الباب السابع:
إثبات الوقف
لقد اعتنى القضاة بإثبات الأوقاف، ورسم الأصول الإجرائية لإثباتها، فهذا القاضي لهيعة بن عيسى الحضرمي أحد قضاة مصر يسعى حين ولي القضاة إلى إثبات الأوقاف، فلم يبق منها حبسا حتى حكم فيه إما ببينة أو بإقرار أهل الحبس؟ وكان يقول: " سألت الله أن يبلغني الحكم فيها، فلم أترك شيئا منها حتى حكمت فيه، وجددت الشهادة فيه " (١).
وقرر الفقهاء بأنه لا يكتفي المثبت لوقف بمعرفة نموذج الوثائق وصيغها من غير معرفة بفقه الأحكام، قال ابن أبي الدم: "واعلم أنا لا نرى الاشتغال بذكر صورة هذه الأشياء، والإكثار منها كما فعله جماعة من كتاب الشروط الذين خلوا من معرفة الفقه، وفقه الدعوى" (٢).
ودعوى الوقف -ككل الدعاوى- لا بد لإثباتها من تقديم البينة من قبل المدعي؛ ليؤيد صدق دعواه.
والبينة لغة: من بان الأمر يبين، فهو بين، وبين وتبين واستبان كلها بمعنى الوضوح والانكشاف، والاسم: البيان (٣).
стр. 1437
وعند الفقهاء: هي الشهادة العادلة، وعند ابن القيم وغيره: البينة أعم من ذلك، فهي: كل ما يبين الحق ويظهره (١).
والأدلة التي يستند إليها المدعي في إثبات دعواه، منها ما هو محل اتفاق بين الفقهاء، ومنها ما هو محل خلاف، ومجمل هذه الأدلة هي:
١ - الإقرار.
٢ - الشهادة.
٣ - اليمين والنكول عنها.
٤ - الكتابة.
٥ - إثبات القاضي.
стр. 1438
الفصل الأول: الإقرار
стр. 1439
وفيه فصول:
الفصل الأول: الإقرار
تمهيد: معنى الإقرار، وحجيته:
الإقرار في اللغة: الإخبار عما قر وثبت، يقال: أقر بالشيء اعترف به، والاستقرار: التمكن، وقرار الأرض: المستقر الثابت (١).
أما في الشرع فهو: إخبار بحق لغيره على نفسه (٢).
أو هو: إظهار مكلف مختار ما عليه -لفظاً أو كتابة أو إشارة أخرس- أو على موكله، أو موليه، أو مورثه، بما يمكن صدقه، وليس بإنشاء (٣).
والدليل على حجية الإقرار:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٤).
وجه الدلالة: أن الله أمر من عليه الحق بالإملال، والإملال: إقرار بالكتابة بالحق الذي عليه، فلو لم يكن الإقرار معتبراً في إثبات الحقوق لما أمره الله تعالى بالإملال.
٢ - قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ (٥)، أي: شاهد (٦).
стр. 1440
٣ - وأما السنة:
(٢٩٨) فلما روى البخاري ومسلم من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ رجل من المسلمين وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض حتى ثنى عليه ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ﷺ فقال: " أبك جنون؟ " قال: لا، قال: " فهل أحصنت؟ " قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : " اذهبوا به فارجموه" (١).
٤ - والإجماع قائم على حجية الإقرار (٢).
وفي هذا الفصل مباحث:
стр. 1441
المبحث الأول: إقرار الواقف في حال الصحة
وذلك بأن يقر الموقف وقفية عقار أو غيره ويكتب ذلك بخطه، أو يمليه على كاتب ويوقعه بخطه، فمتى ثبت أن الخط خطه أو التوقيع توقيعه كان ذلك حجة عليه وعلى ورثته من بعده ولو كانت خالية من الإشهاد، كما سيأتي في الإثبات في الكتابة؛ لما تقدم من أدلة حجية الإقرار، وقد نص الفقهاء على هذا في الوصية، والوقف مثله؛ لأن ذلك كله توثيق للإقرار بالخط.
يقول الخرقي: "من كتب وصية ولم يشهد فيها حكم بها ما لم يعلم رجوعه عنها ".
ويقول ابن قدامة: " نص أحمد على هذا في رواية إسحاق بن إبراهيم فقال: من مات فوجدت وصيته مكتوبة عند رأسه ولم يشهد فيها وعرف خطه وكان مشهور الخط يقبل ما فيها " (١).
وفي الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية: "وتنفذ الوصية بالخط المعروف، وكذا الإقرار إذا وجد في دفتره، وهو مذهب الإمام أحمد" (٢).
هذا إذا كان الإقرار مستوفياً لشرائطه بأن يكون الواقف غير محجور عليه لسفه أو دين، أو متهما، ونحو ذلك.
стр. 1442
فرع:
ولو أقر بأن هذه العين وقف على قوم معلومين وسماهم، ثم أقر بعد ذلك أنها وقف على غيرهم أو زاد أو نقص بما يخالف إقراره السابق لا يصح الإقرار الثاني ويعمل بالأول؛ لأنه لا يصح الرجوع عن الإقرار.
