← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

فواته، فإنه لو كان باقيا أتلفناه عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه بحيث يتمكن من صرفها في أمر آخر أعني القوة التي عمل بها " (١). واختلف العلماء ﵏ في طريق التوبة من المكاسب الحرمة الحاصلة بعقود فاسدة، وقد استوفى الطرفان العوض، والمعوض على قولين: القول الأول: أنه يجب على الكاسب التصدق به. وبه قال شيخ الإسلام (٢). وحجته: ١ - أنه لا يجمع لمن استوفى المنفعة المحرمة بين العوض، والمعوض. ونوقش: بأن هذه المكاسب المحرمة على ملك أصحابها؛ لأنها انتقلت بعقد فاسد. وأجيب: قال ابن القيم: " وهب أن هذا المال لم يملكه الآخذ، فملك صاحبه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه، وقد سلم له ما في قبالته من النفع، فكيف يقال ملكه باق عليه؟ ويجب رده إليه؟ وهذا بخلاف أمره بالصدقة به، فإنه قد أخذه من وجه خبيث برضى صاحبه وبذله له بذلك، وصاحبه قد رضي بإخراجه عن ملكه بذلك، وأن لا يعود إليه، فكان أحق الوجوه به صرفه في المصلحة التي ينتفع بها من قبضه ويخفف عنه الإثم، ولا يقوى الفاجر به ويعان ويجمع له بين الأمرين. وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام وتعذر عليه تمييزه أن يتصدق بقدر الحرام، ويطيب باقي ماله، والله أعلم " (٣).

стр. 1752

وقال: " وإن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم كمن عاوض على خمر، أو خنزير، أو على زنى، أو فاحشة، فهذا لا يجب رد العوض على الدافع؛ لأنه أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان وتيسير أصحاب المعاصي عليه، وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله، فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به ولا يسوغ القول به، وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر، ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضه من المزني بها، ثم يرجع فيما أعطاها قهرا، وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء، فلا تأتي به شريعة ولكن لا يطيب للقابض أكله، بل هو خبيث كما حكم عليه رسول الله ﷺ ، ولكن خبثه لخبث مكسبه لا لظلم من أخذ منه، فطريق التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة به " (١). ٢ - أن هذه المكاسب حصلت بسبب خبيث، وهو التصرف في ملك الغير بدون إذنه، وما هذا حاله فسبيله التصدق به. (١١٥) ٣ - ما رواه مسلم من طريق السائب بن يزيد، حدثني رافع بن خديج ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البَغِي خبيث، وكَسْب الحَجّام خبيث» (٢). فإن النبي ﷺ حكم بخبث كسب الحجام، ولا يجب رده على دافعه. القول الثاني: يجب أن يرد إلى مالكه. وحجته: أنه عين ماله، ولم يقبضه الكاسب قبضا شرعيا، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح (٣). ونوقش: بما تقدم من كلام ابن القيم.

стр. 1753

الترجيح: الراجح -والله أعلم- أنه يتصدق به؛ لقوة دليله. فإن كان الكاسب فقيرا جاز أن يأخذ قدر حاجته من هذا المال. قال النووي: " وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرا؛ لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجود فيهم، بل هم أولى من يتصدق عليه، وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته؛ لأنه أيضا فقير" (١). وقال شيخ الإسلام: "فإن تابت هذه البغي وهذا الخمّار وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم، فإن كان يقدر يتجّر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل أعطي ما يكون له رأس مال، وإن اقترضوا منه شيئا ليكتسبوا به ولم يردوا عِوَضَ القرض كان أحسن" (٢). فإن لم يتب من كسبه محرما، فلا يخلو من فرعين: الفرع الأول: أن يكون جميع مال الواهب محرما فلا تصح هبته؛ لما تقدم من أنه يشترط أن تكون الهبة مالا شرعيا. الفرع الثاني: أن يكون ماله مختلطا من الحلال والحرام، فتصح هبته، وقد نص الفقهاء على جواز الأكل من مال من ماله مختلط، ويدل لهذا: (١١٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁: " أن يهودية أتت النبيَّ ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟، قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ " (٣).

