المبحث الثالث: المآخذ على الوقف الذري وعلاجها
وفيه مطالب:
المطلب الأول: المآخذ من قبل أصل الوقف، والواقفين
١ - أن الوقف بنوعيه ليس معروفاً في الإسلام بنص من كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ .
٢ - أنه ليس في الوقف الذري أثر لصدقة أو قربة.
وأجيب: برد هذه الشبهة عند البحث في مشروعية الوقف، وحكمه، وحكمته.
٣ - أن بعضا من الواقفين على الذرية يخالفون الفرائض الشرعية في المواريث بحرمان بعض ذوي الفروض من فروضهم، أو إيثار بعضهم على بعض.
٤ - أن انتشار الوقف الذري أدى إلى انقطاع أحكام المواريث والقضاء عليها، وعلى الوصايا في نظر بعض أهل العلم.
ويجاب: بأنه غير مسلم، والواقع شاهد، والنادر لا حكم له.
٥ - أن بعض الواقفين يجعل من الوقف الذري سبيلا إلى العقوق وقطيعة الرحم بين الذرية، بدلا من أن يكون سبيلا للصلة والقربى والبر والإحسان،
стр. 177
وذلك في انحرافه به عن أحكام الشرع وتحقيق أهوائه ورغباته فيه باشتراط شروط باطلة كحرمان البنات، أو الزوجات، أو تخصيص بعض الأولاد دون بعض.
ويجاب عن هذا: بأنها من قبل الموقفين أنفسهم لا من قبل الشرع، فلا تحتسب على الشرع، فتعالج بتعليم الموقفين وإرشادهم.
المطلب الثاني: المآخذ الاقتصادية
١ - أن الواقف في الوقف الذري يحبس العين الموقوفة عن التداول، حيث إنها لا تباع ولا توهب، ولا يسمح بنقل العين من يد إلى أخرى، وهذا يؤدي إلى تقييد الملكية، وضعف الحركة الاقتصادية.
٢ - أن الوقف الذري قد يؤدي إلى نشر البطالة بين المستحقين؛ لأن المستحقين في الوقف لا يرغبون في العمل، ولا يجتهدون في البحث عنه، اعتمادا على الحصص المالية التي تأتيهم من ريع الوقف، وقد يتوارث هذه الظاهرة الأبناء بعد الآباء، فتنتشر البطالة بين الأجيال المتعاقبة.
٣ - أن الوقف الذري في بعض أحيانه قد يؤدي إلى إضعاف قوة الإنتاج، فالمتأمل في أحوال الأوقاف يجد أن كثيرا من أراضي البور والأماكن الخربة هي من الأعيان الموقوفة.
٤ - أن الوقف الذري قد يؤدي الحال به مع تطاول الزمن وكثرة المستحقين فيه من البطون المختلفة إلى أن تكون أنصبة المستحقين فيه
стр. 178
متدنية لا تغني من جوع، ولا تدفع فقرا، ولا تأتي بالكفاف، ولا تسد حاجة الموقوف عليهم.
٥ - أن الوقف الذري قد يقع تحت تسلط بعض النظار ممن لا تقوى لهم ولا دين ولا خلق لهم، فيستأثرون بفائدته، ويعجز أصحاب الاستحقاق فيه عن مقاضاتهم نظرا لمكرهم ودهائهم وبغيهم وظلمهم الفادح.
ويجاب عن هذه المآخذ بجوابين:
الأول: عدم تسليمها، والحاصل من هذه المآخذ نادر لا حكم له.
الثاني: أن المصالح الاقتصادية المترتبة على الوقف الذري تربو على ما قد يؤخذ عليه من مآخذ اقتصادية، كما سيأتي، والمصلحة في الشريعة إذا غلبت وظهرت قدمت.
الثالث: أنه إذا تدنت أنصباء الموقوف عليهم، ومن ثم تعطل الوقف فإنه يباع ويستبدل بغيره، كما سيأتي بيانه في مبحث التصرف في الوقف.
المطلب الثالث: المآخذ الاجتماعية
١ - أن الوقف الذري مجال للشكايات ومنشأ للخصومات، ومبعث لتشتيت الأسر والعائلات، وعامل من عوامل تفتيت المجتمع، حيث التناحر مستمر بين المستحقين مع بعضهم البعض من جهة، وبين المستحقين والنظار من جهة أخرى، وهذا مدعاة لجلب العداوة، وإثارة البغضاء، والنزاعات بين الأقارب وأفراد الأسرة الواحدة، فيؤدي ذلك إلى انحراف الأوقاف عن أهدافها السامية ووظيفتها الأساسية، وهي البر والصلة والترابط إلى التناحر
стр. 179
والتقاطع والتدابر، ولهذا ذهب البعض أنه لا أثر للصدقة فيه، وأن ما فيه من إيجابيات لا تعادل ما فيه من سلبيات.
٢ - أنه عند تعطّل منافع هذا الوقف فإن المستحقين له يصابون بروح الاستكانة وذل المسألة، وذلك وبال وخسران على المجتمع بوجود هذه الطبقة البائسة فيه.
٣ - أنه عند تعطل منافع الوقف يؤدي إلى شيوع روح التذمر وعدم الاستقرار الاجتماعي؛ وذلك لأن الموقوف عليهم يحسون بألم كبير من جراء عدم تمكينهم من تحصيل حصصهم نظراً لتعطل منافع الوقف.
ويجاب عن هذه المآخذ: بما أجيب به عن المآخذ من قبل الواقفين، أو المآخذ الاقتصادية، ومعالجة أسبابها الآتية.