قال ابن قدامة: "ولا يقبل رجوع المقر عن إقراره إلا فيما كان حداً لله تعالى يدرأ بالشبهات ويحتاط لإسقاطه، فأما حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى التي لا تدرأ بالشبهات، كالزكاة والكفارات، فلا يقبل رجوعه عنها، ولا نعلم في ذلك خلافاً " (١).
لكن يظهر -والله أعلم- أنه يقيد بما إذا لم يكن تهمة، وإلا صح.
стр. 1443
المبحث الثاني: إقرار الواقف في مرض موته
إذا أقر شخص في مرض موته بأنه وقف عقاره الفلاني ثبت الوقف بإقراره، قال ابن المنذر ﵀: "أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن إقرار المريض في مرضه لغير الوارث جائز" (١).
ولكن الوقف في مرض الموت يعتبر وصية، فمعناه أن يتقيد بثلث المال، وألا يكون في الموقوف عليه وارث، وإلا كان موقوفاً على إجازة باقي الورثة على نحو ما ذكرناه في وقف المريض، ولا فرق بين أن ينص المريض في إقراره أن وقفه في حال صحته أو في حال مرضه، فالحكم واحد؛ لأن إقرار المريض فيما يتعلق بحقوق الورثة أو الدائنين الشبهة متوجهة إليه.
جاء في المادة (١٦٠٠) من المجلة ما نصه: "إذا أقرّ المريض في مرض موته، ولكنه أسند إقراره إلى زمان الصحة فحكمه حكم الإقرار في وقت المرض" (٢).
стр. 1444
المبحث الثالث: إقرار غير الواقف
غير الواقف يعني: وارث الواقف، ومن كان أجنبياً له علاقة بالمال الموقوف، والحكم في هاتين الحالتين مستمد من القاعدة العامة في الإقرار، وهي: أن المرء مؤاخذ بإقراره، وأنه حجة قاصرة على المقر فقط لا تتعداه إلى غيره.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: إقرار الوارث
لو أقر ورثة المتوفى بأن مورثهم قد وقف عقاره حال حياته صح الإقرار ويثبت به الوقف، وفي حالة وجود دين على مورثهم أو كانت له وصية يستوفى الدين من العقار، وتنفذ الوصية وما فضل يكون وقفاً؛ لعدم نفاذ إقرار الورثة في حق مورثهم، ومن أنكر من الورثة الوقفية تكون حصته ملكاً له، ويثبت الوقف في حق المقر فقط.
ومثاله: لو ترك ابنين وفي يدهما أرض، فقال أحدهما: وقفها أبونا علينا، وأنكر الآخر الوقف، تكون حصة المقر وقفاً عليه، وحصة المنكر ملكاً له، ولا حق له في الوقف؛ لأن إنكاره بمنزلة رده (١).
стр. 1445
المطلب الثاني: إقرار غير الوارث (الأجنبي)
المراد بالأجنبي: من ليس له علاقة بالوقف.
ولا يخلو أن يكون الوقف في يده أو في غير يده، فإن لم يكن الوقف في يده فلا عبرة بإقراره.
وإن كان في يده، فلا يخلو أن يكون الإقرار في حال الصحه أو المرض:
فإن كان في حال الصحه وأقر بأن المال الذي في يده ليس له وقفه مالكه، فإن عيّن في إقراره مالكاً وأسند إليه الوقف وذلك في صلب الإقرار، فيرجع إلى المالك المذكور إن كان حياً، وإلى ورثته إن كان ميتاً، فإن صدّقوا ما قال ثبت الوقف من جميع المال؛ لأنه مظهر بإقراره لا منشأ، وإن أنكروا الوقف لم يثبت.
أما إذا لم يذكر الواقف بأن أقر بأن الملك الذي فيه وقف ولم يزد على ذلك، وليس هناك منازع له في الملكية صح إقراره ويصير وقف على من عينهم إن كان عين أحدا، فإن لم يكن قد عين أحدا فحكمه كمنقطع الإنتهاء، وقد سبق تحريره (١).
وكذلك لو أقر أن رجلاً معروفاً دفع إليه هذه الأرض وقال هي وقف
стр. 1446
على وجوه سمّاها لا يقبل قوله فيما إن كان الرجل حياً، وإن كان ميتاً يتلوم القاضي فيها، فإن صح عنده في أمرها شيء عمل به، وإلا عمل بقول المقرّ استحساناً، وصرف غلتها فيما ذكر من الوجوه، وعلى هذا الأوقاف المتقادمة.
فرع:
إن سكت عن جهات الصرف لم يعينها، ففي هذه الحالة يثبت الوقف، وقد تقدم بحث ما جهل شرطه من الأوقاف، وإما إبقاء الوقف تحت يد المقرّ وجعل الولاية له، فالقياس عدم إبقائه ولا ولاية له، وإنما يتركها القاضي تحت ولايته استحساناً.
نقله الطرابلسي عن قاضيخان.
