← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

٥ - إقرار النبي ﷺ لقرابة حبان بن منقذ على طلبهم الحجر عليه (١). ولو كان الحجر على السفيه غير سائغ لما طلبوه، ولما أقرهم النبي ﷺ على طلبهم، بل إنه دعا حبان وطلب منه الامتناع عن البيع. وأما عدم حجر النبي ﷺ عليه، فلا يبطل إقراره ﵊، ودلالته على مشروعية الحجر؛ لأنه يرد عليه عدة احتمالات منها: احتمال الخصوصية (٢) (٣). (٧٥) ٦ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عمرو بن دينار، عن جابر ﵁: " أنَّ رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دبر، ولم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: " من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمئة درهم قد دفعها إليه " (٤). وجه الاستدلال: ردَّ النبيُّ ﷺ عتق من أعتق عبداً له عن دبر، ولا مال له

стр. 1682

غيره، كما أشار إلى ذلك البخاري وترجم عليه: " باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل وإن لم يكن حجر عليه الإمام " (١). (٧٦) ٧ - ما رواه الإمام مالك، عن عمر بن عبد الرحمن بن دلاف المزني، عن أبيه: " أنَّ رجلاً من جهينة كان يسبق الحاج، فيشتري الرواحل فيغلي بها، ثم يسرع السير فيسبق الحاج، فأفلس، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: "أما بعد: أيها الناس، فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج، ألا وإنه قد دان معرضا فأصبح قد دين به، فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم، وإياكم والدين فإن أوَّلَه هَمٌّ، وآخره حرب " (٢).

стр. 1683

(٧٧) ٨ - ما رواه الشافعي: أخبرنا محمد بن الحسن أو غيره من أهل الصدق في الحديث، أو هما عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ابتاع عبد الله بن جعفر بيعاً، فقال علي ﵁: " لآتينَّ عثمان فلأحجرنَّ عليك، فأعلم ذلك ابن جعفر للزبير، فقال: أنا شريكك في بيعك، فأتى علي عثمان فقال: احجر على هذا، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: أحجر على رجل شريكه الزبير " (١).

стр. 1684

وجه الدلالة: فعلي سأل عثمان ﵄ الحجر على عبد الله، فدل على أنهما يريانه. ونوقش: بأنه دليل لهم؛ لأنَّ عثمان ﵁ امتنع عن الحجر على عبد الله مع سؤال علي ﵁ له مما يدل على عدم جوازه، وسؤال علي لعثمان ﵄ لم يكن إلا على سبيل التخويف والتهديد (١). وأُجيب عن هذه المناقشة: بأن عبد الله بن جعفر والزبير لما اقتسما الغبن، صار نصيب كل واحد مما يغبن الرشيد في مثله عادة (٢). ٩ - القياس على الصبي، حيث إن السفيه مبذر في ماله، فيحجر عليه لحظ نفسه كالصبي بل أولى؛ لأن الصبي إنما يحجر عليه لتوهم التبذير واحتمال وجوده منه، وهو متحقق الوجود في السفيه، فكان أولى بالحجر عليه منه (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياسٌ مع الفارق؛ فلا يصح؛ لأن الصبي عاجز عن النظر لنفسه قادر عليه لكمال عقله، فلا يصح قياس القادر على العاجز، قالوا: وأما جري السفيه على خلاف العقل فهو لسوء اختياره لا لعجزه (٤). وأجيب: بأن عجز الصبي عن النظر لنفسه وسوء اختيار السفيه كليهما

стр. 1685

سبب في جري تصرفهما على خلاف ما يقضيه العقل والشرع، فساغ قياس أحدهما على الآخر لتحقق الوصف المقتضي للحكم في المقيس. أدلة الرأي الثاني: (الجواز) ١ - قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (٢). وجه الدلالة: أن الآيتين نص في وجوب دفع مال اليتيم إليه بعد البلوغ (٣)، فالمراد باليتامى في الآية الأولى: البالغون، وسموا يتامى لقرب عهدهم به (٤). ومعنى الآية الثانية: النهي عن أكل أموال اليتامى مخافة أن يكبروا، فلا يبقى لهم عليهم ولاية، ويلزمهم دفع أموالهم إليهم، والتنصيص على زوال الولاية عن اليتامى بعد الكبر يكون تنصيصا على زوال الحجر عنهم بالكبر (٥). ونوقش الاستدلال بالآيتين: بالتسليم بدلالتهما على وجوب دفع المال إلى اليتيم بعد البلوغ؛ غير أنهما مخصوصان بآية النساء التي استدل بها الجمهور، والتي تدل على اشتراط الرشد مع البلوغ. وأيضا هما مخصوصتان بما قبل الخمس والعشرين سنة لعلة السفه، وهو موجود بعد الخمس والعشرين فيجب أن تخصا به، كما أنهما مخصوصتان

стр. 1686

بالبالغ المجنون، فإنه يحجر عليه لأجل جنونه قبل الخمس والعشرين وبعده، فكذلك السفيه لورود ما يخصصه (١). ٣ - آيات الكفارات من الظهار والقتل وغيرهما، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٣). ففي عموماتها بيان أن هذه الكفارات تجب على كل من يتحقق منه أسبابها شرعا، سفيها كان أو غير سفيه، وارتكاب هذه الأسباب اختيارا نوع من السفه، فدل على أنه مع السفه، يتصور منه السبب الموجب لاستحقاق المال، ومن ضرورته أن لا يمنع من أداء ما لزمه شرعا، وبه يتبين أنَّ الحجر عن التصرفات ليس منه كثير فائدة؛ لتمكنه من إتلاف جميع ماله بهذه الأسباب (٤). ونوقش: بأنَّ عمومَ الآيات مخصوصٌ بالصغير والمجنون اتفاقا، فيخص أيضا بالسفيه؛ للأدلة الدالة على الحجر عليه، على أن ما ذكروه من تمكن السفيه من إتلاف جميع ماله بهذه الأسباب - مجرد احتمال، فمن الذي يأتي على كل ماله بالظهار أو القتل الخطأ، فإن هو فعل ذلك مرة فالكفارة مؤدبة له ألا يفعل ذلك مرة أخرى (٥). ٤ - أن السفيه حر مخاطب عاقل، فيكون مطلق التصرف في ماله كالرشيد؛ لأنه بكونه مخاطباً تثبت له أهلية التصرف، فإن التصرف كلام

стр. 1687

ملزم، وأهلية الكلام بكونه مميزا، والكلام الملزم بكونه مخاطباً، والمحلية تثبت بكونه خالص ملكه، والملكية تثبت بالحرية، وبعد صدور التصرف من أهله في محله لا يمنع نفوذه إلا لمانع، والسفه لا يصلح أن يكون مانعا لنفوذ التصرف؛ لأنه بسبب السفه لا يظهر نقصان عقله، ولكن السفيه يكابر عقله ويتابع هواه في التبذير مع علمه بقبحه وفساد عاقبته. وهذا لا يكون معارضا في حق التصرف، كما لا يكون معارضا في توجه الخطاب عليه بحقوق الشرع (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس في مقابلة النصوص التي تدل على الحجر على السفيه، والقياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار. وأيضا: أن العلة غير متحققة في الفرع، فإن علته في الأصل كونه مخاطبا بالغاً رشيداً، فالرشد جزء علة، ولم يوجد في السفيه (٢). ٥ - أن الحجر على السفيه وإبطال تصرفاته فيه ضرر عليه أشد من ضرر التبذير؛ لأن في حجره إلحاقه بالبهائم، وإهدار آدميته وهو أشد ضررا من التبذير، ولا يتحمل الأعلى لدفع الأدنى (٣). ونوقش هذا الدليل: بعدم التسليم بأن الحجر على السفيه يقتضي إهدار كرامته وآدميته، فملكيته للمال محفوظة، غاية ما في الأمر أن يعين له ولي يرشده إلى التصرف الصحيح في المال، وفي هذا مصلحة للسفيه؛ إذ لو ترك وشأنه لبذر ماله وضيعه، وقضى عليه في وقت قصير، فيبقى بعد فقيراً عالة على الناس.

стр. 1688

الترجيح: ترجح لي -والله أعلم بالصواب- القول بعدم صحة هبة السفيه؛ وذلك لأن السفيه محجور عليه لمصلحته ومنفعته، وليس من المصلحة تصحيح هبته، لضرره. فرع: يستثنى -والله أعلم- هبة السفيه في الأمور اليسيرة؛ لأنَّ الشارعَ يغتفر في الأمور اليسيرة؛ لعدم ضررها، ولما تقدم في هبة الصبي المميز في الأمور اليسيرة. الأمر التاسع: هبة المفلس. وفيه فرعان: الفرع الأول: تعريف المفلس، لغةً واصطلاحاً. تعريف المفلس في اللغة: المفلس مأخوذ من الفلس، وهو شيء تافه من المال، قليل القيمة، وجمعه فلوس. قال ابن فارس: " الفلس معروف، والجمع فلوس، يقولون: أفلس الرجل، قالوا: معناه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم " (١). وقال الجوهري: " وقد أفلس الرجل: صار مفلسا، كأنما صارت دراهمه فلوساً وزيوفاً .... ويجوز أن يراد به أنه صار إلى حال يقال فيها: ليس معه فلس .. وقد فلسه القاضي تفليسا: نادى عليه أنه مفلس " (٢). فالمفلس في اللغة هو: من لا مال له إلا الفلوس التي هي أدنى أنواع المال قيمة، فهو معدوم لا مال له ولا ما يدفع به حاجته (٣)، يدل على هذا المعنى: (٧٨) ما رواه مسلم عن من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁

стр. 1689

أن رسول الله ﷺ قال: "أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع " (١). تعريف المفلس اصطلاحا: المفلس في اصطلاح الفقهاء: هو من عليه ديون حالة أكثر من ماله (٢). الفرع الثاني: حكم هبة المفلس. اختلف الفقهاء في صحة هبة المفلس على قولين: القول الأول: عدم صحة هبة المفلس. وهذا قول الصاحبين من الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثاني: صحة هبة المفلس. وهو قول أبي حنيفة، وزفر (٧). الأدلة: أدلة الرأي الأول: (٧٩) ١ - ما رواه الدارقطني من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، عن

стр. 1690

ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ : "حجر على معاذ ماله، وباعه في دين كان عليه " (١) (مرسل).

стр. 1691

ونوقش هذا الدليل من وجهين: الأول: أنه مرسل. الثاني: أن النبي ﷺ باع مال معاذ بسؤاله هو؛ لأنه لم يكن في ماله وفاء بدينه، فسأل النبي ﷺ أن يتولى بيع ماله لينال ماله بركة رسول الله ﷺ فيصير فيه وفاء بديونه، وقالوا: ولا يظن بمعاذ ﵁ أنه كان يأبى أمر رسول الله ﷺ إياه ببيع ماله حتى يبيعه عليه بغير رضاه، فإنه كان سمحا جوادا لا يمنع أحدا شيئا، ولأجله ركبته الديون، فكيف يمتنع من قضاء دينه بماله بعد أمر رسول الله ﷺ (١).

стр. 1692

وأجيب عن هذه المناقشة: بأنه قد جاء في بعض الروايات التصريح بالتماس غرماء معاذ الحجر عليه (١) وبيع ماله من قبل رسول الله ﷺ ، فلا يقال بعد ذلك أن بيع ماله كان بسؤاله هو (٢). ثم إذا كان بيع المال بطلبه هو فما معنى النص على الحجر عليه في الحديث، وهل يكون الحجر عليه أيضا بطلبه هو؟ هذا لا يمكن. (٨٠) ٢ - ما رواه مسلم من طريق عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : (تصدقوا عليه) فتصدق الناس عليه، ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك " (٣) (٤). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يزد على خلع ماله لهم، ولم يحبسه (٥)، وهذا التصرف من النبي ﷺ في مال الرجل لا يتحقق إلا بالحجر عليه، بل إن بيع المال على المدين نوع من الحجر، وعليه فلا تصح هبته. ٣ - ما رواه الإمام مالك عن عمر بن عبد الرحمن بن دلاف المزني، عن أبيه: " أنَّ رجلاً من جهينة كان يسبق الحاج، فيشتري الرواحل فيغلي بها، ثم يسرع السير فيسبق الحاج فأفلس فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب، فقال: " أما بعد: أيها الناس، فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن

стр. 1693

يقال سبق الحاج، ألا وإنه قد دان معرضا فأصبح قد دين به، فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم، وإياكم والدين، فإن أوَّلَه هَمٌّ، وآخره حرب" (١) (ضعيف). وجه الدلالة: أن عمر ﵁ قسم مال الرجل بين غرمائه، وهذا لا يكون إلا بعد الحجر عليه. ونوقش: بأن الأثر يحمل على أن مال الأسيفع من جنس الدين، وإن ثبت البيع فإنما هو برضاه، ولم ينقل أن الغرماء طالبوا وإنما ابتدأهم عمر، فدل على أنه برضاه (٢). وأجيب: أما الدعوى بأن ماله من جنس الدين، فإنها دعوى عارية عن الدليل، فهي تأويل بلا مستند. وأما دعوى أن البيع إن ثبت إنما كان برضاه، فإن سياق الأثر يدل على أن البيع تم بغير رضاه لما رافقها من تأنيب وتشهير، ولا قرينة تدل على أن البيع وقع برضاه (٣). وقولهم: إنه لم ينقل أن الغرماء طالبوه بذلك يقال جوابا عليه: أنه جاء في الأثر ما يدل على أن صنيع عمر ﵁ إنما كان بناء على طلب من الغرماء، حيث جاء في الأثر: (فرفع أمره إلى عمر) ولا بد أن يكون الرافع هم الغرماء؛ لأنهم هم الذين يعنيهم الأمر. ٤ - القياس على المريض مرض الموت، حيث ورد النص (٤) بالحجر عليه عن التصرف في ثلثي ماله لحق ورثته.

стр. 1694

قالوا: فكذلك يحجر على المدين المفلس لحق غرمائه، بل إنه أولى بالحجر عليه (١). قال ابن القيم: " كالمريض مرض الموت لما تعلق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرع بما زاد عن الثلث، فإن في تمكينه من التبرع بماله إبطال حق الورثة منه، وفي تمكين المدين من التبرع إبطال حقوق الغرماء، والشريعة لا تأتي بمثل هذا فإنها إنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق، وسد الطرق المفضية إلى إضاعتها. (٨١) وقال النبي ﷺ : فيما رواه البخاري من طريق أبي الغيث، عن أبي هريرة ﵁: " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله " (٢)، ولا ريب أن هذا التبرع إتلاف لها، فكيف ينفذ تبرع من دعا رسول الله ﷺ على فاعله؟ " (٣). ٥ - أن الحجر كما جاز على السفيه نظرا له، فكذلك يجوز على المدين نظرا للغرماء؛ لأن المدين قد يلحق الضرر بغرمائه بالإقرار والتلجئة، بأن يبيع ماله من إنسان عظيم القدر لا يمكن الانتزاع من يده أو يقر له، وذلك صوريا حتى يسلم له ماله (٤).

стр. 1695

ونوقش: خوف التلجئة موهوم؛ لأنه احتمال مرجوح فلا تهدر به أهلية الإنسان، ويرتكب البيع بلا تراضي (١). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: بأن احتمال التلجئة واحد من احتمالات كثيرة لتصرف المدين في ماله بما يضر بالغرماء، فذكرها هنا إنما هو تمثيل للتصرفات المضرة بالغرماء إن أطلق له التصرف في ماله مع تعلق حق الغرماء به. أدلة الرأي الثاني: (صحة الهبة) ١ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢). وجه الدلالة: أن بيع الحاكم مال المدين بغير رضاه تجارة عن غير تراض، فتكون باطلة، وإذا كان بيع المال على المدين نوع حجر كان الحجر باطلا أيضا (٣)، فتجوز هبته لعدم صحة الحجر عليه. ويمكن مناقشة الاستدلال بالآية: بأنها مخصوصة بالأدلة التي ساقها الجمهور لإثبات مشروعية الحجر على المدين المفلس. وإن كان أبو حنيفة لا يرى التخصيص بالحديث، بل يعتبره ناسخا، والناسخ ينبغي أن يكون في قوة المنسوخ. (٨٢) ٢ - ما رواه البخاري من طريق الزهري قال: حدثني ابن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله ﵄ أخبره أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين، فاشتد الغرماء في حقوقهم، فأتيت النبي ﷺ " فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي

стр. 1696

ويحللوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم النبي ﷺ حائطي وقال: سنغدو عليك، فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة، فجددتها فقضيتهم، وبقي لنا من ثمرها " (١) (٢). وجه الدلالة: أنه ليس في الحديث ذكر للحجر ولا لبيع مال جابر، فدل على أنه ليس طريقا متعينا للقضاء، وإلا لما عدل عنه رسول الله ﷺ (٣). ونوقش: أن الحديث ليس فيه دليل على عدم جواز الحجر أو عدم جواز بيع المال جبرا على المدين؛ وذلك لأن الدين -في الحديث- إنما تعلق بشخص -وهو أبو جابر- والحجر لا يكون إلا على حي. (٨٣) ٣ - ما رواه النسائي من طريق محمد بن ميمون بن مسيكة -وأثنى عليه خيراً- عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: " لي (٤) الواِجدِ (٥) يحل عِرضهُ وعُقُوبته (٦) " (٧).

стр. 1697

(٨٤) ٤ - وقال البخاري: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " (١)، قال سفيان: عرضه، يقول: مطلني، وعقوبته: الحبس (٢). وجه الدلالة: دل الحديث على أن المدين إذا امتنع من أداء الدين مع الإمكان، فإنها تحل عقوبته، وعقوبته المتعينة والواجبة هي الحبس؛ لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره (٣).

стр. 1698

ونوقش الاستدلال بالحديث من وجهين: الوجه الأول: أن الجمهور يقولون به ويرون أن الحبس وسيلة من وسائل التضييق على المدين ليقضي دينه، إلا أنهم يرون أن هذه الوسيلة غير متعينة بدلالة الحديث، حيث أرشد إليها بتقرير الحل (يحل عرضه، وعقوبته) لا الإيجاب، ثم إن المصلحة قد تقتضي الحجر عليه، وبيع ماله إنصافا لغرمائه عملا بالأدلة المثبتة لهاتين الوسيلتين، فيتم العمل بالأدلة كلها. الوجه الثاني: أن الحديث وارد في المدين الغني المماطل، والجمهور لا يقولون بالحجر عليه (١)، وكلامهم في المسألة وأدلتهم في الحجر على المدين المفلس، فيكون الحديث غير معارض لها. ٥ - أن في الحجر إهداراً لأهليته، إلحاقاً له بالبهائم، وذلك ضرر عظيم، فلا يجوز لدفع ضرر خاص (٢). وإنما يجوز النظر لغرمائه بطريق لا يكون فيه إلحاق الضرر به إلا بقدر ما ورد الشرع به، وهو الحبس (٣)، والحبس بالدين مشروع بالإجماع (٤). ونوقش: أنه لا يسلم أنه يؤدي إلى المساس بآدميته وإنسانيته، ولا أن فيه هدرا لأهليته إلا بالقدر الذي يحقق المصلحة في نطاق الحق، وفي نطاق الأدلة التي جاءت بإثبات الحجر عليه. يدل على ذلك أن أهليته معتبرة في جميع التصرفات، إلا التصرفات المالية المضرة بالغرماء، وأيضا السجن نفسه - الذي يقول به أبو حنيفة - يمس حرية السجين، وإنسانيته.

стр. 1699

٦ - أن بيع المال على المدين فيه نوع حجر، والبيع غير مستحق عليه ولا متعين لقضاء دينه؛ لأنه يتمكن من قضائه بالاستيهاب والاستقراض وسؤال الناس الصدقة (١). ونوقش من ثلاثة أوجه: أولها: أن هذا مقابل النص، والنصوص لا تعارض بالنظر. ثانيها: أن القدرة على قضاء الدين ببيع المال الموجود، أظهر وأقرب من القدرة عليه بالاستقراض وغيره، فيكون المصير إليه أسرع في إبراء الذمة وأداء حق أهل الحق. ثالثها: أن حق الغرماء قد تعلّق بمال المدين الموجود حال الإفلاس، فتعّين أن يُقضى منه، بدليل أنه لا يجب عليه أكثر مما عنده، يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (خذوا ما وجدتم، فليس لكم إلا ذلك) (٢). الترجيح: والذي يترجح لي -والله أعلم- أن المدين المفلس يحجر عليه، ويمنع من التصرف في ماله بما يضر بحق الغرماء كالهبة؛ وذلك لقوة أدلتهم، وصراحتها، وبعدها عن التأويلات المحتملة العارية عن مستند. الأمر العاشر: هبة المدين غير المحجور عليه. إذا كان على شخص دين ولم يحجر عليه القاضي فهل تصح هبته؟ اختلف العلماء ﵏ على قولين: القول الأول: أنه لا تصح هبته إذا كان الدين مستغرقا.

стр. 1700

وبه قال المالكية (١)، واختاره شيخ الإسلام (٢). وحجته: ١ - ما تقدم من الأدلة على عدم صحة هبة المفلس (٣). ٢ - أن وفاء الدين واجب، والهبة تطوع، والواجب مقدم على التطوع. القول الثاني: تصح هبته ما دام انه لم يحجر عليه. وهو قول جمهور أهل العلم (٤). وحجته: أن الأصل صحة التصرف لبقاء الأهلية. ونوقش: باستثناء المدين؛ لما تقدم من أدلة القول الأول الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، ومناقشة دليل القول الثاني. فرع: مثل ديون الآدميين الديون لله من الزكوات، والكفارات والنذور. يستثنى هبة الأشياء اليسيرة؛ إذ قاعدة الشرع العفو عن الأشياء اليسيرة. الأمر الحادي عشر: هبة المرتد. قبول المرتد للهبة صحيح بالاتفاق؛ إذ لا يحجر عليه في أسباب التملك. واختلف العلماء ﵏-في حكم هبة المرتد، وذلك بناء على اختلافهم في حكم تصرفات المرتد المالية على أقوال: القول الأول: أن هبة المرتد موقوفة إن أسلم بان نفوذها، وإلا بان فسادها.

стр. 1701

وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في القديم، وابن قدامة، وصاحب الشرح الكبير (١). القول الثاني: أن هبته باطلة. وبه قال المالكية، والشافعي في الجديد، والحنابلة (٢). القول الثالث: أن هبته نافذة. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وبعض الحنابلة (٣). الأدلة: دليل القول الأول: ١ - أن الصحابة ﵃ لم يتعرضوا لعقود المرتدين لما رجعوا للإسلام. ٢ - أن المرتد حربي مقهور تحت أيدينا، فصار كالحربي يدخل دارنا بغير أمان فنأسره، فتتوقف تصرفاته لتوقف حاله، وفي الأهلية خلل لاستحقاق القتل لبطلان سبب العصمة (٤). دليل القول الثاني: أن ملكه قد زال بردته، فلا تصح تصرفاته؛ لتًصرفه في ملك غيره. ونوقش: بعدم التسليم بزوال ملكه (٥). دليل القول الثالث: أن الصحة تعتمد الأهلية، والنفاذ يعتمد الملك، والنفاذ والملكية موجودان (٦).

стр. 1702

الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لما فيه من الجمع بين الأدلة وأيضا، فإن ملكه تعلق بحق غيره مع بقاء ملكه، فكان تصرفه موقوفا كتبرع المريض. المسألة الثانية: الشرط الثاني: شرط الاختيار. وفيها أمور: الأمر الأول: هبة المكره. يشترط لصحة الهبة الاختيار، والرضا ظاهرا وباطنا، وعلى هذا لو وهب حياء لم تصح هبته؛ لما يأتي من الأدلة، فإن أكره على الهبة بإتلاف نفس، أو طرف، أو منفعة، أو ضرب أو أخذ مال يشق عليه. فاختلف العلماء في حكم هبة المكره على ثلاثة أقوال: القول الأول: بطلان هبة المكره. وهو قول المالكية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). القول الثاني: أن هبة المكره فاسدة، أي أن العقد انعقد صورة، ولكنه فاسد؛ لعدم الرضا، ويمكن أن يصح العقد إذا أجازه المكره ورضي به، ولكل من المُكَره والمُكِرِه حق الفسخ.

стр. 1703

وبه قال الحنفية (١). قال الكاساني: "والإنشاء نوعان: نوع لا يحتمل الفسخ .... كالطلاق، والعتاق، والرجعة، والنكاح ..... فهذه التصرفات جائزة مع الإكراه ..... ، وأما النوع الذي يحتمل الفسخ فالبيع والشراء والهبة، والإجارة ونحوها، فالإكراه يوجب فساد هذه التصرفات عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر يوجب توقفها على الإجارة كبيع الفضولي، وعند الشافعي: يوجب بطلانها أصلاً ". القول الثالث: أن عقد المكره صحيح غير لازم، بالنسبة للمكره إن أجازه نفذ، وإلا فلا. وبه قال بعض من الحنفية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل القائلون ببطلان هبة المكره بالأدلة الآتية: ١ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣). وجه الاستدلال: أن الآية دلت على أن البيع إذا لم يكن عن تراض، فالباطل لا يحل أكل المال به، ومثله الهبة. ٢ - قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٤). قال الإمام الشافعي ﵀ (٥): " وللكفر أحكام، كفراق الزوجة، وأن يقتل

стр. 1704

الكافر ويغنم ماله، فلما وضع الله عنه سقطت عنه أحكام الإكراه على القول كله؛ لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه، وما يكون حكمه بثبوته عليه ". ٣ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١). ويوجه الاستدلال من الآية بأمرين: أحدهما: أن الآية نهت عن الإكراه فيما لا يحل -وهو الزنى- فيكون النهي عن الإكراه فيما يحل -كالهبة- من باب أولى (٢). الأمر الثاني: في الآية دلالة على رفع الإثم عن المكرهة على الزنى، فيلزم حينئذ عدم ترتب الحد عليها (٣)، وإذا كان الإكراه يؤثر في الزنى فلأن يؤثر في الهبة ونحوها من باب أولى. ٤ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٤). يوجه الاستدلال من هذه الآية: (٨٥) بما روى البخاري من طريق عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في سبب نزول هذه الآية قال: " كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته: إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها " (٥).

стр. 1705

فإذا كان النكاح كرها لا يحل كما صرحت بذلك الآية، فمعنى ذلك بطلان العقد؛ وذلك استنادا على القاعدة الأصولية (أن النهي يقتضي الفساد) (١). ٥ - أن النبي ﷺ نهى عن إجبار المرأة على النكاح بكرا كانت أو ثيبا، وألزم وليها أن يستأذنها، فإن زوجها مكرهة فنكاحها مردود، فمن هذه الأحاديث: (٨٦) أ- ما رواه البخاري من طريق يزيد بن جارية، عن خنساء بنت خدام الأنصارية: " أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها " (٢). (٨٧) ب- ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن " قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: " أن تسكت " (٣). (٨٨) ٦ - ما رواه ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: " إنَّ اللهَ وضَعَ عن أمتي الخطَأَ، والنسيانَ، وما استُكرِهوا عليه " (٤). (أنكره أحمد، وأبو حاتم).

стр. 1706

وجه الاستدلال من الحديث: الحديث يقتضي أن يكون حكم كل ما استكره عليه مرفوعا (١)؛ لأنه لما استحال رفع الخطأ نفسه -ومثله النسيان والإكراه- وجب أن يضمر في الجملة ما يصح أن يتعلق به الرفع، وتقدير"الحكم" أولى؛ لأنه يفيد العموم (٢). ونوقش وجه الاستدلال من الحديث بأمرين: أحدهما: أن الاستكراه لم يرفع؛ لأنه قد يوجد، فيكون المقصود رفع الإثم (٣). وأجيب عنه: بأن المراد به حكم الاستكراه، لا الاستكراه، كما أن المراد برفع الخطأ رفع حكمه لا رفع الخطأ عينه. الأمر الثاني: أن المراد بالإكراه في الحديث الإكراه على الكفر؛ لأن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، وكان الإكراه على الكفر ظاهرا يومئذ، وكان يجري على ألسنتهم كلمات الكفر خطأً وسهواً، فعفا الله ﷻ عن ذلك على لسان رسوله (٤). ويجاب عن هذا: بأنه على فرض التسليم به، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فقوله ﷺ : "وما استكرهوا عليه" لفظ عام يشمل كل نوع من أنواع

стр. 1707

الإكراه، سواء أكان إكراها على كفر أو عقد نكاح أو طلاق، والقول بأنه خاص بالإكراه على الكفر تخصيص لا دليل عليه. الأمر الثالث: عدم التسليم بأن الهبة والعتاق وكل تصرف قولي مستكره عليه يقع؛ لأن الإكراه لا يعمل على الأقوال كما لا يعمل على الاعتقادات؛ لأن أحدا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما يعتقده بقلبه جبرا، فكان كل متكلم مختارا فيما يتكلم به فلا يكون مستكرها عليه حقيقة، فلا يتناوله الحديث (١). ويجاب عن هذا: بعدم التسليم به، فالإكراه يشمل التصرفات القولية والفعلية؛ بدليل أن الإكراه بالتهديد بالقتل أو إتلاف عضو إن كان يؤدي بالمكره إلى فعل ما لا يرضاه، فإنه أيضا يؤدي به إلى قول ما لا يرضاه. ويجاب عن هذه المناقشة: بما سبق ذكره من الفرق بين طلاق الهازل وطلاق المكره (٢). ٧ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: " لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه " (٣). دل الحديث على أنه لا بد لحل مال المسلم من الرضا، وهذا منتف مع الإكراه فلا يصح العقد. ٨ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق علقمة بن وقاص، عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٤).

стр. 1708

وقد وجه ابن حزم (١) الاستدلال من هذا الحديث قائلا: " فصح أن كل عمل بلا نية فهو باطل لا يعتد به ". وعقد المكره عمل بلا نية فهو باطل؛ لأن المكره إنما هو حاكٍ لما أمر أن يقوله فقط (٢). ٩ - قياس بطلان عقود المكره على إسقاط حكم الكفر على من تلفظ به مكرها بجامع أنها من التصرفات القولية. جاء في المهذب (٣) في معرض الاستدلال لبطلان عقد المكره على البيع ما نصه: " ولأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر إذا أكره عليها المسلم ". ١٠ - أن القصد إلى ما وضع له الشيء شرط لجوازه، ولهذا لا يصح تصرف الصبي والمجنون، وهذا الشرط يفوت بالإكراه، لأن المكره لا يقصد بالتصرف ما وضع له، وإنما يقصد دفع مضرة الإكراه عن نفسه. ونوقش: بأن هذا باطل بطلاق الهازل، ثم إن كان شرطا فهو موجود ههنا؛ لأنه قاصد دفع الهلاك عن نفسه، ولا يندفع عنه إلا بالقصد إلى ما وضع له فكان قاصداً إليه ضرورة (٤). دليل القول الثاني: (فساد العقد) استدل القائلون بفساد هبة المكره: أن ركن العقد - وهو الإيجاب والقبول - قائم لا خلل فيه؛ لأنه صدر من أهله مضافا إلى محله، وإنما كان فاسدا لفقدان شرطه -وهو الرضا- وفوات الشرط إنما يؤثر في فساد العقد لا بطلانه.

стр. 1709

بيان ذلك: أن الرضا أمر يتعلق بالعاقد المكره، فإذا وجد الرضا بعد زوال الإكراه فحينئذ يزول سبب النهي ويصير العقد صحيحا (١). ويناقش هذا الدليل من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: عدم التسليم بأن الرضا شرط الصحة، بل هو ركن كالإيجاب والقبول، وما دام أنه ركن فيبطل العقد عند فقده. الوجه الثاني: عدم التسليم بأن الإيجاب والقبول قائم في عقد المكره بدون خلل، فالإكراه خلل يؤثر في الإيجاب والقبول. الوجه الثالث: أن العقد مع الإكراه لو كان فاسدا ما ارتفع الفساد بالإجازة؛ لأن الفاسد لا تجعله الإجازة صحيحا (٢). وأجاب الكاساني (٣) عنه بقوله: " البياعات الفاسدة لا تلحقها الإجازة؛ لأن فسادها لحق الشرع من حرمة الربا ونحو ذلك، فلا يزول برضا العبد، أي في عقد المكره الفساد لحق العبد وهو عدم رضاه فيزول بإجازته ورضاه ". دليل القول الثالث: (صحيح غير لازم) استدل القائلون بوقف عقد المكره: بالقياس على عقد الفضولي، بجامع أنهما عقدان تلحقهما الإجازة، وعقد الفضولي موقوف على إجازة المالك، فيكون عقد المكره موقوف على رضا المكره وإجازته (٤). ويناقش هذا الدليل: بأنه قياس مع الفارق؛ لأن رضا المالك في عقد الفضولي مجهول، فيحتمل أن يرضا بالعقد بعد علمه به، ويحتمل أن لا يرضا، لذا كان العقد موقوفا على رضاه بعد علمه.

стр. 1710

أما في عقد المكره فعدم الرضا متحقق لا شك فيه، وإلا لما سمي العقد بعقد المكره. الترجيح: الراجح -والله أعلم- بطلان هبة المكره؛ وذلك لقوة أدلة هذا القول، وضعف أدلة الأقوال الأخرى؛ حيث لم تسلم من المناقشة. لكن تتوجه صحة هبة المكره بالإجازة إذا زال الإكراه؛ لما يأتي من صحة هبة الفضولي بالإجازة (١). فرع: شروط الإكراه. يُشترط لصحَّة الإكراه شروط: ١ - أن يكون المُكرِه قادراً على تنفيذ ما هدَّدَ به. ٢ - أن يغلب على ظنّ المُكرَه أنَّ المُكرِه يفعل ما هدَّده به، وكذا لو تساوى الأمران. ٣ - أن يكون المُكره به مما يشق على المُكرَه. ٤ - أن يكون الإكراه بغير حق. ٥ - أن يكون المُهدَّد به عاجلاً غيرُ معلَّق. ٦ - أن يفعل ما أكره عليه لرفع الإكراه، لا لقصده مجرداً عن قصد رفع الإكراه (٢) مطلقا. الأمر الثاني: هبة الهازل. الهازل: هو من قصد اللفظ في الظاهر دون الباطن. وهذا لا تصح هبته، قال في مطالب أولي النهى: " تنبيهٌ: يَصحُّ عَدُّ

стр. 1711

شروط هبة أَحد عشر: (كونها من جائز تصرُّف) فلا تصحُّ من محجورٍ عليه (مُخْتَارٍ)، فلا تَصحُّ من مُكْرَه (جَادٍّ) فلا تصحُّ من هازلٍ (بمال) معلوم أو مجهول تعذَّر عِلْمُهُ " (١)؛ لما تقدم من الأدلة على اشتراط الرضا والاختيار لصحة الهبة (٢)، وهذا لم يرض بالهبة باطناً وإن رضي بها ظاهراً. ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ (٣) فدل ذلك على اعتبار الرضا في الظاهر والباطن. (٨٩) ولما رواه سعيد بن منصور في سننه من طريق عبد الرحمن بن حبيب، عن عطاء، عن ابن ماهك، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " ثلاثٌ جدهنَّ جدّ، وهزلهنَّ جدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة " (٤). فدل على أن ما عدا هذه الثلاثة ليس هزله جداً.

стр. 1712

الأمر الثالث: هبة المخطئ. المخطئ هو: من خالف الصواب (١). لا تصح هبة المخطئ (٢)؛ لما تقدم من أدلة المسألة السابقة. المسألة الثالثة: الشرط الثالث: اشتراط كون الواهب مالكاً: وتحته أمران: الأمر الأول: هبة المباحات. لا تجوز هبة المباحات كالكلأ والعشب، ونحو ذلك في الأرض المباحة قبل ملكه، قال الكاساني -في ذكره شروط الهبة-: " أن يكون مملوكاً في

стр. 1713

نفسه، فلا تجوز هبةُ المباحات؛ لأنَّ الهبةَ تمليكٌ، وتمليكُ ما ليس بمملوكٍ مُحال " (١). الأمر الثاني: هبة غير المالك (هبة الفضولي). من شروط صحة الهبة أن تكون من مالك؛ لما تقدم من الأدلة على اشتراط الرضا لصحَّة الهبة وعدم صحَّة هبة المُكره، وعلى هذا إذا وهب ملكَ غيره لم تصح هبتُهُ، لكن اختلف العلماء ﵏-فيما إذا أجاز المالك هذه الهبة هل تصحُّ وتنفذ أم لا؟ على قولين: القول الأول: صحة هبة الفضولي بالإجازة. وهو مذهب الحنفيَّة، وبه قال بعض المالكيَّة، والشافعي في القديم، ورواية عند الحنابلة (٢). القول الثاني: عدم صحة هبة الفضولي مطلقاً. وهو قول عند المالكيَّة، وبه قال الشافعي في الجديد، وهو مذهب الحنابلة (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٤).

стр. 1714

وجه الدلالة: أن في هبة الفضولي إعانة لأخيه المسلم؛ لأنه يكفيه عنَتَ هذا التصرف إذا كان مختاراً له (١). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم، بل من الإثم والعدوان؛ لأنه تصرُّف في ملك الغير بلا إذن (٢). وأُجيب: بعدم التسليم، إذ لا ضرر على المالك؛ إذ هو موقوف على إجازته. (٩٠) ٢ - ما رواه البخاري من طريق شبيب بن غرقدة، عن عروة البارقي ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ " أعطاه ديناراً يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه " (٣). ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أنَّ النبيَّ ﷺ وكَّلَ عروة وكالةً مطلقة، وإذا كان كذلك فقد حصل البيعُ والشراء بإذن (٤). وأُجيب: بأنَّ سياق الحديث يأبى ذلك؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أمره بشراء شاة ولم يوكّله ببيعها (٥). الوجه الثاني: أنَّ عروةَ اشترى لنفسِهِ ووفَّى بدينار النبي ﷺ مستقرضاً

стр. 1715

له، فصار الدينار في ذمَّتِهِ، ثم باع شاته بدينار، فصرفه إلى النبي ﷺ ، كما لزمه وأهدى إليه الشاة الأخرى (١). وأُجيب عنه بجوابين: الأول: أنَّه لا دليل على ذلك، بل الدليل دلَّ على خلافِهِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ فرِحَ بفعل عروة، ودعا له، ولو كان الشراء لعروة لما استحقَّ ذلك. الثاني: أنَّه لو سُلِّمَ ذلك، وأنه استقرض دينار النبي ﷺ فقد ثبت جوازُ تصرُّف الفضولي؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يأذن لعروة باقتراض الدينار أولاً، وأقرَّه على ذلك. (٩١) ٣ - ما رواه أبو داود من طريق شيخ من أهل المدينة، عن حكيم بن حزام ﵁ "أنَّ رسول الله ﷺ بعثَ معه بدينار يشتري له أضحية فاشتراها بدينار وباعها بدينارين، فرجع فاشترى له أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي ﷺ ، فتصدَّقَ به النبيُّ ﷺ ، ودعا له أن يبارك له في تجارتِهِ" (٢). (الحديث ضعيف). (٩٢) ٤ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، حدثني سالم بن عبد الله أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "انطلق ثلاثةُ رهطٍ ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه … ، قال النبي ﷺ : وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل، والبقر، والغنم، والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كلّه فاستاقه، فلم يترك منه شيئاً، اللهم

стр. 1716

فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنَّا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرةُ فخرجوا يمشون " (١). وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ ساق الحديث مساق المدح للمستأجر الذي تصرَّف في مال الأجير بغير إذنه فثمَّره له. ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أنه في شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرعٍ لنا (٢). وأُجيب: بأنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يخالفه شرعُنا، كيف وقد ساقه النبيُّ ﷺ مساقَ المدح لفاعله، مما يدلُّ على إقراره، فيكون شرعاً لنا. الوجه الثاني: أنه استأجره بشيءٍ في الذمَّة، وما كان في الذمَّة لا يتعيَّن إلاَّ بالقبض، ثم إنَّ المالكَ تصرَّف فيه وهو في ملكِهِ، فصحَّ تصرُّفُهُ، سواء اعتقده لنفسه أو لأجيره (٣). وأُجيب عنه بجوابين: الأول: عدم التسليم بأنه لم يُعيّن الأجر، بل الظاهر أنه عيَّنه ولم يُقبضه إيَّاه، وهذا ظاهر الحديث، وحينئذٍ يكون قد عَمِلَ في مال الغير. الثاني: أنه ورد ما يدل على أنه قبض الأجر، (٩٣) فقد روى الإمام أحمد: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه، حدثني عبد الصمد -يعنى ابن معقل-، قال: سمعت وهباً يقول: حدثني النعمان بن بشير أنه سمع رسول الله ﷺ يذكر الرقيم .. فقال: فقلت

стр. 1717

يا عبد الله لم أبخسك شيئاً من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه ما شئت، قال: فغضب وذهب وترك أجره، قال: فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثم مرت بي بعد ذلك بقر فاشتريت به فصيلة من البقر، فبلغت ما شاء الله (١). الوجه الثالث: أنَّ المستأجرَ أعطاه أكثر من حقِّهِ، وأبرأه الأجيرُ من عين حقِّهِ، وكلاهما متبرِّعٌ بذلك من غير شرط، وهذا جائز. وأُجيب: بأنَّ سياقَ الحديث يدلُّ على أنه أعطاه حقه بعدما ثمَّره له لا أنه تبرُّعٌ له. (٩٤) ٤ - ما رواه البخاري من طريق عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: " وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته، وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة " (٢). وجه الدلالة: أنَّ النبيَّ ﷺ أقرَّ تصرَّفَ أبي هريرة في تركه للشيطان بعد أخذه من الطعام، وقد وكل به. ٥ - أنَّ الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة. ٦ - أنه تصرف صدر من أهله لكون ممن يصح تصرفه في محلة، ولا ضرر في انعقاده موقوفاً، فينعقد، كما لو أذن المالك (٣).

стр. 1718

٧ - أن الملتقط لو تصدق باللقطة صار تصرفه موقوفاً على الإجازة، فكذا غيره (١). أدلة القول الثاني: ١ - بما تقدم من الأدلة على اشتراط رضا الواهب. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مسلَّمٌ مع عدم الإجازة، أما مع الإجازة فقد تحصَّل الرضا. (٩٥) ٣ - ما رواه الإمام أحمد من طريق أيوب، حدثني عمرو بن شعيب، حدثني أبي، عن أبيه قال: ذكر عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يحل سلفٌ وبيعٌ، ولا شرطان في بيعٍ، ولا ربحُ ما لم يُضمن، ولا بيعُ ما ليس عندك " (٣) (حسن).

стр. 1719

وجه الدلالة: أن تصرف الفضولي تصرف فيما لا يملك، وتصرف الإنسان فيما لا يملك منهي عنه شرعاً، والنهي يقتضي عدم مشروعية المنهي عنه. نوقش الاستدلال بالحديث من وجوه: الوجه الأول: أن معنى الحديث: لا تبع ما ليس عندك مما لا تملكه لا أصالة ولا يداً، وليس معناه لا تبع مالا تملكه أصالة وإن كان بيدك وكالة؛ وإلا لما صح بيع الوكيل، مع أن بيع الوكيل يصح بالإجماع. ولا فرق بين الوكيل وبين الفضولي في نفس البيع؛ لأن كل واحد منهما بائع ملك غيره، والفرق إنما هو في الإذن وعدمه وهو غير مؤثر (١). وأجيب: بأن الإذن للوكيل يجعل المعقود عليه مقدور التسليم، فلا يكون الفضولي مثله؛ لأنه لا يقدر على التسليم (٢). ورد على هذا الجواب بأمرين (٣): الأول: أنا لا نسلم بأن الفضولي لا يقدر على التسليم، بل يقدر عليه، وإنما لا يقدر على تنفيذ العقد وتصحيحه، وليس في الحديث ما يدل على المنع من ذلك. الثاني: أن القدرة على التسليم ثابتة بعد الإجازة، والقدرة على التسليم تجب بحسب البيع، فإذا كان البيع باتاً فيجب أن تكون القدرة باتة، وإذا كان

стр. 1720

موقوفاً فالقدرة موقوفة، والقدرة الموقوفة موجودة، فلم يصح الفرق. الوجه الثاني: أن الحديث محمول على البيع المطلق، وهو البيع البات النافذ، وحينئذ فلا يدخل في محل النزاع (١). الوجه الثالث: أن الحديث محمول على بيع الشخص لنفسه لا لغيره؛ بدليل قصة الحديث، فإن حكيماً ﵁ كان يبيع شيئاً لا يملكه ثم يشتريه ويسلمه (٢). (٩٦) ٤ - ما رواه الإمام أحمد من طريق مطر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: " ليس على رجل طلاق إلا فيما يملك، ولا عتاق إلا فيما يملك، ولا بيع إلا فيما يملك " (٣).
следующие страницы →