стр. 1754

الأمر الثاني: هبة المختص كالكلب، ونحوه. المختص: كل ما جوز الشارع الانتفاع به، ولم يرخص في بيعه. اختلف العلماء ﵏-في حكم هبة الكلب المأذون في اقتنائه، ككلب الصيد ونحوه على قولين: القول الأول: أنه تجوز هبته. وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو وجه عند الحنابلة. في الإنصاف: " وقيل: تصح هبة ما يباح الانتفاع به من النجاسات جزم به الحارثي، وتصح هبة الكلب، جزم به في المغني والكافي والشرح واختاره الحارثي. قال في القاعدة السابعة والثمانين: وليس بين القاضي وصاحب المغني خلاف في الحقيقة؛ لأن نقل اليد في هذه الأعيان جائز كالوصية وقد صرح به القاضي في خلافه انتهى " (٣). القول الثاني: أنه لا تجوز هبة الكلب. وهو قول الشافعية (٤)، ووجه عند الحنابلة، هو المذهب. في الإنصاف: " قوله: "وكل ما يجوز بيعه" يعني: تصح هبته، وهذا صحيح ونص عليه، ومفهومه: أن ما لا يجوز بيعه لا تجوز هبته، وهو المذهب، وقدمه في الفروع واختاره القاضي " (٥).

стр. 1755

الأدلة: دليل القول الأول: أن الشارع أذن في الانتفاع به، ومقتضى ذلك جواز هبته، ويدل لذلك: (١١٧) ما رواه البخاري من طريق أبي سلمة، عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أمسك كلبًا، فإنه يَنْقُص كل يوم من عمله قيراط، إلا كلب حرث أو ماشية» قال ابن سيرين وأبو صالح: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «إلا كلب غنم أو حرث أو صيد» وقال أبو حازم: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «كلب صيد أو ماشية» (١). ودليل القول الثاني: أن الشارع نهى عن بيعة، ويدل لهذا: (١١٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ : "نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن " (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بالفرق بين عقود التبرعات والمعاوضات؛ إذ إن عقود التبرعات أوسع كما سبق. وفي الإنصاف: " نقل حنبل فيمن أهدى إلى رجل كلب صيد ترى أن يثيب عليه؟ قال: هذا خلاف الثمن هذا عوض من شيء، فأما الثمن فلا" (٣).

стр. 1756

الراجح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ إذ الأصل في عقود التبرعات الحل والصحة. المسألة الثالثة: الشرط الثالث: أن تكون الهبة معلومة. (هبة المجهول) إذا وهب شخص لآخر شيئاً مجهولا، كما لو وهبه ما في جيبه، أو ما في بيته ونحو ذلك، فاختلف العلماء في حكم هذه الهبة على قولين: القول الأول: صحة هبة المجهول. وهو مذهب المالكية (١)، واختاره شيخ الإسلام (٢). لكن عند المالكية إن ظنه قليلاً فبان كثيراً لم يلزمه إن حلف على ظنه (٣). قال ابن رشد: " وأما صفة العوض -أي في الخلع- فإن الشافعي وأبا حنيفة يشترطان فيه أن يكون معلوم الصفة ومعلوم الوجوب، ومالك يجيز فيه المجهول الوجود والقدر والمعدوم، مثل الآبق والشارد والثمرة التي لم يبد صلاحها، والعبد غير الموصوف، وحكي عن أبي حنيفة جواز الغرر ومنع المعدوم، وسبب الخلاف: تردد العوض ههنا بين العوض في البيوع، أو الأشياء الموهوبة والموصي بها، فمن شبهها بالبيوع اشترط ما يشترط في البيوع وفي أعواض البيوع، ومن شبهه بالهبات لم يشترط ذلك " (٤). وقال القرافي: " وقد فصل مالك بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة

стр. 1757

وقاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة، وانقسمت التصرفات عنده ثلاثة أقسام: طرفان وواسطة، فالطرفان: أحدهما: معاوضة صرفة، فيجتنب فيها ذلك إلا ما دعت الضرورة إليه عادة، وثانيهما: ما هو إحسان صرف لا يقصد به تنمية المال كالصدقة والهبة، فإن هذه التصرفات إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه؛ لأنه لم يبذل شيئاً بخلاف القسم الأول إذا فات بالغرر والجهالة ضاع المال المبذول في مقابلته، فاقتضت حكمة الشرع منع الجهالة فيه، أما الإحسان الصرف فلا ضرر فيه، فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق بالمعلوم والمجهول، فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعاً، وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله، فإذا وهب له بعيره الشارد جاز أن يجده، فيحصل له ما ينتفع به ولا ضرر عليه إن لم يجده؛ لأنه لم يبذل شيئاً " (١). القول الثاني: عدم صحة هبة المجهول. وهذا مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). لكن عند الحنابلة ما تعذر علمه تصح هبته، كمال اختلط بغيره وجهل قدره. القول الثالث: أن الجهل إذا كان من الواهب منع الصحة، وإذا كان من الموهوب لم يمنعها. وهو احتمال عند الحنابلة (٦).