وقال الخصاف وهلال: " إن ولايتها له، ولا يقضي عليه بانتزاعها من يده حتى يعلم أن الولاية ليست له؛ لأنها لو أخذت منه لقضى عليه بأنها لم تكن له ولم يثبت ذلك " (١).
стр. 1447
المبحث الرابع: إقرار غير الواقف في مرض موته
إذا أقر في مرض موته المخوف فإن سمى الواقف في إقراره فيرجع إليه إن كان حيا أو إلى ورثته إن كان ميتا فإن صدقوه ثبت الوقف من جميع ماله، وإن أنكروا لم يثبت الوقف.
والأصل في هذه الحال أن الإقرار لشخص معين يعتبر من قبيل الإقرار لأجنبي -غير وارث- وأن الإقرار لغير معين يعتبر من قبيل إنشاء الوقف لا من قبيل الإقرار (١).
وعلى هذا لو أقر مريض فقال: إن هذه الأرض التي في يدي وقفها رجل مالك لها على فلان وفلان وعلى الفقراء والمساكين، ثم مات المقرّ في مرضه ذلك تكون وقفاً من جميع ماله؛ لذكره في الموقوف عليهم أشخاصاً بأعيانهم، ويكون ثلثا الغلة للرجلين المعينين والثلث الآخر للفقراء والمساكين؛ لأنه مصدّق فيما في يده، والإقرار هنا لم يتقيّد بالثلث؛ لأنه إقرار لأجنبي -غير وارث- فلذا نفذ من جميع تركته.
جاء في المادة (١٦٠١) من المجلة ما نصه: " إقرار المريض في مرض موته بعين أو دين لأجنبي، أي لمن وارثه صحيح، وإن أحاط بجميع أمواله " (٢).
стр. 1448
ولو أقر بأرض في يده أن رجلاً مالكاً لها وقفها على الفقراء والمساكين لا تصير وقفاً من جميع ماله وإنما تصير وقفاً من الثلث، فإن خرجت من الثلث كانت كلها وقفاً، وإن لم تخرج توقف الزائد على إجازة الورثة؛ وذلك لأنه لما يذكر في إقراره موقوفاً عليه معيناً صار كأنه هو الذي وقفها في مرضه.
وإلى هذا ذهب الحسن بن زياد ﵀: " فإنه فرّق بين إقراره لمعين وبين إقراره لغير معين، فجعل الكل للمقر له فيما إذا كان معيناً وقفاً كان المقر به أو ملكاً، وجعل له الثلث فقط فيما إذا كان مجهولاً، والباقي لورثة المقر " (١).
стр. 1449
الفصل الثاني: الشهادة
الكلام عن الشهادة يقتضي بيان معناها في اللغة والشرع، ثم بيان حجيتها، وركنها، وسبب أدائها، ومكانه، وشروط قبولها.
وفيه مباحث:
стр. 1450
المبحث الأول: معنى الشهادة، ومشروعيتها
الشهادة في اللغة: خبر قاطع بما قد شوهد، وشهدت الشيء: اطلعت عليه وعاينته، وشهد بالله: حلف به، وشهدت المجلس: حضرته (١)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢)، أي: فمن كان حاضراً مقيماً غير مسافر فأدركه الشهر فليصمه، وقيل: هو محمول على العادة بمشاهدة الشهر، وهي رؤية الهلال (٣).
والشاهد: حامل الشهادة ومؤديها؛ لأنه مشاهد لما غاب عن غيره.
والشهادة في الشرع: إخبار صدق بحق للغير على آخر بلفظ الشهادة، في مجلس القضاء (٤).
والشهادة حجة شرعية في إثبات الحقوق، دل عليها: الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٥).
стр. 1451
وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٣).
وأما السنة:
(٢٩٩) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي وائل، عن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال للأشعث بن قيس حين خاصم يهودياً جحده: "شاهداك أو يمينه" (٤).
وأما الإجماع: فإن العلماء اتفقوا على اعتبار الشهادة حجة لإثبات المشهود به، والعمل على ذلك من غير نكير من أحد، فكان إجماعاً (٥).
ومن النظر:
فإن وجود التجاحد بين الناس، وإنكار الحقوق، وخراب الذمم وفسادها قد أدى إلى ضرورة اعتبار الشهادة في إثبات الحقوق؛ إذ لولاها لضاع كثير من الحقوق، ولما استطاع أصحابها إثبات حقوقهم، خاصة فيما لا يمكن إثباته إلا بها.
стр. 1452
المبحث الثاني: حجية الشهادة
أجمع العلماء على مشروعية الشهادة، وأنها حجة شرعية لكنها تظهر الحق و لا توجبة؛ لأنها تبين ملتبس، وتكشف الحق في المختلف فيه.
والوقف من جملة الأموال، وعلى ذلك فإنه ينطبق على الشهادة في الوقف ما ينطبق على الشهادة من أحكام.
ولا يخلو من حالتين:
الحال الأولى: أن يكون الوقف على معين:
فتقبل فيه شهادة النساء مع الرجال فيقبل فيه شهادة رجل وامرأتين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١).
فرع: وأما شهادة المرأتين ويمين المدعي في الوقف إذا كان على معين، فاختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: لا يجوز القضاء بشهادة المرأتين ويمين المدعي.