стр. 180
المبحث الرابع: أسباب هذه المآخذ، وعلاجها
فإن ما ذكر عن الوقف الذري إنما هو ناتج عن عدة أسباب من أبرزها ما يلي:
١ - كثرة الأخطاء التي يقع فيها الواقفون على الذرية أجملها فيما يلي:
عدم صياغة كتاب الوقف صياغة شرعية صحيحة، لا في شروطه، ولا في توزيع غلته، ولا في الموقوف عليهم، ولا في نظارته.
٢ - قلة العلم الشرعي بأحكام الأوقاف بنوعيها، وبالأخص الوقف الذري الذي سببه عدم بسط أحكامه وأيضاحها في وسائل الدعوة والإعلام وخطب الجمعة، والدروس، ونشرها بين الناس، وضعف سبل الدعوة لتصحيح أحكام الأوقاف في أزمنة سابقة.
٣ - وجود فئة من المعارضين للأوقاف الذري وتمكنهم من نشر أفكار دعواتهم التي كانت عائقا كبيرا أمام إصلاح الأوقاف من جهة، وأمام الواقفين الذين غلب على أحوالهم اعتماد أوقافهم في وثائق يخفونها فلا تظهر إلا بعد آماد طويلة، وأزمنة عديدة مما أدى إلى إخفاء أوقاف كثيرة من هذا النوع.
٤ - أن الوقف من الصدقات التي حث عليها الإسلام، ورغب فيها وكانت له مصالح -كما سبق- في حياة الأمة عامة، والأسرة المسلمة خاصة، لذا كان هذا الباب الفقهي العظيم عند وجود أي مشكلة فيه، وبالأخص في النوع الذري منه يتخذه أعداء الإسلام ذريعة للنيل من عظمة التشريع
стр. 181
الإسلامي، وأحكام الشريعة الإسلامية العادلة، ويجد ذلك آذانا صاغية من لدن بعض المفتونين بهم من أبناء المسلمين الذين غلب عليهم مركب النقص والجهل (١).
وعلاج هذه المآخذ -بما سبق-، وببيان المصالح العظيمة المترتبة على الوقف الذري.
стр. 182
المبحث الخامس: المصالح المترتبة على الوقف الذري
وبعد فإن الوقف الذري -رغم وجود بعض المآخذ عليه- فإنه يظل صدقة وقربة على ما يتوهم أنه مأخذ، لكن ذلك لا يمنع من إصلاح بعض أحكامه، وحسن تنظيمه، إذا أخلصت النيات وصحت الدوافع والمبررات.
وفيه مطالب:
المطلب الأول: المصالح الشرعية
١ - الاستجابة لأمر الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإن الله تعالى وكذا رسوله ﷺ قد رغّبا في البذل والإنفاق، والتصدق على من هو في حاجة من العباد، ورفع الضيق والحرج والمشقة عن الفقراء والمساكين، فكيف إذا كانوا هم ذريته فالأجر يُضاعف للصدقة والصلة، وكذا الاقتداء بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان.
٢ - أن الوقف على الذرية داخل في صلة الرحم، قال تعالى: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢).
стр. 183
المطلب الثاني: مصالحه الاقتصادية
١ - أن في الوقف على الذرية حماية للمال، ومحافظة عليه من عبث العابثين كإسراف قريب وصرف المال في غير مصارفه الشرعية، ونحو ذلك.
٢ - أن في الوقف على الذرية ضماناً لبقاء المال ودوام الانتفاع به مدة طائلة، وتنقل النفع فيه إلى الأجيال اللاحقة، مما يهيئ سبل العيش الرغيد لكل جيل من أعقاب الواقف وذراريه.
٣ - أن الوقف فيه علاج لكثير من المشكلات الاقتصادية كالفقر، وقلة ذات اليد، والعوز والحاجة.
٤ - أن الوقف على الذرية يحفظ رأس المال ثابتاً لا يجوز المساس به أو تغييره إلا وفق شروط معينة، تراعي مصالحه والمحافظة عليه، وبالتالي فإن الذرية يقطفون نتاج وثمار هذا الوقف مع بقاء عينه دون أن تتأثر تلك العين، وهذا النفع يستمر أزماناً متعددة ولأجيال متلاحقة.
٥ - أن في الوقف على الذرية إيجاد فرص عمل مرتبطة بالوقف، كنظارة الوقف وغير ذلك مما يشترطه الواقف.
٦ - أن في الوقف على الذرية تقليباً وتدويراً لمنفعة العين الموقوفة من حيث تأجيرها أو سكناها من الواقف إلى الموقوف عليهم إلى مستثمري الأوقاف في كل عام وفي أجيال متلاحقة.
٧ - أن في الوقف على الذرية زيادة في دخل الموقوف عليهم من خلال
стр. 184
توزيع الثروة الناتجة عن الوقف على الذرية، ومن ثم قدرتهم على الاستهلاك، وتلبية حاجاتهم الضرورية، وبالتالي عدم حبس الثروات في أيد معدودة، بل تنتقل إلى الموقوف عليهم جيلاً بعد جيل وفي أزمنة متطاولة (١).
المطلب الثالث: مصالحه الاجتماعية
١ - أن الوقف على الذرية يحقق مبدأ التكافل بين الأمة المسلمة ويوجد التوازن في المجتمع، حيث قد جعل الله تعالى الناس مختلفين في الصفات متباينين في الطاقات والقدرات، فيقوى به الضعيف، ويعان منه العاجز.
٢ - أن الوقف على الذرية سبيل من سبل الترابط بين الأسرة الواحدة التي هي لبنة المجتمع الواحد، فبالوقف تدوم الصلة، ويتحاب الناس.