стр. 1758

دليل القول الأول: (صحة هبة المجهول) (١١٩) ١ - قال البخاري: لقول النبي ﷺ لوفد هوازن حين سألوه المغانم، فقال النبي ﷺ : " نصيبي لكم " (١). (١٢٠) وروى البخاري من طريق عروة أنَّ المسوّر بن مخرمة ومروان أخبراه أنَّ النبيَّ ﷺ حين جاءه وفد هوازن قام في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد: فإن إخوانكم جاؤوا تائبين، وإني رأيت أن أرد عليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا، فقال الناس: طيبنا لك " (٢). وجه الاستدلال: أن نصيب الرسول ﷺ خفي لا يعلم النبي ﷺ قدره حين وهبه. ٢ - أن هذا النوع من الهبة تبرع فصح في المجهول كالنذر والوصية (٣). ٣ - أن التبرعات ليست كالمعاوضات فلا تضر الجهالة؛ لأن الموهوب له متبرع له تبرعاً محضاً؛ فالغنم له حاصل على كل وجه سواء علم مقدار الهبة أم لم يعلمها (٤). دليل القول الثاني: (عدم صحة هبة المجهول) ١ - قياس الهبة على البيع فما صح بيعه صحت هبته، وما لا يصح بيعه لا تصح هبته (٥).

стр. 1759

ونوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ الهبة تبرع، والبيع معاوضة، ويطلب في عقود المعاوضات ما لا يطلب في عقود التبرعات من التحرير والضبط والعلم إذ يقصد بها الربح والتجارة، بخلاف عقود التبرعات فيقصد بها الإرفاق والإحسان. ٢ - أن الله تعالى حرم على لسان رسوله ﷺ أموال الناس إلا بطيب أنفسهم، ولا تطيب ببذل الشيء، إلا إذا علم صفاته وقدره وما يساوي (١). ونوقش: بعدم التسليم بأن النفس لا تطيب بما لا يعلم قدره وصفاته؛ بل هبة المجهول مع طيب النفس واقع. حجة القول الثالث: أن الجهل في حق الواهب غرر له فمنع الصحة، أما الموهوب له فلا غرر في حقه فلم يعتبر في حقه العلم بما يوهب له كالموصى له (٢). ونوقش بعدم التسليم: بوجود الغرر في حق الواهب؛ إذ الهبة من عقود التبرعات كما سبق. الترجيح: يظهر -والله أعلم- أن القول بصحة هبة المجهول أرجح من القول بعدم الصحة؛ إذ الهبة من عقود التبرعات التي لا يشترط لها ما يشترط لغيرها من العقود. ويؤيد ذلك: أن بعض من لا يصحح هبة المجهول قال بصحة البراءة من المجهول، كمن قال: أسقطت عنك ديني، أو أبرأتك منه، وهو لا يعلم قدره؛ فإنه يصح، قالوا: لأنه إسقاط، والإسقاط لا يشترط فيه العلم (٣).

стр. 1760

المسألة الرابعة: الشرط الرابع: أن يكون الموهوب موجوداً مقدوراً على تسليمه. إذا وهب شخص لآخر شيئاً معدوما، أو غير مقدور على تسليمه كما لو وهبه ما ستحمل شجرته، أو ما ستحمل بقرته، أو شيئاً ضائعاً، أو مسروقاً، أو منتهبا، أو مغصوباً ونحو ذلك. اختلف أهل العلم ﵏-في هذه المسألة على قولين: القول الأول: صحة هبة المعدوم، وغير المقدور على تسليمه. وبه قال الإمام مالك (١)، واختاره شيخ الإسلام (٢). القول الثاني: عدم صحة ذلك. وهو قول جمهور العلماء (٣). ونص الشافعية والحنابلة على جواز هبة المغصوب لمن يقدر على تخليصه من غاصبه، وأولى هبته لغاصبه. حجة القائلين بالصحة: ما تقدم من الدليل على صحة هبة المجهول كما في المسألة السابقة، فكذا المعدوم وغير المقدور على تسليمه. وحجة القائلين بعدم الصحة: ما تقدم من الدليل على عدم صحة هبة المجهول، فكذا المعدوم، وغير المقدور على تسليمه. وتقدمت مناقشة هذا الدليل. الترجيح في هذه المسألة كالترجيح في المسألة السابقة.

стр. 1761

المسألة الخامسة: الشرط الخامس: أن يكون الموهوب مفرزاً. (هبة المشاع) وفيها أمران: الأمر الأول: هبة أحد الشريكين نصيبه من المشاع لغير الشريك. صورتها: أن يهب أحد الشريكين في عقار، أو دابة، أو سيارة نصيبه منها لشخص آخر. وقد اختلف في صحة هذه الهبة على قولين: القول الأول: صحة هبة المشاع. وبه قال بعض الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وابن حزم، وبه قال إسحاق، وإبراهيم النخعي، وأبو ثور، وداود الظاهري (٥). القول الثاني: لا تصح هبة المشاع الذي يحتمل القسمة، وتصح إن كان لا يحتملها. وهو مذهب الحنفية (٦). الأدلة: أدلة القول الأول: (صحة هبة المشاع) استدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية:

стр. 1762

١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الله سبحانه أوجب نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول إلا أن يوجد الحط من الزوجات عن النصف، وهذا يشمل الجملة (٢). ونوقش: بأن الآية لا حجة فيها؛ لأن المراد من الفروض الدين لا العين ألا ترى أنه قال إلا أن يعفون، والعفو إسقاط، وإسقاط الأعيان لا يعقل (٣). ويُجابُ عن ذلك: بالمنع؛ إذ معنى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾: أي إلا أن يتركن أو يدعن شطر ما جعل للمرأة من المهر (٤). ومن المعلوم أن المهر لا يلزم أن يكون دينا، بل يصح أن يكون عينا من عقار وغيره، فإذا جعل مهرها عقارا ثم طلقها قبل الدخول فلها نصفه مشاعا، فإذا عفت عنه فقد وهبته إياه مشاعاً (٥). ٢ - وقال البخاري: " لقول النبي ﷺ لوفد هوازن حين سألوه المغانم، فقال النبي ﷺ : "نصيبي لكم" (٦). وروى البخاري من طريق عروة أنَّ المسور بن مخرمة ﵁ ومروان أخبراه أنَّ النبي ﷺ حين جاءه وفد هوازن … قال: " أما بعد: فإن إخوانكم جاؤوا تائبين وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك

стр. 1763

فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا، فقال الناس: طيبنا لك " (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ وهب نصيبه من الغنيمة، ونصيبه منها مشاع. ونوقش من وجوه: الوجه الأول: أنَّ الرسولَ ﷺ إنما قال ذلك على وجه المبالغة في النهي عن الغلول، أي: لا أملك إلا نصيبي، فكيف أطيب لك بشيء من الغنيمة، ألا ترى أنه ليس لواحد من الغانمين أن يهب نصيبه قبل القسمة؛ لأنه لا يدري أين يقع نصيبه، أو كان ذلك مما لا يحتمل القسمة (٢). ويُجاب عنه: بأنَّ هذه مجرد احتمالات لا تنهض في مقابل تصريح النبي ﷺ بهبته لنصيبه، ولأخبر بأنه لا يستطيع هبة نصيبه؛ لأنه غير متميز، فلما لم ينقل عنه شيء من ذلك دل على صحة هبة المشاع. أما القول بأنه مما لا يحتمل القسمة، فهذا قول ينقضه الدليل الدال على صحة هبة المشاع سواء كان مما يحتمل القسمة أو مما لا يحتملها. الوجه الثاني: أنَّ هذا ليس فيه هبة شرعية، وإنما هو رد سبيهم إليهم على وجه المن عليهم، ورد الشيء لصاحبه لا يسمى هبة (٣). ويجاب عنه: بأنَّ هذا غير مُسلَّم؛ لأنَّ النبي ﷺ ملك الغنيمة وأصحابه، بدليل قوله ﷺ : "نصيبي لكم" ولو كان لم يملكها لما قال ذلك، ولما استأذن النبي ﷺ أصحابه في ردِّها لهم. الوجه الثالث: أنَّ النبي ﷺ قسم الغنيمة قبل مجيء وفد هوازن (٤)، وإذا

стр. 1764

كان كذلك فما رده ﷺ وأصحابه فهو مفرز مقسوم غير مشاع؛ إذ كل واحد من الغانمين رد غنمه إلى صاحبه. (١٢١) ٣ - ما رواه أحمد: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمير بن سلمة الضميري ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ مرّ بالعرج، فإذا هو بحمار عقير، فلم يلبث أن جاء رجل من بهز، فقال: " يا رسول الله هذه رميتي فشأنكم بها، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسمه بين الرفاق " (١). (إسناده حسن)

стр. 1765

ووجه الاستدلال: أنَّ البهزيَّ وهب الحمار للرسول ﷺ وأصحابه، وهذه هبة المشاع. ونوقش: بأنَّ هذا لم يكن على وجه الهبة بل على وجه الإباحة ولا يؤثر فيها الشيوع، والممتنع هو القسمة على وجه التمليك (١). ويجاب عنه: بأنَّ ظاهر قول البهزي: " شأنكم بها " يدل على أنه وهبه لهم، أي: افعلوا بهذا الحمار ما تشاؤون فهو ملك لكم. (١٢٢) ٤ - ما رواه البخاري من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ أتي بشراب فشرب وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: " إن أذنت لي أعطيت هؤلاء " فقال: ما كنت لأوثر بنصيبي منك يا رسول الله أحداً، فتلّه (٢) في يده (٣). وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ سألَ الغلام أن يهب نصيبه للأشياخ، وكان نصيبه منه مشاعاً غير متميز، فدلَّ ذلك على صحَّة هبة المُشَاع (٤).

стр. 1766

ونوقش: بأنَّ الحديث ليس فيه ما يدل على هبة المشاع، وإنما هو من طريق الإرفاق (١). ويجاب عنه: بأن ظاهر قول الغلام " ما كنت لأوثر نصيبي " وسكوت النبي ﷺ على قوله يدل على أن هذا السؤال سؤال هبة لنصيبه لا سؤال إرفاق. (١٢٣) ٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق محارب، عن جابر ﵁ قال: " أتيت النبي ﷺ في المسجد فقضاني وزادني " (٢). وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ قضى لجابر ثمن بعيره وزاده على ذلك، وهذه الزيادة هبة لمشاع؛ لأن الزيادة غير متميزة عن الثمن. ونوقش: بأن هذه الزيادة لم تكن هبة، وإنما هي ليتيقَّن بها الإيفاء، والزيادة لا يؤثر فيها الشيوع (٣). ويجاب عنه: بأنَّ النبيَّ ﷺ كان يمكنه التيقن من إيفائه حقه من غير زيادة، فلما زاده دل ذلك على أنه أراد إكرامه بهذه الهبة. (١٢٤) ٧ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجل على رسول الله ﷺ دين فهمَّ به أصحابُهُ، فقال: " دعوه فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً، وقال: اشتروا له سنَّاً فأعطوه إيَّاه، فقالوا: إنَّا لا نجد سنَّاً إلا سنَّاً هي أفضل من سنِّهِ، قال: " فاشتروه، فأعطوه إياه، فإن من خيركم أحسنكم قضاء " (٤).

стр. 1767

وجه الاستدلال: أنَّ النبي ﷺ أمر بإعطاء سنٍّ لصاحب الدين أفضل من سنه، والزيادة فيه غير مقسومة، وهذه هبة لمشاع (١). ونوقش: بما نوقش به الحديث السابق. ويُجابُ عنه: بأنَّ النبيَّ ﷺ كان يمكنه أن يعطيه قيمة سنه لتعذر مثله، أو ينتظر الأعرابي حتى يوجد مثل سنه فيعطى إياه؛ لأن المثل إذا تعذر عدل إلى قيمته، فلما أعطاه الرسول ﷺ زيادة على حقه مع إمكان إعطائه قيمته أو الانتظار إلى وجود مثله دلَّ على أنه أراد الإحسانَ إليه بهبته لهذا الزائد على مثل حقه (٢). (١٢٥) ٨ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق زهدم، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ في رهط من الأشعريين نستحمله (٣)، فقال: " والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه "، قال: فلبثنا ما شاء الله، ثم أتي بإبل، فأمر لنا بثلاث ذود غر الذرى (٤) " (٥).

стр. 1768

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ وهب الأشعريين ثلاثا من الإبل مشاعة بينهم (١). (١٢٦) ٩ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه -أبي قتادة ﵁ قال: كنت يوما جالساً مع رجال من أصحاب النبي ﷺ في منزل في طريق مكة ورسول الله ﷺ نازلٌ أمامنا والقوم محرمون وأنا غير محرم … ، فعقرته -أي الحمار-، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا عليه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد معي، فأدركنا رسول الله ﷺ فسألناه عن ذلك، فقال: " هل معكم منه شيء؟ فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها وهو محرم " (٢). وجه الاستدلال: أنَّ أبا قتادة صاده ووهبه لأصحاب رسول الله ﷺ هبة مشاعة، وأقرهم الرسول ﷺ على ذلك (٣). ويُناقش: بما نوقش به حديث البهزي من أنه أباحه لهم ولم يهبه إياهم. ويُجابُ عن ذلك: بأنه لو أراد إباحته لهم لتركه في مكانه، ثم أخبرهم بأنه أباحه لهم، لكن لما أتى به لهم علمنا أنه قصد هبته لهم. (١٢٧) ١٠ - وقال البخاري: وقالت أسماء للقاسم بن محمد وابن أبي عتيق: "ورثت عن أختي عائشة بالغابة، وقد أعطاني به معاوية مئة ألف فهو لكما " (٤).

стр. 1769

وجه الاستدلال: أنَّ أسماءَ وهَبَت لهما ما ورثته من عائشة هبة مشاعة بينهما. ونوقش: بأنَّ هذه الهبة لا يتحقق فيها الشيوع عند صاحبي أبي حنيفة - خلافاً له؛ لأنَّ هذه هبة الجملة ولم يوجد فيها الشيوع إلا من أحد الطرفين فلا يفسد؛ إذ ليس فيه إلزام المتبرع مؤنة القسمة (١). وأُجيب عنه: بأنَّ هذه هبة النصف من كل واحد (٢). (١٢٨) ١١ - ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵄ قال: " بعثنا رسول الله ﷺ وأمّر علينا أبا عبيدة نلتقي عيراً لقريش، وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة " (٣). وجه الاستدلال: أنَّ النبي ﷺ أعطاهم التمر مشاعاً بينهم (٤). ويُناقش: بأنَّ هذا الدليل لا يصلح للاستدلال به على مذهب أبي حنيفة؛ لأنَّ العبرة بالشيوع المانع من الهبة صحة عندهم: الشيوع وقت القبض لا وقت العقد، فلو وهبه مشاعاً وسلَّمه مقسوماً صحَّت الهبة (٥)، وقد سلَّمه أبو عبيدة هنا مقسوماً. ١٢ - أنَّ ما جاز بيعه جازت هبته، والمشاع الذي ينقسم يجوز بيعه، فتجوز هبته قياساً (٦). ونوقش: بأنَّ البيع لا يفتقر إلى القبض بخلاف الهبة؛ فإنه عقد تبرع

стр. 1770

ومحتاج إلى القبض، فلو قلنا بجوازه في المشاع يلزم في ضمنه وجوب مؤنة القسمة، وهو لم يتبرع به (١). وأُجيب عنه من وجهين: أحدهما: أنه لا يلزم الواهب مؤنة القسمة إلا إذا رضي بذلك. الثاني: أنه لم يعهد كون الشيوع مبطلاً في التبرعات، كالقرض بأن دفع ألف درهم إلى رجل على أن يكون نصفه قرضاً ويعمل في النصف الآخر شركة، فإنه يجوز مع أنَّ القبض شرط لوقوع الملك في القرض، ولم تشترط القسمةَ، فدلَّ على أنَّ الشيوعَ لا يبطل التبرّعَ حتى يكون مانعاً (٢). ١٣ - أنَّ ما ينقسم مشاع فأشبه ما لا ينقسم (٣). ونوقش: بأنه قياسٌ مع الفارق لأمرين: أحدهما: أنَّ القبضَ القاصرَ هو الممكنُ فيما لا ينقسم فيكتفى فيه ضرورة بخلاف ما ينقسم فإنَّ قبضه لا يتم إلا بقسمته (٤). ويجاب عنه: بأنَّ قبضَ كلِّ شيءٍ بحسبه، والجزءُ الشائعُ يُقبضُ بقبضِ الجميع أو الشريك لضرورةِ الشيوع، كما اكتُفي بهذا القبض في البيع، ولما لم تلزم القسمةُ في البيع علمنا عدم لزومها هنا. الثاني: أنَّ ما يقبلُ القسمة يلزم من صحَّة قبضِهِ - مع كونِهِ شائعاً - مؤنة القسمة، وهذا إلزام لما لم يلتزمه (٥). ويجاب عنه: أن الواهب لا يلزمه مؤنة المقاسمة إلا بالتزامه إياها (٦).

стр. 1771

١٤ - أن الله تعالى: قد حض على الصدقة وفعل الخير والفضل، والهبةُ فعل خير، وقد عَلِمَ اللهُ تعالى أنَّ في أموال المحضوضين على الهبة والصدقة مشاعاً وغير مشاع، فلو كان الله تعالى لم يبح لهم الصدقة والهبة في المشاع لبيَّنَه لهم، ولما كتمه عنهم فصح يقيناً أن هبة المشاع والصدقة به جائزة كل ذلك فيما ينقسم وما لا ينقسم للشريك ولغيره (١). أدلة القول الثاني: (عدم صحة هبة المشاع) أولاً: أدلتهم على عدم الصحة فيما يمكن قسمته: (١٢٩) ١ - أنَّ القبضَ منصوصٌ عليه في الهبة بقوله ﷺ : " لا تجوز الهبة إلا مقبوضة " فيشترط وجوده على أكمل الوجوه - كما في استقبال القبلة حتى لو استقبل الحطيم لا تجوز صلاته مع أنه من البيت بالسنة (٢). ويُناقش من وجهين: أحدهما: أنَّ الحديثَ منكرٌ لا أصل له (٣). الثاني: لو ثبت الحديث، فإن قبض كل شيء بحسبه (٤). (١٣٠) ٢ - ما رواه مالك عن عائشة ﵂ أنَّ أبا بكر ﵁ نحلها جذاذ عشرين وسقا من مال الغابة، فلما حضرته الوفاة قال: " والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك من مالي جذاذ عشرين وسقا، فلو كنت جددتيه واحتززتيه كان لك ذلك، وإنما هو مال وارث، وإنما أخواك وأختاك فاقسموه على كتاب الله " (٥).

стр. 1772

وجه الاستدلال: أن أبا بكر ﵁ اعتبر القبض والقسمة في الهبة لثبوت الملك؛ لأنَّ الحيازةَ في اللغة جمع الشيء المفرق في حيز، وهذا معنى القسمة (١). ويناقش من وجوه: أحدها: أن الأثر فيه دلالة على صحة هبة المشاع حيث وهبها مشاعاً من التمر، ووافقته عائشة على ذلك، وغاية ما فيه أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، ولو قبضتها لملكتها، ويأتي بيانُه. الثاني: أن اشتراط القبض -من هذا الأثر- قد خالفته آثار أخرى عن بعض الصحابة في عدم اشتراطه، كالواردِ عن عليٍّ وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: " إذا علمت الصدقة فهي جائزة وإن لم تقبض " (٢). الثالث: لو سلم باشتراط القبض فإن القبض في المشاع الموهوب ممكن ومتصور كما تقدم، ولا يُسلَّم أنَّ الحيازةَ في اللغة جمع الشيء المفرق في حيز واحد، بل الحيازة في اللغة ضم الشيء إلى الشيء نفسه (٣) من غير تعرض لجمعه في حيز أو أكثر، وهذا الضم في المشاع متصور كما كان متصورا عندهم في بيع المشاع؛ إذ إن الموهوب له يحل محل الواهب كما يحل المشتري محل البائع لنصيبه، ويقبض كما يقبض بلا فرق. (١٣١) ٣ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " ما بالُ رجالٍ

стр. 1773

ينحلون أبناءَهم نحلاً ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم قال: مالي بيدي لم أعطه أحداً، وإن مات هو قال: قد كنت أعطيته إياه من نحل نحلة لم يحزها الذي نُحلها حتى تكون إن مات لوارثه فهو باطل " (١). وجه الاستدلال: كوجه الاستدلال بأثر أبي بكر ﵁ (٢). ويُناقشُ: بأنَّ عمر ﵁ علَّقَ صحة الهبة على الحيازة، وقد تقدم في أثر أبي بكر ﵁ أنها متصورة في المشاع. (١٣٢) ٤ - ما رواه ابن حزم من طريق ابن وهب، عن الحارث بن نبهان، عن محمد بن عبيد الله هو العزرمي، عن عمرو بن شعيب، وابن أبي مليكة " أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر قالوا: لا تجوز صدقة حتى تقبض " (٣) (ضعيف جداً). وعن معاذ بن جبل ﵁ " أنه لا يجيزها حتى تقبض " (٤). ويُناقش: بما تقدَّمَ من مناقشات لأثر أبي بكر، وأثر عمر ﵄. ٥ - أنَّ القبضَ ثبت مطلقاً، والمطلق يتناول الكامل، والكامل هو الموجود من كل وجه، والقبض في المشاع موجود من وجه دون وجه؛ لأنَّ القبضَ عبارةُ عن كون الشيء في حيّز القابض، والمشاعُ ليس في حيزه من كل وجه؛ لأنَّه في حيّزه من وجه، وفي حيّز شريكه من وجه وتمامها

стр. 1774

لا يحصل إلا بالقسمة؛ لأنَّ الأنصباء بها تتميَّز وتجتمع، وما لم يجتمع لا يصير محرزاً أو يكون محرزاً ناقصاً، فلا ينهض لإفادة الملك (١). ويُناقش من وجوه: أحدها: أنَّ في اشتراط القبض في الهبة خلافاً، كما تقدم في مناقشة الدليل الأول. الثاني: لو سلَّمَ باشتراط القبض فإنَّ المنعَ لعَدَمِ تحقُّقِهِ منقوضٌ بتصحيح بيع المشاع؛ لأنَّ القبض في الهبة كالقبض في البيع والملك يحصل بالهبة كما يحصل بالبيع، فأي فرق بين أن أبيع شخصا نصف عقار، أو أهبه إياه، أو أبيعه من عقار مشترك، أو أهبه إياه، فهو يحل محل الواهب كما يحل محل البائع (٢). الثالث: لو لم يصح القياس على البيع في الصحة، فإن قبض المشاع الموهوب ممكنٌ ومُتصوَّرٌ كما تقدم. ٦ - أنَّ الهبةَ عقدُ تبرّعٍ فلو صحت في مشاع يحتمل القسمة لصار عقد ضمان؛ لأن الموهوب له يملك مطالبة الواهب بالقسمة فيلزمه ضمان القسمة، ولهذا توقف الملك على القبض؛ لأنه لو ملكه بنفس العقد لثبت له ولاية المطالبة بالتسليم فيؤدي إلى إيجاب الضمان في عقد التبرع، وفي هذا تغيير للمشروع (٣). ويُناقش من وجهين: أحدهما: أنَّ واهبَ المشاعِ لا يخلو من حالتين: إما أن يرضى بالقسمة أو يمتنع منها، فإن رضي بها كان ملتزما إياها فلم يكن في إلزامه مؤنة القسمة

