاني: أن للناظر الحق في عزل نفسه عن نظارة الوقف، وينعزل بذلك. وبه قال المالكية (٢)، وكثير من الشافعية (٣)، وهو ظاهر قول الحنابلة (٤)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 1425

جاء في الاختيارات: " ومن شرط النظر لرجل ثم لغيره إن مات فعزل نفسه أو فسق، فكموته " (١). القول الثالث: أن ناظر الوقف لا ينعزل بعزله نفسه إذا كان نظره بشرط الواقف. وقالوا: إنه رغم أنه لا ينعزل بعزله نفسه لكنه لا يجب عليه النظر، ولا يجبر عليه. وهذا هو مقتضى كلام ابن رشد من المالكية، حيث قال: " عزل الوصي نفسه عن النظر لليتيم الذي التزم النظر له، فليس ذلك له إلا من عذر" (٢). وبه قال بعض الشافعية (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: (لا ينعزل حتى يبلغ القاضي) ١ - قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤). وناظر الوقف محسن، فلا سبيل عليه إن أراد عزل نفسه؛ إذ إلزامه بالنظر مع عدم رغبته ضرر عليه. ٢ - أن كل من ملك شيئاً له أن يخرجه عن ملكه عيناً كان، أو منفعة، أو ديناً، والنظر حق من حقوق الناظر، فيتمكن من إسقاطه. ٣ - أن فيه ضرراً على الوقف؛ إذ إلزام الناظر بالنظر مع عدم رغبته قد يدفعه ذلك إلى التقصير في النظر وعدم القيام بالواجب. ٤ - أنه لما كان احتمال الضرر وارداً على الوقف وجب أن يطلع القاضي

стр. 1426

على الاستقالة ليتلافى الضرر؛ لعموم قول الرسول ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (١). أدلة القول الثاني: (له الحق في عزل نفسه) استدلوا على ما ذهبوا إليه: ١ - بالقياس، فقاسوا عزل ناظر الوقف نفسه على عزل الوصي نفسه، فإذا جاز للوصي أن يعزل نفسه عن الوصايا، فكذلك ناظر الوقف (٢). ٢ - أن كل من ملك شيئاً له أن يخرجه عن ملكه عيناً كان أو منفعة، أو ديناً. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يعارض القول الأول، بل هو مما يؤيده؛ وذلك أنهم قاسوا عزل ناظر الوقف نفسه على عزل الوصي نفسه، والوصي لا ينفذ عزل نفسه إذا كان في ذلك ضرر بيّن على الموصى عليه، فكذلك الوقف، ولذلك استثناه النووي من صحة عزل الوصي نفسه حالة غلبة ظنه تلف المال باستيلاء ظالم (٣). دليل القول الثالث: (لا يملك عزل نفسه إذا كان نظره بشرط الواقف) أن استحقاق الناظر النظر بالشرط كاستحقاق الموقوف عليه الغلة، والموقوف عليه لو أسقط حقه من الغلة لم يسقط، فكذلك إسقاط النظر (٤). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ إن استحقاق الناظر النظر بالشرط ليس كاستحقاق الموقوف عليه الغلة، ولذلك لو ظهر من الناظر بالشرط أنه استعمل هذا الحق للإضرار بالوقف شرع عزله، في حين لو

стр. 1427

استعمل الموقوف عليه حقه بالإضرار على الوقف لم يمنع حقه، ويمنع من الإضرار بالوقف (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لأن ذلك يمنع الضرر عن الناظر وعن الوقف، حيث إنه إذا أبلغ القاضي بذلك قطع الضرر الذي قد يلحق بالوقف؛ لأن القاضي هو الناظر العام للأوقاف. المطلب الثاني: عزل الواقف منصوبه من نظارة الوقف إذا نصب الواقف ناظرا على وقفه، ويرى بعد ذلك عدم صلاحيته لذلك لسبب من الأسباب، فهل يملك عزله؟ إذا اشترط الوقف أحقيته في عزل الناظر كان له عزله، القاعدة: " نص الواقف كنص الشارع "، وذلك فيما لا مخالفة فيه لحكم شرعي. وإلا اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه ليس للواقف عزل الناظر ولو كان متولياً من جهته ما لم يشرط لنفسه حق العزل. وبه قال محمد بن الحسن وغيره من الحنفية (٢)، وهو وجه عند

стр. 1428

الشافعية (١)، وأحد الوجهين عند الحنابلة (٢). القول الثاني: أن للواقف عزل الناظر المولى من قبله ما لم يشترط نظره حال الوقف. وبهذا قال أبو يوسف من الحنفية (٣)، وبه قال المالكية (٤)، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). لكن قيده الشافعية، والحنابلة: بألا يشترط الواقف النظر للناظر حال الوقف. الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - عموم أدلة وجوب الوفاء بشرط الواقف (٧). وجه الدلالة: دلت هذه الأدلة على أن الواقف إذا شرط لنفسه عزل الناظر ملك ذلك عملاً بشرطه الذي أقره الشارع. ٢ - أن الناظر قائم مقام أهل لا مقام الواقف، فلا سلطة للواقف عليه (٨). ٣ - أن ملكه قد زال، فلا تبقى ولايته عليه (٩).