وهو قول الشافعية، والحنابلة (٢).
وحجته: أن شهادة المرأتين ضعيفة تفوت بالرجل، فيضم ضعيف إلى ضعيف، فلا يقبل.
القول الثاني: تقبل شهادة المرأتين مع يمين المدعى.
стр. 1453
وهو قول المالكية، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم، واختاره ابن تيمية، وابن القيم (١).
وحجته: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢).
فالله سبحانه جعل شهادة امرأتين بدل شهادة رجل، فوجب أن يكون حكمهما حكمه.
قال ابن القيم: "الحكم بشهادة امرأتين ويمين المدعي في الأموال وحقوقها، وهذا مذهب مالك، وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، حكاه شيخنا واختاره وظاهر القرآن والسنة يدل على صحة هذا القول، فإن الله سبحانه أقام المرأتين مقام الرجل والنبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: " أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى " فهذا يدل بمنطوقه على أن شهادتها وحدها على النصف، وبمفهومه على أن شهادتها مع مثلها كشهادة الرجل وليس في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع ما يمنع من ذلك، بل القياس الصحيح يقتضيه فإن المرأتين إذا قامتا مقام الرجل إذا كانتا معه قامتا مقامه، وإن لم تكونا معه فإن قبول شهادتهما لم يكن لمعنى للرجل بل لمعنى فيهما وهو العدالة، وهذا موجود فيما إذا انفردتا، وإنما يخشى من سوء ضبط المرأة وحدها وحفظها فقويت بامرأة أخرى " (٣).
وقال شيخ الاسلام ﵀: " لو قيل يقبل شهادة امرأة ويمين توجه؛ لأنهما إنما أقيما مقام رجل في التحمل وكخبر الديانة " (٤).
стр. 1454
الحال الثانية: أن يكون الوقف على جهة عامة كالفقراء.
فلا يكتفى فيه بالشاهد واليمين، وكذا لا يكتفى بالمرأتين واليمين؛ لعدم إمكان اليمين من الجهه العامة، وإن حلف واحد منهم لم يسر حكم يمينه إلى غيره، لكن لو أمكن حلف الجميع بأن وقف على فقراء محلة معينه يمكن حصرهم ثبت الوقف بشاهد وأيمانهم.
ولو انتقل الوقف إلى من بعدهم لم يمنع ذلك ثبوته بشهادة المعينين، كما لو وقف على زيد ثم الفقراء ثبت بشهادته وانتقل إلى من بعده بحكم ثبوته الأول ضمناً وتبعاً (١).
فرع: وأما شهادة أربع نساء على الوقف فينبني على إثبات شهادة النساء في المال منفردات، وللعلماء في ذلك قولان:
القول الأول: عدم قبول شهادتهن في المال منفردات.
وهو قول أكثر أهل العلم.
وحجته: ظاهر الآية السابقة، ولأن شهادة المرأة تعتريها الشبهه، فلم يقبل تفردهن (٢).
القول الثاني: قبول شهادتهن منفردات.
وحجته: أن الله أقام شهادة المرأتين مقام شهادة الرجل (٣).
стр. 1455
المبحث الثالث: افتقار الشهادة في الوقف إلى تقدم الدعوى
لا تفتقر الشهادة في الوقف إلى تقدم الدعوى إلا إذا كان الوقف على معين، فجمهور العلماء على أن الشهادة في الوقف إذا كانت على آدمي معين لا تسمع إلا بعد تقدم الدعوى.
وإن كانت على آدمي غير معين كالفقراء لا يشترط لسماع الشهادة فيه تقدم الدعوى
وذهب الحنفية: إلى أنه لا يشترط لسماع الشهادة في الوقف تقدم الدعوى مطلقا (١).
وحجته: أن الوقف من حقوق الله تعالى؛ إذ هو تصدق بالغلة على جهة بر.
ونوقش: بأن هذا مسلم إذا كان غير معين كالفقراء، وإن كان على معين فهو من حقوق الآدميين.
وذهب بعض المالكية: إلى أنه يجب على الشهود الإخبار بشهادتهم عند الحاكم إذا كان الوقف على غير معين (٢).
وهذا ظاهر، إذا كان يترتب على عدم إدلاء الشاهد بشهادته تضييعا
стр. 1456
للوقف أو التعدي عليه (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٢).
стр. 1457
المبحث الرابع: ثبوت الوقف عن طريق شهادة التسامع
تمهيد:
الأصل في الشهادة لإثبات الحق أنه يشترط فيها لصحة تحملها مشاهدة الشاهد للأمر المشهود به، ويشترط لصحة الأداء سبق دعوى، غير ان الشهادة لإثبات الوقف استثنيت من هذين الشرطين فقبل الفقهاء شهادة التسامع استثناء من شروط التحمل، وقبلوا فيه شهادة الحسبة استثناء من شروط الأداء (١)، وفيه مطالب:
المطلب الأول: معنى شهادة التسامع
هي لقب لما صرح الشاهد فيه بإسناد شهادته لسماع من غير معين.
