← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنَّا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرةُ فخرجوا يمشون " (١). وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ ساق الحديث مساق المدح للمستأجر الذي تصرَّف في مال الأجير بغير إذنه فثمَّره له. ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أنه في شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرعٍ لنا (٢). وأُجيب: بأنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يخالفه شرعُنا، كيف وقد ساقه النبيُّ ﷺ مساقَ المدح لفاعله، مما يدلُّ على إقراره، فيكون شرعاً لنا. الوجه الثاني: أنه استأجره بشيءٍ في الذمَّة، وما كان في الذمَّة لا يتعيَّن إلاَّ بالقبض، ثم إنَّ المالكَ تصرَّف فيه وهو في ملكِهِ، فصحَّ تصرُّفُهُ، سواء اعتقده لنفسه أو لأجيره (٣). وأُجيب عنه بجوابين: الأول: عدم التسليم بأنه لم يُعيّن الأجر، بل الظاهر أنه عيَّنه ولم يُقبضه إيَّاه، وهذا ظاهر الحديث، وحينئذٍ يكون قد عَمِلَ في مال الغير. الثاني: أنه ورد ما يدل على أنه قبض الأجر، (٩٣) فقد روى الإمام أحمد: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه، حدثني عبد الصمد -يعنى ابن معقل-، قال: سمعت وهباً يقول: حدثني النعمان بن بشير أنه سمع رسول الله ﷺ يذكر الرقيم .. فقال: فقلت

стр. 1717

يا عبد الله لم أبخسك شيئاً من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه ما شئت، قال: فغضب وذهب وترك أجره، قال: فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثم مرت بي بعد ذلك بقر فاشتريت به فصيلة من البقر، فبلغت ما شاء الله (١). الوجه الثالث: أنَّ المستأجرَ أعطاه أكثر من حقِّهِ، وأبرأه الأجيرُ من عين حقِّهِ، وكلاهما متبرِّعٌ بذلك من غير شرط، وهذا جائز. وأُجيب: بأنَّ سياقَ الحديث يدلُّ على أنه أعطاه حقه بعدما ثمَّره له لا أنه تبرُّعٌ له. (٩٤) ٤ - ما رواه البخاري من طريق عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: " وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته، وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة " (٢). وجه الدلالة: أنَّ النبيَّ ﷺ أقرَّ تصرَّفَ أبي هريرة في تركه للشيطان بعد أخذه من الطعام، وقد وكل به. ٥ - أنَّ الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة. ٦ - أنه تصرف صدر من أهله لكون ممن يصح تصرفه في محلة، ولا ضرر في انعقاده موقوفاً، فينعقد، كما لو أذن المالك (٣).

стр. 1718

٧ - أن الملتقط لو تصدق باللقطة صار تصرفه موقوفاً على الإجازة، فكذا غيره (١). أدلة القول الثاني: ١ - بما تقدم من الأدلة على اشتراط رضا الواهب. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مسلَّمٌ مع عدم الإجازة، أما مع الإجازة فقد تحصَّل الرضا. (٩٥) ٣ - ما رواه الإمام أحمد من طريق أيوب، حدثني عمرو بن شعيب، حدثني أبي، عن أبيه قال: ذكر عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يحل سلفٌ وبيعٌ، ولا شرطان في بيعٍ، ولا ربحُ ما لم يُضمن، ولا بيعُ ما ليس عندك " (٣) (حسن).

стр. 1719

وجه الدلالة: أن تصرف الفضولي تصرف فيما لا يملك، وتصرف الإنسان فيما لا يملك منهي عنه شرعاً، والنهي يقتضي عدم مشروعية المنهي عنه. نوقش الاستدلال بالحديث من وجوه: الوجه الأول: أن معنى الحديث: لا تبع ما ليس عندك مما لا تملكه لا أصالة ولا يداً، وليس معناه لا تبع مالا تملكه أصالة وإن كان بيدك وكالة؛ وإلا لما صح بيع الوكيل، مع أن بيع الوكيل يصح بالإجماع. ولا فرق بين الوكيل وبين الفضولي في نفس البيع؛ لأن كل واحد منهما بائع ملك غيره، والفرق إنما هو في الإذن وعدمه وهو غير مؤثر (١). وأجيب: بأن الإذن للوكيل يجعل المعقود عليه مقدور التسليم، فلا يكون الفضولي مثله؛ لأنه لا يقدر على التسليم (٢). ورد على هذا الجواب بأمرين (٣): الأول: أنا لا نسلم بأن الفضولي لا يقدر على التسليم، بل يقدر عليه، وإنما لا يقدر على تنفيذ العقد وتصحيحه، وليس في الحديث ما يدل على المنع من ذلك. الثاني: أن القدرة على التسليم ثابتة بعد الإجازة، والقدرة على التسليم تجب بحسب البيع، فإذا كان البيع باتاً فيجب أن تكون القدرة باتة، وإذا كان

стр. 1720

موقوفاً فالقدرة موقوفة، والقدرة الموقوفة موجودة، فلم يصح الفرق. الوجه الثاني: أن الحديث محمول على البيع المطلق، وهو البيع البات النافذ، وحينئذ فلا يدخل في محل النزاع (١). الوجه الثالث: أن الحديث محمول على بيع الشخص لنفسه لا لغيره؛ بدليل قصة الحديث، فإن حكيماً ﵁ كان يبيع شيئاً لا يملكه ثم يشتريه ويسلمه (٢). (٩٦) ٤ - ما رواه الإمام أحمد من طريق مطر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: " ليس على رجل طلاق إلا فيما يملك، ولا عتاق إلا فيما يملك، ولا بيع إلا فيما يملك " (٣).

