← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وعند المالكية: العطية تمليك متمول بغير عوض إنشاءً (١). فيدخل في ذلك: العارية، والحبس، والعمرى، والصدقة، والهبة. وعند الشافعية هي: تبرع الإنسان بماله على غيره، وتنقسم إلى: ١ - عطية بعد الموت وهي الوصية. ٢ - عطية في الحياة، وهي قسمان: الأول: الصدقات المحرمات، وهي الوقف. الثاني: تمليك محض، وهي الهبة، والهدية، والصدقة (٢). وعند الحنابلة: أنها نوع من أنواع الهبة. جاء في كشاف القناع "وأنواع الهبة: صدقة، وهدية، ونحلة، وهي العطية، ومعانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بلا عوض، تجري فيها أحكامها، أي أحكام كل واحدة من هذه المذكورات تجري في البقية " (٣). وخصها بعض العلماء بالهبة في مرض الموت. المسألة الرابعة: تعريف الهدية: قال ابن فارس: " الهاء والدال والحرف المعتل: أصلان أحدهما التقدُّمُ للإرشاد، والآخر بَعْثَةُ لَطَفٍ" (٤). وفي القاموس المحيط: " والهَديَّة كَغَنِيَّة: ما أُتْحِفَ به، جمعه: هَدَايَا، وهَدَاوَى، وتُكْسَرُ الواوُ وهَداوٍ، وأهْدَى الهديَّةَ وهَدَّاها، والمِهْدَى: الإناءُ

стр. 1542

يُهْدَى فيه، والمرأة الكثيرة الإهْداء، والهِداء: أن تجيء هذه بطعام وهذه بطعام فتأكلا معاً في مكان " (١). فالهدية: " ما حمل إلى مكان المهدي إليه إعظاما له وإكراما وتودداً " (٢). المطلب الثاني: الأصل فيها من حديث الدليل الأصل في الهبة من حديث الدليل: القرآن: ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). ففيه دليل على جواز الهبة، لكن النكاح بالهبة من خصائص النبي ﷺ . والسنة، وآثار الصحابة ﵃: وسيأتي كثير من ذلك في ثنايا البحث. وأما الإجماع: فقد انعقد الإجماع على جواز الهبة، نقله كثير من أهل العلم. قال ابن المنذر: " وأجمعوا أن الرجل إذا وهب لرجل داراً، أو أرضاً أو عبداً على غير عوض بطيب من نفس المعطي، وقبل الموهوب له ذلك، وقبضه بدفع من الواهب ذلك إليه وأجازه أن الهبة تامة " (٥).

стр. 1543

وقال ابن هبيرة: "واتفقوا على أن الهبة تصح بالإيجاب والقبول والقبض" (١). والنظر: فلما فيها من الاقتداء بالنبي ﷺ ، وامتثال أمره ﷺ ، والتعاون على البر والتقوى، وإشاعة الحب والتواد بين الناس، وسل سخائم القلوب، وتعليم الجاهل، وغير ذلك من المصالح. وانظر ما سيأتي في المطلب الرابع من التمهيد من حكم الهبة. المطلب الثالث: حُكْمها أما حكمها التكليفي: فمستحبة، حكي الإجماع على ذلك، ما لم يترتب على ذلك محظور (٢). قال الشربيني: " وانعقد الإجماع على استحباب الهبة بجميع أنواعها .... ، وقد يعرض لها أسباب تخرجها عن ذلك: منها الهبة لأرباب الولايات والعمال، فإنه يحرم عليهم قبول الهدية من أهل ولاياتهم ممن ليست له عادة بذلك قبل الولاية كما هو محرر في محله، ومنها: ما لو كان المتهب يستعين بذلك على معصية " (٣). ويستحب أن يعلمها ولده، ففي مجمع الأنهر: " قال الإمام أبو منصور:

стр. 1544

يجب على المؤمن أن يعلم ولده الجود والإحسان كما يجب أن يعلمه التوحيد والإيمان؛ إذ حب الدنيا رأس كل خطيئة " (١). قال ابن القيم: " والأمة مجمعة على جواز أكل الهدية، وإن كانت من فاسق أو كانت من صبي، ومن نازع في ذلك لم يمكنه العمل بخلافه، وإن قاله بلسانه " (٢). وقال: " الهدية إذا شرفت وخرجت عن حد الحقارة وقعت موقعا حسنا عند المهدى إليه، ودلت على شرف نفس المهدي وكبر همته " (٣). قال النووي: " قال أصحابنا: وفعلها مع الأقارب ومع الجيران أفضل من غيرهم؛ للأدلة المتكاثرة في فضل صلة الرحم، وإكرام الجار ". ويهدي القليل والكثير: قال النووي: " ينبغي أن لا يحتقر القليل فيمتنع من إهدائه، وأن لا يستنكف المهدى إليه عن قبول القليل " (٤). (١) لما رواه البخاري ومسلم من طريق المقبرى، عن أبيه، عن أبى هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " يا نساء المسلمات لا تَحْقِرنَّ جارة لجارتها، ولو فِرْسِنَ شاة (٥) " (٦). قال الشيخ ابن باز: " وفي الحديث الحض على التهادي ولو باليسير؛