فقوله: بإسناد شهادة لسماع: تخرج شهادة البت، وهي شهادة الشاهد الأصيل الذي سمع المشهود به، أو رآه بنفسه.
стр. 1458
وبقوله: من غير معين: تخرج شهادة النقل، وهي: الشهادة على الشهادة؛ لأن المنقول عنه في الشهادة على الشهادة معين (١).
المطلب الثاني: مشروعيتها
الأصل أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه أي لم يقطع به من جهة المعاينة أو السماع بنفسه (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ (٣)، ولقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ (٤).
ولأن الشهادة مشتقة من المشاهدة ولا يتحقق العلم إلا بالمشاهدة والعيان، فلا يحصل العلم إلا بمعاينة السبب، أو بالخبر المتواتر، ولذا فإنها لا تجوز الشهادة بالتسامع، إلا أن هناك أموراً تختص بمعاينة أسبابها خواص الناس ويتعلق بها أحكام تبقى على انقضاء القرون، وانقراض الأعصار ولو لم تقبل فيها الشهادة بالتسامع لأدى ذلك إلى الحرج وتعطيل الأحكام، والحرج مدفوع شرعاً.
стр. 1459
المطلب الثالث: مراتبها
قال ابن رشد: شهادة السماع لها ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: تفيد العلم وهي المعبر عنها بالتواتر، كالسماع بأن مكة موجودة ومصر ونحو ذلك، فهذه إذا حصلت كانت بمنزلة الشهادة بالرؤية وغيرها مما يفيد العلم.
المرتبة الثانية: شهادة الاستفاضة، وهي تفيد ظناً قوياً يقرب من القطع ويرتفع عن شهادة السماع، مثل: أن يشهد أن نافعاً مولى ابن عمر ﵄، وأن عبد الرحمن بن القاسم من أوثق من أخذ عن الإمام مالك ﵁، فيجوز الاستناد إليها، ومنها إذا رئي الهلال رؤية مستفيضة ورآه الجم الغفير من أهل البلد، وشاع أمره فيهم لزم الصوم أو الفطر من رآه ومن لم يره، وحكمه حكم الخبر المستفيض لا يحتاج فيه إلى شهادة عند الحاكم ولا تعديل، قاله الطرطوسي.
المرتبة الثالثة: شهادة السماع، وهي التي يقصد الفقهاء الكلام عليها، وصفتها: أن يقولوا سمعنا سماعاً فاشياً من أهل العدل وغيرهم، وقال محمد: " يقولون: إنا لم نزل نسمع من الثقات "، وقال مطرف وابن الماجشون: " يقولون سماعاً فاشياً من أهل العدل "، وهذه الشهادة تفيد ظناً دون شهادة الاستفاضة، وأجازها الفقهاء ﵏ للضرورة.
ونقل ابن فرحون ﵀ في تبصرته عن مفيد الحكام ما نصه: " وتفسير
стр. 1460
شهادة السماع أن يشهد شاهدان أو أربعة على الاختلاف في ذلك أنهم لم يزالوا يسمعون أن هذه الدار صدقة على بني فلان، أو أن فلاناً مولى فلان قد تواطؤوا على ذلك عندهم وكثر سماعهم له وفشا حتى لا يدرون ولا يحفظون ممن سمعوه من كثرة ما سمعوا به من الناس من أهل العدل وغيرهم، ولا يكون السماع بأن يقولوا سمعنا من أقوام بأعيانهم يسمونهم أو يعرفونهم؛ إذ بذلك خرجت عن حد شهادة السماع إلى كونها شهادة على شهادة، وقد ذكر الفقهاء المواضع التي تقبل فيها الشهادة بالسماع، وهي تزيد عن عشرين موضعاً، منها الوقف " (١).
ونقل السيوطي ﵀ في الأشباه والنظائر عن الصدر موهوب الجزري اثنين وعشرين موضعاً يشهد فيها بالسماع (٢).
المطلب الرابع: العدد المعتبر في شهادة السماع
القول الأول: أنه لا بد من عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب.
وبهذا قال جمهور الفقهاء (٣).
стр. 1461
القول الثاني: أن المراد بالتسامع حصول الشهرة ولو بخبر عدلين، أو رجل وامرأتين بحيث يحصل للشاهد من خبرهم نوع علم، وفي هذه الحالة يشترط أن يكون الإخبار بلفظ الشهادة؛ لأنها توجب زيادة علم لا يوجبها لفظ الخبر، ولأن الحقوق تثبت بقول اثنين.
وبهذا قال: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية، والمتأخرون من أصحاب الشافعي (١).
المطلب الخامس: الشهادة في التسامع على الوقف
اختلف الفقهاء في إثبات الوقف بالسماع على أربعة أقوال:
القول الأول: أن الشهادة بالتسامع على أصل الوقف: وهو ما تعلق به صحته وتوقف عليه تحققه شرعاً مما هو مذكور في شروط صحته في الواقف (٢)، والشيء الموقوف، والجهة الموقوفة عليها، والصيغة جائزة.