стр. 1721

ونوقش الاستدلال بهذا الحديث من وجهين: الأول: أنه ضعيف. الثاني: أنه محمول على ما إذا لم يجز المالك. ٥ - أن المقصود بالأسباب الشرعية أحكامها لا مجرد السبب، فإذا لم تفد الحكم لا تعتبر، وحكمها وهو التمليك لا يتصور من غير مالك فيلغو (١). ونوقش: أنه غير مسلم بل تصرف الفضولي يفيد ملكا موقوفا؛ لأنه اللائق بالسبب الموقوف كما يفيد السبب البات الملك البات؛ لأنه اللائق به (٢). ٦ - أنَّ هبةَ الفضولي قد خرجت من المالك بدون عِوَض بخلاف البيع. ونوقش: بأنه غير مسلم، بل هبة الفضولي لم تخرج من مالكها إلا بإذنه. الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة هبة الفضولي بالإجازة؛ لقوَّة دليله ومناقشة القول الآخر. المسألة الرابعة: الشرط الرابع: أن لا تكون الهبة من الزوجة بما فوق الثلث. (هبة المرأة المتزوجة بما زاد على ثلث مالها) اتفق الأئمة الأربعة على أن المرأة الحرة البالغة الرشيدة المتزوجة يجوز لها التصرف في مالها بالمعاوضة إذا لم يكن فيها محاباة.

стр. 1722

واتفقوا على أنه يجوز لها التصرف في ثلث مالها، فما دون بالتبرع دون إذن زوجها. واختلفوا في تبرعها بما زاد على ثلث مالها على قولين: القول الأول: أن المرأة الحرة البالغة الرشيدة المتزوجة لها حق الهبة بما زاد على ثلث مالها -ولو به كله- ولا يلزمها استئذان زوجها في ذلك، ولا يحجر عليها لحق زوج ولا لغيره. وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: أنه لا يجوز لها هبة ما زاد على ثلث مالها، إلا بإذن زوجها، فيحجر عليها لحق زوجها فيما زاد على ثلث مالها. وهو مذهب المالكية (٤)، والرواية الثانية عند الحنابلة (٥). قال الدسوقي: " ومحل الحجر عليها في تبرعها بزائد على الثلث إذا كان التبرع لغير زوجها، وأما له فلها أن تهب جميع مالها له ولا اعتراض عليها في ذلك لأحد" (٦). وقال القرافي: " وإذا تبرعت بما زاد على ثلثها بدون إذن زوجها، خير

стр. 1723

الزوج بين إجازة الجميع؛ لاشتماله على الممنوع، وقيل: يرد ما زاد على الثلث فقط كالمريض؛ لأنه المحرم إلا العتق يبطل جميعه لأنه لا يتبعض " (١). القول الثالث: أنه لا يجوز للمرأة أن تتبرع بشيء من مالها إلا بإذن زوجها. وبه قال طاووس، ومجاهد، والحسن، والليث بن سعد، إلا أن الليث استثنى الشيء التافه (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: (الجواز) ١ - قول الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣) (٤). وجه الدلالة: أن الله ﵎ سوى بين المرأة والرجل في استحقاق فك الحجر عنهما، ودفع أموالهما إليهما بالبلوغ والرشد، ولم يذكر تزويجا، فلم يجز أن يضم إلى هذين الشرطين شرط ثالث؛ لما فيه من إسقاط فائدة الشرط والغاية (٥).

стр. 1724

(٩٧) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عطاء قال: أشهد على ابن عباس ﵄: " أن رسول الله ﷺ خرج ومعه بلال، فظن أنه لم يسمع النساء فوعظهن، وأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم، وبلال يأخذ بطرف ثوبه " (١) (٢). وجه الدلالة: أن النساء تصدقن بعد أمر النبي ﷺ لهن مباشرة، ولم يسألهن، ولم يستفصل منهن هل هو من الثلث أم لا؟ (٣). (٩٨) ٣ - ما رواه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: " تصدقن معشر النساء ولو من حليكن" فسألته زينب امرأة عبد الله، وامرأة من الأنصار، أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما؟ فقال رسول الله ﷺ : " لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة " (٤) (٥). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أجابهن بإجزاء صدقتهن على أزواجهن،

стр. 1725

والأيتام الذين في حجورهن وبين لهن أنه أفضل لهن، ولم يذكر لهن اشتراط إذن أزواجهن، ولا كونه بالثلث فأقل (١). ٤ - الأحاديث القاضية بأنه يجوز للمرأة التصدق من مال زوجها بغير إذنه، فإذا جاز لها ذلك في ماله بغير إذنه، فبالأولى الجواز في مالها (٢). ومن هذه الأحاديث: (٩٩) ما رواه البخاري ومسلم من حديث مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : "إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرها، وللخازن مثل ذلك، له بما اكتسب، ولها بما أنفقت .. " (٣). ونوقش الدليل الثاني والثالث والرابع: بأن هذه الأدلة محمولة على الشيء اليسير، وجعلوا حد اليسير الثلث فما دونه (٤). وأجيب: بأن هذا التحديد تحكم ليس فيه توقيف، ولا عليه دليل، فهو ضعيف. (١٠٠) ٥ - ما رواه البخاري ومسلم من حديث كريب مولى ابن عباس: أن ميمونة بنت الحارث ﵂ أخبرته أنها أعتقت وليدة، ولم تستأذن النبي ﷺ ، فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: (أو فعلت)؟ قالت: نعم. قال: "أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك " (٥).