٣ - أن الوقف على الذرية ساعد في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، وعدم شيوع روح التذمر في الأسرة الواحدة من خلال عدالة التوزيع، وتمكين الفقير من تحصيل حاجاته الضرورية.
٤ - أن في الوقف على الذرية إظهاراً لمبدأ التضامن الاجتماعي، وشيوع روح التراحم والتوادّ بين الذرية وبين الواقف، وبالتالي قتل روح الأنانية المادية التي قد يتصف بها بعض الناس فيحرم أقرب الناس إليه.
٥ - أن في الوقف على الذرية تعزيزاً لجانب أخلاقي وسلوكي هام في ذرية الواقف وهو إغلاق أبواب الانحراف عنهم، حيث يؤوي هذا الوقف
стр. 185
النساء اللاتي طلقن حتى يتزوجن، والذين لا أعمال لهم ولا طريق لهم إلى الكسب، فيغنيهم هذا الوقف عن تكفف الناس وسؤالهم، فتنقطع حاجة هؤلاء الذين قد تُلجئهم الظروف الاقتصادية إلى سلوك دروب الانحراف بسبب الفقر والعوز والحاجة.
٦ - أن في الوقف على الذرية إشاعة لروح التراحم بين الواقف والموقوف عليهم، وهذا يؤدي إلى مزيد من التماسك الاجتماعي، فالواقف شعر بحاجة ورثته فآثرهم بإحسانه، والموقوف عليهم قدروا لواقفه شعوره بهم فأحسنوا بره وأوفوا الدعاء له، فكان الوقف الذري طريقاً من طرق بر الأولاد بوالدهم.
٧ - أن في الوقف الذري رعاية اجتماعية لفئات خاصة من الذرية مثل الأيتام والمعاقين والمساجين وأسرهم (١).
المطلب الرابع: المصالح العامة للوقف الذري
١ - أن استمرار الوقف الذري يسهم في استمرار الأوقاف الخيرية الأخرى، وبالتالي قد تنتشر الأوقاف المشتركة التي تجمع بين الوقف الذري والوقف الخيري، مما ينمي الدور الإيجابي لمؤسسة الوقف.
٢ - أن نظام الوقف -سواء كان ذرياً أو خيرياً- الأصل في أموره أن
стр. 186
تكون منضبطة والتصرفات فيه منوطة بأحكام الشرع، والقائمون عليه من النظار يحافظون عليه، ويبتعدون عن العبث به، ويخضعون في تصرفاتهم ورعايتهم للوقف للمراقبة القضائية والمحاسبة حتى لا يدخل ذلك الوقف تبديل ولا يعتبر إلا بوجوه شرعية، فليس فيه خروج ولا انحراف عن شروط الواقف الشرعية وأحكام الشرع المرعية.
٣ - أن في أحكام الوقف الذري تكاملاً مع أحكام الميراث ومع أحكام الهبة والوصية، وكلها أحكام فيها من البر والإحسان والصلة الدالة على سماحة الإسلام وعدالته ورغبته في العطاء والإنفاق في وجوه الخير والنفع (١).
والخلاصة: أن الوقف الأهلي كالوقف الخيري سواء بسواء، مشروع، وأنه من الدين، وأنه لازم بمجرد الصيغة، لا يجوز لكائن من كان إبطاله، دل عليه السنة الصحيحة، والإجماع العملي من الصحابة والتابعين وسلف صالحي الأمة.
وما زعمه المخالفون مضاراً للوقف ليس راجعاً إلى نفس الوقف، إنما يرجع إلى سوء الإدارة، أو عدم التربية الصحيحة، أو إهمال القضاة، أو منافسة المستحقين للناظر، أو عدوان بعضهم على بعض.
على أنه يقابل هذه المضار العارضة من المنافع ما هو أرجح وأولى بالاعتبار في نظر العقل الصحيح.
فالوقف تصرف من التصرفات المشروعة، والأصل في تصرفات المسلمين الصحة، فلا يجوز التعرض لنقضها إلا إذا وجد الناقض المعتبر
стр. 187
شرعاً، كيف وما من وقف إلا وصدر به حكم من الحاكم الشرعي بصحته وإقراره على ما هو عليه إما صريحا أو ضمناً.
стр. 188
الفصل الخامس: الفرق بين الوقف والهبة، والإرصاد، والوصية، والميراث، وصدقة التطوع
وفيه مباحث:
المبحث الأول: الفرق بين الوقف، والهبة.
المبحث الثاني: الفرق بين الوقف، والإرصاد.
المبحث الثالث: الفرق بين الوقف، والوصية.
المبحث الرابع: الفرق بين الوقف، والميراث.
المبحث الخامس: الفرق بين الوقف، وصدقة التطوع.
стр. 189
المبحث الأول: الفرق بين الوقف، والهبة
١ - الوقف لا يختص بمعين، بل يتعلق به حق من يأتي من البطون في المستقبل، فيكون الوقف على جميعهم إلا أنه مرتب، فالوقف يتلقاه كل بطن من واقفه، والهبة ملك للموهوب له تنتقل إلى الوارث من الموهوب له لا من الواهب.
٢ - أن الهبة يشترط فيها القبول إذا كانت لمعين، بخلاف الوقف.
٣ - أن الهبة يجوز للموهوب أن يتصرف فيها بما ينقل الملك، بخلاف الوقف.
٤ - الهبة تجوز لأهل الذمة، والأغنياء، بخلاف الوقف، كما سيأتي.
٥ - أن الوقف يقصد منه القربة، وأما الهبة فقد يقصد منها التودد والإكرام كما في حال الهدية.