أما شرائطه فإنها لا تجوز عليها، مثال ذلك: أن يشتهر أن هذا أو ذاك
стр. 1462
وقف فلان على كذا، فيشهدون أن فلاناً وقفه على الفقراء أو القراء، أو على مسجد كذا، أو على أولاده فلا يذكر أنه يبدأ من غلته وينصرف إلى كذا وكذا من الجهات، أو من إمام أو مؤذن أو خطيب ومدرس .... إلخ، ولا كيفية الصرف والولاية عليه، وغير ذلك مما يذكره الواقفون في شروطهم.
وبهذا قال بعض الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١).
قال ابن عابدين: " ولا يشهد بما لم يعاينه بالإجماع إلا في النسب والموت والنكاح والدخول بزوجته وولاية القاضي وأصل الوقف " (٢).
وجاء في المادة (١٦٨٨) من المجلة ما نصه: " يلزم أن يكون الشهود قد عاينوا بالذات المشهود به، وأن يشهدوا على ذلك الوجه، ولا يجوز أن يشهدوا بالسماع، يعني أن يشهد الشاهد بقوله سمعت من الناس، لكن إذا شهد بمحل أنه وقف، أو بوفاة واحد بقوله: سمعت من الثقة يعني لو قال: أشهد بهذا لأني هكذا سمعته من ثقة تقبل شهادته " (٣).
وجاء في شرح المجلة: " لا يشترط في الشهادة بالسماع على أصل الوقف قصورها فقط بالأوقاف القديمة، بل تقبل حتى على الحديثة، وهذا هو ما حققه الرملي حيث قال: وإطلاق المتون يعم المتقادم وغيره، عللوا بقبول الشهادة بالتسامع ببيد الشهود وفناء الأوراق فكان هو المثبت للحكم، قلنا
стр. 1463
انتفاؤها لا ينفي الحكم بعلة غيرها كما صرحت به أصحاب الأصول أن انتفاء العلة لا يوجب انتفاء الحكم عند تعددها " (١).
وقال ابن جزي: " تجوز الشهادة بالسماع الفاشي في أبواب مخصوصة، وهي عشرون، ومنها الوقف " (٢).
وجاء في فتح الوهاب للشيخ زكريا الأنصاري ﵀ ما نصه: " وله بلا معارض شهادة بنسب وموت وعتق وولادة ووقف، ونكاح بتسامع من جمع يؤمن كذبهم … إلخ " (٣).
وقال شيخ الإسلام: " والشهادة في مصرف الوقف مقبولة، وإن كان مستندها الاستفاضة في أصح القولين " (٤).
وحجتهم:
١ - أن أصل الوقف يشتهر أما شرائطه فإنها لا تشتهر.
٢ - ولأنه لو لم يجز قبول شهادة التسماع عليه لأدى ذلك إلى استهلاك الأوقاف القديمة؛ لأنه وإن كان قولاً مما يقصد الإشهاد عليه والحكم به في الابتداء إلا أنه بتوالي الأعصار يموت الشهود، وتفنى الأوراق مع اشتهار وقفيته فيبقى في البقاء سائبة عند عدم قبول الشهادة عليه بالتسامع، فمست الحاجة إلى إثباته بهذه الشهادة؛ لأنه من الأشياء المؤبدة، فإذا طالت مدتها عسرت إقامة البينة على ابتدائها.
القول الثاني: أن الشهادة بالتسامع تجوز في شرائط الوقف -كما تجوز
стр. 1464
في شروط صحته- على أرجح الأقوال (١) عند الحنفية كما في المجتبى، قال ابن الهمام: " وأنت إذا عرفت قولهم في الأوقاف التي انقطع ثبوتها ولم يعرف لها شرائط ومصارف أنها يسلك بها ما كانت عليه في دواوين القضاة لم تقف عن تحسين ما في المجتبى؛ لأن ذلك هو معنى الثبوت بالتسامع " (٢).
القول الثالث: أن الوقف لا يثبت بالشهادة بالتسامع؛ لأنه يمكن الإطلاع على الواقف، بل إن هذا ميسور، فلا حاجة إلى شهادة التسامع على الوقف.
وبهذا قال بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٣).
القول الرابع: ثبوت أصل الوقف ومصارفه، وكل ما يتعلق به من شروط الواقف وغيرها بشهادة السماع إذا شهدت هذه البينة بأن هذا الشيء موقوف على الحائز له أو على فلان، وليست ذات هذا الشيء بيد أحد؛ لأنه لا يلزم تسمية الواقف في شهادة السماع.
أما إذا كانت بيد حائز مدع ملك ذلك الشيء، ففيه خلاف:
١ - قيل: لا ينزع ذلك الشيء من يد الحائز بهذه الشهادة كالملك.
٢ - وقيل: ينزع منه بهذه الشهادة ما شهدت بوقفيته احتياطاً للوقف.
стр. 1465
وعلى هذا القول يكون الوقف مستثنى من قولهم لا ينزع ببينة السماع من يد حائز (١).
وبه قال المالكية.