стр. 1726

وجه الدلالة: أن ميمونة ﵂ أعتقت قبل أن يعلم النبي ﷺ ، فلم يعب ذلك عليها (١) بل أقرها. قال الطحاوي: " فلو كان أمر المرأة لا يجوز في مالها بغير إذن زوجها لرد رسول الله ﷺ عتاقها، وصرف الجارية إلى الذي هو أفضل من العتاق" (٢). (١٠١) ٦ - ما رواه مسلم من طريق هشام، أخبرني أبي، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ " جاء النبي ﷺ سبي فأعطاها خادماً، فباعتها، قالت: فدخل علي الزبير وثمنها في حجري، فقال: "هبيها لي، فقالت: إني قد تصدقت بها" (٣). (١٠٢) ٧ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا أبو زائدة، عن عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ قال: " لا تصدق المرأة إلا من قوتها، فأما من مال زوجها فلا يحل لها إلا بإذنه " (٤). (١٠٣) ٨ - ما رواه ابن حزم من طريق حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، عن أبي موسى الأشعري ﵁: " أنه أقر عطية امرأة كل مالها " (٥).

стр. 1727

٩ - أن المرأة البالغة الرشيدة من أهل التصرف، ولا حق لزوجها في مالها، فلم يملك الحجر عليها في التصرف بجميعه، كأختها (١). ١٠ - أن من وجب دفع ماله إليه لرشد جاز له التصرف فيه من غير إذن، كالغلام (٢). ١١ - قال الطحاوي: " رأيناهم لا يختلفون في المرأة في وصاياها من ثلث مالها أنها جائزة من ثلثها، كوصايا الرجال، ولم يكن لزوجها عليها في ذلك سبيل ولا أمر، وبذلك نطق الكتاب العزيز، قال الله : ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣) فإذا كانت وصاياها في ثلث مالها جائزة بعد وفاتها، فأفعالها في مالها في حياتها أجوز من ذلك " (٤). أدلة أصحاب القول الثاني: (الجواز في الثلث فأقل) استدلوا بما يلي: ١ - قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٥) (٦). وجه الدلالة: أن مقتضى قوامة الرجل على المرأة أن يتولى أمرها، ويصلحها في حالها (٧)، ومن تمام هذه القوامة التي جعلها ربنا ﵎ له عليها أن لا تتبرع من مالها إلا بإذنه. (١٠٤) ٢ - ما رواه الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن

стр. 1728

داود بن أبي هند وحبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵃، عن النبي ﷺ ، وقيس عن مجاهد أحسبه عن النبي ﷺ قال: "لا يجوز للمرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها " (١).

стр. 1729

(١٠٥) ٣ - ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الله بن يحيى رجل من ولد كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده، أن جدته خيرة امرأة كعب بن مالك أتت رسول الله ﷺ بحليٍّ لها فقالت: إني تصدقت بهذا، فقال لها رسول الله ﷺ : " لا يجوز للمرأة في مالها إلا بإذن زوجها فهل استأذنت كعباً؟ " قالت: نعم، فبعث رسول الله ﷺ إلى كعب بن مالك زوجها فقال: " هل أذنت لخيرة أن تتصدق بحليها؟ " فقال: نعم، فقبله رسول الله ﷺ منها (١). (قال الطحاوي: حديث شاذ). وجه الدلالة: الحديثان صريحان في عدم جواز عطية المرأة من مالها بغير إذن زوجها، غير أنهم حملوهما على عطيتها ما زاد على ثلث مالها (٢). ونوقش الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن الحديثين لا يثبتان. الوجه الثاني: على فرض صحة حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فإنه إما أن ترجح عليه الأدلة التي ساقها الجمهور لكونها أصح منه (٣).

стр. 1730

أو يحمل على أحد احتمالات ثلاثة: الأول: يحمل على أنه لا يجوز عطية المرأة من مال زوجها بغير إذنه، بدليل أنه يجوز عطيتها ما دون الثلث من مالها، ولا دليل يدل على تحديد المنع بالثلث (١). وأجيب: يرده قوله في الحديث " من مالها ". الثاني: أنه محمول على الأدب والاختيار، وحسن العشرة، واستطابة نفس الزوج بذلك لا وجوب الاستئذان (٢). وأجيب: بعدم وجود الصارف إلى الأدب والاختيار. الثالث: أنه في السفيهة غير الرشيدة (٣). وأجيب: بأنه يخالف عموم الحديث، ويحتاج إلى دليل يخصصه بالسفيهة. (١٠٦) ٤ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك " (٤) (٥). وجه الدلالة: أن حق الزوج متعلق بمالها؛ لأن العادة أن الزوج يزيد في مهر المرأة من أجل مالها، ويتبسط فيه، وينتفع به، فلما كان كذلك كان الحجر فيما يخل به (٦).

стр. 1731

٥ - القياس على المريض (١). فإنه لما تعلق حق الزوج بمال زوجته، جرى ذلك مجرى حقوق الورثة المتعلقة بمال المريض (٢). ونوقش: بأن هذا القياس غير صحيح لوجوه: إحداها: أن المرض سبب يفضي إلى وصول المال إلى الورثة بالميراث، والزوجية إنما تجعله من أهل الميراث، فهي أحد وصفي العلة، فلا يثبت الحكم بمجردها، كما لا يثبت للمرأة الحجر على زوجها، ولا لسائر الورثة بدون المرض. الثاني: أن تبرع المريض موقوف، فإن برئ من مرضه صح تبرعه، وها هنا أبطلوه على كل حال، والفرع لا يزيد على أصله. الثالث: أن ما ذكروه منتقض بالمرأة، فإنها تنتفع بمال زوجها وتتبسط فيه عادة، ولها النفقة منه، وانتفاعها بماله أكثر من انتفاعه بمالها، وليس لها الحجر عليه، وهذا المعنى ليس موجودا في الأصل، ومن شرط صحة القياس وجود المعنى المثبت للحكم في الأصل والفرع جميعا (٣). أدلة الرأي الثالث: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٤). فقد جاء عن جمع من المفسرين: أن المراد بالسفهاء: النساء. منهم الحسن، وقتادة، والسدي (٥).