стр. 190
المبحث الثاني: الفرق بين الوقف، والإرصاد
الإرصاد لغة: الإعداد، يقال: أرصد الأمر أعده.
الإرصاد: هو تخصيص الإمام غلة أرض من بيت المال لبعض مصارفه، مثل: أن يجعل غلة بعض المزارع المملوكة لبيت المال للصرف على المساجد في المنطقة، أو على الأئمة والمؤذنين والقراء، أو على المدرسين، أو على من لهم استحقاق في بيت المال لقيامهم ببعض الخدمات.
ويطلق الحنفية الإرصاد أيضا على: تخصيص ريع الوقف لسداد ديونه التي ترتبت عليه لضرورة إعماره (١).
وللعلماء قولان في حقيقة الإرصاد:
الأول: أنه مغاير للوقف، وقد صرح بذلك الحنفية، وهو ما يفهم من كلام الشافعية أيضا؛ لاختلال شرط من شروط الوقف فيه، وهو أن يكون الموقوف مملوكاً للواقف حين الوقف، والمرصِد هو الإمام أو نائبه وهو لا يملك ما أرصده، قال ابن عابدين: " الإرصاد من الإمام ليس بإيقاف البتة؛ لعدم ملك السلطان، بل هو تعيين شيء من بيت المال على بعض مستحقيه "،
стр. 191
فالفرق: أن العين الموقوفة كانت قبل الوقف ملكاً للواقف، وفي الإرصاد كانت ملكاً لبيت المال (١).
القول الثاني: اعتبار الإرصاد وقفاً في حقيقته؛ لعدم اختلال شيء من شروط الوقف فيه، فالسلطان هو الواقف لشيء من أموال بيت المال، وعليه فلا فرق بين الإرصاد والوقف من حيث الملك، ويفترقان بأن الإرصاد لا يكون إلا من الإمام (٢).
والراجح: هو القول الأول أن الإرصاد لا يعتبر وقفًا؛ لأن من شروط الواقف أن يكون مالكًا لما يوقفه، والسلطان غير مالك لأموال بيت المال.
стр. 192
المبحث الثالث: الفرق بين الوقف، والوصية
يجتمع الوقف والوصية في كثير من الأحكام؛ لكونهما من أنواع القرب والصدقات التطوعية التي لا يلزم الشارع فيها أحدا إلا في النذر، بل ندب إليها وحث عليها.
الوقف والوصية يجتمعان في عدة أمور منها:
١ - أنهما من القرب التي ندب إليها الشارع وحث عليها تداركاً لما فات الإنسان من أعمال الخير، وإحساناً إلى الموصى لهم والموقوف عليهم، وزيادة في الأجر والثواب لمن أوصى ووقف.
٢ - أنهما لا يكونان بمعصية كآلة طرب، ولا للمعصية كالوصية للكنائس والوقف عليها؛ لأن المقصود منهما البر والمعروف وزيادة الحسنات، وفي الوصية للمعصية والوقف عليها تشجيع لأهلها وترويج لها، وإعانة عليها وهي محرمة.
٣ - أن الوصية لا تجوز للكافر الحربي وكذلك الوقف عليه لعداوته وبغضه الشديدين للإسلام والمسلمين؛ ولما في ذلك من النصر له والتقوية لشوكته، وهذا من لوازم ما قبله (١).
٤ - أن الوصية تجوز للذمي وكذلك الوقف عليه (٢)؛ لما في ذلك من تأليف قلبه وترغيبه في الإسلام.
стр. 193
ويفترقان في أحكام كثيرة كما يلي:
١ - أن الوقف: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة -كما سبق (١) - بينما الوصية: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع سواء كان في الأعيان أو في المنافع (٢).
٢ - في الموضوع فموضوع الوقف المال فقط، وأما الوصية فموضوعها التبرع بالمال، والأمر بالتصرف بعد موت الموصي، كتغسيله وتكفينه ونحو ذلك، وكتنفيذ وصيته المالية.
٣ - أن الوقف لا يكون إلا من جائز التصرف، بخلاف الوصية فتصح في المال من السفيه والصغير العاقل، كما بينته في أحكام الوصية.
٤ - أن الوقف عقد لازم بخلاف الوصية، فلا تلزم إلا بعد الموت.
٥ - أن الوقف لا يصح إلا على عين ينتفع بها مع بقائها عند كثير من العلماء كما سيأتي، بخلاف الوصية.
٦ - لا يجوز الوقف على الحربي والمرتد، وتجوز الوصية لهما (٣).
٧ - لا يصح وقف أواني الذهب والفضة، بخلاف الوصية بهما فتصح.
٨ - لا يجوز تعليق الوقف إلا بالموت عند بعض العلماء، بخلاف الوصية فتصح مطلقة ومعلقة.
٩ - لا يصح وقف المحجور عليه لحظ غيره، بخلاف الوصية.
١٠ - لا يجوز الوقف على المدبر، وأم الولد عند بعض العلماء، وتصح الوصية لهما.
стр. 194
١١ - الوقف ينتقل من بطن إلى بطن ومن جهة إلى أخرى، بخلاف الوصية، فهي ملك لمن وصي له.
١٢ - لا يملك الموقوف عليه رد الوقف، وعدم قبوله عند بعض العلماء كما سيأتي، ويملك الموصى له رد الوصية.
١٣ - لا يصح شرط الخيار، أو الرجوع في الوقف عند كثير من العلماء، ويصح في الوصية.
١٤ - لا يجوز التصرف في الوقف في الجملة ببيع أو نحوه، بخلاف الوصية.