الترجيح:
والراجح -والله أعلم- إثبات الوقف وشرائطه بالسماع؛ لأن وثائق إثبات الأوقاف معرضة للتلف، والضياع، ويموت شهود البت ويتعذر إقامة البينة على ابتدائه.
ولذا فإن الحاجة ماسة إلى شهادة التسامع على الوقف؛ إذ لو لم تجز هذه الشهادة عليه لضاعت أوقاف المسلمين.
стр. 1466
المبحث الخامس: ثبوت الوقف عن طريق شهادة الحسبة
معنى شهادة الحسبة: أنها شهادة احتسب أجرها على الله قصد بها حفظ حقوق الشرع؛ لأن المسلم مكلف بأدائها، وعلى هذا المبدأ قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والمواضع التي تقبل فيها الشهادة حسبة أربعة عشر ذكرت في حاشية ابن عابدين، ومنها الوقف.
وللعلماء في ثبوت الوقف عن طريق شهادة الحسبة أقوال:
القول الأول: أن الشهادة حسبة على أصل الوقف وثبوته أمام القضاء أمر مقبول مطلقا.
وبه قال الحنفية، وبعض المالكية.
قال ابن وهبان ﵀: " الوقف وإن كان على قوم بأعيانهم فآخره لا بد وأن يكون لجهة بر لا تنقطع، كالفقراء وغيرهم، فالشهادة تقبل بحقهم إما حالاً أو مآلاً " (١).
وحجته:
(٣٠٠) ما رواه مسلم من طريق أبى عمرة الأنصارى، عن زيد بن خالد الجهنى أن النبى ﷺ قال: «ألا أخبركم بخير الشهداء: الذى يأتى بشهادته قبل أن يسألها» (٢).
стр. 1467
قال في فتح الباري: " المراد بحديث زيد: من عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم بها صاحبها، فيأتي إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك، وهذا أحسن الأجوبة.
ثانيها: أن المراد به شهادة الحسبة وهي ما لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضا، ويدخل في الحسبة مما يتعلق بحق الله أو فيه شائبة منه العتاق والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق والحدود ونحو ذلك.
ثالثها: أنه محمول على المبالغة في الإجابة إلى الأداء، فيكون لشدة استعداده لها كالذي أداها قبل أن يسألها " (١).
القول الثاني: إن كانت على جهة عامة قبلت، وإن كانت على جهة خاصة لم تقبل.
وبه قال المالكية (٢)، والشافعية (٣).
وحجته: أنه إذا كان على جهة خاصة، فهو حق آدمي (٤).
وفي حاشية القليوبي: " تقبل الشهادة حسبة في الوقف، ويمنعها الرملي إن كان على جهة خاصة "، وهي كغيرها من الشهادات في شروطها السابقة في حقوق الله تعالى المتمحضة كصلاة وزكاة وصوم بأن يشهد بتركها، وفيما لله تعالى فيه حق مؤكد كطلاق وعتق وعفو عن قصاص وبقاء عدة وانقضائها وحدّ لله تعالى .... ، وثبوت نسب ووصية، ووقف إذا عمت جهتهما، ولو أخرت الجهة العامة فيدخل نحو ما أفتى به البغوي من أنه لو وقف داراً على
стр. 1468
أولاده ثم الفقراء فاستولى عليها ورثته وتملكوها، فشهد شاهدان حسبة قبل انقراض أولاده بوقفيتها قبلت شهادتهما؛ لأن آخره وقف على الفقراء لا إن خصت جهتهما، فلا تقبل شهادتهما لتعلقهما بحقوق خاصة " (١).
القول الثاني: أنه لا تقبل الشهادة حسبة في الوقف.
وبه قال الحنابلة (٢).
(٣٠١) لما رواه البخاري ومسلم من طريق زهدم بن مضرب قال: سمعت عمران بن حصين يحدث، عن النبي ﷺ قال: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم -قال عمران: لا أدري ذكر ثنتين، أو ثلاثا بعد قرنه-، ثم يجيء قوم ينذرون ولا يفون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن" (٣).
وفي فتح الباري: " وتأولوا حديث عمران بتأويلات:
أحدها: أنه محمول على شهادة الزور، أي يؤدون شهادة لم يسبق لهم تحملها، وهذا حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم.
ثانيها: المراد بها الشهادة في الحلف يدل عليه قول إبراهيم في آخر حديث ابن مسعود: " كانوا يضربوننا على الشهادة " أي: قول الرجل أشهد بالله ما كان إلا كذا على معنى الحلف، فكره ذلك كما كره الإكثار من الحلف، واليمين قد تسمى شهادة، وهذا جواب الطحاوي.
ثالثها: المراد بها الشهادة على المغيب من أمر الناس فيشهد على قوم
стр. 1469
أنهم في النار، وعلى قوم أنهم في الجنة بغير دليل كما يصنع ذلك أهل الأهواء حكاه الخطابي.
رابعها: المراد به من ينتصب شاهدا وليس من أهل الشهادة.
خامسها: المراد به التسارع إلى الشهادة وصاحبها بها عالم من قبل أن يسأله" (١).
والأقرب: هو القول الأول؛ لما فيه من تحقيق المصلحة وثبوت الحق.
