← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فقد سمى مبادلة الجنة بالقتال في سبيل الله تعالى اشتراءً وبيعاً؛ لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ (١). وإن لم يوجد لفظ البيع (٢). ٤ - أنَّ العقودَ أنواعٌ متباينةٌ كالبيع والإجارة والرهن والهبة والصدقة على عوض، والصلح بالمال، ولكل منها ماهية تخصه، والرضا المقترن بالمعاوضة جنس شامل لجميع تلك الصور، فلا بد في معرفة كونه بيعاً من هبة أو هبة من صدقة، أو رهناً من إجارةٍ، ونحو ذلك من بيان كل منها باسم يخصه، وليس إلا القول المترجم عما في النفس، وإلا كان رجوعاً بالبيان إلى غير ما جعل الله أمره إليه (٣). ويناقش هذا الدليل: بأنَّ التمييزَ بين العقود يكون باللفظ، وبالقرائن والظروف المحيطة بها، وبالعرف الغالب. فإذا ركب شخصٌ سيارةَ أجرةٍ، ودفع لصاحبها الثمن بعد وصوله مقصده ولم يحدث بينهما كلام، فالعقد إجارة، وإذا أعطى شخص صديقا له ليلة عرسه قلما أو ساعة ونحوهما فالعقد هبة، وإذا دفع رجل إلى بائع الخبز ريالا وأعطاه به خبزا فالعقد بيع، وهكذا. فالعرف والقرائن والظروف تعين على فهم المقصود بوضوح دون لبس أو غموض. ٥ - واستدلوا على استثناء الهدايا: أن الهدايا كانت تحمل إلى رسول الله ﷺ فيأخذها ولا لفظ هناك.

стр. 1612

وعلى هذا جرى عرف الناس في جميع الأعصار، ولهذا كانوا يبعثون بها على أيدي الصبيان الذين لا عبارة لهم. (٤٢) روى البخاري من طريق حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: " كان الناس يتحرون بهداياهم يومي " (١). أنه لو لم تكن مباحة ما تصرفوا فيه تصرف الملاك، ومعلوم أن ما قبله النبي ﷺ من الهدايا كان يتصرف فيه ويملكه غيره (٢). أدلة القول الثالث: (صحة العقد بالمعاطاة في الأشياء الحقيرة القليلة، وعدم صحته في النفيسة الكثيرة) استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - أنه يستقبح في العادة التلفظ بالإيجاب والقبول في الأمور الحقيرة القليلة، وطالب الإيجاب والقبول فيها يعد متكلفا ثقيلا، وينسب إلى أنه يقيم الوزن لأمر حقير، أما المتلفظ بالإيجاب والقبول في الأمور النفيسة فلا يعد متكلفا، ولا يستقبح فعله (٣). فالعرف إذا جار بالمعاطاة في المحقرات دون غيرها. ويناقش هذا الدليل: بأن يقال: لو جرى العرف بالمعاطاة في الأمور النفيسة فهل تأخذون به؟ إن قالوا: لا، فهذا تحكم؛ إذ كيف تستدلون بالعرف في الحقير، وتتركونه في النفيس، وإن قالوا: نعم، بطل التفريق بين الحقير والنفيس. ٢ - أن الحاجة ماسة لتصحيح العقد بالمعاطاة في الأمور الحقيرة، لذلك كانت المعاطاة في المحقرات معتادة عليها في زمن الصحابة، ولو كانوا

стр. 1613

يتكلفون الإيجاب والقبول من البقال والخباز والقصاب لثقل عليهم فعله، ولنقل ذلك نقلا منتشرا، ولكان يشتهر وقت الإعراض بالكلية عن تلك العادة، فإن الأمصار في مثل هذا تتفاوت (١). ويناقش هذا الدليل من وجهين: الوجه الأول: أن كون الحاجة ماسة للمعاطاة في الأمور الحقيرة، لا يعني عدم صحتها في الأمور النفيسة. الوجه الثاني: أن ربط التعليل بالحاجة يعني صحة المعاطاة عند وجود الحاجة إليها، والحاجة قد ترد في غير الحقير. دليل القول الرابع: (من عرف منه البيع اكتفي بالمعاطاة) يمكن أن يستدل لهم فيقال: إن المتعاقدين إذا كانا ممن مارسا العقود واعتاداها عرف منهما الرضا بالمعاطاة، وكان عرفاً لهما والعادة محكمة. ولكن هذا التفريق غير منضبط، فقد يعرف الإنسان بالبيع في سلع خاصة، ولا يعرف في غيرها، وقد يكون مكثرا من عقود البيع والإجارة دون الرهن والمساقاة والصلح بالمال والهبة. الترجيح: الراجح -والله أعلم بالصواب- رجحان القول الأول -صحة العقد عن طريق المعاطاة-؛ لقوة أدلة هذا القول، وضعف أدلة الأقوال الأخرى؛ حيث لم تسلم من المناقشة والنقد. ولأنَّ الألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه، سواء كان

стр. 1614

بإشارة أو كتابة أو إيماء أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة مطردة لا يخل بها (١). ولأنَّ القائلين بعدم صحة العقد عن طريق المعاطاة كما هو المشهور عن الشافعية لهم استثناءات فاستثنوا الهدية، وصدقة التطوع مما يدل على عدم انضباط قولهم.

стр. 1615

المبحث الثاني: أركان الهبة نص الحنفية على أن للهبة ركنين: الإيجاب والقبول. وقيل: الإيجاب فقط (١). وعند المالكية أركانها: واهب، وموهوب، وموهوب له، وصيغة (٢). وعند الشافعية أركانها: عاقد، وصيغة، وموهوب (٣).

стр. 1616

الفصل الثاني: شروط صحتها وفيه مباحث: المبحث الأول: شروط الواهب. المبحث الثاني: شروط الموهوب. المبحث الثالث: شروط الموهوب له.

стр. 1617

المبحث الأول: شروط الواهب وفيه مسائل: المسألة الأولى: الشرط الأول: أن يكون الواهب جائز التبرع. وذلك بأن يكون الواهب: بالغاً، عاقلاً، حراً، رشيداً، غير مرتد. وفيها أمور: الأمر الأول: هبة الصبي: وفيه فرعان: الفرع الأول: هبة الصبي غير المميز (١). إذا وهب الصبي غير المميز فهبته غير معتبرة، لا يترتب عليها إلزام ولا التزام وهذا محل اتفاق بين الفقهاء (٢).

стр. 1618

ويدل لهذا الأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (١). وجه الدلالة: أن انتقال الملك بالهبة متوقف على الرضا المعتبر، وهو مفقود من الصبي غير المميز (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٣). قال الطبري -رحمه الله تعالى-: " والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه عم بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فلم يخص سفيهاً دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي ماله صبياً صغيراً كان أو رجلاً كبيراً " (٤). (٤٣) ٣ - ما رواه الإمام أحمد من طريق حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (٥).

стр. 1619

٤ - أن الصبي في أول أحواله عديم التمييز، فكان كالمجنون بل أدنى حالا منه؛ لأنه قد يكون للمجنون تمييز وإن لم يكن له عقل، والصبي غير المميز عديم التميز (١). ٥ - أن الصبي غير المميز لا تحصل المصلحة بتصرفه؛ لعدم تمييزه ومعرفته (٢). وتصحيح عقوده التي يصدرها وسيلة لضياع حقوقه وأمواله. الفرع الثاني: هبة الصبي المميز: إذا وهب الصبي المميز فإن هبته لا تصح. ولا أثر لإذن الولي في ذلك، فلو أذن الولي للصبي في مباشرة الهبة فإنه لا يغير الحكم.

стр. 1620

وهذا هو قول أكثر الفقهاء. فهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه الأصحاب (٤). ويدل لهذا ما يأتي: [١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٥). قال الطبري -رحمه الله تعالى-: " والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه عم بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فلم يخص سفيهاً دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتى ماله صبياً صغيراً كان أو رجلاً كبيرا " (٦). ٢ - حديث عائشة ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (٧).] [¬*] ٣ - أن الصبي المميز محجور عليه لحظ نفسه (٨)، فلا تصح هبته. ٤ - أن الصبي مظنة الرحمة والإشفاق، لا مظنة الإضرار به، والله تعالى أرحم الراحمين فلم يشرع في حقه المضار (٩)، ومن ذلك عدم صحة هبته. ٥ - وأما الدليل على عدم أحقية الولي في الإذن والإجازة والهبة؛ لأن ولايته نظرية، وليس من النظر إثبات الولاية فيما ضرره محض في حق الصبي كالهبة (١٠). ٦ - قياس هبة غير البالغ على طلاقه لزوجته؛ لاتفاقهما في حصول الضرر عليه وعلى ماله (١١). القول الثاني: صحة هبة الصبي المميز.

стр. 1621

وهو رواية عن الإمام أحمد (١). وحجته: القياس على صحة إبرائه. ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم الأصل المقيس عليه؛ إذ هو موضع خلاف بين أهل العلم. الترجيح: الراجح -والله أعلم- أن الصبي المميز لا تصح هبته؛ لقوة دليل الجمهور على ما ذهبوا إليه، وضعف دليل القول الثاني بمناقشاته. فرع: هبة الصبي المميز للشيء اليسير. الصحيح من مذهب الحنابلة: صحة تصرف الصبي غير المميز بالشيء اليسير، كشراء خبز وبيع حلوى ونحو ذلك. معللين بأن الخوف من ضياع الأموال مفقود في الشيء اليسير (٢). الأمر الثاني: هبة المجنون: وفيه فروع: الفرع الأول: هبة المجنون (٣) حال اختلاله.

стр. 1622

اتفق الفقهاء (١) ﵏ على عدم صحة هبة المجنون، ولا عبرة بإجازة الولي لو أجاز ما أصدره المجنون من هبة.

стр. 1623

وهذا بالإجماع للأدلة الآتية: ١ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (١). ٢ - ما سبق من الأدلة على عدم صحة هبة الصبي والمجنون من باب أولى (٢). ٣ - أن انتقال الملك متوقف على الرضا، ومعرفة رضا المجنون متعذر لعدم التمييز وانتفاء تعقل المعاني. فلا تصح حينئذ هبته التي يصدرها (٣). ٤ - أن الإنسان يعرف بالعقل ما ينفعه من العقود فيقدم عليه، والمجنون فاقد للعقل، فلا يصح ما يصدره من صيغ تفيد التزامه بعقد من العقود لرجحان جانب الضرر؛ نظرا إلى سفهه وقلة مبالاته وعدم قصده المصالح. وقد يستجر -من يعامله- ماله باحتياله (٤). ٥ - أن الأهلية شرط لجواز التصرف وانعقاده، ولا أهلية بدون عقل وتمييز، والمجنون فاقد لهما (٥). ٦ - ويستدل لعدم الاعتداد بإجازة الولي لما يصدره المجنون من هبة: بأن صدور الصيغة من المجنون تصرف باطل لا يعتد به، وإجازة الولي

стр. 1624

إنما تلحق التصرفات الموقوفة فتجعلها نافذة، ولا تلحق التصرفات الباطلة، فالباطل في حكم المعدوم. الفرع الثاني: هبة المجنون حال إفاقته. اختلف الفقهاء ﵏ فيما يصدره المجنون من هبة حال إفاقته على قولين: القول الأول: أن ما يصدره المجنون من هبة في حال إفاقته يعد صحيحا نافذا. وبهذا قال جمهور الفقهاء، فقد نصوا على ذلك في مواضع كولاية النكاح، وأسباب الحجر. فهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: أن ما يصدره المجنون من هبة حال إفاقته، فيه تفصيل: فإن كان لإفاقة المجنون وقت معلوم فوهب في ذلك الوقت، فالحكم أنها صحيحة نافذة. وإن لم يكن لإفاقته وقت معلوم فوهب في حال الإفاقة، فالحكم أنها موقوفة على إجازة الولي. وإلى هذا القول ذهب بعض الحنفية (٥).

стр. 1625

الأدلة: دليل القول الأول: استدل القائلون بصحة هبة المجنون حال إفاقته بما يلي: ١ - أن الأصل صحة الهبة إلا لتخلف شرط، أو جود مانع، ولم يوجد. ٢ - أنَّ العلةَ من عدم صحة هبة المجنون زالت بإفاقته، والقاعدة الشرعية: أنَّ كلَّ علَّة أوجبت حكماً اقتضى أن يكون زوال تلك العلة موجبا لزوال ذلك الحكم (١). دليل القول الثاني: استدل القائلون بصحة هبة المجنون ونفاذها إن كان لإفاقته وقت معلوم، وبوقفها على إجازة الولي إن لم يكن لها وقت معلوم: أن من كان لإفاقته وقت معلوم فإنه يتحقق من صحوه، ومن لم يكن لإفاقته وقت معلوم لا يتحقق صحوه (٢). ويناقش هذا التعليل: بأن العلة من عدم صحة هبة المجنون هي زوال العقل، فإذا أفاق زالت العلة وتحقق شرط صحة الهبة، وارتفع بطلانها، وحينئذ فلا يلتفت إلى كون الإفاقة لها وقت معلوم أو لا. الترجيح: يظهر لي -والله أعلم بالصواب- رجحان القول بعدم صحة هبة المجنون؛ لقوة دليل أصحاب هذا القول، وضعف تعليل القائلين بالتفصيل. الفرع الثالث: هبة الخرف. الخَرَف: هو فساد العقل من الكبر والهرم، يقال: خَرِف الرجل خَرفَا -

стр. 1626

من باب تعب - فهو خرِف (١). قال النووي: " الصورة الثانية مما يسلب النظر: اختلال النظر لهرم، أو خبل جبلي، أو عارض يمنع الولاية -أي ولاية النكاح- وينقلها إلى الأبعد". وقال ابن قدامة: " الشيخ الذي قد ضعف لكبره فلا يعرف موضع الحظ لها فلا ولاية له -أي في النكاح- " (٢). فإذا رد الإنسان لأرذل العمر، وأصبح لا يعلم من بعد علم شيئا، فلا تصح هبته. ويدل لذلك ما يأتي: (٤٤) ١ - حديث على بن أبي طالب ﵁ السابق: " رفع القلم عن ثلاثة … " رواية فيها زيادة: " والخَرِف " (٣). ٢ - ما روي عن علي ﵁ في عدم وقوع طلاق المعتوه (٤). ٣ - أنَّ الهرمَ الخرف كالمجنون؛ لفقده العقل، فليس أهلا للهبة وإبرام العقود. وبهذا يتبين أن الخرف كالمجنون في عدم صحة هبته التي تفيد التزامه بعقد من العقود.

стр. 1627

الأمر الثالث: هبة المعتوه. وفيه فرعان: الفرع الأول: تعريف المعتوه. العته في اللغة: يطلق على نقص العقل، ويطلق أيضا على فقده (١). وفي اصطلاح الفقهاء: انقسم الفقهاء ﵏-في تعريف المعتوه إلى طائفتين: فطائفة جعلت العته نوعاً من الجنون، والطائفة الأخرى فرقت بينه وبين الجنون. فقد جاء في تبيين الحقائق (٢) للحنفيَّة أن المعتوه هو: "من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون ". وجاء في الإكليل (٣) للمالكية: " أن المعتوه هو: ضعيف العقل " (٤). وقد ذكر صاحب "كشاف اصطلاحات الفنون" (٥): ما يؤيد هذا التفريق حيث قال: "والفرق بين السفه والعته ظاهر، فإن المعتوه يشابه المجنون في بعض أفعاله وأقواله، بخلاف السفيه فإنه لا يشابه المجنون، لكن تعتريه خفة فيتابع مقتضاها في الأمور من غير روية وفكر في عواقبها ".

стр. 1628

وجاء في تحرير التنبيه للشافعية (١): " المعتوهُ نوعٌ من المجانين ". وجاء في المغني للحنابلة (٢): " المعتوه هو: الزائل العقل بجنون مطبق ". وفي الدر النقي (٣): " المعتوه هو المجنون ". الفرع الثاني: هبة المعتوه. اختلف الفقهاء ﵏ في حكم ما يصدر المعتوه من صيغ على قولين: القول الأول: أن المعتوه كالمجنون في الأحكام، لذا فما يصدره المعتوه من هبة لا يعتد بها، ولا يجوز للولي أن يأذن له بإصدارها. وهذا مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثاني: أن المعتوه كالصبي العاقل في تصرفاته، لذا فما يصدره المعتوه من هبة تأخذ حكم هبة الصبي المميز، وقد تقدم حكمها (٧). وبهذا قال الحنفية (٨).

стр. 1629

الأدلة: الذين يرون بطلان هبة المعتوه يلحقونه بالمجنون ويطبقون عليه أحكامه، وتقدمت الأدلة قريباً على عدم صحة هبة المجنون. أما الذين يرون إلحاق المعتوه بالصبي المميز في التصرفات القوليَّة وهم الحنفيَّة، فإنهم لما رأوا المعتوه -حسب اصطلاحهم- عنده نوع تمييز ألحقوه بالصبي المميز وقاسوه عليه. والذي يظهر لي في المسألة أن المعتوه ينقسم إلى قسمين: الأول: معتوه ليس معه إدراك، فهذا في حكم المجنون، فلا تصح هبته. الثاني: معتوه معه إدراك، فيأخذ حكم الصبي المميز، وقد تقدم حكم هبته (١). الأمر الرابع: هبة السكران (٢): السكران لا يخلو من حالتين:

стр. 1630

الحال الأولى: أن يكون معذوراً بسكره كمن شرب مسكراً ظنه عصيراً، أو كان مكرهاً على شربه، ونحو ذلك، فلا تصح هبته باتفاق الفقهاء (١). لما يأتي من الأدلة على عدم صحة هبته إذا كان السكران غير معذور، فالمعذور من باب أولى. الحال الثانية: أن لا يكون معذوراً بسكره بأن يشرب المسكر عالماً مختاراً. إذا وهب السكران غير المعذور بسكره فهل تصح هبته، وتترتب عليها آثارها أو لا؟. خلاف بين الفقهاء على أقوال: القول الأول: عدم صحة هبة السكران. هو قول الكرخي، والطحاوي من الحنفية (٢)، وقول للشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة، خرَّجها الأصحابُ على عدم وقوع طلاق السكران (٤)، وهو قول الظاهرية (٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (٦).

стр. 1631

القول الثاني: صحة هبة السكران. وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية (١)، وهو قول شاذ عند المالكية (٢)، وهو المذهب عند الشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة، خرَّجها الأصحابُ على وقوع طلاق السكران (٤)، وهي المذهب (٥). في تيسير التحرير: " وإن كان طريقه -أي السكر- محرما .... فلا يبطل التكليف فيلزم الأحكام، وتصح به عباراته من الطلاق، والعتاق، والبيع، والإقرار، والتزويج، والإقراض .... ". القول الثالث: أن هبة السكران صحيحة، إلا أن العقد غير لازم. وبهذا قال الإمام مالك وعامة أصحابه (٦). القول الرابع: تصح هبة السكران، ولا يصح اتهابه. وهذا قول للشافعية (٧).

стр. 1632

الأدلة: أدلة القول الأول: (عدم صحة هبة السكران) استدل من قال بعدم صحة هبة السكران بالأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١). وجه الاستدلال من الآية: أن الله جعل قول السكران غير معتبر؛ لأنه لا يعلم ما يقول (٢)، وعليه فلا تصح هبته. وأيضا: فإن النهي عن قربان الصلاة مع السكر دليل على بطلان عبادته، فترتب على ذلك بطلان سائر عقوده لانعدام مناط التكليف (٣). (٤٥) ٢ - ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بريدة، عن أبيه ﵁ قال: " جاء ماعز بن مالك ﵁ للنبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله طهِّرني، … قال: (ممَّ أُطهِّرك؟) قال: من الزنى. فسأل رسول الله ﷺ : (أَبِهِ جنون؟) فأُخبر أنه ليس بمجنون، فقال: (أَشَرِبَ خَمراً؟) فقام رجلٌ فاستنكَهَه فلم يجد منه ريحَ خَمر، فقال النبي ﷺ : (أَزَنيتَ؟) قال: نعم. فأَمَرَ به فَرُجِمَ " (٤). وجه الاستدلال من الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ أمر بشمّ ريح فم ماعز ليعلَمَ هل هو سكران أو لا؟ فإن كان سكران لم يصحّ إقراره، وإذا لم يصحّ إقرارُه عُلم أن أقواله باطلة كأقوال المجانين (٥)، فلا تصح هبته.

стр. 1633

ونوقش هذا الاستدلال: بأن درء الحد عن ماعز لوجود الشبهة في إقراره، والحدود تدرأ بالشبهات (١). وأجيب: بأن استنكاه ماعز خشية الشبهة في إقراره دليل على اعتبار العقل الذي هو مناط التكليف. (٤٦) ٣ - ما رواه البخاري من طريق علي بن الحسين، أن حسين بن علي ﵄ أخبره أنَّ عليَّاً أخبره قال: " كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يومَ بدر، .... فإذا شارفي قد جبّت أسنمتهما، وبُقرت خواصرُهُما (٢)، فقلت: يا رسول الله عدا حمزة على ناقتي، وها هو ذا في بيت معه شرب، فطَفِقَ النبيُّ ﷺ يلوم حمزة، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيدٌ لأبي؟ فعرف النبيُّ ﷺ أنه قد ثَمِلَ، فنَكَصَ رسولُ الله ﷺ على عقبيه وخَرَجنا مَعَهُ " (٣). وجه الاستدلال من الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يؤاخذ حمزة بما قال، مع أن هذا القول لو قاله غير سكران لكان ردة وكفراً (٤). قال ابن حجر (٥) ﵀: " وهو من أقوى أدلة من لم يؤاخذ السكران بما يقع منه في حال سكره من طلاق وغيره ". ونوقش هذا الاستدلال: من الحديث بأن الخمر حينئذ كانت مباحة، فبذلك سقط عن حمزة ﵁ حكم ما نطق به في تلك الحال (٦).

стр. 1634

وأجيب عنه: بأن الاحتجاج من هذا الحديث إنما هو بعدم مؤاخذة السكران بما يصدر منه، ولا يفترق الحال بين أن يكون الشرب مباحاً أو لا (١). ٤ - حديث عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (٢). وجه الدلالة: دل الحديث على أن فاقد العقل غير مؤاخذ، فكذا السكران؛ لانعدام مناط التكليف (٣). ونوقش: بأنه قياس مع الفارق حيث إن انعدام مناط التكليف في المنصوص عليهم قهراً، بخلاف السكران فإنه باختياره وإرادته فيغلظ عليه. وأجيب: بأن العبرة انعدام مناط التكليف؛ لاشتراط القصد في العقود والأقوال المتحقق في العقل من غير تفريق بين مختار وغيره (٤). (٤٧) ٥ - ما رواه الترمذي من طريق عطاء بن عجلان، عن عكرمة بن خالد المخزومي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كل الطلاق جائزٌ إلا طلاقَ المعتوه، والمغلوب على عقله " (٥) (ضعيف جداً).

стр. 1635

والسكران داخل في المغلوب على عقله (١). ونوقش: بضعف الحديث. (٤٨) ٦ - ما رواه أبو داود من طريق محمد بن عبيد، عن أبي صالح … قال: خرجت مع عدي بن عدي الكندي حتى قدمنا مكة فبعثني إلى صفية بنت شيبة … قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " (٢) (ضعيف).

стр. 1636

وجه الدلالة: أن المغلق عليه لا يقع طلاقه، وكذا هبته، والسكران داخل في ذلك لزوال مناط التكليف (١). (٤٩) ٧ - قال البخاري: وقال عثمان بن عفان ﵁: " ليس لمجنون ولا سكران طلاق " (٢). قال ابن المنذر: " هذا ثابت عن عثمان، ولا نعرف أحداً من الصحابة خالفه " (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤): " وهذا ثابت عن أمير المؤمنين عثمان ابن عفان، ولم يثبت عن الصحابة خلافه فيما أعلم ". (٥٠) ٨ - قال البخاري: وقال ابن عباس ﵄: " طلاق السكران والمستكره ليس بجائز " (٥).

стр. 1637

أي: ليس بواقع (١). فهذه الفتوى من الصحابة -رضوان الله عليهم- تدل على أن تلفظ السكران بصيغة الطلاق لغو لا يترتب عليها حكم، ويقاس على صيغة الطلاق سائر صيغ العقود كالهبة؛ إذ لا فرق مؤثر في الحكم بينهما. ٩ - أن السكران زائل العقل مفقود الإرادة، وشرط التكليف العقل وهو مفقود، فأشبه المجنون والنائم والمكره (٢). ونوقش هذا القياس من وجهين: أحدهما: أن مع المكره والمجنون علما ظاهرا يدل على فقد الإرادة هما فيه معذوران، بخلاف السكران (٣). الثاني: أن المكره والمجنون والنائم غير مؤاخذين بالإكراه والجنون والنوم، فلم يؤاخذوا بما أحدثوا فيها، كما أن من قطع يد سارق فسرت إلى نفسه لا يؤاخذ بالسراية؛ لأنه غير مؤاخذ بالقطع، ولو كان متعديا بالقطع

стр. 1638

لكان مؤاخذ بالسراية كما كان مؤاخذا بالقطع (١) بخلاف السكران، فإنه لما كان متعديا بالسكر كان مؤاخذا بما حدث فيه. وأجيب: بما أجيب به عن المناقشة الواردة على الدليل الرابع. ١٠ - أن عبادات السكران كالصلاة لا تصح بالنص والإجماع؛ لأنه لا يعلم ما يقول كما دل على ذلك القران الكريم. والقاعدة: أن كل من بطلت عبادته لعدم عقله فبطلان عقوده أولى وأحرى، كالنائم والمجنون ونحوهما، فإنه قد تصح عبادات من لا يصح تصرفه لنقص عقله كالصبي والمحجور عليه لسفه (٢). ١١ - أن جميع الأقوال والعقود مشروطة بوجود التمييز والعقل، فمن لا تمييز له ولا عقل ليس لكلامه في الشرع اعتبار أصلا؛ (٥١) لما روى البخاري ومسلم من طريق الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنَّ في الجسد مضغةٌ إذا صَلُحَت صَلُحَ الجَسَدُ كُلُّه، وإذا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّه ألا وهي القلب" (٣). فإذا كان القلب قد زال عقله الذي به يتكلم ويتصرف، فكيف يجوز أن يجعل له أمر ونهي أو إثبات، وهذا معلوم بالعقل مع تقرير الشارع له (٤). ١٢ - أن العقود وغيرها من التصرفات مشروطة بالمقصود؛ (٥٢) لما روى البخاري ومسلم من طريق علقمة بن وقَّاص اللَّيثي يقول:

стр. 1639

سمعت عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما الأعمال بالنيَّات " (١). وجه الاستدلال: أن اللفظ وغيره من التصرفات مشروط بالقصد، فكل لفظ من المتكلم لسهو وسبق لسان وعدم عقل لا يترتب عليه حكم (٢). فكل لفظ من المتكلم لسهو وسبق لسان وعدم عقل، فإنه لا يترتب عليه حكم (٣). أدلة الرأي الثاني: (صحة هبة السكران) استدلوا بالأدلة الآتية: ١ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٤). وجه الاستدلال من الآية: دلت الآية على أن السكران مكلف من وجهين: أحدهما: تسميتهم بالمؤمنين ونداؤهم بالإيمان، ولا ينادى به إلا مكلف. والوجه الثاني: نهيهم في حال السكر أن يقربوا الصلاة، ولا ينهى إلا مكلف (٥).

стр. 1640

ونوقش وجه الاستدلال من الآية من وجوه: الوجه الأول: بعدم التسليم بأنَّ الخطابَ في الآية موجه للسكران حال سكره؛ لأنَّ من لا عقلَ له ولا يفهم الخطاب لا يدري عن الشرع ولا غيره فكيف يؤمر وينهى، بل أدلة الشرع والعقل تنفي أن يخاطب مثل هذا (١). وأجيب: بأن الخطاب إذا لم يكن موجها لسكران حال سكره، فهو موجه له قبل السكر، وهذا يستلزم أن يكون مخاطبا في حال سكره؛ لأنه لا يقال إذا جننت فلا تفعل كذا (٢)، وهذا المعنى فاسد. وبذلك تعين أن يكون الخطاب في الآية موجها للسكارى حال سكرهم، فلا يكون السكر منافياً للخطاب. ورد هذا الجواب: بأنه مبني على أن معنى الآية: إذا سكرتم فلا تقربوا الصلاة، وهذا المعنى غير صحيح، بل المعنى يكون إذا أردتم الصلاة فلا تسكروا، فهو نهي لهم أن يسكروا سكرا يفوتون به الصلاة، أو نهي لهم عن الشرب قريب الصلاة. الوجه الثاني: أنه يحتمل أن الخطاب موجه لمن يدب فيه أوائل النشوة، وأما حال السكر، فلا يخاطب بحال (٣). الوجه الثالث: أن تخصيصهم بالخطاب لانفرادهم بالصلاة عن غيرهم من اليهود ونحوهم، فإنهم لا يصلون سكارى ولا صحاة (٤).

стр. 1641

الوجه الرابع: أن الله وصفهم بالإيمان لكمال حكمته مع عباده، وليس من باب التوبيخ والمحاسبة (١). ٢ - ما رواه الترمذي من طريق عطاء بن عجلان، عن عكرمة بن خالد المخزومي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كل الطلاق جائزٌ إلا طلاقَ المعتوه، والمغلوب على عقله " (٢). وكذا الهبة. ونوقش هذا الاستدلال: بضعف الحديث، ولو صحَّ: فالمعنى في كليهما واحد، وهو تغطية العقل. ٣ - أن الصحابة -رضوان الله عليهم- أجمعوا على تكليف السكران؛ (٥٣) قال الإمامُ مالك: عن ثور بن زيد الديلي أنَّ عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي ﵁: " نرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سَكَرَ، وإذا سَكَرَ هَذَى، وإذا هَذَى افتَرَى، فأرى أن يُحدَّ حدَّ المفتري ثمانين " (٣).

стр. 1642

وجه الاستدلال: أن الزيادة على الأربعين لافترائه في سكره، ولو كان غير مكلف لما أوجبوا عليه حد المفتري، ولا كان مؤاخذا بافترائه، وفي مؤاخذته به دليل على تكليفه (١)، فإذا ثبت أنه مكلف وجب الاعتداد بأقواله وتصحيحها. ونوقش هذا الدليل من وجهين: أحدهما: أن هذا الخبر المنسوب لعلي ﵁ لا يصح البتَّة (٢). قال أبو محمد ابن حزم (٣): " هذا خبر مكذوب قد نزه الله عليا، وعبد الرحمن بن عوف عنه؛ لأنه لا يصح إسناده، ثم عظيم ما فيه من المناقضة؛ لأن فيه إيجاب الحد على من هذى، والهاذي لا حدَّ عليه ". الوجه الثاني: أنَّ الزيادةَ على الأربعين ليست من أجل الافتراء، ولكن لما كان الإقدام على السكر -الذي هو مظنة الافتراء- يلحقه بالإقدام على الافتراء أعطي حكم المفتري؛ إقامة لمظنة الحكمة مقام الحقيقة؛ لأن الحكمة هنا خفية مستترة؛ لأنه قد لا يعلم افتراءه، ولا متى يفتري، ولا على من يفتري، كما أن المضطجع يحدث ولا يدري هل هو أحدث أو لا، فقام النوم مقام الحدث (٤). وإذا تبين أن الزيادة ليست لأجل الافتراء فلا يكون السكران مكلفاً.

стр. 1643

٤ - أن في تصحيح هبة السكران وإنفاذ عقوده عقوبة له (١). ونوقش هذا الدليل من وجهين: أحدهما: أن كون السكران معاقبا أو غير معاقب ليس له تعلق بصحة عقوده وفسادها؛ فإن العقود ليست من باب العبادات التي يثاب عليها، ولا الجنايات التي يعاقب عليها، بل هي من التصرفات التي يشترك فيها البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وهي من لوازم وجود الخلق؛ فإن العهود والوفاء بها لا تتم مصلحة الآدميين إلا بها؛ لاحتياج بعض الناس إلى بعض في جلب المنافع ودفع المضار، وإنما تصدر عن العقل، فمن لم يكن له عقل ولا تمييز لم يكن قد عاهد ولا حلف ولا باع ولا نكح ولا طلق ولا أعتق (٢). والوجه الثاني: أن الحد الشرعي للسكران كاف لعقوبته، ولا يعهد عن الشريعة العقوبة بتصحيح العقود وإنفاذها (٣). ثم إن الأمر قد يعود بالنفع للسكران، كما لو اشترى سلعة أثناء سكره فزاد ثمنها أضعافا مضاعفة بعد العقد. ٥ - أنه لا يعلم زوال عقل السكران إلا بقوله، وهو فاسق مردود الخبر بشربه المسكر، وربما تساكر تصنعاً، فلا يقبل قوله في عدم العقل والسكر، ويبقى الحكم على الأصل وهو صحة هبته ونفاذ العقد (٤).

стр. 1644

ونوقش هذا الدليل: بأنه يفيد بطلان صيغ السكران في الباطن وصحتها في الظاهر؛ لأن السكران لما كان فاسقا سقطت دعواه بزوال عقله، فنفذ العقد لصحة الصيغة. ثم إنَّ من لازم هذا الدليل التفريق بين العقود التي ينفرد بها السكران، وبين العقود التي لا ينفرد بها؛ لأن من حضر صدور الصيغة من السكران قد يشهد بسكره وزوال عقله، وأصحاب هذا الدليل لا يقولون بالفرق (١). ٦ - أن نفاذ هبة السكران من قبيل ربط الأحكام بالأسباب الذي هو خطاب الوضع (٢). ونوقش: بأن من لازمه صحة هبة من سكر مكرها أو جاهلا بأن ما شربه خمر، وصحة هبة المجنون والنائم، والمستدل لا يقول بهذا. ثم يقال: وهل ثبت أن صدور هبة من السكران سبب حتى يربط الحكم به؟ وهل النزاع إلا في هذا (٣)؟. ٧ - أنَّ السكرانَ مؤاخذ بسكره، فوجب أن يكون مؤاخذا بما حدث عن سكره، ومن ذلك صيغه التي يصدرها في البيع والإجارة والطلاق والهبة ونحوها، وهذا مثل سراية الجناية لما كان مؤاخذا بها كان مؤاخذاً بسراية الجناية. ونوقش هذا الدليل: بأنَّ السكرَ ليس من فعل السكران، وإنما هو من فعل الله تعالى فيه، فكيف صار منسوباً إليه، ومؤاخذاً به؟ (٤).

стр. 1645

وأجيب: بأن السكران هو المتسبب بالسكر؛ حيث إن الشرب من فعله، فصار ما حدث عنه -وإن كان من فعل الله تعالى- منسوباً إلى فعله، كما أنَّ سراية الجناية لما حدثت عن فعله نسبت إليه، وكان مؤاخذاً بها، وإن كان من فعل الله تعالى فيه (١). ٨ - قياس هبة السكران على سائر جناياته كالقتل والقذف ونحوها، فكما يؤاخذ السكران عليها يؤاخذ على عقد الهبة (٢). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا قياس مع الفارق؛ لافتقار الأقوال للعقل بخلاف الجنايات فإنها مبنية على الفعل المتسبب في إقامة الحد؛ لمخاطبته في صحوه بعدم السكر المؤدي إلى الجناية التي لا يعذر بفعلها (٣). الوجه الثاني: أن المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من قال بأن أقواله كأفعاله لا يترتب عليها حكم العمد لفقد القصد (٤). ٩ - القياس على إلزامه الصلاة الواجبة حال سكره، فوجب صحة هبته (٥). ونوقش من وجوه: الوجه الأول: أن إلزام السكران بقضاء الصلاة الفائتة حال سكره موضع خلاف بين أهل العلم (٦).

стр. 1646

الوجه الثاني: أن إلزامه بالقضاء حال سكره دليل على عدم صحة صلاته حال سكره مما يدل على عدم تكليفه، لتغطية عقله (١). الوجه الثالث: أن إلزامه بالقضاء حال سكره لا يلزم منه صحة هبته بدليل النائم يجب عليه قضاء الصلاة، ولا تصح هبته بالإجماع (٢). دليل القول الثالث: (صحة هبته مع عدم لزوم العقد) استدل القائلون بصحة ما يصدره السكران من هبة مع عدم لزوم العقد: أن السكران بسكره يقصر تمييزه في معرفته بالمصالح عن السفيه، والسفيه لا يلزمه العقد، فالسكران من باب أولى؛ لنقصان عقله بالسكر (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بالفرق بين السكران والسفيه؛ إذ السفيه عقله باق بخلاف السكران فعقله مغطى عليه. ودليل القول الرابع: (صحة هبته، ولا يصح اتهابه) أنه تصح هبته، ولا يصح اتهابه تغليظاً عليه؛ لتسببه في إزالة عقله بمحرم قصداً (٤). ونوقش: بأن العقوبة الشرعية تكفي عقاباً وتغليظاً على السكران، ولم يعهد عن الشريعة العقاب بهذا الجنس من تصحيح قوله في العقود التي عليه كهبته، وبطلانها في العقود التي له. الترجيح: الراجح -والله أعلم- عدم صحة هبة السكران؛ لقوة أدلته، وموافقتها

стр. 1647

لقواعد الشريعة التي تشترط العقل والتمييز لصحة العقود وترتب آثارها عليها. فرع: شروط صحة هبة السكران عند القائلين بصحتها. يشترط لصحة هبة السكران -عند القائلين بصحتها- توفر الشروط الآتية: الشرط الأول: أن يكون غير معذور في سكره، كأن يشرب الخمر ونحوها طائعاً مختاراً غير مضطر ولا مكره. أما إن كان معذوراً بسكره كسكر المكره بإكراه ملجئ، وسكر المضطر، وسكر من شرب دواء فسكر به. فالسكران في هذه الحالات معذور شرعا لا يقام عليه الحد، ولأجل هذا تلغى جميع أقواله التي نطق بها حال السكر، ولا يترتب عليها أي حكم شرعي فلا تنفذ هبته. ويعد السكران في هذه الحالة كالنائم والمغمى عليه في أحكام التصرفات؛ لقيام عذره وانتفاء قصده باتفاق الأئمة الأربعة (١). الشرط الثاني: أن يكون السكران مميزاً أي: معه بقية عقل، أما إذا ذهب عقله جملة، فلا يصح منه نطق؛ لأنه والحالة هذه كالمجنون. جاء في مواهب الجليل (٢): " السكران قسمان: سكران لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فلا خلاف أنه كالمجنون في جميع أحواله وأقواله .. "، وتقدم في أول هذه المسألة بيان ضابط السكران الذي يؤاخذ بسكره.

стр. 1648

جاء في الأشباه والنظائر للسيوطي (١): " الشارب له ثلاثة أحوال: أولها: هزة ونشاط يأخذه إذا دبت فيه ولم تستولِ عليه بعد، ولا يزال العقل في هذه الحالة، فهذا ينفذ طلاقه وتصرفاته؛ لبقاء عقله. الثانية: نهاية السكر، وهو أن يصير طافحاً ويسقط كالمغشي عليه لا يكاد يتكلم ولا يتحرك، فلا ينفذ طلاقه ولا غيره؛ لأنه لا عقل له. الثالثة: حالة متوسطة، وهو أن تختلط أحواله، ولا تنتظم أقواله وأفعاله، ويبقى تمييز وفهم وكلام، فهذه الثالثة سكر وفيها القولان … " (٢). الشرط الثالث: أن يكون الشراب المسكر مطرباً، وأما السكران بشرب دواء غير مطرب كشارب البنج وما في معناه (٣)، فلا تصح هبته حتى ولو قصد بتناوله السكر. وهذا الشرط وجه عند الشافعية (٤).

стр. 1649

وعللوا: بأنَّ الشرابَ المطربَ يدعو النفسَ إلى تناولِهِ، فغلظ حكمُهُ زجراً عنه بوقوع الطلاق ونحوه، كما غلظ بالحد. أما غير المطرب فالنفس منه نافرة، ولذلك لم يغلظ بالحد، فلم يغلظ بوقوع الطلاق ونفاذ العقود كالهبة وغيرها (١). الأمر الخامس: هبة الغضبان: تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء ﵏-على أنَّ هبة من زال عقلُهُ لشدَّة غضبه لا يقع (٢)، كما اتفقوا على وقوع هبة مَن لم يؤثِّر غضبُهُ على قصدِهِ وشعورِهِ (٣). واختلفوا في هبة من اشتدَّ غضبُهُ ولم يملك نفسَه، ونَدِمَ على فعلِهِ مع بقاء عقله، هل يقع أم لا (٤)؟ على قولين: القول الأول: أنه لا تصح هبته. وهو قول ابن عابدين من الحنفيَّة (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، وابن القيم (٨).

стр. 1650

القول الثاني: أنه تصح هبته. وهو المذهب عند الحنفيَّة (١)، وقول المالكيَّة (٢)، والشافعيَّة (٣)، والمذهب عند الحنابلة (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأنَّ هبة الغضبان لا تصح بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٥). وجه الدلالة: أنَّ اللَّغوَ في اليمين هو أن يحلف الرجل وهو غضبان، فإذا كانت يمين الغضبان لا تنعقد، فكذلك هبته (٦). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنَّ القولَ بأنَّ اللَّغوَ في اليمين أن يحلف الرجل وهو غضبان محل خلاف، فمنهم من يرى انعقاد يمين الغضبان وعلى أثره هبته (٧). ويُمكن أن يُجاب: بأنَّه مع التسليم بالخلاف، إلاَّ أنَّ هذا في الغَضَب المتفق على نفاذه.
следующие страницы →