١٥ - لا يجوز وطء الأمة الموقوفة، بخلاف الموصى بها.
١٦ - أن الوقف يلزم ولا يجوز الرجوع فيه في قول عامة أهل العلم (١)؛ لحديث ابن عمر ﵄، وفيه قول رسول الله ﷺ لعمر ﵁: " إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب، ولا يورث " (٢).
أما الوصية فإنها لا تلزم، ويجوز للوصي أن يرجع في جميع ما أوصى به أو بعضه، إلا الوصية بالإعتاق، والأكثرون على جواز الرجوع فيها أيضا (٣).
وإنما كان له الرجوع في الوصية؛ لأن التبرع بها مشروط بالموت، فلم يملك إجازتها ولا ردها فقبل الموت لم يوجد التبرع (٤)، بخلاف الوقف.
١٧ - أن التمليك في الوصية ينصب -غالباً- على ذات العين الموصى
стр. 195
بها، وقد ينصب -أحياناً- على منفعة العين في حين أن الوقف يخرج العين من أن تكون مملوكة لأحد، فلا تمليك فيه أبدا، وإنما فيه تخصيص منفعة لا غير (١).
١٨ - أن التمليك في الوصية لا يتحقق، أي لا يظهر حكمه قطعا إلا بعد موت الموصي في حين يظهر حكمه في الوقف أثناء حياة الواقف وبعد مماته (٢).
١٩ - أن الوصية لا تجوز إلا في حدود الثلث، وما زاد على الثلث يقف على إجازة الورثة، فإن أجازوه جاز، وإن ردوه بطل في قول جمهور العلماء، في حين أن الوقف لا حد لأكثره، إلا إذا كان في مرض الموت أو معلقاً بالموت، فإن الوقف في مرض الموت كالوصية في حق نفوذه من الثلث، والوقف المضاف إلى ما بعد الموت وصية حتى إنه يجوز الرجوع عنه، فإن مات من غير رجوع عنه ينفذ من الثلث (٣).
٢٠ - أن الوصية لا تجوز لوارث إلا إذا أجاز الورثة ذلك.
قال ابن قدامة: " إن الإنسان إذا أوصى لوارث بوصية، فلم يجزها سائر الورثة لم تصح بغير خلاف " (٤).
بينما الوقف يجوز للوارث إلا إذا كان في مرض الموت، فالصحيح أنه لا يجوز إلا بإجازة الورثة؛ لأنه تخصيص لبعض الورثة بمال في مرضه فمنع
стр. 196
منه كالهبات، ولأن كل من لا تجوز له الوصية بالعين لا تجوز له بالمنفعة كالأجنبي فيما زاد على الثلث (١).
٢١ - أن الوقف لا يجوز تعليقه على شرط مستقبل في الحياة؛ لأنه عقد يبطل بالجهل فلم يصح تعليقه كالبيع، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية الصحة؛ لأن المسلمين على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، وأيضا فلا ضرر في تعليقه، أما الوصية فيجوز تعليقها؛ لأنها تجوز في المجهول فجاز تعليقها بالشرط (٢).
стр. 197
المبحث الرابع: الفرق بين الوقف، والميراث
١ - أحكام الوقف أكثرها اجتهادية، أما الميراث فأكثر أحكامه منصوصة في القرآن والسنة.
٢ - أن الميراث لا يكون للوارث إلا بعد موت المورث، أما الوقف فهو أعم؛ لأنه يكون في حياة الواقف وبعد مماته.
٣ - أن الميراث له أنصبة محددة وفروض مقدرة من الشرع لا يجوز تجاوزها، أما الوقف فللواقف الحق في زيادة ونقصان حصص الموقوف عليهم كيفما شاء.
٤ - أن الميراث يشترط له وجود وارث حقيقي، أما الوقف فلو وقفه واقفه ولم يحدد له مصرفا، فإنه ينصرف إلى مصرف الصدقات، وهم الفقراء أو إلى أقارب الواقف.
٥ - أن الميراث يتعلق به حقوق خاصة بالمورث كمؤنه تجهيزه، وسداد ديونه، وإخراج وصيته ثم يوزع بعد ذلك، أما الوقف فلا تتعلق به حقوق خاصة بالواقف، بل إن الواقف لا يعود إليه شيء من منافعه.
٦ - أن الميراث له مستحقون معلومون من قبل الشرع، ولا يخرج عنهم، ليس لإرادة المورث فيهم حق، فلا يدخل فيه من يشاء ولا يخرج من شاء، أما الوقف فالمستحقون للوقف يحددهم الواقف، وله أن يدخل من شاء ويخرج من شاء.
٧ - أن الميراث ليس موردا دائما ومستمرا، بل هو مورد وقتي يناله
стр. 198
الورثة بقدر أنصبتهم، ثم قد يتصرفون فيه ساعة تملكهم له ويخرجونه من ملكهم، وبعد وقت قصير لا يوجد عندهم منه شيء، أما الوقف فمورد دائم ومستمر لتحقيق غرض صاحبه في المصلحة التي أرادها الواقف، فنفعه للموقوف عليه متجدد ودائم أزمنة متطاولة، ولا يستطيع الموقوف عليه التصرف فيه لا ببيع ولا هبة ولا ميراث.
٨ - أن الميراث يخص جيلا معينا دون غيرهم وهم ورثة المورث فيكون الانتفاع بالإرث في بعض الأحيان مقصورا على الورثة، أما الوقف فهو ممتد للأجيال التالية؛ فينتفعون به بعد الأجيال السابقة أزمنة عديدة.