стр. 1470
الفصل الثالث: في اليمين والنكول عنها
اختلف الفقهاء في اعتبار اليمين أو النكول عنها طريقاً من طرق القضاء، وسنبين هنا رأي العلماء بالنسبة لليمين أولاً، ثم نتبعه ببيان رأيهم في النكول عنها، على النحو التالي:
стр. 1471
المبحث الأول: تعريف اليمين، وحجيتها
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف اليمين
اليمين لغة: القوة والشدة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ (١).
واليمين: القسم -مؤنث-؛ لأنهم كانوا يتماسحون بأيمانهم فيتحالفون؛ وكانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه (٢).
وفي الاصطلاح: حلف بالله بفعل شيء أو تركه (٣).
стр. 1472
المطلب الثاني: حجية اليمين
لا خلاف بين العلماء في وجوب توجيه اليمين إلى المدعى عليه المنكر إذا طلبها المدعي عند عجزه عن إثبات دعواه، أو تنازله عن تقديم البينة.
والدليل على ذلك:
(٣٠٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (١).
وما رواه البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال للأشعث بن قيس: "ألك بينة؟ "، قال: لا، قال: "فلك يمينه" (٢).
стр. 1473
المبحث الثاني: توجيه اليمين إلى الناظر
لما كان الناظر على الوقف هو الخصم في الدعوى المقامة من الوقف أو عليه، فقد يكون مدعياً أو مدعى عليه:
الصورة الأولى: إذا كان الناظر مدعياً:
فإن له حق تحليف المدعى عليه عند عجزه عن إثبات دعوى الوقف؛ وذلك لأنه نائب عن الوقف، وهو يملك إذا كان مدعياً -إضافة لما له سلطة عليه شرعاً- طلب يمين الخصم، ولا يملك المدعى عليه رد اليمين -حتى عند من يرى ذلك- إلى المدعي.
الصورة الثانية: إذا كان الناظر مدعى عليه:
فإذا عجز المدعي عن إثبات دعواه على الناظر، فهنا يجب التفرقة بين حالتين:
الحال الأولى: إذا كانت الدعوى متعلقة بأمر ولم يدع بوقوعه من قبل الناظر، فلا توجه اليمين إلى الناظر، كما أن نكوله لا يعتبر سببا للحكم؛ وذلك لأن النكول عن اليمين إما أن يكون بذلاً أو إقراراً، وكلا الأمرين لا يملكها الناظر على الوقف، فهو لا يملك البذل ولا الإقرار في حق ما سلط عليه شرعاً (١).
فلو ادعى شخص مثلاً على ناظر وقف بأن الدار التي يتصرف بها لجهة
стр. 1474
الوقف هي ملكه، وعجز المدعي عن إثبات دعواه هذه، فلا يحق له تحليف الناظر على ذلك.
الحال الثانية: إذا كانت الدعوى ناشئة عن تصرف واقع من قبل الناظر، فإن الفقهاء يرون: أن اليمين توجه إلى الناظر على الوقف، وإذا نكل عن ذلك حكم عليه بنكوله؛ لأن اليمين متعلقة بفعل نفسه.
فلو ادعى شخص على ناظر الوقف طالباً تسليمه دار الوقف التي استأجرها منه، وأنكر الناظر الدعوى، وعجز المدعي عن إثباتها، فله تحليف الناظر، وكذلك لو ادعى شخص على ناظر الوقف طالباً منه دفع مبلغ معين له عن قيمة بعض الأشياء التي اشتراها للوقف مثلاً، وأنكر الناظر الدعوى وعجز المدعي عن إثبات دعواه جاز له تحليف الناظر، وتقدم في مبحث أمانة الناظر شيء من ذلك (١).
стр. 1475
المبحث الثالث: الإثبات بالنكول
النكول في اللغة: الامتناع: يقال: نكل بفتح الكاف ينكل بضمها، ونكل عن اليمين امتنع منها.
وفي الاصطلاح: امتناع من توجهت إليه اليمين في مجلس القضاء عن الحلف.
وقد اختلف العلماء بالقضاء في النكول واعتبارها طريقا مثبتا للحق على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إذا كان المدعى عليه عالماً بالمدعى به دون المدعي قضي عليه بالنكول، وإن كان المدعي هو المنفرد بالعلم بالحال، أو كان مما لا يخفى عليه علمها ردت عليه اليمين، وإن كان كل منهما يدعى العلم أو طلب من المطلوب اليمين على نفي العلم فترد اليمين.
وهذا قول عند الحنابلة اختارة شيخ الإسلام، وابن القيم.
وحجته:
قال ابن القيم: " ولما كانت أفهام الصحابة ﵃ فوق أفهام جميع الأمة وعلمهم بمقاصد نبيهم ﷺ وقواعد دينه وشرعه أتم من علم كل من جاء بعدهم عدلوا عن ذلك إلى غير هذه المواضع الثلاثة وحكموا بالرد مع النكول في موضع والنكول حده في موضع، وهذا من كمال فهمهم وعلمهم بالجامع والفارق والحكم والمناسبات " (١).