стр. 1545

لأن الكثير قد لا يتيسر كل وقت، وإذا تواصل اليسير صار كثيرا، وفيه استحباب المودة وإسقاط التكلف " (١). قال ابن بطال: " قوله: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) حض على الصدقة بالقليل، وقد تصدقت عائشة بتمرة، وتصدقت بحبة عنب، وقالت: كم فيها من مثاقيل الذر، ومثله قوله ﷺ لأبى تميمة الهجيمي: " لا تحقرن شيئًا من المعروف ولو أن تضع من دلوك في إناء المستقي " " (٢). والصدقة في معنى الهبة. (٢) ولما روى البخاري من طريق شعبة، عن سليمان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي ذراع أو كراع لقبلت " (٣). قال ابن عبد البر: " وفي رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة كان يهدي إلى أصحابه وغيرهم .... " (٤). ويستحب أن يقدم أقاربه في هديته؛ (٣) لما روى البخاري من طريق كريب مولى ابن عباس، أن ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ أعتقت وليدة، فقال لها: " لو وصلت بعض أخوالك كان أعظم لأجرك " (٥). وذوي الفضل والعلم؛ (٤) لما روى البخاري من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: " أن

стр. 1546

الناس كانوا يتحرون بهداياهم ﷺ يوم عائشة، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ " (١). وأقرب الجارين باباً (٢)؛ (٥) لما روى البخاري من طريق طلحة بن عبد الله، عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيّهما أهدي؟ قال: " إلى أقربهما منك باباً " (٣). وتحرم إذا كانت في موضع الرشوة كهدايا العمال كما سيأتي (٤). وتكره كما نص الحنابلة (٥) إذا كانت مباهاة أو سمعة أو رياء. (٦) لما روى البخاري ومسلم من طريق سلمة بن كهيل، عن جندب العلقي قال: قال رسول الله ﷺ : " من يسّمع يسّمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به " (٦). ويظهر أن الاقتصار على الكراهة حال السمعة والرياء فيه نظر؛ لما تقدم من الحديث؛ إذ دل على عقوبة شديدة لا تكون إلا على ذنب عظيم. ولأن الرياء نوع من الشرك الأصغر. وتباح الهبة: إذا كانت لجميع المال بشرطه (٧).

стр. 1547

المطلب الرابع: حِكَمُها الهبة لها حِكَمٌ كثيرة، منها: امتثال أمر الله، وأمر رسوله ﷺ والإقتداء به، قال الله : ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (١). ويدخل في ذلك الهبة. (٧) ولما روى البخاري من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها " (٢). ولما في ذلك من التعاون على البر والتقوى، ولما فيها من الاتصاف بصفات الكمال، ولهذا وصف الله بها نفسه، قال الله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (٤). ولما فيها من تعويد النفس على صفات الكرم، وحسن الخلق والبعد عن صفات الشح والبخل، قال الله : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾ (٥).

стр. 1548

ولما فيها من حسن الثناء في الدنيا بالكرم والجود. ولما فيها من بر الوالدين وصلة الرحم، بالتهادي بين الأقارب، وإكرام الجار، ونفع المسلمين، ولأنها تولد المحبة والألفة، وتسل سخائم القلوب وضغائنها (١). (٨) لما رواه البخاري في الأدب المفرد من طريق ضمام بن إسماعيل، قال: سمعت موسى بن وردان، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " تهادوا تحابوا" (٢).

стр. 1549

(٩) وما رواه البزار من طريق حميد بن حمَّاد بن أبي الخوار، ثنا عائذ بن شريح قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : " يا معشر الأنصار تهادوا، فإنَّ الهديَّةَ تسلُّ السّخيمةَ، لو أُهدي إليَّ كراعٍ لقبلتُهُ، ولو دُعيتُ إلى ذراعٍ لأجبتُ " (١).

стр. 1550

(١٠) وما رواه الإمام أحمد من طريق أبي معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " تهادوا، فإنَّ الهديَّةَ تذهب وغر الصدر" (١).

стр. 1551

(١١) وما رواه البخاري في الأدب المفرد: حدثنا موسى، قال: حدثنا سليمان بن المُغيرة، عن ثابت قال: كان أنس بن مالك ﵁ يقول: " يا بنيَّ تباذلوا بينكم؛ فإنه أودُّ لما بينكم " (١) (صحيح). قال الشاعر: إن الهدايا لها حظ إذا وردت … أحظى من الابن عند الوالد الحدب (٢) ولما في ذلك من اكتساب الأجر عند الله . ولما قد تضمنه من تفريج كربة المسلم، وسد حاجته. ولما في ذلك من التأليف على الإسلام بالإهداء إلى المشركين، وقبول الهدية منهم. ولما في ذلك من الدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالإهداء إلى أهل المعاصي.

стр. 1552

ولما في ذلك من حسن العشرة الزوجية بالتهادي بين الزوجين. وفي الأمثال: إذا قدمت من سفرك فأهد إلى أهلك ولو حجرا. وقال الفضل بن سهيل: " ما استرضي الغضبان، ولا استعطف السلطان، ولا سلت السخائم، ولا دفعت المغارم، ولا استميل المحبوب، ولا توقي المحذور بمثل الهدية ". وفي كلام بعضهم: يفرح بالهدية خمسة: المهدي إذا وفق للفضل، والمهدى إليه إذا أهل لذلك، والحمال إذا حملها، والملكان إذ يكتبان الحسنات ". المطلب الخامس: الفرق بين الهبة، والهدية، والصدقة، والعطية، والرشوة، والوقف، والوصية وفيه مسائل: المسألة الأولى: الفرق بين الهبة، والهدية، والعطية. الهبة، والهدية، والعطية: معانيها متقاربة، قال ابن قدامة: " وجملة ذلك أن الهبة والصدقة والهدية معانيها متقاربة، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض، واسم العطية شامل لجميعها، وكذلك الهبة " (١). * والفرق بين الهبة والهدية من وجوه:

стр. 1553

الأول: أن الهبة إذا حملت إلى مكان الموهوب له إكراماً وإعظاماً فهي هدية، من إهداء النعم إلى الحرم، ولذا لا يدخل لفظ الهدية في العقار، فلا يقال: أهديت له أرضاً، وإنما تطلق في المنقولات (١). الثاني: أن الهدية يقصد منها التقرب إلى المهدى إليه والمحبة له بخلاف الهبة (٢)، فقد يقصد منها مجرد نفع المعطى. قال الشربيني: " وإذا انضم إلى تمليك المحتاج بقصد ثواب الآخرة النقل إلى مكانه، فتكون هدية وصدقة، وقد تجتمع الأنواع الثلاثة فيما لو ملك محتاجا لثواب الآخرة بلا عوض، ونقله إليه إكراما بإيجاب وقبول ". قال السبكي: " والظاهر أن الإكرام ليس شرطا، فالشرط هو النقل ". قال الزركشي: " وقد يقال احترز به عن الرشوة، ولا يقع اسم الهدية على العقار ". فإن قيل: قد صرحوا في باب النذر أن الشخص لو قال: لله علي أن أهدي هذا البيت مثلا صح وباعه ونقل ثمنه؟ أجيب: " بأنهم توسعوا فيه بتخصيصه بالإهداء إلى فقراء الحرم، وتعميمه في المنقول وغيره" (٣). الثالث: قال في الشرح الممتع: " الغالب أن الهدية تكون من الأدنى إلى الأعلى؛ لأن الأدنى لا يريد أن ينفع الأعلى وإنما يريد التودد إليه، والهبة تكون مع المساوي، ومع من دونه، لكنه لا يقصد بها ثواب الآخرة قصداً أولياً " (٤).

стр. 1554

* والفرق بين الهبة، والعطية: أن الهبة حال الصحة، وأما العطية فقد اصطلح كثير من الفقهاء على أن العطية هي الهبة حال مرض الموت (١). وأيضا: فإن العطية تخالف الهبة في الأحكام؛ إذ لها حكم الوصية في كثير من المسائل كما سيأتي تقريره في مبحث " الهبة في مرض الموت ". المسألة الثانية: الفرق بين الهبة، والصدقة. الفرق بين الهبة والصدقة من وجوه: الأول: أن الصدقة يقصد بها ثواب الآخرة ومحض التقرب إلى الله تعالى، وأما الهبة فيقصد بها نفع الموهوب له. قال شيخ الإسلام: " الصدقة ما يعطى لوجه الله عبادة محضة من غير قصد في شخص معين ولا طلب غرض من جهته لكن يوضع في مواضع الصدقة كأهل الحاجات، وأما الهدية فيقصد بها إكرام شخص معين إما لمحبة وإما لصداقة وإما لطلب حاجة، ولهذا كان النبي ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها، فلا يكون لأحد عليه منة، ولا يأكل أوساخ الناس التي يتطهرون بها من ذنوبهم وهي الصدقات، ولم يكن يأكل الصدقة لذلك وغيره " (٢). الثاني: أن الصدقة أفضل إلا أن يكون في الهبة معنى يقتضي تفضيلها كالإهداء له ﷺ محبة، وللقريب ففيها معنى الصلة للرحم، ونحو ذلك. قال شيخ الإسلام: " فالصدقة أفضل إلا أن يكون في الهدية معنى تكون به أفضل من الصدقة، مثل الإهداء لرسول الله ﷺ محبة له، ومثل الإهداء لقريب يصل به رحمه وأخ له في الله، فهذا قد يكون أفضل من الصدقة " (٣).

стр. 1555

الثالث: أن الهبة تجوز لآل النبي ﷺ بخلاف الصدقة، فالجمهور على جواز الصدقة لآل بيت النبي ﷺ ، لكن يكره ذلك على المعتمد عند المالكية (١). الرابع: قال في الشرح الممتع: " والفرق بين الهدية والصدقة: أن ما قصد به التودد والألفة فهو هدية؛ لما جاء في الحديث: «تهادوا تحابوا»، وما قصد به التقرب إلى الله فهو صدقة، وعلى هذا فتكون الصدقة للمحتاج، والهدية للغني" (٢). المسألة الثالثة: الفرق بين الهبة، والرشوة: بين الهبة والرشوة فروق: ١ - أن أصل الهبة مندوب إليها شرعاً، ولكن هذا في حقِّ من لم يتعين لعمل من أعمال المسلمين، فأما من تعيَّنَ لعمل كالقضاةِ والولاة والعمال والموظفين ونحوهم، فعليهم التحرُّزُ عن قبولها خصوصاً ممن كان لا يهدى إليه قبل ولايته؛ لأنها تكون من باب الاستمالة لقضاء حاجةٍ من الحاجات التي يجب على الموظف قضاؤها بدون إهداء، فإذا حصل الإهداء كان هذا نوعاً من الرشوة، أما إذا علم أن المهاداة من أجل معنى آخر وليس من أجل العمل، كالقرابة مثلاً أو كان بينهما مهاداة، فلا بأس، وسيأتي بيان ذلك في بيان أقسام الهدية للموظفين. قال شيخ الإسلام: " قال العلماء: إن من أهدى هدية لولي أمر ليفعل معه