стр. 199
المبحث الخامس: الفرق بين الوقف، وصدقة التطوع
يفترقان فيما يلي:
١ - أن الوقف صدقة بالمنفعة دون العين، وصدقة التطوع تكون بالعين مع منفعتها.
٢ - أن الوقف يقصد منه غالبا بقاء العين لاستمرار الأجر، وصدقة التطوع قد يقصد منها هذا، وقد ينتفع بها مع فناء عينها.
стр. 200
الباب الثاني [¬*]: أركان الوقف، وشروط صحته
وفيه فصلان:
الفصل الأول: أركان الوقف.
الفصل الثاني: شروط صحة الوقف.
стр. 201
الفصل الأول: أركان الوقف
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تعريف الركن لغة واصطلاحاً.
المبحث الثاني: تعداد الأركان.
المبحث الثالث: قسما الصيغة.
стр. 202
المبحث الأول: تعريف الركن لغة، واصطلاحاً
الرُّكن لغة: بضم الراء: جانب الشيء الأقوى، وركن الشيء: جانبه الذي يسكن إليه، فيكون عينه (١).
وأما في الاصطلاح: فقد اختلف العلماء في تعريفه على قولين:
عرف الحنفية الركن بأنه: جزء الشيء الذي لا يتحقق إلا به (٢).
وعرف جمهور الفقهاء غير الحنفية الركن بأنه: ما لا يتم الشيء إلا به، سواء كان جزءا منه أم لا (٣).
стр. 203
المبحث الثاني: تعداد الأركان
وبناء على اختلافهم في تعريف الركن اختلفوا في أركان الوقف على قولين:
القول الأول: للحنفية، وهو أن ركن الوقف واحد، وهو الصيغة -وهي الألفاظ الدالة على معنى الوقف- كقوله: أرضي هذه الموقوفة مؤبدة على المساكين، ونحو ذلك من الألفاظ، وعليه تعتبر الأرض وقفا بهذه الصيغة التي هي الإيجاب الصادر من الواقف الدال على إنشاء الوقف، وقد تم الوقف بإرادة الواقف نفسه، ولا يفتقر الإيجاب عندهم إلى القبول؛ لأن الوقف إزالة ملك يمنع البيع والهبة والميراث فلم يطلب له القبول كالعتق؛ لأن ركن الوقف هو إيجاب الواقف وقد تحقق (١).
قال ابن نجيم: " وأما ركنه فالألفاظ الدالة عليه " (٢).
والقول الثاني: لجمهور الفقهاء: المالكية، والشافعية، والحنابلة الذين ذهبوا إلى أن أركان الوقف أربعة هي:
١ - الواقف، وهو: المتبرع بالمال الموقوف.
٢ - الموقوف، وهو: المال الموقوف.
٣ - الموقوف عليه، وهو: المستفيد من الوقف.
стр. 204
٤ - الصيغة، وهي: ما ينعقد به الوقف.
قال الخرشي: " وأركان الوقف أربعة: العين الموقوفة، والصيغة، والواقف، والموقوف عليه " (١).
وما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن أركان الوقف أربعة هو الأرجح؛ لأن الوقف لا يتصور إلا بوجود واقف، وموقوف، وموقوف عليه، وصيغة.
стр. 205
المبحث الثالث: قسما الصيغة
للوقف صيغتان:
الأولى: الصيغة القولية.
الثانية: الصيغة الفعلية.
وفيه مطالب:
المطلب الأول: الصيغة القولية
وهي أن يأتي الواقف بلفظ دال على معنى وقف العين، والتصدق بمنفعتها، وهي الإيجاب مطلقاً، والقبول إذا كان على معين كما سيأتي.
الإيجاب لغة: الإلزام.
والقبول: مأخوذ من قبلت العقد أقبله قبولاً، بالفتح، وحكي بالضم، يقال: قبلت القول أي صدقته، وقبلت الهدية أي أخذتها (١).
وفي الاصطلاح: عند جمهور أهل العلم: الإيجاب ما صدر من المالك (الواقف).
والقبول: ما صدر من متملك المنفعة الموقوف عليه.
стр. 206
والألفاظ التي تستعمل في الصيغة -الإيجاب- قسمان:
١ - ألفاظ صريحة في الوقف.
٢ - ألفاظ كنائية في الوقف.
أولاً: الألفاظ الصريحة في الوقف:
وهي ما اشتهر استعمالها في معنى الوقف، فيصير وقفا بها من غير انضمام أمر زائد إليها.
أو ما لا تحتمل إلا الوقف.
وهي ثلاثة ألفاظ: ١ - الوقف ٢ - الحبس ٣ - التسبيل.
وهذا هو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
قال الماوردي ﵀ -: "فأما الصريح فثلاثة ألفاظ: الوقف، والحبس، والتسبيل" (٣)، وقال ابن قدامة ﵀: " ألفاظ الوقف ستة، ثلاثة صريحة … فالصريحة: وقفت، وحبست، وسبلت" (٤).
وعند المالكية على الراجح (٥)، وبه قال بعض الشافعية (٦)، وبعض الحنابلة (٧): أن الصريح: لفظ: الوقف، والتحبيس.
стр. 207
وعند الحنفية (١): الصيغة لا تخلو من أمور:
يشترط الحنفية على المعمول به لصحة الوقف أن يكون مؤبدا؛ بأن يكون آخره مشروطاً صراحة أو دلالة لجهة بر لا تنقطع، غير أنهم يختلفون في اشتراط ذكر التأبيد أو ما يقوم مقامه نصاً في صيغة الوقف.
فأبو يوسف ﵀ - لا يشترط ذكر التأبيد، وإنما يشترط خلو الصيغة عما ينافيه وهو المعتمد.
