← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

والمالكية يتوسعون في ذلك، فيجوزون هبة ما فيه غرر كمجهول، ونحوه، وإن لم يجز بيعه (١). قال السيوطي: " ما جاز بيعه جاز هبته، وما لا فلا ". قال البهوتي: " وما لا يصح بيعه لا تصح هبته على المذهب، اختاره القاضي وقدَّمه في الفروع " (٢). الأدلة: دليل القول الأول: يستدل لهذا القول بما يلي: ١ - عمومات أدلة الهبة (٣). وهذه تشمل بعمومها كل عين تصح عاريتها. ٢ - أن الأصل صحة الهبة، فلا يمنع من بعض صوره إلا بدليل. ٣ - أن من مقاصد الهبة نفع الموهب، وهذا يتفق مع ما يصح إعارته؛ لأن العارية إباحة التصرف في المنافع من قبل المعير. دليل القول الثاني: استدل لهذا الرأي بما يلي: أن الهبة نقل للملك في الحياة فأشبه البيع (٤)، فدل على أنه لا يصح إلا في عين يصح بيعها. ويناقش: بأن تشبيه الهبة بالبيع لا يسلم به؛ إذ البيع معاوضة والهبة

стр. 1577

تبرع، وثم فرق بين المعاوضة والتبرع، فإن التبرع لا يشترط فيه كل ما يشترط للمعاوضة، من العلم، والقدرة على التسليم، ونحو ذلك (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- أن يقال في ضابط ما يصح هبته: أن ما أبيح نفعه أبيحت هبته؛ لأن الأصل في الهبة الحل والصحة؛ ولأن الهبة فعل خير يكثر منه، ويحث عليه. ويترتب على هذا الخلاف مسائل: ١ - هبة الكلب المعلم، والجوارح المعلمة، كما سيأتي في شروط صحة الهبة/ شرط كون الهبة مالاً شرعياً. ٢ - هبة ما لا يقدر على تسليمه، كما سيأتي في شروط صحة الهبة/ شرط كون الموهوب مما يقدر على تسليمه. ٣ - هبة المجهول، والمعدوم (٢). قال السيوطي: " قاعدة: ما جاز بيعه جاز هبته، وما لا فلا. ويستثنى من الأول ثلاث صور: المنافع تباع بالإجارة ولا توهب، وما في الذمة يجوز بيعه سلما لا هبة، كوهبتك ألف درهم في ذمتي ثم يعينه في المجلس، صرح به القاضي حسين والإمام وغيرهما، والمال الذي لا يصح التبرع به ويجوز بيعه كمال المريض، ويستثنى من الثاني صور: منها: ما لا يصح بيعه لقلته كحبة حنطة ونحوها، قال النووي: يصح

стр. 1578

هبته بلا خلاف، لكن وقع في كلام الرافعي ما لا يتمول كحبة حنطة وزبيبة لا يباع ولا يوهب، وأسقطه من الروضة ..... قال الشيخ ولي الدين: والحق الجواز، وإليه مال السبكى، فإن الصدقة بتمرة تجوز وهي نوع من الهبة، ومنها: لو جعل شاته أضحية لم يجز بيع نمائها من الصوف واللبن، وتصح هبته، قاله في البحر، ومنها: جلد الميتة قبل الدباغ تجوز هبته على الأصح في الروضة في باب الآنية؛ لأنها أخف من البيع، ومنها: لا يصح بيع المتحجر ما تحجره في الأصح؛ لأن حق الملك لا يباع ويجوز هبته، صرح به الدارمي، وعبارة الروضة عن الأصحاب: لو نقله إلى غيره صار الثاني أحق به، ومنها: الدهن النجس يجوز هبته، كما قاله في الروضة تفقها، وصرح به في البحر، ومنها: الكلب: يصح هبته، نص عليه الشافعي، ومنها: يصح هبة إحدى الضرتين نوبتها للأخرى قطعا، ولا يصح بيع ذلك ولا مقابلته بعوض، ومنها: الطعام إذا غنم في دار الحرب تصح هبة المسلمين له بعضهم من بعض ليأكلوه في دار الحرب، لا تبايعهم إياه " (١).

стр. 1579

المطلب العاشر: زكاة الثمرة الموهوبة قبل بدو الصلاح إذا وهبت ثمرة قبل بدو صلاحها فبدا صلاحها في يد المتهب، فعلى من تكون الزكاة على الواهب، أو الموهوب له؟ فيه خلاف على قولين: القول الأول: أن الزكاة على الموهوب له إذا بلغت نصاباً. وبه قال بعض المالكية ومنهم ابن القاسم (١)، وبه قال الحنابلة (٢). وحجته: لأن سبب الوجوب وُجِدَ في ملكه فكان عليه (٣). القول الثاني: أن الزكاة على الواهب. وبه قال سحنون (٤) من المالكية. ولم أقف له على دليل. الترجيح: يترجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله.

стр. 1580

المطلب الحادي عشر: الزكاة إذا كانت الهبة بعد بدو الصلاح إذا كانت الهبة بعد بدو الصلاح فالزكاة على الواهب، وبهذا قال مالك (١)، وأحمد (٢)، والحسن، والثوري، والأوزاعي، وبه قال الليث (٣)، إلا أن يشترطها على الموهوب له، وإنما وجبت على الواهب؛ لأنها كانت واجبة عليه قبل البيع فبقي على ما كان عليه، وعليه إخراج الزكاة من جنس الموهوب. وعن الإمام أحمد: أنه مخير بين أن يخرج ثمراً، أو من الثمن (٤). وقال القاضي أبو يعلى من الحنابلة: إن على الواهب إخراج الزكاة من جنس الموهوب، حيث نقل عنه صاحب المغني قوله: " والصحيح أن عليه عُشْرَ الثمرة؛ فإنه لا يجوز له إخراج القيمة في الزكاة على صحيح المذهب، ولأن عليه القيام بالثمرة حتى يؤديَ الواجب منها ثمراً، فلا يسقط ذلك عنه ببيعها، ولا هبتها " (٥).