стр. 1429

دليل أصحاب القول الثاني: (للواقف عزل الناظر المولى من قبله، إلا إذا شرط له النظر حال الوقف) قياس عزل الواقف الناظر المولى من قبله على عزل الموكل وكيله، فكما أن للموكل عزل وكيله بلا سبب، فكذا للواقف عزل الناظر؛ إذ كل منهما نائب (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ الناظر ليس وكيلاً عن الواقف، بل هو قائم مقام أهل الوقف. الترجيح: الراجح -والله أعلم- إن كان هناك مسوغ مَلكه وإلا فلا؛ إذ الأصل بقاء الولاية إلا لمسوغ شرعي. المطلب الثالث: عزل الحاكم ناظر الوقف المولَّى من قِبَل الواقف بالاتفاق أن الحاكم لا يعزل ناظر الوقف المولى من قبل الواقف إلا بجنحة ظاهرة، لكن بعض الحنابلة قالوا: إذا كان الناظر مولَّى من قِبَل الواقف وأمكن تلافي ضرره بضم أمين إليه مع إبقائه عُمِل به، وإلا عزل (٢). قال ابن قدامة: " إن كان النظر لغير الموقوف عليه، أو لبعض الموقوف عليه بتولية الواقف أو الحاكم لم يجز أن يكون إلا أميناً، فإن لم يكن أميناً وكانت توليته من الحاكم لم تصح وأُزيلت يده، وإن ولاّه الواقف وهو فاسق،

стр. 1430

أو ولاَّه وهو عدل وصار فاسقاً ضُمَّ إليه أمين يحفظ به الوقف ولم تُزل يده، ولأنه أمكن الجمع بين الحقين، ويحتمل أن لا يصح توليته، وأنه ينعزل إذا فسق في أثناء ولايته " (١). واستدلوا: بأن مرجع الوقف للمساكين، وغير المأمون لا يُؤمن عليه من تخريبٍ أو بيعٍ، فيمتنع وصوله إليهم (٢). وبأن مراعاة حفظ الوقف أهم من بقاء ولاية الفاسق عليه (٣). المطلب الرابع: عزل الحاكم ناظر الوقف المولَّى من قِبَله اختلف الفقهاء في ملكية الحاكم لعزل ناظر الوقف المولَّى من قِبَله، وذلك على قولين: القول الأول: أن القاضي لا يملك عزل الناظر إلا بجنحةٍ ولو كان مولَّى من قِبله. وبهذا قال بعض الحنفية (٤)، وبه قال المالكية (٥)، وهو مقتضى إطلاق الشافعية (٦).

стр. 1431

القول الثاني: أن للقاضي عزل ناظر الوقف المولَّى من قِبله مطلقاً. وبهذا قال كثير من الحنفية (١)، والحنابلة (٢). والأقرب -والله أعلم- إن كان هناك مسوغ مَلكه وإلا فلا؛ إذ الأصل بقاء الولاية إلا لمسوغ شرعي. المطلب الخامس: عزل الحاكم منصوب حاكمٍ آخر لا يملك الحاكم عزل الناظر إذا كان منصوب حاكم آخر بلا جنحة. قال ابن نجيم: "للقاضي عزل منصوب قاضٍ آخر بغير خيانة إذا رأى المصلحة " (٣). وقال المناوي: " لو جهل شرطه فولَّى حاكمٌ إنساناً يشرطه لم يجز لحاكم آخر نقضه بلا سبب فيما يظهر" (٤). وقال الرحيباني: " لو فوَّضه -أي النظر- حاكم لإنسان لم يجز لحاكمٍ آخر نقضه " (٥).

стр. 1432

المطلب السادس: عزل الناظر لظهور فسقه إذا جعل النظر لعدل، ثم ظهر منه فسق خلال نظارته، فهل يعزل وتزال يده عن الوقف أو لا؟ اختلف الفقهاء فيه على قولين: القول الأول: يعزل. بهذا قال الجمهور: وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول عند الحنابلة (١). القول الثاني: لا يعزل، وإنما يضم إليه أمين. وبهذا قال بعض الحنفية، وهو مذهب الحنابلة (٢). وحجته: ١ - أن الفاسق يعزل؛ نظراً لحق الفقراء (٣). ٢ - أنها ولاية على حق غير فنفاها الفسق، كما لو ولاه الحاكم، وكما لو لم يمكن حفظ الوقف منه. ٣ - أن ما منع التولية ابتداء منعها دواماً.