стр. 1556

ما لا يجوز كان حراما على المهدي والمهدى إليه، وهذه من الرشوة التي قال فيها النبي ﷺ : "لعن الله الراشي والمرتشي" " (١). قال ابن القيم: " والفرق بين الهدية والرشوة وإن اشتبها في الصورة والقصد، فإن الراشي قصده بالرشوة التوصل إلى إبطال حق أو تحقيق باطل، فهذا الراشي الملعون على لسان رسول الله، فإن رشا لدفع الظلم عن نفسه اختص المرتشي وحده باللعنة، وأما المهدي فقصده استجلاب المودة والمعرفة والإحسان، فإن قصد المكافأة فهو معاوض، وإن قصد الربح فهو مستكثر" (٢). ٢ - أن المرتشي في جميع الأحوال يكون آثماً، بل يكون فاعلا لكبيرة من الكبائر، ويدل لذلك ورود اللعن للمرتشي (٣). وإذا وقع من الحاكم قبول الرشوة، فإنه ينعزل لبطلان عدالته بصدور هذه المعصية الكبيرة منه، فإن النبي ﷺ قال: " لعنة الله على الراشي والمرتشي" (٤). ٣ - بذل الرشوة على حق أو لدفع الضرر والظلم لا يأثم فيها الباذل. قال شيخ الإسلام: " فأما إذا أهدى له هدية ليكف ظلمه عنه، أو ليعطيه حقه الواجب كانت هذه الهدية حراما على الآخذ وجاز للدافع أن يدفعها إليه" (٥). ٤ - بذل الأموال للحصول على المناصب والأعمال رشوة محرمة هذا من حيث الأصل، وسيأتي في هدايا الموظفين. ٥ - بذل الرشوة لإبطال حق أو إحقاق باطل يأثم فيها الراشي والمرتشي والرائش باتفاق.

стр. 1557

٦ - ما يأخذه أصحاب السلطة من هدايا لقاء دفع الظلم عن المظلوم هو من باب الرشوة المحرمة. ٧ - تسمية الرشوة بغير اسمها لا يغير حقيقتها. ٨ - الرشوة ليست قاصرة على إعطاء الأعيان المالية، وإنما تشمل إعطاء المنافع. ٩ - ما يأخذه الشهود من الهدايا وقت الخصومة من الخصمين هو من باب الرشوة المحرمة. ١٠ - هدية المفتي على نوعين: إما أن يُهدى إليه لعلمه وصلاحه تحبباً وتودداً إليه، فهذا جائز. وإما أن يُهدى إليه لغرض دنيوي، كالترخيص في الفتوى، فهذا لا يجوز. قال ابن القيم: " وأما الهدية ففيها تفصيل: فإن كانت بغير سبب الفتوى كمن عادته يهاديه أو من لا يعرف أنه مفت فلا بأس بقبولها، والأولى أن يكافئ عليها وإن كانت بسبب الفتوى، فإن كانت سببا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره ممن لا يهدي له لم يجز له قبول هديته، وإن كان لا فرق بينه وبين غيره عنده في الفتيا، بل يفتيه بما يفتي به الناس كره له قبول الهدية؛ لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء. وأما أخذ الرزق من بيت المال، فإن كان محتاجا إليه جاز له ذلك، وإن كان غنيا عنه ففيه وجهان، وهذا فرع متردد بين عامل الزكاة وعامل اليتيم، فمن ألحقه بعامل الزكاة قال: النفع فيه عام فله الأخذ، ومن ألحقه بعامل اليتيم منعه من الأخذ وحكم القاضي في ذلك حكم المفتي، بل القاضي أولى بالمنع، والله أعلم " (١).

стр. 1558

١١ - يقاس على هدية المفتي هدية الواعظ والمدرس، وسيأتي بيان ذلك في هدايا الموظفين. ١٢ - يحرم على القاضي أن يأخذ الهديَّةَ ممن له خصومةٌ مطلقاً. ١٣ - تخرج الرشوة عن ملك الراشي إذا بُذِلَت لعمل مُحَرَّم، وتكون لبيت المال عقوبة له، وإذا دُفعت لعملٍ مباح جاز ردُّها إلى صاحبها. ١٤ - جريمة الرشوة ماليَّة تثبت بما تثبت به الأموال من الشهادة، أو إقرار المتهم على نفسه، أو القرينة القاطعة. ١٥ - عقوبة الرشوة من العقوبات التعزيريَّة التي يختار لها الحاكم ما يتناسب معها وفق أحكام الشريعة الإسلامية. ١٦ - ملكية المرتشي للرشوة قائمة على الحرام فلا تحقق؛ لأنها لم تستند إلى سبب شرعي. المسألة الرابعة: الفرق بين العطية، والوصية. قرر الفقهاء أنَّ حكمَ العطايا في مرض الموت المخوف يأخذ حكم الوصية في خمسة أشياء: أحدها: أنه يقف نفوذها على خروجها من الثلث، أو إجازة الورثة. الثاني: أنها لا تصح لوارث، إلا بإجازة الورثة. الثالث: أن فضيلتها ناقصة عن فضيلة الصدقة في الصحة؛ لحديث أبي هريرة ﵁، وفيه أن النبي ﷺ سئل عن أفضل الصدقة فقال: " أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغني وتخشى الفقر " (١).

стр. 1559

الرابع: العطايا تتزاحم في الثلث إذا وقعت دفعه واحدة كتزاحم الوصايا فيه. مثال ذلك: شخص في مرض موته وهب لزيد عشرة آلاف، ولعمر عشرين ألفًا، ولبكر ثلاثين ألفًا، وماله تسعون ألفاً، فيتزاحمون في الثلث بالقسط. وطريق ذلك: أن نجمع العطايا، ثم ننسب مجموع الثلث إلى مجموع العطايا، ثم يعطى كل واحد من عطيته بمقدار تلك النسبة. ففي المثال: نسبة الثلث إلى مجموع العطايا النصف فيعطى كل واحد نصف عطيته، فلزيد خمسة، ولعمر عشرة، ولبكر خمسة عشر ألفًا. الخامس: أن خروجها من الثلث معتبر حال الموت، لا قبله ولا بعده، في حالة زيادتها عن الثلث (١). وأنها تفارق الوصية في عدة أشياء أهمها: ١ - أنها لازمة في حق المعطي بعد العقد أو القبض كما سيأتي، ليس له الرجوع فيها وإن كثرت، أما الوصية فله حق الرجوع؛ لأنها تبرع مشروط بالموت، فقبل الموت لم يوجد الشرط. ٢ - أنَّ قبولَها في حال حياة المعطي وكذلك ردها، والوصايا لا حكم لقبولها، ولا ردها إلا بعد الموت؛ لأنَّ العطيَّةَ تصرُّفٌ في الحال، فتعتبر شروطُهُ وقت وجودِه، والوصيَّةُ تبرُّعٌ بعد الموت فتُعتبر شروطُهُ بعد الموت. ٣ - أنَّ العطيَّةَ تُقدَّمُ على الوصيَّة عند جمهور العلماء؛ لأن العطية لازمة في حق المريض فقدمت على الوصية كعطية الصحة، وعند أبي حنيفة وأبي

стр. 1560

يوسف لا تقدم إلا في العتق؛ لأن العتق يتعلق بحق الله تعالى ويسري وينفذ في ملك الغير فيجب تقديمه، وسيأتي بيانه في الهبة في مرض الموت. ٤ - أنَّ الواهبَ إذا مات قبل تقبيضه الهبة المنجزة كانت الخيرة للورثة، إن شاؤوا قبضوا، وإن شاؤوا منعوا، وسيأتي بيانه في شرط صحة الهبة/ أن يكون الموهوب له جائز التصرف- والوصية تلزم بالقبول بعد الموت بغير رضاهم (١). ٥ - أنه يُسَوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية؛ لأنها تبرع بعد الموت يوجد دفعة واحدة، ويبدأ بالأول فالأوَّل في العطيَّة؛ لوقوعِها لازمة. مثال ذلك: إذا وصى شخص لزيد بخمسة آلاف، ولعمرو بعشرة آلاف، ولبكر بخمسة وعشرين ألف ريال، وثلثه عشرون ألف ريال لا يتسع لجميع هذه الوصايا، فتتزاحم في الثلث بأن يوزع الثلث عليهم بالقسط. وطريق ذلك: أن ننسب مجموع الثلث إلى مجموع الوصايا، ثم يعطى كل واحد من وصيته بمقدار تلك النسبة. ففي المثال: الثلث عشرون إلى أربعين النصف. فلزيد ألفان، ولعمرو خمسة آلاف، ولبكر اثنا عشر ألفا ونصف ألف. ٦ - أنَّ الوصيَّةَ تصحُّ في المعدوم، والمجهول، والمعجوز عن تسليمِهِ بخلاف العطيَّةِ، على خلافٍ يأتي. ٧ - أنَّ الوصيَّةَ تصحُّ من غير الرشيد، إذ لا ضررَ عليه؛ لأنها تبرُّعٌ لا يلزمُ إلا بعد الموت بخلاف العطية (٢). ٨ - أنَّ الوصيَّةَ يُستحبُّ أن تكون بقدر معلوم، بخلاف العطيَّةِ.

стр. 1561

٩ - أنَّ العطيَّةَ تجوز في المدبر، بخلاف الوصيَّةِ. ١٠ - أنَّ الوصيَّةَ تكون بالمال، وفي الحقوق كما لو أوصي بالنظارة على وقفه، أو أولاده الصغار، أو تغسيله، ونحو ذلك. ١١ - أن الملك يثبت في العطية من حينها ويكون الملك مراعى في بناء أحكامه عليه، فإذا خرجت العطية من الثلث تبينا أن الملك كان ثابتا من حين الإعطاء، فلو أعطى في مرضه عبده وكسب في حياة سيده، ثم مات السيد، فإن كسبه يكون للمعطى، بخلاف الوصية، فإن الملك لا يثبت فيها إلا بعد الموت. المسألة الخامسة: الفرق بين الهبة والوقف: ١ - الوقف لا يختص بالمعين، بل يتعلق به حق من يأتي من البطون في المستقبل، فيكون الوقف على جميعهم إلا أنه مرتب، فالوقف يتلقاه كل بطن من واقفه، والهبة تنتقل إلى الوارث من مورثه لا من الواهب. ٢ - أن الهبة يشترط فيها القبول إذا كانت لمعين، بخلاف الوقف. ٣ - أن الهبة يجوز للموهوب أن يتصرف فيها بما ينقل الملك، بخلاف الوقف. ٤ - الهبة تجوز لأهل الذمة، والأغنياء، بخلاف الوقف. المسألة السادسة: الفرق بين الهبة والوصية. الوصية والهبة يجتمعان في كونهما عقدي تبرع يثبت لهما أحكام التبرعات في الجملة، ويفترقان في عدة أمور منها:

стр. 1562

١ - أن الهبة هي التبرع بالمال حال الحياة والصحة، والوصية هي التبرع به بعد الموت، أو ما في حكم الوصية، والتبرع في مرض الموت. ٢ - أن الهبة يعتبر لها القبول من حينها؛ لأنها تمليك في الحال، والوصية محل قبولها بعد الموت؛ لأنها تمليك بعده. ٣ - أن الوصية لا تكون إلا بالثلث فأقل لغير وارث، والهبة لا حد لها وتكون لوارث ولغيره. ٤ - أن الوصية يقدم عليها الدين، أما الهبة فإن كان محجوراً عليه فكذلك، وإن لم يكن محجوراً عليه فإنها تنفذ، إلا على رأي مالك وشيخ الإسلام ابن تيميه فإنهما يريان أن الشخص إذا كان عليه ديون، وماله لا يفي بها، فإنه يعتبر محجوراً عليه ولو بغير حكم القاضي (١). المطلب السادس: سؤال الهبة يجوز سؤال الهبة إذا ترتب على ذلك مصلحة، بل مستحب للمصلحة، ولا يدخل في سؤال المال المنهي عنه (٢). ويدل لهذا: (١٢) ما رواه مسلم من طريق أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري ﵁ " أن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا في سفر فمروا بحي من أحياء