ومحمد ﵀: يشترط ذلك.
وعلى هذا فإذا ذكر الواقف جهة بر دائمة كالفقراء انصرف إليها بالاتفاق.
وإذا ذكر أناسا معينين وشرط انصراف الوقف بعدهم لجهة بر دائمة كالفقراء صح الوقف بالاتفاق.
وإذا ذكر أناسا معينين ولم يذكر بعدهم جهة دائمة، فإن اقتصر على لفظ الوقف مع حصره بأشخاص بطل بالاتفاق، وإن ذكر مع لفظ الوقف التأبيد أو لفظ صدقة بأن قال: عقاري صدقة موقوفة على فلان وفلان، أو هو وقف على أولادي أبداً صح الوقف مؤبداً عند أبي يوسف، وهو الأرجح عند فقهاء المذهب وينصرف بعد انقراض المعين إلى الفقراء، ولم يصح عند محمد (٢).
وحجة الشافعية، والحنابلة ما يأتي:
١ - أما الوقف: فهو صريح بالعرف وكثرة الاستعمال، وانضم إلى ذلك عرف الشرع.
стр. 208
٢ - وأما الحبس، والتسبيل: فهما صريحان بالعرف الشرعي في قوله ﷺ لعمر ﵁: "حبس الأصل، وسبل الثمرة " (١).
وحجة القول الثاني:
قال الحارثي: " والصحيح أنه -لفظ التسبيل- ليس صريحاً "؛
١ - لقوله ﷺ : " حبس الأصل، وسبل الثمرة " (٢).
غاير بين معنى التحبيس والتسبيل، فامتنع كون أحدهما صريحاً في الآخر.
٢ - أنه قد علم كون الوقف هو الإمساك في الرقبة عن أسباب التملكات، والتسبيل إطلاق التمليك، فكيف يكون صريحاً في الوقف؟ " (٣).
ثانياً: الألفاظ الكنائية في الوقف:
وهي ما كانت تحمل معنى الوقف ومعنى غيره، مثل: ١ - تصدقت ٢ - حرمت ٣ - أبدت.
قال ابن قدامة ﵀: " وأما الكناية فهي: تصدقت، وحرمت، وأبدت، فليست بصريحة " ثم قال: " فالصدقة تستعمل في الزكاة والهبات، والتحريم يستعمل في الظهار والأيمان ويكون تحريماً على نفسه وعلى غيره، والتأبيد يحتمل تأبيد التحريم، وتأبيد الوقف، ولم يثبت لهذه الألفاظ عرف الاستعمال فلا يحصل الوقف بمجردها، .... فإن انضم إليها أحد ثلاثة أشياء حصل الوقف بها:
стр. 209
أحدها: أن ينضم إليها لفظة أخرى من الألفاظ الخمسة، فيقول: صدقة موقوفة أو محبسة أو مسبلة أو محرمة أو مؤبدة، أو يقول: هذه محرمة موقوفة، أو محبسة أو مسبلة أو مؤبدة.
والثاني: أن يصفها بصفات الوقف، فيقول: صدقة لا تباع، ولا توهب ولا تورث؛ لأن هذه القرينة تزيل الاشتراك.
والثالث: أن ينوي الوقف، فيكون على ما نوى، إلا أن النية تجعله وقفا في الباطن دون الظاهر؛ لعدم الإطلاع على ما في الضمائر، فإن اعترف بما نواه لزم في الحكم؛ لظهوره، وإن قال: ما أردت الوقف، فيقبل قوله؛ لأنه أعلم بما نوى " (١).
وقد جعل الماوردي ﵀ ألفاظ الوقف ثلاثة أقسام:
١ - قسم صريح في الوقف، وهو ألفاظ: الوقف، والحبس، والتسبيل.
٢ - قسم كناية في الوقف، وهو لفظة: الصدقة.
٣ - وقسم ثالث مختلف في كونه صريحاً في الوقف أو كنايةً فيه، وهما لفظا: التحريم، والتأبيد (٢).
فالوجه الأول: أنهما كناية؛ وذلك لأنهما لم يرد لهما عرف في الشرع ولا في اللغة، فلم يصح الوقف بمجردهما كلفظة التصدق.
الوجه الثاني: أنهما صريح؛ لأن التأبيد والتحريم في غير الأبضاع لا يكون إلا بالوقف، فحمل عليه (٣).
стр. 210
وعند المالكية: الألفاظ الصريحة: حبست، ووقفت، وما عداها لا ينعقد بها الوقف إلا إذا قارنها قيد (١).
قال الخرشي: "يصح ويتأبد الوقف إذا قال: تصدقت على الفقراء والمساكين، أو على طلبة العلم، وما أشبه ذلك إذا قارنه قيد، كقوله: لا يباع ولا يوهب " (٢).
فإن لم يكن قيد كان هبة.
وعند شيخ الإسلام ﵀: أن عقد الوقف ينعقد بما دل عليه العرف.
قال شيخ الإسلام ﵀: " وذلك أن الله ذكر البيع والإجارة والعطية مطلقاً في كتابه ليس لها حد في اللغة، ولا الشرع فيرجع فيها إلى العرف، والمقصود بالخطاب إفهام المعاني، فأي لفظ انعقد به مقصود العقد انعقد به، وعلى هذا قاعدة الناس إذا اشترى أحد لابنه أمة، وقال: خذها لك استمتع بها، ونحو ذلك كان ذلك تمليكاً عندهم " (٣).