стр. 1433

٤ - أن مرجع الوقف للمساكين وهو غير مأمون على الوقف من بيع أو تخريب (١). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أنه سبق في شروط الولي أن المعتبر هي الأمانة، وهذا الوصف هو الذي دل له القرآن. الوجه الثاني: أن بعض هذه التعاليل تدل على أن المعتبر هو الإخلال بالأمانة. حجة القول الثاني: ١ - أن المقصود رفع ضرره عن الوقف، فإذا ارتفع بضم آخر إليه حصل المقصود. ٢ - أنه أمكن جمع الحقين بضم أمين إليه، فلا يعزل (٢). ونوقش هذا الاستدلال: أنه في حالة ضم أمين آخر قد لا يقدر هذا الأمين على منع الخيانة، فلا يتحقق المقصود. الترجيح: يترجح -والله أعلم- أن يقال: إن كان فسقه يخل بأمانته فيعزل، وإلا فلا. فروع: الفرع الأول: حكى ابن عابدين عن بعض الحنفية أن من كان ناظرًا على أوقاف متعددة فظهرت خيانته في بعضها عزل عن الكل؛ لأن الفسق لا يتجزئ (٣).

стр. 1434

الفرع الثاني: إذا عاد المعزول إلى الأهلية بأن تاب من الفسق عاد حقه إلى النظارة، وقال المجد: " لا يعود " (١).

стр. 1435

الباب السابع: إثبات الوقف

стр. 1436

الباب السابع: إثبات الوقف لقد اعتنى القضاة بإثبات الأوقاف، ورسم الأصول الإجرائية لإثباتها، فهذا القاضي لهيعة بن عيسى الحضرمي أحد قضاة مصر يسعى حين ولي القضاة إلى إثبات الأوقاف، فلم يبق منها حبسا حتى حكم فيه إما ببينة أو بإقرار أهل الحبس؟ وكان يقول: " سألت الله أن يبلغني الحكم فيها، فلم أترك شيئا منها حتى حكمت فيه، وجددت الشهادة فيه " (١). وقرر الفقهاء بأنه لا يكتفي المثبت لوقف بمعرفة نموذج الوثائق وصيغها من غير معرفة بفقه الأحكام، قال ابن أبي الدم: "واعلم أنا لا نرى الاشتغال بذكر صورة هذه الأشياء، والإكثار منها كما فعله جماعة من كتاب الشروط الذين خلوا من معرفة الفقه، وفقه الدعوى" (٢). ودعوى الوقف -ككل الدعاوى- لا بد لإثباتها من تقديم البينة من قبل المدعي؛ ليؤيد صدق دعواه. والبينة لغة: من بان الأمر يبين، فهو بين، وبين وتبين واستبان كلها بمعنى الوضوح والانكشاف، والاسم: البيان (٣).

стр. 1437

وعند الفقهاء: هي الشهادة العادلة، وعند ابن القيم وغيره: البينة أعم من ذلك، فهي: كل ما يبين الحق ويظهره (١). والأدلة التي يستند إليها المدعي في إثبات دعواه، منها ما هو محل اتفاق بين الفقهاء، ومنها ما هو محل خلاف، ومجمل هذه الأدلة هي: ١ - الإقرار. ٢ - الشهادة. ٣ - اليمين والنكول عنها. ٤ - الكتابة. ٥ - إثبات القاضي.

стр. 1438

الفصل الأول: الإقرار

стр. 1439

وفيه فصول: الفصل الأول: الإقرار تمهيد: معنى الإقرار، وحجيته: الإقرار في اللغة: الإخبار عما قر وثبت، يقال: أقر بالشيء اعترف به، والاستقرار: التمكن، وقرار الأرض: المستقر الثابت (١). أما في الشرع فهو: إخبار بحق لغيره على نفسه (٢). أو هو: إظهار مكلف مختار ما عليه -لفظاً أو كتابة أو إشارة أخرس- أو على موكله، أو موليه، أو مورثه، بما يمكن صدقه، وليس بإنشاء (٣). والدليل على حجية الإقرار: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٤). وجه الدلالة: أن الله أمر من عليه الحق بالإملال، والإملال: إقرار بالكتابة بالحق الذي عليه، فلو لم يكن الإقرار معتبراً في إثبات الحقوق لما أمره الله تعالى بالإملال. ٢ - قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ (٥)، أي: شاهد (٦).

стр. 1440

٣ - وأما السنة: (٢٩٨) فلما روى البخاري ومسلم من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ رجل من المسلمين وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض حتى ثنى عليه ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ﷺ فقال: " أبك جنون؟ " قال: لا، قال: " فهل أحصنت؟ " قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : " اذهبوا به فارجموه" (١). ٤ - والإجماع قائم على حجية الإقرار (٢). وفي هذا الفصل مباحث:
следующие страницы →