стр. 1732

٢ - ما سبق من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. وتقدمت مناقشته. الترجيح: الراجح -والله أعلم- قول جمهور أهل العلم، وهو جواز هبة المرأة فيما زاد على الثلث بدون إذن الزوج؛ لقوة أدلتهم، ولأن المالكية خالفوا عموم الحديث الذي استدلوا به، حيث إنهم حملوه على ما زاد على الثلث، دون دليل صالح على ذلك. فهم لم يعملوا بالحديث فيما دون الثلث، مما يجعل الحديث حجة عليهم، فيقال: لا يعُمل به فيما زاد على الثلث، كما لم تعملوا به فيما دون الثلث بلا برهان عندكم يدل على التخصيص. ومما يضعف قول المالكية قولهم: إن المرأة المتزوجة إن تبرعت بثلثها، يجوز لها التبرع من الثلثين الباقيين، إن بعدت المدة بين التبرعين، ويقولون: كأنه للبعد صار الثلثان مالاً برأسه لم يقع فيه تبرع (١). ويحددون بُعدَه بعام على قول بعضهم، وبنصف عام على قول آخر (٢). وعلى هذا لا تزال المرأة تُعطي ثلثاً كل عام أو نصف عام -من المتُبَقَي- حتى تذهب بالمال كله، وعندها يبطل العمل بالحديث، ويبطل ما قالوه من الاحتياط للزوج.

стр. 1733

المبحث الثاني: شروط الموهوب وفيه مسائل: المسألة الأولى: الشرط الأول: أن تكون الهبة منجزة. (الهبة المعلقة) إذا علق الواهب الهبة على شرط مستقبل، كأن يقول: وهبت لك هذه السيارة إذا جاء شهر رمضان، أو إذا رضي أبي، ونحو ذلك. فهل تصح وتنعقد الهبة مع هذا التعليق أو لا تنعقد؟. للعلماء ﵏-قولان في حكم تعليق الهبة على الشرط: القول الأول: صحة تعليق الهبة على الشرط. وهذا مذهب المالكية (١)، ورواية عند الحنابلة (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤). القول الثاني: عدم صحة تعليق الهبة على شرط.

стр. 1734

وإلى هذا ذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). لكن عند الحنفية: يصح تعليق الهبة بالشرط الملائم، وهو ما يؤكد موجب العقد، كوهبتك على أن تعوضني كذا. ونص الحنابلة كما في كشاف القناع: " (و) لا يصح (تعليقها) أي: الهبة (على شرط مستقبل) ..... وخرج بالمستقبل الماضي والحال، فلا يمنع التعليق عليه الصحة، كأن كانت ملكي ونحوه فقد وهبتكها فتصح (غير الموت) فيصح تعليق العطية به وتكون وصية " (٤). أدلة القول الأول: (صحة تعليق الهبة على الشرط) (١٠٧) ١ - ما رواه أحمد من طريق مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة، عن أمه، عن أم كلثوم بنت أبي سلمة، عن أم سلمة أم المؤمنين ﵂ قالت: لما تزوجني رسول الله ﷺ قال: " إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي مسك، ولا أراه إلا قد مات وسترد الهدية، فإن كان كذلك فهي لك " فكان كما قال النبي ﷺ ، مات النجاشي وردت الهدية، فدفع ﵇ إلى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، ودفع الحلة وسائر المسك إلى أم سلمة (٥).

стр. 1735

وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ علق الهبة على رجوعها. ونوقش من وجهين: الأول: أن هذا ليس هبة؛ بل هو وعد بالهبة (١). ويجاب: بأن ظاهر اللفظ في قوله: "فهو لك" يقتضي الهبة، وما عداه خلاف الظاهر.

стр. 1736

الثاني: أن الحديث ضعيف. (١٠٨) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لو قد جاءنا مال البحرين قد أعْطَيْتُك هكذا وهكذا " (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه من باب الوعد (٢). وأجيب: بأن الهبة المعلقة بالشرط وعد (٣). (١٠٩) ٣ - ما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر، فعبد الله بن رواحه" (٤). ففي هذا تعليق عقد الإمارة، فكذا الهبة. ٤ - أن تعليق العقود والتبرعات ونحوها بالشرط أمر تدعو إليه الضرورة، أو الحاجة أو المصلحه، والمكلف قد لا يستغني عن التعليق، والشارع لا يمنع مثل هذا؛ إذ لا محذور فيه (٥). ٥ - أن الأصل في العقود والشروط في العقود الصحة. ٦ - أن في تعليق الهبة على شرط منفعة للناس مع عدم المفسدة، فمثلا قد يرى المسلم محتاجا لكتب - فيقول إن جاءتني نسخة أخرى فهي لك، وفي ذلك تشجيع على البذل والإحسان (٦).