стр. 1581

الباب الأول: صيغة الهبة، وأركانها، وشروط صحتها وفيه فصلان: الفصل الأول: صيغة الهبة، وأركانها. الفصل الثاني: شروط صحتها.

стр. 1582

الفصل الأول: صيغة الهبة، وأركانها وفيه مبحثان: المبحث الأول: صيغة الهبة. المبحث الثاني: أركان الهبة.

стр. 1583

المبحث الأول: صيغة الهبة وفيه مطلبان: المطلب الأول: الصيغة القولية وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد بها. المراد بالصيغة القولية: الإيجاب، والقبول. الإيجاب في اللغة: مصدر أوجب، يقال: أوجب الأمر على الناس إيجاباً أي ألزمهم به إلزاماً، ويقال: وجب البيع يجب وجوباً أي لزم وثبت. فالإيجاب لغة: اللزوم والثبوت (١). والقبول في اللغة: قبلت العقد أقبله من باب تعب قبولاً بالفتح، والضم لغة حكاها ابن الأعرابي، وقبلت القول صدقته، وقبلت الهدية أخذتها، وقبلت القابلة الولد تلقته عند خروجه … وتقبلت العمل من صاحبه إذا التزمته (٢).

стр. 1584

وفي الاصطلاح: فالحنفية يرون: أن الإيجاب هو ما صدر أولاً من أحد العاقدين بصيغة صالحة لإفادة العقد. والقبول: ما صدر ثانياً من أي جانب كان. وهذا في عقود المعاوضات، وأما في عقد الهبة: فالإيجاب: خصوه بما يوجد من طرف الواهب (١). وعند الجمهور: الإيجاب: ما صدر من البائع، والمؤجر، وولي الزوجة، سواء صدر أولاً أو آخراً. والقبول: ما صدر ثانياً (٢). فالإيجاب: ما صدر من المالك أو من يقوم مقامه. والقبول: ما صدر من القابل أو من يقوم مقامه. وصيغة الهبة تنعقد بكل ما دل عليها. قال ابن عابدين: " والأصل في هذه المسائل أنه إذا أتى بلفظ ينبئ عن تمليك الرقبة يكون هبة، وإذا كان منبئا عن تمليك المنفعة يكون عارية، وإذا احتمل هذا وذاك ينوي في ذلك " (٣). وقال الدردير: " بصيغة صريحة أو ما يدل على التمليك " (٤). وقال الشربيني: " ومن صريح الإيجاب وهبتك ومنحتك وملكتك بلا

стр. 1585

ثمن، ومن صريح القبول قبلت ورضيت ..... وفي الذخائر انعقاد الهبة بالكناية مع النية " (١). وقال البهوتي: " تمليك جائز التصرف .... بما يعد هبة من قول أو فعل" (٢). وقال شيخ الإسلام: " وكل ما عده الناس بيعا، أو هبة من متعاقب أو متراخ من قول أو فعل انعقد به البيع والهبة " (٣). المسألة الثانية: شروط صحة الصيغة القولية. يشترط لصحة الصيغة القولية للهبة شروط: الشرط الأول: تقدم الإيجاب على القبول. فإن تقدم القبول على الإيجاب، فاختلف العلماء ﵏ في حكم الهبة على قولين: القول الأول: صحة تقدم القبول على الإيجاب. وهذا مذهب المالكية (٤). وبه قال شيخ الإسلام إذا دل لذلك العرف (٥). القول الثاني: عدم صحة تقدم القبول على الإيجاب. وهو المذهب عند الحنابلة (٦).

стр. 1586

القول الثالث: صحة تقدم القبول على الإيجابِ إن كان القبول بلفظ أمرٍ أو ماضٍ مجرّد عن الاستفهام. وهو مذهب الشافعيَّة (١)، وهو روايةٌ عند الحنابلة (٢). الأدلة: دليل القول الأول: (٣٣) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁، وفيه، فقال رجل: زوجنيها، قال رسول الله ﷺ : " زوجتكها بما معك من القرآن " (٣). وجه الاستدلال: أن القبول تقدم على الإيجاب، ولم ينقل أن الرجل قال بعد ذلك قبلت، قال ابن حجر ﵀: " واستدل به على أن من قال: زوجني فلانة، فقال: زوجتكها بكذا، كفى ذلك ولا يحتاج إلى قول الزوج قبلت " وكذا الهبة. (٣٤) ٢ - ما رواه أبو داود في المراسيل: حدثنا عبد الله بن الجراح، حدثنا جرير، عن الشيباني، عن الحكم بن عتيبة (٤) أن النبي ﷺ أرسل بلالاً إلى بيت من الأنصار يخطب إليهم، فقالوا: عبد حبشي!! فقال بلال: لولا أن النبي ﷺ أمرني أن آتيكم ما أتيتكم، فقالوا: النبي ﷺ أمرك؟ قال: نعم، قالوا: قد ملكت، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فأدخلت على النبي ﷺ قطعة

стр. 1587

من ذهب، فأعطاه إياها فقال: "سق هذا إلى امرأتك "، وقال لأصحابه: "اجمعوا لأخيكم في وليمته " (١) (مرسل). ولم ينقل أنَّ بلالاً ﵁ قال بعد ذلك: قبلت نكاحها، ولو فعل لنُقِلَ (٢)، فدلَّ ذلك على صحَّة تقدم القبول على الإيجاب في عقد النكاح، وإذا صح التقدُّمُ في عقد النكاح صحَّ فيما سواه من العقود؛ لعدم الفرق المؤثر بينهما في هذه المسألة. ٣ - أنَّ القبولَ إذا تقدم أو تأخر حصل به المقصود وهو الدلالة على الرضا، وحينئذ فلا فرق في الحكم بين تقدمه وتأخره (٣). ٤ - قال شيخ الإسلام ﵀: " وذلك أن الله ذكر البيع والإجارة، والعطية مطلقاً في كتابه ليس لها حد في اللغة، ولا الشرع فيرجع فيها إلى العرف، والمقصود بالخطاب إفهام المعاني، فأي لفظ انعقد به مقصود العقد انعقد به، وعلى هذا قاعدة الناس إذا اشترى أحد لابنه أمة، وقال: خذها لك استمتع بها ونحو ذلك كان هذا تملكاً عندهم " (٤). أدلة القول الثاني: (عدم الصحة) استدل القائلون بعدم صحة تقدم القبول على الإيجاب بما يلي: ١ - قياس عقد الهبة على عقد النكاح، فكما لا يصح تقدم القبول على الإيجاب في عقد النكاح، فكذلك لا يصح تقدُّمُهُ في الهبة (٥). ونوقش: بأنَّ جعل النكاح أصلاً يُقاسُ عليه لا يصحُّ؛ لوجود الخلاف في