стр. 1563

العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم، فقالوا لهم هل فيكم راق؟ فإن سيَّدَ الحي لديغ، فقال رجلٌ منهم: نعم، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب، فبرأ الرجل، فأُعطي قطيعاً من غنم فأبى أن يقبلها .... ثم قال -رسول الله ﷺ : " خذوا منهم واضربوا لي بسهم " (١). (١٣) ولما روى البخاري ومسلم من طريق أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة السلمي، عن أبيه ﵁، وفيه: " ..... فأدركنا رسول الله ﷺ فسألناه عن ذلك، فقال: معكم منه شيء؟ فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها حتى نفدها وهو محرم " (٢). قال ابن حجر: "قال ابن بطال: استيهاب الصديق حسن إذا علم أن نفسه تطيب به، وإنما طلب النبي ﷺ من أبي سعيد وأبي قتادة وغيرهما ليؤنسهم به، ويرفع عنهم اللبس في توقفهم في جواز ذلك " (٣). قال النووي تحت حديث جابر ﵁ في قصة سرية أبي عبيدة ﵁ وقول النبي ﷺ : "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا": " وفى هذا دليل على أنه لا بأس بسؤال الإنسان من مال صاحبه ومتاعه إدلالا عليه، وليس هو من السؤال المنهي عنه إنما ذلك في حق الأجانب للتمول ونحوه، وأما هذه فللمؤانسة والملاطفة والإدلال" (٤).

стр. 1564

المطلب السابع: الإثابة على الهبة، والدعاء للواهب يستحب لمن وهب له هبة أن يثيب عليها (١)؛ (١٤) لما روى البخاري من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: " كان رسول ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها " (٢). فرع: يُستحب للمهدى إليه أن يدعو للمهدي، ويُستحب للمهدي إذا دعا له المهدى إليه أن يدعو أيضا له. (١٥) لما رواه الترمذي من طريق سُعَيْر بن الخمس، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء " (٣).

стр. 1565

(١٦) ولما رواه النسائي من طريق عبيد بن أبي الجعد، عن عائشة ﵂ قالت: أهديت لرسول الله ﷺ شاة، فقال: " اقسميها، فكانت عائشة إذا رجعت الخادم تقول: ماذا قالوا: تقول الخادم قالوا: بارك الله فيكم، فتقول عائشة: وفيهم بارك الله، نرد عليهم مثل ما قالوا ويبقى أجرنا لنا " (١). قال ابن علان: " قوله: (نرد عليهم): أي نرد عليهم دعاءهم … ليكون الدعاء منا مقابل الدعاء لنا، ويبقى لنا الأجر الكامل … وإلا فالظاهر: أن دعاء المتصدق عليه وسكوت المتصدق لا يذهب أجر صدقته " (٢). (١٧) وروى مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: " كان الناس إذا رأوا التمر جاؤوا به إلى النبي ﷺ ، فإذا

стр. 1566

أخذه رسول الله ﷺ قال: " اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا .... " (١)، ثم يدعو أصغر وليد له ويعطيه ذلك الثمر.

стр. 1567

المطلب الثامن: قبول الهبة، وردها من المهدى إليه، والاعتذار للمهدي وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قبولها. تحرير محل النزاع: قبول الهبة من الواهب مشروع بالاتفاق؛ إذ هو هدي النبي ﷺ كما تقدم قريباً، واختلف العلماء في حكم قبول الهبة على قولين: القول الأول: استحباب قبول الهبة. وهذا قول جمهور أهل العلم (١). القول الثاني: وجوب قبول الهبة إذا كان من غير مسألة ولا إشراف. وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (٢). الأدلة: أدلة الجمهور: (الاستحباب) استدل لهذا القول بما يلي:

стр. 1568

١ - قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله أمر بالأكل مما تهبه الزوجة لزوجها من صداقها، والأكل غير متعين، فدل على عدم وجوب قبول الهبة. ٢ - ما تقدم من الأدلة على قبول النبي ﷺ للهبة وإثابته عليها (٢). والفعل يدل على الاستحباب. (١٨) ٣ - ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب أنّ حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: «يا حكيم إنَّ هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بِسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السُّفلى» قال حكيم: فقلت يا رسول الله: والذي بعثك بالحق لا أَرْزَأُ (٣) أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه، ثم إنّ عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أنى أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يَرْزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى تُوُفِّى" (٤).

стр. 1569

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقر حكيم بن حزام على ألا يقبل من أحد شيئاً. (١٩) ٤ - ما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من عُرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح " (١). (٢٠) وروى الترمذي: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن أبي فديك، عن عبد الله بن مسلم، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاث لا ترد الوسائد، والدهن، واللبن " (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن رد بعض أنواع الهبات، فدل ذلك على جواز رد ما سواها، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر وجه (٣). ٥ - ولأن قبول الهبة يترتب عليه استحباب أو وجوب الإثابة، ففي إيجاب قبول الهبة مع هذا نظر (٤). أدلة القول الثاني: (الوجوب) استدل لهذا الرأي بما يلي: (٢١) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر بن الخطاب ﵁ العطاء، فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله أفقر إليه مني، فقال له رسول الله ﷺ : "خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف

стр. 1570

ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك " قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحداً شيئاً ولا يرد شيئاً أعطيه " (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر عمر ﵁ أن يأخذ ما أتاه من غير إشراف ولا مسألة. ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الأول: أن هذا الأمر أمر ندب، فقد نقل ابن حجر عن الطبري أن أهل العلم أجمعوا على أن قول النبي ﷺ لعمر ﵁: (خذه) أمر ندب (٢). الثاني: أن هذا الحديث إنما هو في العطايا التي هي من بيت المال (٣). الثالث: أن أمر النبي ﷺ عمر بأخذ المال في هذا الحديث؛ لكونه عمل له عملاً، فيكون قد أعطاه بذلك حقه (٤). ٢ - ما تقدم من قبول النبي ﷺ للهبة (٥). ونوقش هذا الاستدلال: بأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب. (٢٢) ٣ - ما رواه مسلم من طريق بسر بن سعيد، عن ابن الساعدي المالكي أنه قال: استعملني عمر بن الخطاب ﵁ على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعمالة فقلت: إنما عملت لله وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ فعملني، فقلت

стр. 1571

مثل قولك، فقال لي رسول الله ﷺ : " إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق " (١). ونوقش الاستدلال به: ما نوقش به الدليل السابق. (٢٣) ٤ - ما رواه أحمد: حدثنا محمد بن سابق، حدثنا إسرائيل، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين " (٢). ونوقش الاستدلال بهذا الحديث: أن النهي هنا للكراهة؛ لما تقدم من أدلة الجمهور. (٢٤) ٥ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب قال: " رأيت ابن عمر وابن عباس يأتيهما هدايا المختار فيقبلانها" (٣).

стр. 1572

(٢٥) ٦ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك بن عمير قال: " أرسل معي بشر بن مروان بخمسمئة إلى خمسة أناس إلى أبي جحيفة، وإلى أبي رزين، وعمرو بن ميمون، ومرة، وأبي عبد الرحمن، فردها أبو رزين، وأبو جحيفة، وعمرو بن ميمون، وقبلها الآخرون" (١). (٢٦) ٧ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك بن سلمة، عن عبد الرحمن بن عصمة قال: كنت عند عائشة ﵂ " فأتاها رسول من عند معاوية بهدية فقبلتها " (٢). (٢٧) ٨ - ما رواه ابن حزم من طريق حماد بن سلمة، نا ثابت البناني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: " ما أحد يهدي إلي هدية إلا قبلتها، فأما أن أسأل فلم أكن لأسأل " (٣). (٢٨) ٩ - ما رواه ابن حزم من طريق الحجاج بن المنهال، نا مهدي بن ميمون، نا واصل مولى أبي عيينة، عن صاحب له أن أبا الدرداء ﵁ قال: " من آتاه الله من هذا المال شيئا من غير مسألة ولا إشراف فليأكله وليتموله " (٤) (ضعيف). ونوقشت هذه الآثار: أنها محمولة على الاستحباب؛ لما تقدم من أدلة الجمهور. الترجيح: الراجح -والله أعلم- استحباب قبول الهبة؛ لقوة الدليل على ذلك، ولمناقشة الدليل المخالف.

стр. 1573

المسألة الثانية: ردها. يكره رد الهدية (١) وإن قلَّت مع انتفاء مانع القبول (٢). (٢٩) لما روى البخاري من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلى ذراع أو كراع لقبلت " (٣). ويتأكد عدم رد الطيب (٤): (٣٠) لما روى البخاري من طريق ثمامة بن عبد الله قال: دخلت عليه فناولني طيباً قال: كان أنس ﵁ لا يرد الطيب، قال: " وزعم أنس ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ كان لا يرد الطيب " (٥). قال ابن بطال: " إنما كان لا يرد الطيب من أجل أنه ملازم لمناجاة الملائكة، ولذلك كان لا يأكل الثوم ونحوه ". ورد ابن حجر هذا: " لو كان هذا هو السبب في ذلك لكان من خصائصه، وليس كذلك، فإن أنساً اقتدى به في ذلك، وقد ورد النهي عن رده مقروناً ببيان الحكمة في ذلك " (٦). - فقد روى مسلم من طريق عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من عُرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح " (٧).

стр. 1574

وأيضا يتأكد عدم رد: الوسائد، والدهن -أي الطيب-، واللبن: - فقد روى الترمذي من طريق عبد الله بن مسلم، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ " ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن " (١). لكن إذا ترتب على قبول الهدية مانعٌ جاز ردُّها، وقد يجب، فترد في مواضع: أولاً: إذا ترتب على قبولها محظور شرعي، كالهدية للعمَّال والقضاة، ونحو ذلك (٢). ويدل لذلك: (٣١) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة الليثي ﵁ أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشياً، وهو بالأبواء، أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " (٣). قال ابن حجر: "وفيه جواز رد الهدية لعلة، وترجم له المصنف -البخاري- من رد الهدية لعلة، وفيه الاعتذار عن رد الهدية تطييباً لقلب المهدي" (٤). ثانياً: أنه يجوز ردها مثل أن يريد أخذها بعقد معاوضة (٥): (٣٢) لما روى مسلم من طريق سالم بن أبي الجعد، عن جابر ﵁ … وفيه: ثم قال لي -رسول الله ﷺ : "بعني جملك هذا" قال: قلت: لا، بل

стр. 1575

هو لك. قال: " لا: بل بعنيه " (١). ثالثاً: أو يكون المهدي لا يقنع بالثواب المعتاد؛ لما في ذلك من المشقة. رابعاً: أو خشية منة المهدي؛ لما فيه من المشقة. خامساً: أو تكون الهدية بعد السؤال، واستشراف النفس لها (٢). لما تقدم من حديث عمر ﵁، وفيه قوله ﷺ : " خذه، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك " (٣). المطلب التاسع: ضابط ما تصح هبته اختلف العلماء في هذا الضابط على قولين: القول الأول: أنه كل عين تصح عاريتها. وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) في الوقف، فالهبة من باب أولى. القول الثاني: أنه ما صح بيعه صحت هبته. وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧).