стр. 1737

أدلة القول الثاني: (عدم صحة تعليق عقد الهبة) استدل القائلون بعدم صحة تعليق عقد الهبة بالأدلة الآتية: ١ - أن الهبة تمليك لمعين في الحياة، فلم يجز تعليقها في الحياة على شرط كالبيع (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: الفرق بين البيع والهبة، فالبيع عقد معاوضة، والهبة عقد تبرع. الوجه الثاني: عدم التسليم بالمنع في المبيع، بل البيع مما يجوز تعليقه على شرط؛ لعدم المانع، والأصل الصحة. ٢ - أن التبرع تمليك، والتمليكات تبطل بالتعليق (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا الاستدلال في محل النزاع، والأصل الذي بني عليه غير مسلم، فعقود التمليكات تقبل التعليق. ٣ - أن عقد الهبة يبطل بالجهالة، فلا يجوز تعليقه على الشرط (٣). ونوقش من وجهين: الأول: عدم التسليم بوجود الجهالة عند تعلقها؛ لأن غاية ما في تعليقها على شرط أنه إن حصل الشرط حصلت الهبة، وإن لم يتحقق فلا تحصل. الثاني: عدم التسليم بعدم صحة هبة المجهول، بل الراجح أنه يصح هبة المجهول كما حررته في شرط العلم بالهبة. الترجيح: يترجح لي -والله أعلم- صحة تعليق الهبة على الشرط؛ لقوة ما استدلوا

стр. 1738

به، ولأن الهبة إحسان محض، وفي تعليقها تكثير لهذا الإحسان، ولأن القائلين بمنع التعليق في عقد الهبة أجازوا التعليق في بعض عقود التمليك مما يدل على اضطراب هذا الأصل. المسألة الثانية: الشرط الثاني: أن يكون الموهوب مالاً شرعاً (١). قال الكاساني: " ومنها -أي من شروط الموهوب- أن يكون مالاً متقوماً، فلا تجوز هبة ما ليس بمال ". وقال القرافي: " الركن الثالث: الموهوب: وهو كل مملوك يقبل النقل مباح في الشرع ". وقال الشربيني: " وكل ما جاز بيعه جاز هبته ". وقال البهوتي: " وما جاز بيعه جاز هبته ".

стр. 1739

وفيها أمران: الأمر الأول: هبة المال المحرم. المال الحرام: كل ما حرم الشارع كسبه، أو الانتفاع به. هبة المال المحرم ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن يكون محرماً لعينِهِ، وهو ما حرم الشارع الانتفاع به لخاصية في ذاته من ضرر، أو خبث، أو قذارة كالخمر، والخنزير، والميتة، والدم. فأكثر الفقهاءِ كما سبَقَ تحريم هبتِهِ؛ لأنَّه ليس مالاً شرعاً؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١). (١١٠) لما رواه مسلم من طريق علقمة بن وائل، عن أبيه وائل الحَضْرَمِىِّ أَنَّ طارق بن سُوَيْد الجُعْفِي سأل النبي ﷺ عن الخمر، (فنهى) أو كَرِهَ أن يصنعها، فقال: إنَّما أصنعها للدَّواء، فقال: "إنَّه ليس بدواء ولكنَّه داء" (٢). وذهب بعض الحنابلة: إلى أنه تصح هبة ما يباح الانتفاع به من النجاسات (٣). في كشاف القناع: " (واختار جمع وكلب) أي: تصح هبته جزم به في المغني والكافي (ونجاسة مباح نفعهما) أي: الكلب والنجاسة جزم به الحارثي والشارح؛ لأنه تبرع أشبه الوصية به، قال في القاعدة السابعة

стр. 1740

والثمانين: وليس بين القاضي وصاحب المغني خلاف في الحقيقة؛ لأن نقل اليد في هذه الأعيان جائز كالوصية، وقد صرح به القاضي في خلافه " (١). وعند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢) يجوز الانتفاع بالنجاسات كما جاء في الاختيارات: " ويجوز الانتفاع بالنجاسات وسواء في ذلك شحم الميتة وغيره، وهو قول الشافعي وأومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور "، فظاهرُهُ جواز هبته؛ إذ إنَّ شيخ الإسلام يتوسَّعُ في باب الهبة فيُجوِّزُ هبة المجهول، وغير المقدور على تسليمه، والمعدوم، كما وضَّحتُهُ في شروط صحَّة الهبةِ. ويدل لهذا: (١١١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح -وهو بمكة-: " إنَّ اللهَ ورسولَه حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟، فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها أجملوه، ثم باعوه، فأكلوا ثمنه" (٣). في الحديث جواز الانتفاع بالنجاسات، وإذا ثبت هذا جاز هبتها. والخلاصة: أن هبة المحرم لعينه لا تخلو من حالتين: الحال الأولى: هبته لما يتضمنه من منافع مباحة، فجائز. الحال الثانية: هبته لما يتضمنه من منافع محرمة، فلا يجوز.

стр. 1741

القسم الثاني: أن يكون محرماً لكسبِهِ، وتحته حالتان: الحال الأولى: المأخوذ بغير رضا مالكه ولا إذن الشارع، كالمسروق والمغصوب والمُنتهب، فهذا يجبُ ردُّهُ على صاحبه إن عَلِمَه أو علم ورثته بالإجماع (١). قال ابن هبيرة: " واتفقوا على أنه يجب على الغاصب رد المغصوب إن كانت عينه قائمة، ولم يخف من نزعها إتلاف نفس " (٢). قال الشوكاني ﵀: " ومجمع على وجوب رد المغصوب إذا كان باقياً" (٣). وما ذكروه في الغصب جار فيما عداه من المكاسب المحرمة؛ لأنها في حكمه. فإن جَهِلَه تصدَّق به على الفقراء والمساكين، وبه قال جمهور أهل العلم (٤): أبو حنيفة، ومالك، وأحمد. وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٥)، وهذا لم يستطع أن يرده إلى صاحبه. ٢ - ورود ذلك عن بعض الصحابة ﵃. قال ابن القيم: " وأما في حقوق العباد فيتصور في مسائل إحداها من