الأدلة:
دليل الجمهور: أن هذه الألفاظ المعينة هي وردت في السنة والآثار -كالوقف، والحبس، والتسبيل، والصدقة-، أو اقتضتها دلالة اللغة، فالتأبيد والتحريم دالان لغة على الدوام والاستمرار.
وأما دليل شيخ الإسلام:
١ - الأدلة الدالة على اشتراط رضا الواقف (٤).
وجه الدلالة: أنه رضي بإخراج ملكه لله مؤبداُ على هذا الوجه.
стр. 211
(٤٠) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁، وفيه قوله ﷺ : " .... اذهب فقد ملكتها بما معك من القرآن " (١).
فدل الحديث على أن النكاح ينعقد بغير لفظ الإنكاح أو التزويج، بل بما دل عليه العرف.
(٤١) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ثابت وشعيب بن الحبحاب، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ : "أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها" (٢).
وجه الدلالة كسابقه.
المطلب الثاني: الصيغة الفعلية
اختلف الفقهاء في جواز الوقف بالفعل، دون إصدار لفظ من الواقف يدل على الوقف على قولين:
القول الأول: يجوز الوقف بالفعل، وأنها تقوم مقام الصيغة اللفظية.
وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٣)، واختاره شيخ الإسلام.
стр. 212
لكن قيد الحنفية بجريان العرف.
وقيد الحنابلة الوقف على الفقراء والمساكين والمعين بالعرف.
قال ابن نجيم: " إنه لا يحتاج في جعله مسجدا إلى قوله: وقفت ونحوه؛ لأن العرف جار بالإذن في الصلاة على وجه العموم، والتخلية بكونه وقفا على هذه الجهة، فكان كالتعبير به … بخلاف الوقف على الفقراء ولم تجر العادة فيه بالتخلية والإذن بالاستغلال، ولو جرى به عرف اكتفينا بذلك " (١).
وقال هلال: " وإذا جعل الرجل داره مسجداً للمسلمين، وبناها كما تبنى المساجد، وأشهد على أنه جعلها مسجداً لله تعالى، فهذا عندنا جائز وإن لم يكن صلى فيها " (٢).
وقال الدسوقي: "وما يقوم مقامها -أي ألفاظ وقفت وحبست-، كالتخلية بين المسجد وبين الناس، ولم يخص قوما دون قوم، ولا فرضا دون نفل، فإذا بنى مسجدا وأذن فيه للناس فذلك كالتصريح بأنه وقف، ولم يخص زمانا ولا قوما، ولا قيد الصلاة بكونها فرضا أو نفلا، فلا يحتاج شيء من ذلك ويحكم بوقفيته " (٣).
وقال ابن قدامة: " ويصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه، مثل أن يبني مسجدا ويأذن للناس في الصلاة فيه، أو مقبرة ويأذن في الدفن فيها، أو سقاية ويأذن في دخولها … " (٤).
القول الثاني: أن الوقف لا يصح إلا باللفظ.
وعليه فلا يصح الوقف بالفعل إلا المسجد إذا بناه في أرض موات ونوى
стр. 213
به المسجد صار مسجدا قائما، ولم يحتج إلى صريح قول بأنه مسجد؛ لأن الفعل مع النية يغنيان عن القول.
وعلى قياس ذلك غير المسجد من المدارس، والربط، وأما المسجد في أرض مملوكة، فلا يصح بالفعل.
وإشارة الأخرس المفهومة، وكتابته، وكتابة الناطق كاللفظ.
وهذا مذهب الشافعية (١).
والقول بأن الوقف لا ينعقد إلا باللفظ رواية عن الإمام أحمد (٢).
قال النووي: " فلا يصح الوقف إلا بلفظ؛ لأنه تمليك للعين والمنفعة، أو المنفعة، فأشبه سائر التمليكات " (٣).
قال الأسنوي: " وقياس ذلك إجراؤه في غير مسجد أيضا من المدارس والربط " (٤).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (صحة الوقف بالفعل)
استدل القائلون بصحة الوقف عن طريق الفعل بالأدلة الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (٥)، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٦).
стр. 214
(٤٢) ٢ - ما رواه عبد الله من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبد الملك بن حسن الجاري، عن عمارة بن حارثة، عن عمرو بن يثربى قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: " ألا ولا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه، فقلت: يا رسول الله أرأيت أن لقيت غنم ابن عمي أجتزر (١)، منها شاة؟ فقال: إن لقيتها نعجة تحمل شفرة (٢)، وأزنادا (٣) بخبت الجميش (٤) فلا تهجها (٥)، قال: يعني بخبت الجميش أرضا بين مكة والجار ليس بها أنيس " (٦).
стр. 215
(٤٣) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحلبنَّ أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه " (١).
وجه الدلالة: أنَّ المعاطاةَ تدلُّ عُرفاً على الرضا، فيلزم من ذلك صحة العقد بها؛ لأنَّ اللفظَ إنما يُرادُ للدلالة على التراضي، فإذا وجد ما يدل عليه قام مقامه، وأجزأ عنه لعدم التعبد فيه (٢).
٤ - أنَّ من تتبع ما ورد عن النبي ﷺ والصحابة -رضوان الله عليهم- من أنواع المبايعات والمؤجرات والتبرعات، علم ضرورة أنهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة، ولو استعلموا ذلك في عقودهم لنقل نقلا شائعا، ولو كان ذلك شرطا لوجب نقله، ولم يتصور إهماله والغفلة عن نقله؛ لأن العقود مما تعم بها البلوى، فلو اشترط لها صيغة معينة لبينها النبي ﷺ بيانا عاما للناس حتى لا يخفى عليهم حكمها، وإنما المنقول خلاف ذلك في آثار كثيرة منها: