← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الوجه الثاني: أن إلزامه بالقضاء حال سكره دليل على عدم صحة صلاته حال سكره مما يدل على عدم تكليفه، لتغطية عقله (١). الوجه الثالث: أن إلزامه بالقضاء حال سكره لا يلزم منه صحة هبته بدليل النائم يجب عليه قضاء الصلاة، ولا تصح هبته بالإجماع (٢). دليل القول الثالث: (صحة هبته مع عدم لزوم العقد) استدل القائلون بصحة ما يصدره السكران من هبة مع عدم لزوم العقد: أن السكران بسكره يقصر تمييزه في معرفته بالمصالح عن السفيه، والسفيه لا يلزمه العقد، فالسكران من باب أولى؛ لنقصان عقله بالسكر (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بالفرق بين السكران والسفيه؛ إذ السفيه عقله باق بخلاف السكران فعقله مغطى عليه. ودليل القول الرابع: (صحة هبته، ولا يصح اتهابه) أنه تصح هبته، ولا يصح اتهابه تغليظاً عليه؛ لتسببه في إزالة عقله بمحرم قصداً (٤). ونوقش: بأن العقوبة الشرعية تكفي عقاباً وتغليظاً على السكران، ولم يعهد عن الشريعة العقاب بهذا الجنس من تصحيح قوله في العقود التي عليه كهبته، وبطلانها في العقود التي له. الترجيح: الراجح -والله أعلم- عدم صحة هبة السكران؛ لقوة أدلته، وموافقتها

стр. 1647

لقواعد الشريعة التي تشترط العقل والتمييز لصحة العقود وترتب آثارها عليها. فرع: شروط صحة هبة السكران عند القائلين بصحتها. يشترط لصحة هبة السكران -عند القائلين بصحتها- توفر الشروط الآتية: الشرط الأول: أن يكون غير معذور في سكره، كأن يشرب الخمر ونحوها طائعاً مختاراً غير مضطر ولا مكره. أما إن كان معذوراً بسكره كسكر المكره بإكراه ملجئ، وسكر المضطر، وسكر من شرب دواء فسكر به. فالسكران في هذه الحالات معذور شرعا لا يقام عليه الحد، ولأجل هذا تلغى جميع أقواله التي نطق بها حال السكر، ولا يترتب عليها أي حكم شرعي فلا تنفذ هبته. ويعد السكران في هذه الحالة كالنائم والمغمى عليه في أحكام التصرفات؛ لقيام عذره وانتفاء قصده باتفاق الأئمة الأربعة (١). الشرط الثاني: أن يكون السكران مميزاً أي: معه بقية عقل، أما إذا ذهب عقله جملة، فلا يصح منه نطق؛ لأنه والحالة هذه كالمجنون. جاء في مواهب الجليل (٢): " السكران قسمان: سكران لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فلا خلاف أنه كالمجنون في جميع أحواله وأقواله .. "، وتقدم في أول هذه المسألة بيان ضابط السكران الذي يؤاخذ بسكره.

стр. 1648

جاء في الأشباه والنظائر للسيوطي (١): " الشارب له ثلاثة أحوال: أولها: هزة ونشاط يأخذه إذا دبت فيه ولم تستولِ عليه بعد، ولا يزال العقل في هذه الحالة، فهذا ينفذ طلاقه وتصرفاته؛ لبقاء عقله. الثانية: نهاية السكر، وهو أن يصير طافحاً ويسقط كالمغشي عليه لا يكاد يتكلم ولا يتحرك، فلا ينفذ طلاقه ولا غيره؛ لأنه لا عقل له. الثالثة: حالة متوسطة، وهو أن تختلط أحواله، ولا تنتظم أقواله وأفعاله، ويبقى تمييز وفهم وكلام، فهذه الثالثة سكر وفيها القولان … " (٢). الشرط الثالث: أن يكون الشراب المسكر مطرباً، وأما السكران بشرب دواء غير مطرب كشارب البنج وما في معناه (٣)، فلا تصح هبته حتى ولو قصد بتناوله السكر. وهذا الشرط وجه عند الشافعية (٤).

стр. 1649

وعللوا: بأنَّ الشرابَ المطربَ يدعو النفسَ إلى تناولِهِ، فغلظ حكمُهُ زجراً عنه بوقوع الطلاق ونحوه، كما غلظ بالحد. أما غير المطرب فالنفس منه نافرة، ولذلك لم يغلظ بالحد، فلم يغلظ بوقوع الطلاق ونفاذ العقود كالهبة وغيرها (١). الأمر الخامس: هبة الغضبان: تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء ﵏-على أنَّ هبة من زال عقلُهُ لشدَّة غضبه لا يقع (٢)، كما اتفقوا على وقوع هبة مَن لم يؤثِّر غضبُهُ على قصدِهِ وشعورِهِ (٣). واختلفوا في هبة من اشتدَّ غضبُهُ ولم يملك نفسَه، ونَدِمَ على فعلِهِ مع بقاء عقله، هل يقع أم لا (٤)؟ على قولين: القول الأول: أنه لا تصح هبته. وهو قول ابن عابدين من الحنفيَّة (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، وابن القيم (٨).

стр. 1650

القول الثاني: أنه تصح هبته. وهو المذهب عند الحنفيَّة (١)، وقول المالكيَّة (٢)، والشافعيَّة (٣)، والمذهب عند الحنابلة (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأنَّ هبة الغضبان لا تصح بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٥). وجه الدلالة: أنَّ اللَّغوَ في اليمين هو أن يحلف الرجل وهو غضبان، فإذا كانت يمين الغضبان لا تنعقد، فكذلك هبته (٦). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنَّ القولَ بأنَّ اللَّغوَ في اليمين أن يحلف الرجل وهو غضبان محل خلاف، فمنهم من يرى انعقاد يمين الغضبان وعلى أثره هبته (٧). ويُمكن أن يُجاب: بأنَّه مع التسليم بالخلاف، إلاَّ أنَّ هذا في الغَضَب المتفق على نفاذه.

стр. 1651

الوجه الثاني: أنَّ هذا قياس مع الفارق؛ إذ إنه مع التسليم بأنَّ اللَّغوَ في اليمين هو أن يحلف الرجل وهو غضبان، إلاَّ أنه رفع المؤاخذة عنه؛ لأنَّ يمينَه صادرة من غيرِ قصدٍ، بخلاف هبة الغضبان، فإنه متعمِّدٌ الهبةَ قاصدٌ لها (١). وأُجيب: بعدم التسليم بالفارق؛ إذ إن الهبة في الغضب الذي يذهل عقله ويفقد به إرادته يترتب عليه عدم قصده؛ إذ لو كان قاصداً لما نَدِمَ على فعله (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾ (٣). وجه الدلالة: أنَّ الشرَّ في هذه الآية هو قول الرجل لولده وماله إذا غَضِبَ عليه: " اللَّهمَّ لا تُبارك فيه والعنه " (٤). فتجاوَزَ اللهُ عن الغضبان في هذه الآية دليل على عدم مؤاخذته على أقوالِهِ، ومنها هبته (٥). ونوقش: بعدم التسليم بمعنى الآية، وهو أنَّ المرادَ به دعاء الرجل على ولدِهِ في حالة الغضب (٦)، والدليل على ذلك: أنه قد يُجاب الدُّعاء وهو في هذه الحال؛ لقول الرسول ﷺ : " لا تدعوا على أولادكم، ولا على أموالكم، ولا على خدمكم، لا توافقوا من الله ساعةً لا يُسأل فيها شيئاً إلاَّ أعطاه " (٧)،

стр. 1652

ومعلومٌ أنَّ الإنسان لا يدعو على خواصِّه إلاَّ في حالة الغضب، فلو كان لا يقع لما ورَدَ التَّحذير من ذلك (١). وأُجيب: بأنَّ هذا خاصٌّ في الغَضَب المتفق على نفاذه (٢). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ (٣). وجه الدلالة: أنَّ التَّعبيرَ بـ"سَكَتَ" بَدَلاً من سَكَنَ فيه دلالة على أنَّ الغضَبَ سُلطانٌ، فلا إرادةَ ولا اختيارَ للإنسان عند حضوره، فإذا كان هذا حال الغضب فلا يؤاخذ الغضبان في هبته؟! فالأمر خارج عن إرادته ورضاه (٤). ونوقش: بعدم التسليم بأنَّ الغضَبَ سُلطان تنعدم معه الإرادة والاختيار؛ إذ لو كان الأمر كذلك لعُدَّ أمر النبيِّ ﷺ بترك الغَضَب ووصيَّته بعدمه من التَّكليف بما لا يُطاق، وهذا مُنتفٍ في شرع الله . وأُجيب من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بأنَّ تفسير الغضب بأنه سلطانٌ يُناقضُ نهيَ النبي ﷺ عن الغضب لما فيه من التكليف بما لا يُطاق؛ إذ إنَّ نهي النبي ﷺ عن هذا الغضب دفعٌ لهذا السُّلطان وما يُخلِّفُهُ من حسرَةٍ ونَدَامةٍ، فنهى ﷺ قبل الغَضَب لا بعد تملُّكه على صاحبِهِ. الوجه الثاني: لو سُلِّم جَدَلاً بأنَّ القولَ بأنَّه سُلطانٌ يُناقضُ نهي النبي ﷺ ، فإنَّ هذا خاصٌّ بالغَضَبِ المُتَّفق على نفاذِهِ.

стр. 1653

٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (١). وجه الدلالة: أنَّ الغضبَ من نزغ الشيطان، فإنه يُلجئه إلى ما لا يُريدُهُ ولا يختارُهُ، والدليلُ على ذلك: (٥٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عدي بن ثابت، عن سليمان بن صرد ﵁ قال: استبَّ رجلان عند النبي ﷺ وأحدُهُما يَسُبُّ صاحبَه مُغضباً قد احمرَّ وجهُه، فقال النبي ﷺ : " إنّي لأعلم كلمةً لو قالها لذَهَبَ عنه ما يَجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " (٢). فإذا كان الحالُ كذلك فيلزم عدم مؤاخذة العبد فيما يصدُرُ منه حالَ غَضَبِهِ، كالطَّلاقِ والظِّهارِ؛ لأنَّه في حكم المُجبَر على ذلك (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنَّ القول بعدم وقوع الهبة بحجَّة أنه من الشيطان يقتضي إسقاط الحدود والأحكام عن أصحابها؛ لأنَّ إتيانها بنزغٍ من الشيطان، وهذا لا يُقرُّهُ شرع ولا عقل (٤). ويُمكن أن يُجاب: بأنَّه مع التَّسليم بهذا المُقتضى إلاَّ أنَّ تحقُّق هذا فيما لو أطلَق القول بهذا في جميع الأحكام، فالقول به محصور في بعض المواضع.

стр. 1654

الوجه الثاني: أنَّ نسبة العمل للشيطان من باب التنفير من هذا الأمر؛ لما سيُخلِّفُهُ من آثار الحسرة والنَّدامة، لذلك أرشد الشَّارع إلى الوسائل المُحصِّنة من الشَّيطان، دون أن ينفي مؤاخذة العبد على ما تجنيه جوارحُه (١). ونوقش: بما نوقش به الوجهُ الأوَّل. ٥ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرتُهُ إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبُها أو امرأة يتزوَّجها، فهجرته إلى ما هاجرَ إليه " (٢). وجه الدلالة: في هذا الحديث بيان أنَّ مدارَ قبول الأعمال وعدمه على النّيَّة بشروطها التي من بينها أن تكون صادرةً من عَاقلٍ مُختار، فبناءً على ذلك استَنبَطَ البخاريُّ ﵀ من هذا الحديث عدم وقوع طلاق الغضبان وكذا هبته؛ لخروج الأمر عن رضاه واختياره (٣). ونوقش: بأنَّ النّيَّةَ لا بدَّ أن تكون من عاقل مختار، وكلا الشرطين في الغضبان، فإنَّ اختيارَه وعقلَه باقيان في حالة غَضَبِهِ، فيلزمُ إدانتُهُ بما يصدُرُ عنه (٤). وأُجيب: بأنه مع التسليم ببقاءِ عقلِهِ واختيارِهِ وقصدِهِ، إلاَّ أنَّ شدَّةَ غضبِهِ قد أغلَقَ عليه، فيعذر في أقواله (٥).

стр. 1655

٦ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " (١). وجه الدلالة: نفي النَّص صراحة الطَّلاق والعتق في حال الغَضَب، وكذا الهبة (٢). اعتُرض عليه من وجوه: الوجه الأول: أنه ضعيف. الوجه الثاني: أنَّ تفسير "الإغلاق" بمعنى الغَضَب محلُّ خلافٍ بين العلماء، فقد فُسِّرَ بمعنى الإكراه (٣). وأُجيب: بأنه مع التسليم بالخلاف في معنى " الغلق " إلاَّ أنَّ هذا لا يمنع من إطلاقه أيضا على الغضب؛ لتساويهما في علَّة القهر والضِّيق والغَلَبة (٤). الوجه الثالث: مع التَّسليم بأنَّ معناه "الغضب" إلاَّ أنَّ المقصودَ به الغَضَب المتَّفق على عَدَم نفوذ أحكامِهِ؛ لزوال العقل وإغلاقِهِ بإغماءٍ ونحوه (٥). وأُجيب: بأنَّه لو سُلِّمَ جَدَلاً بأنَّه خاصٌّ بالغضب المتَّفق على عدم نفاذ أحكامه، فإنَّ ذلك لا يمنع من إلحاق الغَضَب الأدنى منه مرتبةً به؛ وذلك لتساويهما في علَّة الضّيق والغلق وذهول العقل، كالإكراه (٦).

стр. 1656

(٥٦) ٧ - ما رواه الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق، حدثنا أبو بكر النهشلي، عن محمد بن الزبير، عن الحسن، عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا نذرَ في غَضَب، وكفارته كفارة اليمين " (١).

стр. 1657

ونوقش من وجوه: الوجه الأول: أنَّ الحديث ضعيفٌ فلا تقوم به حجَّة (١). الوجه الثاني: أنَّ عدم انعقاد نذر اللجاج والغَضَب محلُّ خلافٍ بين العلماء، فلا يُحتجُّ به (٢). الوجه الثالث: أنَّ عدم إلزام الغَضبان بنذره لعدم قصده النَّذر، فيكون

стр. 1658

حكمُهُ حكم اليمين، والدليلُ على ذلك إلزامُهُ بالكفَّارة، فلولا مؤاخذتُهُ على لفظِهِ لما أُلزِمَ بها (١). وأُجيب: بأنَّ إيجاب الكفَّارة لا يقتضي ترتُّب موجب النَّذر، فالكفَّارة لا تستلزم التكليف، والدليل: وجوبُها في مال مَن عفا الشارع عنهم كالصغير، والمجنون، والناسي، والمخطئ، فمن باب أولى إيجابُها في النَّذر؛ وذلك لدفع الضَّرر الحاصل من عدم تنفيذ النَّذر. (٥٧) ٨ - ما رواه البخاري من طريق سعيد بن المسيب، ومسلم من طريق سالم مولى النصريين قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيتُهُ، أو سَبَبتُهُ، أو جَلَدتُهُ، فاجعلها له كفارةً وقربةً تُقَرِّبُهُ بها إليك يوم القيامة" (٢). وجه الدلالة: أنَّ تأثير الغضب على رسول الله ﷺ وهو المعصوم والمالك للفظه، وتصّرُفه في حالة الرِّضا والغضب يدلُّ على أنَّ الغضب سُلطانٌ، فإذا كان هذا حالُ رسول الله ﷺ وطلبه من ربِّهِ أن لا يؤاخذه ويكون ما قاله كفَّارةٌ لأمَّتِهِ، فمن باب أولى غير المعصوم من الغضب؛ وذلك لأنَّ غضبه قد يُلجئه إلى أُمورٍ عِظامٍ كالطلاق، والهبة، فمن الحكمة عدَمُ مؤاخذته في هذه الحالة؛ لأنَّه في حكم المُكرَه (٣). ونوقش: بأنَّ الرَّسولَ ﷺ أخَذَ من ربِّهِ العهدَ أن لا يؤاخذه، وأن يجعلها

стр. 1659

كفَّارة لأمّته، ولعلَّ الحكمةَ من دعاء الرسول ﷺ رحمةً بأمَّته للتكفير عنها (١)، بخلاف الواهب في حالةِ الغَضَب فإنَّه لم يُعطَ وعداً بعدم المؤاخذة، بل الخلافُ جارٍ في ذلك. ويُمكن أن يُجاب: بأنَّه مع التَّسليم بالحكمة، إلاَّ أنَّ هذا لا يتعارض مع القولِ بعَدَمِ مؤاخذةِ الغَضبان، بل يُؤيّده؛ وذلك أنَّ التَّكفير والتَّجاوزَ عمَّن سبَّه وشَتَمَه رسولُ الله ﷺ مع إغضابه لرسول الله ﷺ وعِظَمِ فعله، ومع ذلك يُكفر عنه، فمن باب أولى التَّجاوز عن غيره، وخاصَّةً أنه غالباً لم يتجرَّأ على إغضاب رسول الله ﷺ إلاَّ لغضبه في هذه الحالة. (٥٨) ٩ - وقال البخاري: قال ابن عباس ﵄: "الطَّلاقُ عن وَطَر (٢)، والعتق ما يبتغى به وجه الله " (٣). وجه الدلالة: في هذا الأثر دلالةٌ على عدم وقوع طلاق الغضبان؛ لأنه اشترط أن يكون الطَّلاق عن قصد من المُطَلِّق وتصوُّرٍ لما يقصدُهُ، فإن تخلَّف أحدُهُما لم يقع طلاقُه، فشدَّة الغضب تمنعُه من التَّثبُّت والتَّروّي وتُخرجُه من حال اعتداله فتُلجئُهُ إلى ما لا يرغبُه ولا يرضاه فلا يقع طلاقُه؛ لعدم خالص قصده وأمره، وكذا الهبة (٤). ١٠ - قياس الغضبان على السَّكران والمكره؛ لتساويهما في علَّة عدم القصد والإرادة (٥) من حيث إن الغضبان محمولٌ على قصدِهِ وإرادته، وذلك

стр. 1660

لشدَّة غضبه التي تحول بينه وبين تروّيه وتثبُّت في حاله، فيصدُرُ منه ما لا يُريدُهُ ولا يقصدُهُ حقيقةً (١)، فيسقُطُ عنه حكمُهُ للعلَّة ذاتِها. ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن القياس على المكره والسكران قياس مع الفارق؛ إذ الغضبان عقله باق بخلاف السكران، والمكره قد ضيق عليه الغير بخلاف السكران (٢). وأُجيب: بعدم التَّسليم بالفارق بينهما؛ إذ إنَّ كليهما مكره، فالمُكرَه مُكرَهٌ على ظهاره، والغضبان مُكره على قصدِهِ وإرادتِه ليستريح من حرارةِ الغَضَب، يدلُّ على ذلك نَدَمُهُ وحسرتُهُ على فعله عند سكون غضبه، بل إنه أولى بعدم وقوعِ طلاقِهِ وظهاره وهبته من المُكرَه؛ لانعدام حقيقة قصدِهِ ومُرادِهِ (٣). الوجه الثاني: أنَّ القول بعدم وقوع هبة السَّكران والمُكرَه محلُّ خلافٍ بين العلماء ﵏، فإذا كان هذا الحالُ لهؤلاء، فمَن باب أولى الغضبان. يُمكن أن يُجاب: بعدم التَّسليم بوقوع الظهار في حالة الغَضَب في جميع أحواله، والخلافُ موجودٌ في الغضبان كالسَّكران والمُكره، فالعبرةُ بما يترجَّح بالدَّليلِ. ١١ - أنَّ العبرة بالمقاصد وما تكسبُهُ القلوب وتُريده، فالواهب في الغضب الشَّديد الحامل له التَّشفّي وفضّ الغيظ وليس الرّضا والقَصد، بدليل نَدَمِهِ بعد ذهاب غضبِه (٤).

стр. 1661

١٢ - أنَّ العوارض النَّفسيَّة من الأمور المعتبرة في الشرع، لما لها من أثرٍ على تصرُّفات صاحبها وأقواله، كعارض النِّسيان والخطأ، والخوف، والغضب، فيتكلَّم بما لا يقصد ولا يُريد حقيقةً أو حُكماً فيُعذر دون غيره؛ لعدم محض قصده وإرادته، بل إنَّ الغضبان أولى من غيره في اعتباره هذه العوارض لعدّه من أبرز الأسباب في تفكُّك الأُسرة، وزوال وحدتها (١). ١٣ - أنَّ ما ثَبَت بالإجماع لا يزول إلاَّ بالإجماع، فالنِّكاحُ ثابتٌ بالإجماع، فالأصل بقاؤه حتى يثبُت ما يرفعُهُ كلياً أو جزئياً (٢). ونوقش: بأنَّه مع التَّسليم بأنَّ ما ثبَتَ بالإجماع لا يزولُ إلا بالإجماعِ، إلاَّ أنَّ القولَ بالوقوع، قال به جمهور العلماء ﵏ (٣)، فإجماعُ الجمهور يُعدُّ إجماعاً، ولا يضُرُّ مخالفة الأقل من المُجتهدين، والدَّليلُ على ذلك: أنَّ الصَّحابة ﵃ لمَّا استخلفوا أبا بكر انعَقَدَت خلافتُهُ بإجماع الحاضرين، مع غَيَاب عَدَدٍ من الصَّحابةِ ﵃ في بعض الأمصار (٤). وأُجيب: بعدم التَّسليم بأنَّ إجماع الجمهور يُعدُّ إجماعاً، فإذا خالف الجمهور واحدٌ من المجتهدين لم ينعقد الإجماع؛ إذ إن المعتبر في الإجماع قول جميع الفقهاء، فإذا تحقَّق وإلاَّ انعدم الإجماع (٥).

стр. 1662

ورُدَّ عليه: بعدم التَّسليم بأنَّ الإجماع قول جميع الفقهاء؛ إذ إنَّ مخالفة الأقل أو الواحد شذوذٌ، والشَّاذ لا حكم له عند وجود من هو أقوى منه (١). أدلة القول الثاني: (صحة هبة الغضبان) استدلَّ القائلون بصحة هبة الغضبان بما يلي: (٥٩) ١ - ما رواه مسلم من طريق أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة (وهي غزوة تبوك)، فقلت: يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: (والله لا أحملكم على شيء) ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزيناً من منع رسول الله ﷺ ومن مخافة أن يكون رسول الله ﷺ قد وَجَدَ في نفسه عليَّ، فرجعت إلى أصحابي، فأخبرتهم الذي قال رسول الله ﷺ ، فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالاً يُنادي: أي عبد الله بن قيس! فأجبته، فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك، فلما أتيت رسول الله ﷺ قال: "خذ هذين القرينين (٢)، وهذين القرينين، وهذين القرينين، لستَّةِ أبعرةٍ ابتاعهنَّ حينئذٍ من سعد فانطلق بهنَّ إلى أصحابك، فقل: إنَّ اللهَ " أو قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ " يحملكم على هؤلاء فاركبوهنَّ " (٣). (٦٠) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنَّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال: (عَرِّفها سَنَة (٤)،

стр. 1663

ثم اعرف وكاءَهَا (١)، وعفاصَهَا (٢)، ثم استنفق بها (٣)، فإن جاء ربُّها فأدِّها إليه) فقال: يا رسول الله فضالَّةُ الغَنَم؟ قال: (خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب) قال: يا رسول الله فضالَّةُ الإبل؟ قال: فغضِبَ رسولُ الله ﷺ حتى احمرَّت وَجنَتاه أو احمرَّ وجهُهُ، ثم قال: (مالَكَ ولها؟! مَعَها حذاؤها، وسقاؤها، حتى يلقاها ربُّها) (٤). (٦١) ٣ - ما رواه قال البخاري، ومسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أنَّه حدَّثه أنَّ رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج من الحرَّة (٥)، يسقي بها النخل، فقال رسول الله ﷺ : "اسق يا زبير -فأمره بالمعروف- ثم أرسل إلى جارك"، فقال الأنصاري: أن كان ابن عَمَّتك؟! فتلوَّنَ وجهُ رسول الله ﷺ ، ثمَّ قال: "اسق ثم احبس، حتى يرجع الماءُ إلى الجَدَر، واستَوعَى له حَقَّه" (٦)، فقال الزبير: والله إنَّ هذه الآية أنزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٧).

стр. 1664

(٦٢) ٤ - قال البخاري: وقال الأعمش: عن تميم، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (١) (٢). وجه الدلالة من هذه الأدلة: أنَّ وجودَ الغضَبِ في هذه الحوادث لم يمنع من اعتبار الأحكام بها، فدلَّ على مؤاخذة الغضبان، فإذا نَفَذَت أحكامُهُ نفذت سائر أقواله، ومنها الهبة (٣). ونوقش: بأنَّ الغضب المتحقِّق في هذه الحوادث هو المتفق عليه بين الفقهاء ﵏ على نفاذه واعتبار أحكامه (٤). (٦٣) ٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁ قال: كتب أبي وكتبت له إلى عبيد الله بن أبي بكرة وهو قاضٍ بسجستان (٥) أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان " (٦). وجه الدلالة: أنَّ نهي النبيِّ ﷺ للقاضي عن الحكم بين الخصمين وهو

стр. 1665

غضبان دليلٌ على نفاذ حُكمه، لذلك ورد النَّهي خشية أن يُخرجه غضبُهُ عن سداد النظر وعدالة القضاء فيقضي بغير الحق، فيهلك ويُهلك غيره (١). ونوقش: بأنَّ النَّهي يقتضي فساد القضاء، فإذا لم يصح قضاؤه في الغضب، فلا اعتبار لحكمه (٢). وأجُيب: بأنَّ النهي لا يقتضي الفساد مطلقاً، فقد ورد النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة، والبيع بعد النِّداء الثاني من يوم الجمعة، مع صحَّة الصلاة والبيع، فالنهي إمَّا للتحريم أو للكراهة، لتفويت فضيلةٍ أو دفع مضرَّة، أو للاحتياط؛ كالنَّهيِ عن القضاء حال الغضب، وإلاَّ فالقضاء صحيحٌ، فقد قضى ﷺ في شراج الحرَّة مع غضبه في تلك الحالة (٣)، فدلَّ على نفوذ الأحكام في الغضب (٤). ورُدَّ عليه: بعدم التسليم بأنَّ النَّهي لا يقتضي الفسادَ إلاَّ ما قام الدَّليل على عدم اقتضائه لذلك؛ لوجود قرينة تصرفه عن معناه الحقيقي، ففي هذه الحالة يُخصَّص النَّهي حسب ما اقتضاه الدَّليل (٥). (٦٤) ٦ - ما رواه البخاري من طريق أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصِني، قال: (لا تغضَب) فردَّدَ مراراً قال: (لا تغضَب) (٦). وجه الدلالة: أنَّ وصيَّة النبي ﷺ للرجل بعدم الغضب، وتأكيده ذلك،

стр. 1666

دليلٌ على مؤاخذة الإنسان على نتائج غَضَبه، وإلا لما أوجَزَ الرسول ﷺ سؤال السَّائل بهذه الكلمة دون غيرها (١). يُمكن أن يُناقش من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بأنَّ النَّهي عن الغضب دليل على مؤاخذة صاحبه، وإنما لاعتبار الغضَب جماع الشَّر؛ إذ إنه للأخلاق بمنزلة القلب للجَسَد، فاستُحبَّ التَّحرُّزُ منه. الوجه الثاني: لو سُلِّم جَدَلاً بمؤاخذة العبد على غضبه، فإنَّ هذا خاصٌّ بالغضب المُتَّفق على مؤاخذة صاحبه عليه. (٦٥) ٧ - ما رواه مسلم من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ .... وفيه عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " ..... لا تدعوا على أولادِكم، ولا تدعوا على أموالِكم، ولا تدعوا على خَدَمِكم، لا توافقوا من الله ساعةً لا يُسأل فيها شيئاً إلاَّ أعطاه " (٢). (٦٦) ٨ - ما رواه مسلم من طريق أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسولُ اللهِ ﷺ فقال: "خذوا ما عليها ودَعوها فإنها ملعونة " قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد (٣).

стр. 1667

وجه الدلالة من الدليلين: أنَّ نهي النبي ﷺ عن الدعاء في الحديث الأول، وهجره للناقة الملعونة، دليلٌ على إصابة الدُّعاء وقت الغضب؛ إذ إنَّ الدُّعاء لا يصدُرُ في الغالب إلاَّ في حالة الغضب، فإذا أوخذ الغضبان على دعائه حُوسِبَ على طلاقِهِ (١). ونوقش: بعدم التسليم بأنَّ الدُّعاء لا يصدُرُ إلاَّ في حالة الغضب، وأنَّ هجر النبي ﷺ دليلُ إجابة الدُّعاء؛ إذ إنَّ الدُّعاء يصدر في حالة الغضب وعَدَمِهِ، وعلى ذلك هَجَر النبي ﷺ النَّاقةَ الملعونة من باب التأديب والتربية لصحابته ﵃ بالترفُّع عن ما حرم من الأقوال، وخاصَّة ما عَظُمَ منها كاللَّعنِ (٢). (٦٧) ٩ - ما رواه الدارقطني: حدثنا دعلج، نا الحسن بن سفيان، نا حبان، نا ابن المبارك، نا سيف، عن مجاهد، قال: جاء رجلٌ من قريش إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس إني طلَّقتُ امرأتي ثلاثاً وأنا غضبان، فقال ابن عباس ﵄: " لا أستطيع أن أُحِلَّ لك ما حرَّم اللهُ عليك، عصيتَ ربَّك وحَرُمَت عليك امرأتك " (٣).

стр. 1668

وجه الدلالة: أنَّ إمضاء ابن عباس ﵄ لطلاق الرجل بالرغم من صدوره في حالة الغضب دليلٌ على صحَّة طلاق الغضبان (١). ونوقش: بأنَّه مع التسليم بصحَّة الأَثَر بلفظه، فإنَّ المراد به الغضب المُتَّفق على وقوعه. ١٠ - الإجماعُ على أنه لم يقُل أحدٌ بالتصريح بعدم الوقوع، فالقول بخلافه يُعدُّ خرقاً للإجماع (٢). ونوقش: بأنَّ القول بالإجماع مردودٌ، فالمسألةُ محلُّ خلافٍ بين العلماء. الترجيح: الراجح -والله أعلم- عدم صحة الهبة في حالة الغضب الشَّديد الذي يفقد الإنسان سيطرته على نفسه ولا يستطيع إمساكها مع بقاء عقله؛ وذلك لقوَّة دليلهم، ومناقشة دليل القول الثاني، ولأنَّ الأصل براءةُ الذِّمَّة من الهبة. الأمر السادس: هبة النائم، والمغمى عليه. النائم والمغمى عليه لا تصح هبتهما باتفاق الأئمة الأربعة. لما تقدم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة .... وعن النائم حتى يستيقظ … " (٣). والمغمى عليه ملحق بالنائم (٤).

стр. 1669

الأمر السابع: هبة الرقيق. هبة الرقيق لا يخلو من أحوال: الحال الأولى: أن يكون مأذوناً له بالهبة من قبل السيِّد، فتصحُّ هبته وإن لم يُؤذن له بالتِّجارة؛ لأنَّه نائب عن سيِّده. الحال الثانية: أن يكون مبعضاً، فتصح هبته بقدر ما فيه من الحرية؛ إذ يملك بقدر ما فيه من الحرية. الحال الثالثة: أن يكون غير مأذون له، ولا مبعض: فلا تصح هبته إلا بإذن سيده باتفاق الأئمة الأربعة (١)؛ لأنه محجور عليه لحظ سيده. جاء في الشرح الكبير: " فأما العبد، فلا يجوز أن يهب إلا بإذن سيده؛ لأنه مال لسيده، وماله مال لسيده، فلا يجوز إزالة ملك سيده عنه بغير إذنه كالأجنبي ". الحال الرابعة: أن يكون مكاتباً، فلا تصح هبته؛ إذ هو رقيق، والدليل على ذلك ما يلي: (٦٨) ١ - ما رواه الإمام أحمد من طريق حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: "المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم" (٢).

стр. 1670

٢ - ورود ذلك عن الصحابة: عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وعائشة ﵃: (٦٩) أ- ما رواه الطحاوي من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن معبد الجهني، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (١).

стр. 1671

(٧٠) ب- ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم، عن عثمان ﵁ قال: " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (١).

стр. 1672

(٧١) ج- ما رواه الإمام مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: "المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء " (١). (٧٢) د- ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال زيد بن ثابت ﵁: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (٢).

стр. 1673

(٧٣) هـ- ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار قال: استأذنت على عائشة ﵂، فقالت: سليمان؟، فقلت: سليمان، فقالت: أريت ما بقي من كتابتك وقاطعت عليها؟ قال: قلت: نعم، إلا شيئاً يسيراً، قالت: "ادخل، فإنك عبد ما بقي عليك شيء" (١).

стр. 1674

٣ - أنه عبدٌ يجوز بيعه، فلم تصح هبته (١). ٤ - أن الرق في المكاتب كامل، فلم ينتقص بما أدَّى فكان الرق باقياً من كل وجه، ولهذا تقبل كتابته الفسخ بخلاف المدبّر وأم الولد. وعند الظاهرية: تصح هبة الرقيق بناءً على أنه يملك ما يؤول إليه من تبرع (٢)، وسيأتي تحرير هذه المسألة (٣). قال ابن حزم: " العبد في جواز صدقته، وهبته، وبيعه، وشرائه كالحر" (٤). وقال أيضا: " مال العبد له، وليس لسيده " (٥). الأمر الثامن: هبة السفيه (٦): باتفاق العلماء صحة هبة البالغ الرشيد، واختلف العلماء ﵏-في حكم هبة السفيه على قولين:

стр. 1675

القول الأول: عدم صحة هبة السفيه. بهذا قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).

стр. 1676

لكن عند أبي يوسف: تصح هبته ما لم يحجر عليه القاضي. وعند المالكية، والشافعية، والحنابلة: إن بلغ سفيهاً استمر الحجر عليه، وإن رشد ثم سفه حجر عليه القاضي. القول الثاني: صحة هبة السفيه، وبه قال الإمام أبو حنيفة رحمة الله. جاء في بدائع الصنائع (١): " أما السفيه فعند أبي حنيفة -عليه الرحمة- ليس بمحجور عن التصرفات أصلا، وحاله وحال الرشيد في التصرفات سواء .. " (٢). الأدلة: استدل جمهور الفقهاء بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الله علق دفع أموال اليتامى إليهم على شرطين -هما البلوغ والرشد- والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما (٤)، فدلت على أن البالغ السفيه لا يدفع إليه ماله، بل يمنع من التصرف فيه حتى يرشد ومن ذلك الهبة (٥).

стр. 1677

ونوقش هذا الاستدلال: بأن الآية تدل على منع المال من اليتيم إلى أن يؤنس منه الرشد بعد البلوغ، وليس في الآية ما يدل على الحجر عليه عن التصرف (١). وأجيب عن هذه المناقشة: بأن منع المال منه لا يفيد شيئاً إذا كان تصرفه نافذاً؛ لأنه يتلف ماله بنفوذ تصرفه وإقراره، ثم لو كان تصرفه نافذاً لسلم إليه ماله كالرشيد، فإنه إنما يمنع ماله حفظاً له، فإذا لم يتحفظ بالمنع وجب تسليمه إليه بحكم الأصل (٢). ٢ - قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الله جل وعلى أثبت الولاية على السفيه، وجعله مسلوب العبارة في الإقرار، وذلك لا يتصور إلا بالحجر عليه (٤). ونوقش الاستدلال بالآية من وجهين: الوجه الأول: أن صدر الآية وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٥) يقتضي أنَّ السفيهَ يداين ويعامل، وهو مقتضٍ لنفاذ تصرفه وعدم الحجر عليه، فتكون الآية دليلاً على المستدل لا له (٦).

стр. 1678

الثاني: أن المراد بالسفيه في الآية هو المجنون والصبي، وعلى هذا كثير من أهل التأويل؛ لأن السفه انعدام العقل أو نقصانه (١). وأجيب عن الوجه الأول من المناقشة: بأن الاستثناء في الآية أخرج السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل عن المداينة، وقد جمعهم الله ﵎ بحرف العطف، والعطف يقتضي التسوية، فاقتضى اشتراكهم في الحكم (٢) كما يقتضي كون العطف بـ (أو) المغايرة في المعنى (٣). وأجيب عن الوجه الثاني: بعدم التسليم بأن المراد بالسفيه: الصبي والمجنون؛ لأنَّ السَّفَهَ يقابلُهُ الرُّشد، وليس البلوغ والعقل، فالبلوغ يقابل بالصبي، والعقل يقابل بالجنون، وعليه يراد بالسفيه في الآية: من ليس برشيد (٤). وقالوا أيضا: لأنَّ السَّفهَ اسم ذم، ولا يذم الإنسان على ما لم يكتسبه، والقلم مرفوع عن غير البالغ العاقل، فالذم والحرج منفيان عنهما (٥). ٣ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٦). وجه الدلالة: أن المراد بقوله ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أي: أموالهم فأضاف الأموال إلى الأولياء -مع كونها للسفهاء-؛ لأنهم القوامون عليها والمتصرفون فيها،

стр. 1679

فكانت الآية نصا في إثبات الحجر على السفيه والنظر له، فإن الولي هو الذي يباشر التصرف في مال السفيه على وجه النظر له (١). والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى: قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ (٢) (٣). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن المراد بالسفهاء في الآية الصبيان أو المجانين (٤). الثاني: أن المراد نهي الأزواج عن دفع المال إلى النساء وجعل التصرف إليهن، كما كانت العرب تفعله بدليل أنه قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ وذلك يتناولوا أموال المخاطبين بهذا النهي لا أموال السفهاء (٥). وأجيب عن الوجه الأول: بما تقدم من أنَّ السَّفَهَ يقابله الرشد لا البلوغ والعقل (٦). وأيضا يقال: على فرض إرادة الصبيان والمجانين في الآية، فإن لفظ السفهاء عام في كل سفيه، فيدخل فيه الصبيان والمجانين، وغيرهم من السفهاء. يقول الطبري: " والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا: أن الله جل ثناؤه عم بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فلم يخصص سفيهاً دون سفيه،

стр. 1680

فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهاً ماله صبيَّاً صغيراً كان أو رجلاً كبيراً ذكراً كان أو أنثى ". والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله، هو المستحق الحجر بتضييعه ماله وفساده وإفساده، وسوء تدبيره ذلك (١). أما الجواب عن الوجه الثاني: فيقول الطبري ﵀: " وأما قول من قال: عنى بالسفهاء: النساء خاصة، فإنه جعل اللغة على غير وجهها؛ وذلك أن العرب لا تكاد تجمع فعيلا على فعلاء إلا في جمع الذكور، أو الذكور والإناث، وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهم، جمعوه على فعائل، وفعيلات، مثل غريبة تجمع: غرائب، غريبات، فأما الغرباء فجمع غريب " (٢). وأما قوله تعالى: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ فتقدم في وجه الدلالة من الآية وجه كون المراد به أموال السفهاء. وعلى فرض أن المراد بقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أي أموال المخاطبين، فإن الآية لا تخرج عن أن تكون دليلاً للحجر على السفهاء؛ لأنهم يكونون محجوراً عليهم في أموال المخاطبين، فلا تُدفع إليهم؛ لأنهم لا يحسنون التصرف بها. (٧٤) ٤ - ما رواه البيهقي من طريق أحمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن الفضل البلخي، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: " خذوا على أيدي سفهائكم " (٣) (٤).

стр. 1681

٥ - إقرار النبي ﷺ لقرابة حبان بن منقذ على طلبهم الحجر عليه (١). ولو كان الحجر على السفيه غير سائغ لما طلبوه، ولما أقرهم النبي ﷺ على طلبهم، بل إنه دعا حبان وطلب منه الامتناع عن البيع. وأما عدم حجر النبي ﷺ عليه، فلا يبطل إقراره ﵊، ودلالته على مشروعية الحجر؛ لأنه يرد عليه عدة احتمالات منها: احتمال الخصوصية (٢) (٣). (٧٥) ٦ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عمرو بن دينار، عن جابر ﵁: " أنَّ رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دبر، ولم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: " من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمئة درهم قد دفعها إليه " (٤). وجه الاستدلال: ردَّ النبيُّ ﷺ عتق من أعتق عبداً له عن دبر، ولا مال له

стр. 1682

غيره، كما أشار إلى ذلك البخاري وترجم عليه: " باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل وإن لم يكن حجر عليه الإمام " (١). (٧٦) ٧ - ما رواه الإمام مالك، عن عمر بن عبد الرحمن بن دلاف المزني، عن أبيه: " أنَّ رجلاً من جهينة كان يسبق الحاج، فيشتري الرواحل فيغلي بها، ثم يسرع السير فيسبق الحاج، فأفلس، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: "أما بعد: أيها الناس، فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج، ألا وإنه قد دان معرضا فأصبح قد دين به، فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم، وإياكم والدين فإن أوَّلَه هَمٌّ، وآخره حرب " (٢).

стр. 1683

(٧٧) ٨ - ما رواه الشافعي: أخبرنا محمد بن الحسن أو غيره من أهل الصدق في الحديث، أو هما عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ابتاع عبد الله بن جعفر بيعاً، فقال علي ﵁: " لآتينَّ عثمان فلأحجرنَّ عليك، فأعلم ذلك ابن جعفر للزبير، فقال: أنا شريكك في بيعك، فأتى علي عثمان فقال: احجر على هذا، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: أحجر على رجل شريكه الزبير " (١).

стр. 1684

وجه الدلالة: فعلي سأل عثمان ﵄ الحجر على عبد الله، فدل على أنهما يريانه. ونوقش: بأنه دليل لهم؛ لأنَّ عثمان ﵁ امتنع عن الحجر على عبد الله مع سؤال علي ﵁ له مما يدل على عدم جوازه، وسؤال علي لعثمان ﵄ لم يكن إلا على سبيل التخويف والتهديد (١). وأُجيب عن هذه المناقشة: بأن عبد الله بن جعفر والزبير لما اقتسما الغبن، صار نصيب كل واحد مما يغبن الرشيد في مثله عادة (٢). ٩ - القياس على الصبي، حيث إن السفيه مبذر في ماله، فيحجر عليه لحظ نفسه كالصبي بل أولى؛ لأن الصبي إنما يحجر عليه لتوهم التبذير واحتمال وجوده منه، وهو متحقق الوجود في السفيه، فكان أولى بالحجر عليه منه (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياسٌ مع الفارق؛ فلا يصح؛ لأن الصبي عاجز عن النظر لنفسه قادر عليه لكمال عقله، فلا يصح قياس القادر على العاجز، قالوا: وأما جري السفيه على خلاف العقل فهو لسوء اختياره لا لعجزه (٤). وأجيب: بأن عجز الصبي عن النظر لنفسه وسوء اختيار السفيه كليهما

стр. 1685

سبب في جري تصرفهما على خلاف ما يقضيه العقل والشرع، فساغ قياس أحدهما على الآخر لتحقق الوصف المقتضي للحكم في المقيس. أدلة الرأي الثاني: (الجواز) ١ - قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (٢). وجه الدلالة: أن الآيتين نص في وجوب دفع مال اليتيم إليه بعد البلوغ (٣)، فالمراد باليتامى في الآية الأولى: البالغون، وسموا يتامى لقرب عهدهم به (٤). ومعنى الآية الثانية: النهي عن أكل أموال اليتامى مخافة أن يكبروا، فلا يبقى لهم عليهم ولاية، ويلزمهم دفع أموالهم إليهم، والتنصيص على زوال الولاية عن اليتامى بعد الكبر يكون تنصيصا على زوال الحجر عنهم بالكبر (٥). ونوقش الاستدلال بالآيتين: بالتسليم بدلالتهما على وجوب دفع المال إلى اليتيم بعد البلوغ؛ غير أنهما مخصوصان بآية النساء التي استدل بها الجمهور، والتي تدل على اشتراط الرشد مع البلوغ. وأيضا هما مخصوصتان بما قبل الخمس والعشرين سنة لعلة السفه، وهو موجود بعد الخمس والعشرين فيجب أن تخصا به، كما أنهما مخصوصتان
следующие страницы →