стр. 1742

غصب أموالا، ثم تاب وتعذر عليه ردها إلى أصحابها، أو إلى ورثتهم لجهله بهم، أو لانقراضهم، أو لغير ذلك، فاختلف في توبة مثل هذا: فقالت طائفة: لا توبة له إلا بأداء هذه المظالم إلى أربابها، فإذا كان ذلك قد تعذر عليه فقد تعذرت عليه التوبة، والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا، قالوا: فإن هذا حق للآدمي لم يصل إليه، والله سبحانه لا يترك من حقوق عباده شيئا، بل يستوفيها لبعضهم من بعض ولا يجاوزه ظلم ظالم، فلا بد أن يأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ولو لطمة ولو كلمة ولو رمية بحجر، قالوا: وأقرب ما لهذا في تدارك الفارط منه أن يكثر من الحسنات ليتمكن من الوفاء منها يوم لا يكون الوفاء بدينار ولا بدرهم فيتجر تجارة يمكنه الوفاء منها، ومن أنفع ما له الصبر على ظلم غيره له وأذاه وغيبته وقذفه، فلا يستوفي حقه في الدنيا ولا يقابله ليحيل خصمه عليه إذا أفلس من حسناته، فإنه كما يؤخذ منه ما عليه يستوفى أيضا ما له، وقد يتساويان، وقد يزيد أحدهما عن الآخر. ثم اختلف هؤلاء في حكم ما بيده من الأموال: فقالت طائفة: يوقف أمرها ولا يتصرف فيها ألبتة. وقالت طائفة: يدفعها إلى الإمام أو نائبه؛ لأنه وكيل أربابها فيحفظها لهم، ويكون حكمها حكم الأموال الضائعة. وقالت طائفة أخرى: بل باب التوبة مفتوح لهذا ولم يغلقه الله عنه، ولا عن مذنب، وتوبته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها، فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان لهم الخيار بين أن يجيزا ما فعل وتكون أجورها لهم، وبين أن لا يجيزوا ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم ويكون ثواب تلك الصدقة له؛ إذ لا يبطل الله سبحانه ثوابها ولا يجمع لأربابها بين العوض والمعوض فيغرمه إياها ويجعل أجرها لهم، وقد غرم من حسناته بقدرها.

стр. 1743

وهذا مذهب جماعة من الصحابة، كما هو مروي عن ابن مسعود ومعاوية وحجاج بن الشاعر، فقد روي أن ابن مسعود اشترى من رجل جارية ودخل يزن له الثمن، فذهب رب الجارية فانتظره حتى يئس من عوده فتصدق بالثمن، وقال: اللهم هذا عن رب الجارية، فإن رضي فالأجر له وإن أبى فالأجر لي وله من حسناتي بقدره، وغل رجل من الغنيمة، ثم تاب فجاء بما غله إلى أمير الجيش فأبى أن يقبله منه، وقال: كيف لي بإيصاله إلى الجيش وقد تفرقوا، فأتى حجاج بن الشاعر، فقال: يا هذا إن الله يعلم الجيش وأسماءهم وأنسابهم، فادفع خمسه إلى صاحب الخمس، وتصدق بالباقي عنهم، فإن الله يوصل ذلك إليهم أو كما قال ففعل، فلما أخبر معاوية قال: لأن أكون أفتيتك بذلك أحب إلي من نصف ملكي" (١). ٣ - القياس على اللقطة إذا لم يجد ربها بعد تعريفها ولم يرد أن يتملكها تصدق بها عنه، فإن ظهر مالكها خيره بين الأجر والضمان. قالوا: ولأن المجهول في الشرع كالمعدوم. وعند الشافعية: يسلمه إلى الحاكم لينفقه في مصالح المسلمين العامَّة. وحجتهم: بأن ولي الأمر ونوابه أعلم بأوجه المصالح، فكانوا أولى بالتصرف. والأقرب: هو القول الأول؛ لقوة دليله. وقد حكى ابن عبد البر وابن المنذر (٢): الإجماع على أنَّ الغالَّ يجب عليه أن يردّ ما غلَّ إلى صاحب المقاسم ما وجد إلى ذلك سبيلاً، والدليلُ على ذلك:

стр. 1744

١ - قول الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١). (١١٢) ٢ - ولما رواه البخاري من طريق مالك، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلَّله منها؛ فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه " (٢). قال ابن القيم: " من قبض ما ليس له قبضه شرعا، ثم أراد التخلص منه، فإن كان المقبوض قد أخذ بغير (رضى) صاحبه، ولا استوفى عوضه رده عليه، فإن تعذر رده عليه، قضى به دينا يعلمه عليه، فإن تعذر ذلك رده إلى ورثته، فإن تعذر ذلك تصدق به عنه، فإن اختار صاحب الحق ثوابه يوم القيامة، كان له، وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض، استوفى منه نظير ماله، وكان ثواب الصدقة للمتصدق بها، كما ثبت عن الصحابة ﵃" (٣). وهل له الأكل منه إذا تاب وكان فقيراً؟ المنصوص عليه عند الحنابلة: أنه لا يجوز له الأكل منه، ويجب عليه أن يتصدق به (٤). واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن للغاصب ونحوه الأكل من المال المغصوب ونحوه إذا تاب وكان فقيرا إن لم يعرف صاحبه (٥). فرع: أرباح هذا النوع من المكاسب. اختلف العلماء في أرباح المكاسب المحرمة الحاصلة من غير تراض على أقوال:

стр. 1745

القول الأول: أن هذه الأرباح التي حصلت بعمل من الكاسب يكون الكاسب فيها شريكا للمالك. وهو رواية عن أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن القيم (١). وحجته: (١١٣) ما رواه الإمام مالك عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى هاهنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: «أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما»؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: «ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما، أديا المال وربحه»، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، هذا لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه؟ فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا؟ فقال عمر: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال (٢).