стр. 1588

حكم تقدم القبول على الإيجاب في عقد النكاح، والراجح عند الأصوليين: أنَّ الاتفاق على حكم الأصل المقيس عليه شرطٌ لصحَّةِ القياس (١). ٢ - أنَّ رتبةَ القبول التأخر فلا يصح تقدّمه (٢). ونوقش: بأنه دعوى تحتاج إلى دليل؛ إذ لا يلزم من كونِ الشيء متأخر الرتبة عدم جواز تقدمه. ٣ - أنَّ القبولَ جعل يكون للإيجاب، فمتى وجد قبله لم يكن قبولا لعدم معناه، فلم يصح (٣). ونوقش: بأنَّ معنى القبول ودلالته على الرضا تحصل سواء تقدم القبول أم تأخر. ٤ - أنَّ القبولَ لو تأخر عن الإيجاب بلفظ الطلب لم يصح، فإذا تقدم كان أولى كصيغة الاستفهام (٤). ٥ - أنَّ الزوجَ لو أتى بالصيغة المشروعة متقدمة، فقال: قبلت هذا النكاح، فقال الولي: زوجتك ابنتي لم يصح، فلأن لا يصح إذا أتى بغيرها من الصيغ كصيغة الهبة، أولى (٥). ونوقش: بعدم التسليم من وجهين: الوجه الأول: أن الدليل دل على صحة تقدم القبول على الإيجاب في النكاح كما سبق. الوجه الثاني: بالفرق بين العقود المالية وعقد النكاح، فالعقود المالية

стр. 1589

لا يشترط فيها لفظ الإيجاب والقبول، بل تصح بالمعاطاة (١)، ولا يتعين فيها لفظ معين، بل تصح بأي لفظ كان مما يؤدي المعنى بخلاف عقد النكاح (٢). دليل القول الثالث: (صحة تقدم القبول على الإيجاب إذا كان بلفظ أمر أو ماض مجرد عن استفهام) ١ - حديث سهل بن سعد ﵁، وفيه فقال رجل: زوجنيها، قال ﷺ : " زوجتكها بما معك من القرآن " (٣). فالعقد صحَّ بلفظ الطلب. ٢ - أنَّ لفظَ الإيجاب وجد من المتعاقدين على وجه تتحصل منه الدلالة على تراضيهما به، فصحَّ كما لو تقدم الإيجابُ (٤). سببُ الخلاف في المسألة: ذكر السيوطيُّ ﵀ أنَّ سبب الخلاف في المسألة يرجعُ إلى خلاف في مسألة أخرى وهي: هل الإيجاب والقبول أصلان في العقد، أو الأصل الإيجاب، والقبول فرع؟ إن قلنا بالأول: فيصح تقدم القبول على الإيجاب، وإن قلنا بالثاني: فلا يصح التقدم؛ لأنَّ الفرعَ لا يتقدم على أصله (٥). الترجيح: يترجح -والله أعلم- القول الأول، وأن المرجع في ذلك إلى العرف، والألفاظ لا تعدو أن تكون وسيلة للتعبير عما في النفس، والعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني (٦).

стр. 1590

قال شيخ الإسلام: " فما عده الناس بيعاً، أو هبة، أو إجارة فهو كذلك" (١). وبناء على هذا الترجيح، فلا يكون من شروط صحة الصيغة تقدم الإيجاب على القبول. الشرط الثاني: اتصال القبول بالإيجاب: هل يشترط اتصال القبول بالإيجاب، أو يصح تراخي القبول عن الإيجاب؟. اختلف الفقهاء ﵏ في هذه المسألة، ولهم فيها قولان: القول الأول: أنه يشترط اتصال القبول بالإيجاب، لكن لا يلزم من اشتراط اتصال القبول بالإيجاب الفورية في إصداره بعد الإيجاب، بل يجوز تراخي القبول عن الإيجاب ما دام العاقدان في مجلس العقد، ولم ينشغلا بما يقطعه عرفاً. وهذا مذهب الحنفية (٢)، وبه قال المالكية (٣)، وهو مذهب الحنابلة (٤). وعند شيخ الإسلام -رحمة الله-: المرجع في ذلك إلى العرف، فالهبة تنعقد بما دل عليه العرف من اتصال القبول، أو تراخيه (٥).

стр. 1591

قال شيخ الإسلام: " وكل ما عده الناس بيعاً، أو هبة من متعاقب أو متراخ من قول أو فعل انعقد به البيع والهبة ". القول الثاني: يلزم من اشتراط اتصال القبول بالإيجاب الفورية في إصداره بعد الإيجاب، فلا يتحقق شرط الاتصال إذا تراخى القبول عن الإيجاب. وهذا مذهب الشافعية (١) إلا أنهم لم يعدوا الفصل اليسير مضرا بالفورية إذا لم يتخلل الإيجاب والقبول كلام أجنبي، أما إذا تخللهما كلام أجنبي (٢) -ولو كلمة واحدة- بطل العقد. وليس من الكلام الأجنبي -عند الشافعية- ما كان من مقتضيات العقد أو من مصالحه ومستحباته، فلو قال المشتري بعد تقدم الإيجاب: بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، قبلت، صح. القول الثالث: أنه لا يشترط اتصال القبول بالإيجاب. وهو قول عند المالكية (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: (اشتراط اتصال القبول بالإيجاب) استدل القائلون باشتراط اتصال القبول بالإيجاب بالأدلة الآتية: أولاً: الدليل على اشتراط اتصال القبول بالإيجاب: ١ - أنَّ القبولَ لا يكون جزءاً من العقد إلا إذا اتَّصلَ بالإيجاب، أما إذا

стр. 1592

تراخى عنه حتى انقضى المجلس فإن الصيغة لا تصح، ومن ثم فالعقد لا يتم لتباعد القبول عن الإيجاب (١). ٢ - القياس على الاستثناء، فكما أن الاستثناء لا يصح ولا يترتب عليه حكم إلا إذا اتصل المستثنى بالمستثنى منه، فكذلك حال القبول مع الإيجاب لا يفهم له معنى ولا يترتب عليه حكم إلا باتصال أحدهما بالآخر في مجلس العقد (٢). ٣ - أنَّ الشَّرعَ يشترط الرضا لصحة العقود، كما سيأتي في شروط صحة الهبة/ شرط الرضا، وإذا لم يتصل القبول بالإيجاب لم يتيقن من تحقق الرضا؛ إذ يحتمل أن الموجب أعرض عن إيجابه بعد انفضاض المجلس حين رأى عدم صدور القبول. ثانياً: دليلهم على جواز تراخي القبول عن الإيجاب ما دام العاقدان في مجلس العقد ولم ينشغلا بما يقطعه عرفا بالأدلة الآتية: ١ - أن حالة المجلس كحالة العقد، بدليل أنه يكتفى بالقبض فيه لما يعتبر قبضه (٣). ٢ - أن للمجلس أثرا في جمع المتفرقات، فاعتبرت ساعاته كساعة واحدة (٤). ٣ - أن في القول باشتراط الفور حرجا بينا؛ لأن القابل لا يحتاج إلى التروي والتأمل والتفكر، والقول بجواز التراخي يدفع هذا الحرج (٥).

стр. 1593

ثالثاً: استدل شيخ الإسلام ﵀ على أن الأمر معلق بالعرف: بما تقدم من دليله في الشرط الأول. أدلة القول الثاني: (اشتراط الفورية مطلقاً) استدل القائلون باشتراط الفورية في إصدار القبول بعد الإيجاب بالأدلة الآتية: ١ - أنَّ في عدم فوريَّةِ القبول دليلاً على إعراض القابل عن الإيجاب، والإعراض عن الإيجاب مبطل له، فإذا أتى القبول بعد ذلك متراخيا كان قبولاً بلا إيجاب، فلا يكون له أثر (١). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم بأنَّ تراخى القبولِ عن الإيجاب في مجلس العقد يدل على إعراض القابل؛ لأنَّ الشرعَ لم ينصّ على ذلك، فوجب إرجاع هذا وأمثاله إلى أعراف الناس. ٢ - أن الأصل في العقود يقتضي اتصال القبول فورا بالإيجاب ليتم العقد، وتراخي القبول عن الإيجاب يعد خروجا عن هذا الأصل، وإنما أجيز الفصل اليسير للضرورة، فإذا زيد على قدر الضرورة بطل العقدُ (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بما ورد في مناقشة الدليل الأول من أنه لم يَرِد في الشرع اشتراطُ الفورية، وتحديد وقت اتصال القبول بالإيجاب في مجلس العقد، وإذا كان الأمر كذلك فالمرجع هو العرف. ٣ - قياس الإيجاب والقبول على الصلاة، فكما أن الصلاة تبطل إذا تخللها كلام أجنبي، فكذلك الإيجاب والقبول يبطلان إذا فصل بينهما كلام أجنبي (٣).

стр. 1594

ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس في غاية البُعدِ، فالصَّلاة عبادة محضة، وقد نصَّ الشارع على عدمِ جواز التلفظ فيها بكلامٍ أجنبيٍّ (١)، أما الإيجابُ والقبول فليسا من العبادات، ولم يرد في الشرع تحريم التلفُّظ بالكلام الأجنبيِّ بينهما. أدلة القول الثالث: (عدم اشتراط الفورية مطلقاً) استدل لهذا القول بما يلي: (٣٥) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي حازم يقول: سمعت سهل بن سعد ﵁، وفيه: فقام رجل فقال: يا رسول الله، أنكحنيها، قال: " هل عندك من شيء؟ قال: لا، قال: " اذهب فاطلب ولو خاتماً من حديد " فذهب وطلب، ثم جاء فقال: ما وجدت شيئاً، ولا خاتماً من حديد، قال: " هل معك من القرآن شيء؟ " قال: معي سورة كذا وسورة كذا، قال: " اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن " (٢). وجه الاستدلال من الحديث: طول الفصل بين القبول والإيجاب، حيث إنَّ الرجلَ فارق المجلس لالتماس ما يصدقها إياه (٣). وفي هذا دلالةٌ على عدم اشتراط اتصال القبول بالإيجاب في مجلس العقد.

стр. 1595

ونوقش وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن في هذا دليلاً على أن المعتبر في انعقاد العقود العرف. الوجه الثاني: بساط القصة أغنى عن الاتصال بين القبول والإيجاب (١). قال ابن حجر -رحمة الله-: " وكذا كل راغب في التزويج إذا استوجب فأجيب بشيء معين وسكت كفى إذا ظهر قرينة القبول ". ٢ - القياس على بيع المحجور عليه والفضولي، فوصي المحجور عليه له الإجازة وإن طال الأمد، مع أنه لم يحصل غير الإيجاب من المحجور عليه والقبول من المبتاع، وإيجاب المحجور عليه كالعدم. وكذلك بيع الفضولي يقف القبول على رضا مالك السلعة (٢). فإذا صح العقد في هاتين الصورتين مع عدم اتصال القبول بالإيجاب، فما المانع من صحة غيرها؟!. ونوقش: بأنه لا دليل في مسألة المحجور عليه، والفضولي على عدم اشتراط اتصال القبول بالإيجاب؛ لأنه قد حصل فيهما الإيجاب والقبول (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀، وأنَّ مرجعَ ذلك إلى العرف، فإذا صدر القبول بعد الإيجاب في مجلس العقد صدوراً قد تعارف الناسُ على تمام العقدِ بِهِ كفى. الشرط الثالث: مطابقة القبول للإيجاب: صورة ذلك: أن يقول الواهب: وهبتك هذه الألف ريال، فقال

стр. 1596

الموهوب له: قبلت خمسمئة ريال، فاختلف العلماء ﵏-في حكم هذه الهبة على قولين: القول الأول: أنه لا تشترط مطابقة القبول للإيجاب فتصح الهبة. وبه قال بعض الشافعية (١). وتقدم في الشرط الأول: أن شيخ الإسلام ﵀ يعلق الأمر بالعرف، فتنعقد الهبة بما دل عليه العرف (٢). القول الثاني: اشتراط المطابقة بين القبول والإيجاب. وهو قول جمهور الفقهاء (٣). الأدلة: دليل القول بعدم الاشتراط: ١ - أن الهبة عقد تبرع لا معاوضة، فيغتفر فيه ما لا يغتفر في عقود المعاوضات (٤). ٢ - تقدم دليل شيخ الإسلام ﵀ -في الشرط الأول- على أن الهبة تنعقد بما دل عليه العرف. ودليل القول بالاشتراط: أن عقد الهبة ملحق بعقد البيع من حيث إن الهبة عقد مالي مثله، فأعطيت أحكامه، ومنها مطابقة القبول للإيجاب (٥). ونوقش: قياس عقد الهبة على عقد البيع قياس مع الفارق، فالبيع عقد

стр. 1597

معاوضة صرف، أما الهبة فهو عقد إحسان صرف لا يقصد به تنمية المال، فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه (١)، ولهذا أجاز هبة المجهول، والمعدوم، وغير المقدور على تسليمه بخلاف البيع فيطلب فيه من التحرير ما لا يطلب في الهبة -والله أعلم-. الترجيح: يترجح -والله أعلم- القول بعدم اشتراط موافقة القبول للإيجاب في عقد الهبة؛ وذلك لأن عقد الهبة من عقود التبرعات، فيتسامح فيه ما لا يتسامح في غيره، إلا إن كان هناك عرف يخالف ذلك. الشرط الرابع: سماع كل من العاقدين لفظ الآخر: اختلف الفقهاء ﵏ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يُشترط لصحة عقد الهبة سماع كل من العاقدين لفظ الآخر، فلا يصح العقد إلا إذا سمع القابل لفظ الموجب، والموجب لفظ القابل. وبه قال الحنفية (٢)، وهو ظاهر قول المالكية (٣). وتقدم أن شيخ الإسلام: يرى أن الهبة تنعقد بما دل عليه العرف (٤). القول الثاني: لا يشترط لصحة الصيغة سماع كل من المتعاقدين لفظ الآخر، وإنما يكتفى بسماع من بقربه في مجلس العقد، وإذا تلفظ العاقد

стр. 1598

بصوت لا يسمعه من في المجلس عادة، لكن القابل سمعه لحدة في سمعه، أو لقوة الريح لم تصح الصيغة، ومن ثم لا يتم العقد. وبهذا قال الشافعية (١). القول الثالث: لا يُشترط لصحَّة الصّيغة وتمام العقدِ سماع كلٍّ من العاقدين لفظ الآخر، وإنما يكتفى بإسماع نفسه. وهذا قول عند الحنفية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: (اشتراط السماع) استدل القائلون باشتراط سماع كلٍّ من المتعاقدين لفظ الآخر بالأدلة الآتية: (٣٦) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق زرارة بن أبي أوفى، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا، أو يعملوا به " (٣). فدل على أن الشارع رتب الحكم على الكلام، وما لم يكن هناك سماع فليس كلاماً. ٢ - أنَّ معنى انعقاد العقد هو: ارتباط أحد الكلامين بالآخر على وجه يسمى باعتباره عقدا شرعيا يستعقب بعده الأحكام، ولا يكون ذلك إلا بوقوع

стр. 1599

كلام القابل جوابا معتبرا محققا لغرض كلام الموجب، ويسمع كل من العاقدين كلام صاحبة، وبدون السماع لا يحصل ارتباط (١). ٣ - أنَّ الكلامَ من الكلم وهو الجرح، سمي به؛ لأنه يؤثر في نفس السامع، فتكليمه فلانا لا يحصل إلا بسماعه (٢). ٤ - قياس عقد البيع ونحوه على اليمين، فلو حلف لا يكلم فلانا فناداه من بعيد بحيث لا يسمع، لا يحنث في يمينه؛ لأن شرط الحنث وجود الكلام منه ولم يوجد (٣). ٥ - أنَّ الكلامَ في العرف اسم لحروف منظومة دالة على ما في ضمير المتكلم، وذلك لا يكون إلا بصوت مسموع (٤). ٦ - أنَّ اللفظَ من الأصوات المسموعة المدركة بالسمع لا بمحض التعقل (٥)، وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح العقد إلا بسماع كل من العاقدين لفظ الآخر. ٧ - أنَّ المتعاقدين إذا لم يسمع أحدهما كلام الآخر لم يحصل الإيجاب والقبول بالنسبة إليهما وإن وجدا صورة؛ لأن الإيجاب والقبول يحصلان بينهما بالتخاطب، فإذا لم يوجد السماع لم يحصل التخاطب (٦).

стр. 1600

٨ - أنَّ الرضا شرط لصحة العقد، لذا كان سماع كل من العاقدين لفظ الآخر شرطا ليتحقق رضاهما (١). دليل القول الثاني: (عدم اشتراط السماع) استدل القائلون بعدم اشتراط سماع كل من العاقدين لفظ الآخر والاكتفاء بسماع من كان بقربهما في مجلس العقد: قياس عقد الهبة ونحوه على اليمين، فلو حلف لا يكلم فلانا فكلمه بصوت يسمعه عادة من كان في المجلس فقد حنث في يمينه، ولو لم يسمعه من وجه إليه الكلام (٢). كما استدلوا على عدم صحة الصيغة إذا تكلم العاقد بصوت لا يسمع في العادة لكن العاقد الآخر سمعه لحدة في سمعه أو لسبب آخر: بأن اللفظ في هذه الحالة مشابه لعدم التلفظ، لذا فلا يعد ما حدث بينهما من الكلام مخاطبة (٣). دليل القول الثالث: (إسماع النفس) استدلَّ القائلون بعدم اشتراط سماع كل من المتعاقدين لفظ الآخر والاكتفاء بإسماع نفسه: بأن المصلي إذا قرأ في صلاته قراءة يسمع فيها نفسه أجزأه ذلك؛ لأن أدنى الجهر أن يسمع نفسه (٤)، فالشرط هو وجود الفعل منه وهو النطق سواء سمع غيره أم لا.

стр. 1601

وقاسوا على هذا الأصل: كل ما يتعلق بالنطق كالطلاق والعتاق والاستثناء والإيلاء والبيع والهبة ونحوها، فمن نطق بالصيغة الدالة على تصرف من هذه التصرفات مسمعا نفسه ما نطق به ترتب على نطقه الأثر الشرعي، سواء سمع ذلك غيره أم لم يسمعه (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن جمع التصرفات المتعلقة بالنطق في زمرة واحدة أمر غير مسلم به؛ لأن بعض هذه التصرفات يشترط فيها رضا الطرف الآخر كالبيع والإجارة ونحوهما، وبعضها لا يشترط لها رضا الطرف الآخر كالطلاق واليمين ونحوهما. الترجيح: يظهر لي -والله أعلم- أن سماع كل من المتعاقدين لفظ الآخر شرط لصحة الهبة، فحديث النفس أو الكلام دون صوت مسموع لا تترتب عليه الأحكام الشرعية؛ لأن اللفظ إذا لم يكن مسموعا لم يكن هناك ارتباط بين الإيجاب والقبول، ومن ثم لا يتحقق من وجود الرضا الذي هو أصل صحة العقود. وإذا كان الأمر كذلك فليس السماع شرطا مقصودا لذاته، وإنما هو وسيلة للدلالة على الرضا. وأيضا فإن عرف الناس أنه لا بد من السماع لانعقاد العقد بالقول (والعادة محكمة). وهذا في حالة التعاقد بالكلام بين حاضرين فقط، أما لو كان التعاقد

стр. 1602

بطريقة أخرى من طرق التعبير كالكتابة أو الإشارة أو المعاطاة، فلا يشترط السماع لعدم وجود اللفظ أصلا في هذه التعبيرات. فرع: نص الشافعية على عدم اشتراط القبول في مسائل: قال الشربيني: " ويستثنى من اعتباره -القبول- مسائل منها الهبة الضمنية: كأن يقول لغيره أعتق عبدك عني ففعل فيدخل في ملكه هبة ويعتق عليه، ولا يحتاج للقبول، ومنها: ما لو وهبت المرأة نوبتها من ضرتها لم يحتج لقبولها على الصحيح، ومنها: ما يخلعه السلطان على الأمراء والقضاة وغيرهم لا يشترط فيه القبول كما بحثه بعض المتأخرين؛ لجريان العادة بذلك، ومنها: ما لو اشترى حليا لولده الصغير وزينه به، فإنه يكون تمليكا له، بخلاف ما لو اشتراه لزوجته، فإنه لا يصير ملكا لها كما قاله القفال، والفرق بينهما: أن له ولاية على الصغير بخلاف الزوجة، كذا ذكره السبكي وتبعه ابن الملقن، ومنها: ما لو قال: اشتر لي بدراهمك لحما فاشتراه، وصححناه للسائل، فإن الدراهم تكون هبة لا قرضاً " (١).

стр. 1603

المطلب الثاني: الصيغة الفعلية اختلف الفقهاء ﵏ في حكم عقد الهبة عن طريق المعاطاة على أقوال: القول الأول: صحة عقد الهبة بالمعاطاة. وبهذا قال جمهور العلماء. فهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وبه قال بعض الشافعية (٣)، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٤). وهو اختيار شيخ الإسلام ﵀: فهو يرى أن عقد الهبة ينعقد بما دل عليه العرف من قول أو فعل متعاقب أو متراخ (٥). القول الثاني: لا يصح العقد بالمعاطاة مطلقاً.

стр. 1604

وبه قال جمهور الشافعية (١). لكن استثنوا على الصحيح عندهم: الهدية، وصدقة التطوع. القول الثالث: يصح العقد بالمعاطاة في الأشياء الحقيرة القليلة، ولا يصح في النفيسة الكثيرة. وهذا قول عند الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها القاضي وابن الجوزي (٤). واختلفوا في حد القليل والكثير، والمحقر والنفيس: فذهب بعض الحنفية: إلى النفيس ما كثر ثمنه كالعبد، والحقير ما قل ثمنه كالخبز. ومنهم من حد النفيس بنصاب السرقة فأكثر، والحقير بما دونه (٥). وهذا الضابط وجه شاذّ ضعيف عند الشافعيَّة (٦). والراجح: أنه يرجع في القليل والكثير، والمحقر والنفيس إلى العرف، فما عُدَّ في العرف حقيراً فهو حقير، وما عُدَّ نفيساً فهو نفيس. وهذا هو المشهور عند الشافعية (٧).

стр. 1605

القول الرابع: كل من وسم بالبيع اكتفي منه بالمعاطاة كالعامي والتاجر، وكل من لم يعرف بذلك لا يصح منه إلا باللفظ. وهذا قولٌ لبعض الشافعية (١). قال الشربيني: " وخلاف المعاطاة في البيع يجري في الإجارة والرهن والهبة ونحوها ". الأدلة: أدلة القول الأول: (صحة العقد بالمعاطاة) استدل القائلون بصحة العقد عن طريق المعاطاة بالأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). (٣٧) ٢ - ما رواه عبد الله من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبد الملك بن حسن الجاري، عن عمارة بن حارثة، عن عمرو بن يثربى قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: " ألا ولا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه، فقلت: يا رسول الله أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي أجتزر (٤) منها شاة؟ فقال: إن لقيتها نعجة تحمل شفرة (٥)، وأزنادا (٦) نجبت

стр. 1606

الجميش (١)، فلا تهجها (٢)، قال: يعني نجبت الجميش أرضا بين مكة والجار ليس بها أنيس" (٣).

стр. 1607

(٣٨) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحلبنَّ أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه " (١). وجه الدلالة من هذه الأدلة: أنَّها دلت على اشتراط الرضا، والمعاطاةَ تدلُّ عُرفاً على الرضا، فيلزم من ذلك صحة العقد بها؛ لأنَّ اللفظَ إنما يُرادُ للدلالة على التراضي، فإذا وجد ما يدل عليه من المساومة والتعاطي قام مقامه، وأجزأ عنه لعدم التعبد فيه (٢). ٤ - أنَّ من تتبع ما ورد عن النبي ﷺ والصحابة -رضوان الله عليهم- من أنواع المبايعات والمؤجرات والتبرعات، علم ضرورة أنهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين، ولو استعلموا ذلك في عقودهم لنقل نقلا شائعا، ولو كان ذلك شرطا لوجب نقله، ولم يتصور إهماله والغفلة عن نقله؛ لأن العقود مما تعم بها البلوى. فلو اشترط لها صيغة معينة لبينها النبي ﷺ بيانا عاما للناس حتى لا يخفى عليهم حكمها، وإنما المنقول خلاف ذلك في آثار كثيرة منها: أن رسول الله ﷺ بنى مسجده، والمسلمون بنوا المساجد على عهده وبعد موته، ولم يؤمر أحد أن يقول: وقفت هذا المسجد ولا ما يشبه هذا اللفظ، (٣٩) روى البخاري من طريق عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان ﵁

стр. 1608

يقول: … سمعت النبي ﷺ يقول: " من بنى مسجدا -قال بكير: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه- بنى الله له مثله في الجنة " (١). ٤ - أنَّ أسماءَ العقود ورَدَت في الكتاب والسنة معلّقاً بها أحكام شرعية، ولا بدَّ لكلِّ اسمٍ حدٌّ يُعرفُ به إما باللُّغة، كالشَّمس والقمر والبر والبحر، وإما بالشرع، كالمؤمن والكافر والمنافق، وما لم يكن له حدٌّ في اللُّغة ولا في الشرع: فالمرجع فيه إلى عرف الناس، كالقبض، ومعلومٌ أنَّ البيعَ والإجارةَ والهبةَ ونحوها لم يحد الشارع لها حدا، وليس لها حد في لغة العرب أيضا، وبما أن الأمر كذلك فيكون المرجع فيها إلى عرف الناس وعاداتهم، فما سموه بيعا فهو بيع وما سموه هبة فهو هبة (٢). أدلة القول الثاني: (عدم صحة المعاطاة في عقد الهبة عن طريق المعاطاة) استدل القائلون بعدم صحة العقد بالمعاطاة بالأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الأصل في العقود التراضي. غير أن حقيقة الرضا لما كانت أمراً خفيَّاً وضميراً قلبيَّاً، اقتضت الحكمةُ ردَّ الخلق إلى مردٍّ كلّيٍّ وضابطٍ جليٍّ، يُستدلُّ به عليه، وهو الإيجاب والقبول الدالان على رضا العاقدين (٤).

стр. 1609

ونوقش هذا الدليل: بأنّه لا يوجد في الشرع ما يدلُّ على اشتراط لفظٍ معيّنٍ أو فعلٍ معيَّنٍ يستدلُّ به على التراضي، وقد عُلِمَ بالاضطرارِ من عاداتِ النَّاس في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعلمون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة .... بل ثبت بالأدلة أن الناس في عهد النبي ﷺ يستعملون المعاطاة وسيلة للتعبير عن الرضا بالعقد، وهذا أمر معهود في ذلك العصر وفي كل عصر ومصر (١). ٢ - أن المعاطاة في معنى ما نهى عنه الرسول الله ﷺ من بيع المنابذة والملامسة. (٤٠) روى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : " نهى عن الملامسة والمنابذة، وبيع الحصاة " (٢). (٤١) وروى مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر " (٣). والجامع بين هذه البيوع والمعاطاة وقوعها بغير لفظ، وكذا الهبة (٤). ونوقش هذا الدليل: بعدم التسليم بالقياس؛ لأنه قياسٌ مع الفارق. فبيع الملامسة هو: وقوع العقد باللمس. والمنابذة: وقوع العقد بنبذ الثوب ونحوه إلى المشتري. وكذلك بيع الحصاة هو: أن يضع عليه حصاة. فتكون هذه الأفعال عندهم موجبة لوقوع عقد البيع، أما المعاطاة فليست

стр. 1610

من جنس اللمس والمنابذة والحصاة؛ لأنَّ العقد معلق فيه هذه البيوع على المخاطرة، ولا تعلق للَّمس والنَّبذ ووضع الحصاة بعقد البيع، فليست هذه الأفعال من موجبات العقد ولا من أحكامه، أما المعاطاة فهي تسليمٌ وتسلُّمٌ، وتسليمُ المبيع والثمن من حقوق البيع وأحكامه (١). ٣ - أنَّ في المعاطاة نقلاً للملك من غير لفظٍ دالٍّ عليه، وقد أحلَّ الله البيع، والبيع اسم للإيجاب والقبول، وليس مجرد فعل بتسليم وتسلم؛ إذ للمسلّم أن يرجع ويقول: قد ندمت، وما بعته؛ إذ لم يصدر مني إلا مجرد تسليم، وذلك ليس ببيع (٢). ونوقش هذا الدليل: بأنه مخالف لما عليه أهل اللُّغةِ، فليس البيع في اللُّغة اسمٌ للإيجاب والقبول، وإنما هو مبادلة المال بالمال (٣)، وحقيقة المبادلة بالمعاطاة هي: الأخذ والإعطاء، أما التلفظ بالإيجاب والقبول فهو مجرد دليل على الرضا بالمبادلة الفعلية. ونصوص الشرع دالة على هذا، فمن ذلك قول الله : ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤)، والتجارة عبارةٌ عن جعل الشيء للغير ببدل، وهو تفسير التعاطي (٥). وقال : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ (٦) أطلق اسم التجارة على تبادل ليس فيه قول البيع. وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٧)،