стр. 1576

والمالكية يتوسعون في ذلك، فيجوزون هبة ما فيه غرر كمجهول، ونحوه، وإن لم يجز بيعه (١). قال السيوطي: " ما جاز بيعه جاز هبته، وما لا فلا ". قال البهوتي: " وما لا يصح بيعه لا تصح هبته على المذهب، اختاره القاضي وقدَّمه في الفروع " (٢). الأدلة: دليل القول الأول: يستدل لهذا القول بما يلي: ١ - عمومات أدلة الهبة (٣). وهذه تشمل بعمومها كل عين تصح عاريتها. ٢ - أن الأصل صحة الهبة، فلا يمنع من بعض صوره إلا بدليل. ٣ - أن من مقاصد الهبة نفع الموهب، وهذا يتفق مع ما يصح إعارته؛ لأن العارية إباحة التصرف في المنافع من قبل المعير. دليل القول الثاني: استدل لهذا الرأي بما يلي: أن الهبة نقل للملك في الحياة فأشبه البيع (٤)، فدل على أنه لا يصح إلا في عين يصح بيعها. ويناقش: بأن تشبيه الهبة بالبيع لا يسلم به؛ إذ البيع معاوضة والهبة

стр. 1577

تبرع، وثم فرق بين المعاوضة والتبرع، فإن التبرع لا يشترط فيه كل ما يشترط للمعاوضة، من العلم، والقدرة على التسليم، ونحو ذلك (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- أن يقال في ضابط ما يصح هبته: أن ما أبيح نفعه أبيحت هبته؛ لأن الأصل في الهبة الحل والصحة؛ ولأن الهبة فعل خير يكثر منه، ويحث عليه. ويترتب على هذا الخلاف مسائل: ١ - هبة الكلب المعلم، والجوارح المعلمة، كما سيأتي في شروط صحة الهبة/ شرط كون الهبة مالاً شرعياً. ٢ - هبة ما لا يقدر على تسليمه، كما سيأتي في شروط صحة الهبة/ شرط كون الموهوب مما يقدر على تسليمه. ٣ - هبة المجهول، والمعدوم (٢). قال السيوطي: " قاعدة: ما جاز بيعه جاز هبته، وما لا فلا. ويستثنى من الأول ثلاث صور: المنافع تباع بالإجارة ولا توهب، وما في الذمة يجوز بيعه سلما لا هبة، كوهبتك ألف درهم في ذمتي ثم يعينه في المجلس، صرح به القاضي حسين والإمام وغيرهما، والمال الذي لا يصح التبرع به ويجوز بيعه كمال المريض، ويستثنى من الثاني صور: منها: ما لا يصح بيعه لقلته كحبة حنطة ونحوها، قال النووي: يصح

стр. 1578

هبته بلا خلاف، لكن وقع في كلام الرافعي ما لا يتمول كحبة حنطة وزبيبة لا يباع ولا يوهب، وأسقطه من الروضة ..... قال الشيخ ولي الدين: والحق الجواز، وإليه مال السبكى، فإن الصدقة بتمرة تجوز وهي نوع من الهبة، ومنها: لو جعل شاته أضحية لم يجز بيع نمائها من الصوف واللبن، وتصح هبته، قاله في البحر، ومنها: جلد الميتة قبل الدباغ تجوز هبته على الأصح في الروضة في باب الآنية؛ لأنها أخف من البيع، ومنها: لا يصح بيع المتحجر ما تحجره في الأصح؛ لأن حق الملك لا يباع ويجوز هبته، صرح به الدارمي، وعبارة الروضة عن الأصحاب: لو نقله إلى غيره صار الثاني أحق به، ومنها: الدهن النجس يجوز هبته، كما قاله في الروضة تفقها، وصرح به في البحر، ومنها: الكلب: يصح هبته، نص عليه الشافعي، ومنها: يصح هبة إحدى الضرتين نوبتها للأخرى قطعا، ولا يصح بيع ذلك ولا مقابلته بعوض، ومنها: الطعام إذا غنم في دار الحرب تصح هبة المسلمين له بعضهم من بعض ليأكلوه في دار الحرب، لا تبايعهم إياه " (١).

стр. 1579

المطلب العاشر: زكاة الثمرة الموهوبة قبل بدو الصلاح إذا وهبت ثمرة قبل بدو صلاحها فبدا صلاحها في يد المتهب، فعلى من تكون الزكاة على الواهب، أو الموهوب له؟ فيه خلاف على قولين: القول الأول: أن الزكاة على الموهوب له إذا بلغت نصاباً. وبه قال بعض المالكية ومنهم ابن القاسم (١)، وبه قال الحنابلة (٢). وحجته: لأن سبب الوجوب وُجِدَ في ملكه فكان عليه (٣). القول الثاني: أن الزكاة على الواهب. وبه قال سحنون (٤) من المالكية. ولم أقف له على دليل. الترجيح: يترجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله.

стр. 1580

المطلب الحادي عشر: الزكاة إذا كانت الهبة بعد بدو الصلاح إذا كانت الهبة بعد بدو الصلاح فالزكاة على الواهب، وبهذا قال مالك (١)، وأحمد (٢)، والحسن، والثوري، والأوزاعي، وبه قال الليث (٣)، إلا أن يشترطها على الموهوب له، وإنما وجبت على الواهب؛ لأنها كانت واجبة عليه قبل البيع فبقي على ما كان عليه، وعليه إخراج الزكاة من جنس الموهوب. وعن الإمام أحمد: أنه مخير بين أن يخرج ثمراً، أو من الثمن (٤). وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة: إن على الواهب إخراج الزكاة من جنس الموهوب، حيث نقل عنه صاحب المغني قوله: " والصحيح أن عليه عُشْرَ الثمرة؛ فإنه لا يجوز له إخراج القيمة في الزكاة على صحيح المذهب، ولأن عليه القيام بالثمرة حتى يؤديَ الواجب منها ثمراً، فلا يسقط ذلك عنه ببيعها، ولا هبتها " (٥).
следующие страницы →