стр. 1746

القول الثاني: أنها لأصحاب هذه المكاسب، والكاسب ليس له شيء. وهو قول الشافعية (١)، والحنابلة (٢). القول الثالث: ما نتج من غير عمل الكاسب كنسل الحيوان ولبنه، فهو للمالك، وما كان من عمل الكاسب فهو للكاسب، لكن لا تطيب للكاسب الأرباح، إلا إذا رد رأس المال لصاحبه. وهو قول المالكية (٣). القول الرابع: أنه يجب التصدق بها. وهو قول الحنفية (٤)، ورواية عن أحمد (٥). الحال الثانية: المأخوذ بغير إذن الشارع ولكن برضا المالك، كالمال المُكتسب بطريق الميسر والقمار، أو الربا، أو الغناء، ونحو ذلك من المكاسب المُحرَّمة، فلا يخلو من فرعين: الفرع الأول: أن يكون في ذمم الناس لم يقبض بعد، فهذا ليس له إلا رأس ماله، وما زاد من محرم فليس له أخذه، وعليه ليس له هبته. والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ (٦). (١١٤) ولما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه قال: دخلنا

стр. 1747

على جابر بن عبد الله ﵄، وفيه قول النبي ﷺ : " وربا الجاهلية موضوع، وأوَّل ربًا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب، فإنَّه موضوع كُلُّه " (١). الفرع الثاني: أن يكون هذا الكسب قد قبض. أما بالنسبة للقابض لهذا المال إذا تاب وأناب: فإن كان هذا القابض يعتقد صحة هذا العقد الربوي، كالكافر الذي كان يتعامل بالربا قبل إسلامه، أو تحاكمه إلينا، وكالمسلم إذا عقد عقداً مختلفاً فيه بين العلماء، وهو يرى صحة هذا النوع بالاجتهاد أو التقليد، أو المسلم الذي يعامل ولكنه يجهل ولا يعلم وقد قبض بهذه المعاملة مالاً، فلما تبين له أن هذه المعاملة من الربا تاب منها (٢). إذا كان الأمر -كما ذكر- فإنه يكون ملكاً لما قبضه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ (٣) وعليه فله هبته. قال الشنقيطي ﵀: " قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٤) معنى هذه الآية الكريمة: أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى أي: ترك المعاملة بالربا؛ خوفا من الله تعالى وامتثالا لأمره ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي: ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا، ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، فقد قال في الذين كانوا

стр. 1748

يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (١). وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢) أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٣). وقال في الصيد قبل التحريم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (٤). وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٥) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ. ومن أصرح الأدلة في هذا المعنى: أن النبي ﷺ والمسلمين لما استغفروا لأقربائهم الموتى من المشركين، وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ (٦) وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٧)، فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه" (٨). أما إذا كان القابض مسلماً متعمداً تلك المعاملة عالماً بأنه محرم ثم تاب بعدما تجمعت لديه الأموال المحرمة، فلأهل العلم قولان:

стр. 1749

القول الأول: أن قبض الكاسب هذه المكاسب المحرمة يفيد خروجه من ملك باذله، إذا كان بإذن منه. وهذا قول عند الحنفية (١)، وهو رواية عند الإمام أحمد (٢)، اختارها شيخ الإسلام (٣). قال ابن تيمية: "أصحهما أن لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة، ولا يباح الأخذ، بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر" (٤). قال: " ومن ظن أنها ترد على الباذل المستأجر؛ لأنها مقبوضة بعقد فاسد فيجب ردها عليه كالمقبوض بالربا أو نحوه من العقود الفاسدة، فيقال له: المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه، كما في تقابض الربا عند من يقول المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك، كما هو المعروف من مذهب الشافعي وأحمد، فأما إذا تلف المقبوض عند القابض، فإنه لا يستحق استرجاع عوضه مطلقا، وحينئذ فيقال: إن كان ظاهر القياس يوجب ردها بناء على أنها مقبوضة بعقد فاسد، فالزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم واستوفوا العوض المحرم والتحريم الذي فيه ليس لحقهم، وإنما هو لحق الله تعالى وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال " (٥).

стр. 1750

القول الثاني: أن قبض الكاسب هذه المكاسب المحرمة لا يفيد الملك مطلقاً سواء أكان بإذن من المالك أم لا. وهذا قول عند الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). والذي يظهر: أن هذه المكاسب المحرمة تخرج عن ملك من بذلها راضياً إذا كان عالماً بالتحريم أو الفساد؛ لأنه سلط الكاسب عليه بإذنه ورضاه، فلا يمكن أن يسوى بينه وبين من أخذ ماله من غير رضاه وإذنه. قال ابن القيم: " المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه كما في عقود الربا، وهذا عند من يقول المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك، فأما إذا تلف المعوض عند القابض وتعذر رده، فلا يقضى له بالعوض الذي بذله، ويجمع له بين العوض والمعوض، فإن الزاني واللائط ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم واستوفوا عوضه المحرم، وليس التحريم الذي فيه لحقهم، وإنما هو لحق الله، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال الذي بذله في استيفائها. وأيضا: فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته وعوضها جميعا، بخلاف ما لو كان العوض خنزيرا أو ميتة، فإن ذلك لا ضرر عليه في

стр. 1751

فواته، فإنه لو كان باقيا أتلفناه عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه بحيث يتمكن من صرفها في أمر آخر أعني القوة التي عمل بها " (١). واختلف العلماء ﵏ في طريق التوبة من المكاسب الحرمة الحاصلة بعقود فاسدة، وقد استوفى الطرفان العوض، والمعوض على قولين: القول الأول: أنه يجب على الكاسب التصدق به. وبه قال شيخ الإسلام (٢). وحجته: ١ - أنه لا يجمع لمن استوفى المنفعة المحرمة بين العوض، والمعوض. ونوقش: بأن هذه المكاسب المحرمة على ملك أصحابها؛ لأنها انتقلت بعقد فاسد. وأجيب: قال ابن القيم: " وهب أن هذا المال لم يملكه الآخذ، فملك صاحبه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه، وقد سلم له ما في قبالته من النفع، فكيف يقال ملكه باق عليه؟ ويجب رده إليه؟ وهذا بخلاف أمره بالصدقة به، فإنه قد أخذه من وجه خبيث برضى صاحبه وبذله له بذلك، وصاحبه قد رضي بإخراجه عن ملكه بذلك، وأن لا يعود إليه، فكان أحق الوجوه به صرفه في المصلحة التي ينتفع بها من قبضه ويخفف عنه الإثم، ولا يقوى الفاجر به ويعان ويجمع له بين الأمرين. وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام وتعذر عليه تمييزه أن يتصدق بقدر الحرام، ويطيب باقي ماله، والله أعلم " (٣).