стр. 1611

فقد سمى مبادلة الجنة بالقتال في سبيل الله تعالى اشتراءً وبيعاً؛ لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ (١). وإن لم يوجد لفظ البيع (٢). ٤ - أنَّ العقودَ أنواعٌ متباينةٌ كالبيع والإجارة والرهن والهبة والصدقة على عوض، والصلح بالمال، ولكل منها ماهية تخصه، والرضا المقترن بالمعاوضة جنس شامل لجميع تلك الصور، فلا بد في معرفة كونه بيعاً من هبة أو هبة من صدقة، أو رهناً من إجارةٍ، ونحو ذلك من بيان كل منها باسم يخصه، وليس إلا القول المترجم عما في النفس، وإلا كان رجوعاً بالبيان إلى غير ما جعل الله أمره إليه (٣). ويناقش هذا الدليل: بأنَّ التمييزَ بين العقود يكون باللفظ، وبالقرائن والظروف المحيطة بها، وبالعرف الغالب. فإذا ركب شخصٌ سيارةَ أجرةٍ، ودفع لصاحبها الثمن بعد وصوله مقصده ولم يحدث بينهما كلام، فالعقد إجارة، وإذا أعطى شخص صديقا له ليلة عرسه قلما أو ساعة ونحوهما فالعقد هبة، وإذا دفع رجل إلى بائع الخبز ريالا وأعطاه به خبزا فالعقد بيع، وهكذا. فالعرف والقرائن والظروف تعين على فهم المقصود بوضوح دون لبس أو غموض. ٥ - واستدلوا على استثناء الهدايا: أن الهدايا كانت تحمل إلى رسول الله ﷺ فيأخذها ولا لفظ هناك.

стр. 1612

وعلى هذا جرى عرف الناس في جميع الأعصار، ولهذا كانوا يبعثون بها على أيدي الصبيان الذين لا عبارة لهم. (٤٢) روى البخاري من طريق حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: " كان الناس يتحرون بهداياهم يومي " (١). أنه لو لم تكن مباحة ما تصرفوا فيه تصرف الملاك، ومعلوم أن ما قبله النبي ﷺ من الهدايا كان يتصرف فيه ويملكه غيره (٢). أدلة القول الثالث: (صحة العقد بالمعاطاة في الأشياء الحقيرة القليلة، وعدم صحته في النفيسة الكثيرة) استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - أنه يستقبح في العادة التلفظ بالإيجاب والقبول في الأمور الحقيرة القليلة، وطالب الإيجاب والقبول فيها يعد متكلفا ثقيلا، وينسب إلى أنه يقيم الوزن لأمر حقير، أما المتلفظ بالإيجاب والقبول في الأمور النفيسة فلا يعد متكلفا، ولا يستقبح فعله (٣). فالعرف إذا جار بالمعاطاة في المحقرات دون غيرها. ويناقش هذا الدليل: بأن يقال: لو جرى العرف بالمعاطاة في الأمور النفيسة فهل تأخذون به؟ إن قالوا: لا، فهذا تحكم؛ إذ كيف تستدلون بالعرف في الحقير، وتتركونه في النفيس، وإن قالوا: نعم، بطل التفريق بين الحقير والنفيس. ٢ - أن الحاجة ماسة لتصحيح العقد بالمعاطاة في الأمور الحقيرة، لذلك كانت المعاطاة في المحقرات معتادة عليها في زمن الصحابة، ولو كانوا

стр. 1613

يتكلفون الإيجاب والقبول من البقال والخباز والقصاب لثقل عليهم فعله، ولنقل ذلك نقلا منتشرا، ولكان يشتهر وقت الإعراض بالكلية عن تلك العادة، فإن الأمصار في مثل هذا تتفاوت (١). ويناقش هذا الدليل من وجهين: الوجه الأول: أن كون الحاجة ماسة للمعاطاة في الأمور الحقيرة، لا يعني عدم صحتها في الأمور النفيسة. الوجه الثاني: أن ربط التعليل بالحاجة يعني صحة المعاطاة عند وجود الحاجة إليها، والحاجة قد ترد في غير الحقير. دليل القول الرابع: (من عرف منه البيع اكتفي بالمعاطاة) يمكن أن يستدل لهم فيقال: إن المتعاقدين إذا كانا ممن مارسا العقود واعتاداها عرف منهما الرضا بالمعاطاة، وكان عرفاً لهما والعادة محكمة. ولكن هذا التفريق غير منضبط، فقد يعرف الإنسان بالبيع في سلع خاصة، ولا يعرف في غيرها، وقد يكون مكثرا من عقود البيع والإجارة دون الرهن والمساقاة والصلح بالمال والهبة. الترجيح: الراجح -والله أعلم بالصواب- رجحان القول الأول -صحة العقد عن طريق المعاطاة-؛ لقوة أدلة هذا القول، وضعف أدلة الأقوال الأخرى؛ حيث لم تسلم من المناقشة والنقد. ولأنَّ الألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه، سواء كان

стр. 1614

بإشارة أو كتابة أو إيماء أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة مطردة لا يخل بها (١). ولأنَّ القائلين بعدم صحة العقد عن طريق المعاطاة كما هو المشهور عن الشافعية لهم استثناءات فاستثنوا الهدية، وصدقة التطوع مما يدل على عدم انضباط قولهم.

стр. 1615

المبحث الثاني: أركان الهبة نص الحنفية على أن للهبة ركنين: الإيجاب والقبول. وقيل: الإيجاب فقط (١). وعند المالكية أركانها: واهب، وموهوب، وموهوب له، وصيغة (٢). وعند الشافعية أركانها: عاقد، وصيغة، وموهوب (٣).
следующие страницы →