стр. 1752

وقال: " وإن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم كمن عاوض على خمر، أو خنزير، أو على زنى، أو فاحشة، فهذا لا يجب رد العوض على الدافع؛ لأنه أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان وتيسير أصحاب المعاصي عليه، وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله، فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به ولا يسوغ القول به، وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر، ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضه من المزني بها، ثم يرجع فيما أعطاها قهرا، وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء، فلا تأتي به شريعة ولكن لا يطيب للقابض أكله، بل هو خبيث كما حكم عليه رسول الله ﷺ ، ولكن خبثه لخبث مكسبه لا لظلم من أخذ منه، فطريق التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة به " (١). ٢ - أن هذه المكاسب حصلت بسبب خبيث، وهو التصرف في ملك الغير بدون إذنه، وما هذا حاله فسبيله التصدق به. (١١٥) ٣ - ما رواه مسلم من طريق السائب بن يزيد، حدثني رافع بن خديج ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البَغِي خبيث، وكَسْب الحَجّام خبيث» (٢). فإن النبي ﷺ حكم بخبث كسب الحجام، ولا يجب رده على دافعه. القول الثاني: يجب أن يرد إلى مالكه. وحجته: أنه عين ماله، ولم يقبضه الكاسب قبضا شرعيا، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح (٣). ونوقش: بما تقدم من كلام ابن القيم.

стр. 1753

الترجيح: الراجح -والله أعلم- أنه يتصدق به؛ لقوة دليله. فإن كان الكاسب فقيرا جاز أن يأخذ قدر حاجته من هذا المال. قال النووي: " وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرا؛ لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجود فيهم، بل هم أولى من يتصدق عليه، وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته؛ لأنه أيضا فقير" (١). وقال شيخ الإسلام: "فإن تابت هذه البغي وهذا الخمّار وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم، فإن كان يقدر يتجّر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل أعطي ما يكون له رأس مال، وإن اقترضوا منه شيئا ليكتسبوا به ولم يردوا عِوَضَ القرض كان أحسن" (٢). فإن لم يتب من كسبه محرما، فلا يخلو من فرعين: الفرع الأول: أن يكون جميع مال الواهب محرما فلا تصح هبته؛ لما تقدم من أنه يشترط أن تكون الهبة مالا شرعيا. الفرع الثاني: أن يكون ماله مختلطا من الحلال والحرام، فتصح هبته، وقد نص الفقهاء على جواز الأكل من مال من ماله مختلط، ويدل لهذا: (١١٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁: " أن يهودية أتت النبيَّ ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟، قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ " (٣).

стр. 1754

الأمر الثاني: هبة المختص كالكلب، ونحوه. المختص: كل ما جوز الشارع الانتفاع به، ولم يرخص في بيعه. اختلف العلماء ﵏-في حكم هبة الكلب المأذون في اقتنائه، ككلب الصيد ونحوه على قولين: القول الأول: أنه تجوز هبته. وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو وجه عند الحنابلة. في الإنصاف: " وقيل: تصح هبة ما يباح الانتفاع به من النجاسات جزم به الحارثي، وتصح هبة الكلب، جزم به في المغني والكافي والشرح واختاره الحارثي. قال في القاعدة السابعة والثمانين: وليس بين القاضي وصاحب المغني خلاف في الحقيقة؛ لأن نقل اليد في هذه الأعيان جائز كالوصية وقد صرح به القاضي في خلافه انتهى " (٣). القول الثاني: أنه لا تجوز هبة الكلب. وهو قول الشافعية (٤)، ووجه عند الحنابلة، هو المذهب. في الإنصاف: " قوله: "وكل ما يجوز بيعه" يعني: تصح هبته، وهذا صحيح ونص عليه، ومفهومه: أن ما لا يجوز بيعه لا تجوز هبته، وهو المذهب، وقدمه في الفروع واختاره القاضي " (٥).

стр. 1755

الأدلة: دليل القول الأول: أن الشارع أذن في الانتفاع به، ومقتضى ذلك جواز هبته، ويدل لذلك: (١١٧) ما رواه البخاري من طريق أبي سلمة، عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أمسك كلبًا، فإنه يَنْقُص كل يوم من عمله قيراط، إلا كلب حرث أو ماشية» قال ابن سيرين وأبو صالح: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إلا كلب غنم أو حرث أو صيد» وقال أبو حازم: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «كلب صيد أو ماشية» (١). ودليل القول الثاني: أن الشارع نهى عن بيعة، ويدل لهذا: (١١٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ : "نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن " (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بالفرق بين عقود التبرعات والمعاوضات؛ إذ إن عقود التبرعات أوسع كما سبق. وفي الإنصاف: " نقل حنبل فيمن أهدى إلى رجل كلب صيد ترى أن يثيب عليه؟ قال: هذا خلاف الثمن هذا عوض من شيء، فأما الثمن فلا" (٣).
следующие страницы →