стр. 1775

إلزامه ما لم يلتزمه -وهو الضمان-، وإن امتنع عنها لم يلزمه مؤنة القسمة عند أبي حنيفة؛ لأن مؤنة القسمة على الطالب دون الممتنع عنده (١). الآخر: لو صح هذا الإلزام فإن طلب الموهوب له القسمة وألزم بها الواهب، فهو كما إذا ألزم بها البائع إذا باع حصة مما يملكه، فكما أن ذلك لا يمنع من صحة البيع وإن كان فيه إلزام بما لم يلتزمه، فكذلك لا يمنع من صحة الهبة (٢). ثانياً: أدلتهم على صحة الهبة فيما لا يمكن قسمته: استدلوا على ذلك: بأن القبض القاصر فقط هو الممكن فيما لا ينقسم فيكتفى به ضرورة دون القسمة. ويناقش: بالمنع من إمكان القبض القاصر فقط، بل القبض الكامل متصور وممكن كما تقدم قريباً (٣). الترجيح: الراجح -فيها يظهر- هو القول الأول؛ لقوة أدلته في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما ورد عليها من مناقشات، والله أعلم. ومما يؤيد هذا: أنَّ الحنفيَّةَ أجازوا هبةَ الاثنين للواحد، وعلَّلوا لذلك بأنهما سلَّماها له جملة وهو قبضها منهما كذلك فلا شيوع (٤). فرع: أما عكس هذه المسألة: وهي هبة الواحد للاثنين، فقد أجازها الصاحبان ومنعها أبو حنيفة (٥).

стр. 1776

وعلَّلَ لرأي الصاحبين: بأنَّ هذه هبة الجملة منهما؛ إذ التمليكُ واحدٌ فلا يتحقق فيه الشيوع، وبأن الشيوع لم يوجد إلا من أحد الطرفين فلا يفسد؛ إذ ليس فيه إلزام المتبرع مؤنة القسمة فصارت كالمسألة الأولى (١). ويُناقش من وجوه: الأول: أنّ التعليل الثاني مناقض للأول حيث ينفي الشيوع، والثاني يثبت وجوده من أحد الطرفين. الثاني: أنَّ الواهبَ وهبَ كلَّ واحدٍ منهما النصف -في الحقيقة- وإن وهبها لهم بلفظ واحد، بدليل أنهما لو اقتسماها لحصل لكل واحد نصف العين، وهذه هبة المشاع. الثالث: ما تقدم من أن الشيوع في الهبة لا يؤدي إلى إلزام الواهب ما لم يلتزمه من مؤنة القسمة (٢). أما أبو حنيفة فيقول: إن هذه هبة النصف لكل واحد فيستدل له بما تقدم من الأدلة على عدم صحة هبة المشاع الذي ينقسم (٣). وقد تقدمت مناقشتها -والله أعلم. الأمر الثاني: هبة أحد الشريكين جميع المشاع. إذا وهب أحد الشريكين جميع المشاع المشترك بينه وبين شريكه، فإنه يجري في نصيبه الخلاف السابق في هبة أحد الشريكين لنصيبه، أما نصيب شريكه فيجري فيه الخلاف في هبة الفضولي (٤). ويلاحظ أن الحنفية يصححون هذه الهبة إذا أجازها الشريك.

стр. 1777

ويعللون: بأنهما سلماها له جملة وهو قبضها منهما كذلك (١). المسألة السادسة: الشرط السادس: أن تكون الهبةُ عيناً. (هبة الدين) هبة الأعيان جائزة بالاتفاق. وأما هبة الديون: فللعلماء تفصيلٌ في ذلك يتعلَّقُ في حكم هبة الدَّين المستقر وغير المستقر لمن هو عليه، ولغير من هو عليه، وفيها أمور: الأمر الأول: تقسيم الدَّين باعتبار الاستقرار وعدمه. ينقسم الدينُ باعتبار الاستقرار وعدمه إلى قسمين: الأول: الدَّين المستقر: وهو " الدين الذي استقرَّ ملكُ الدَّائن له "، " وهو الذي لا يتطرَّقُ إليه انفساخٌ بتلف مقابله، أو فواته بأيِّ سببٍ كان " (٢). وعبَّرَ بعضُهُم (٣) عنه بأنَّه " دينٌ مستقرٌّ لا يخاف انتقاصه ". مثاله: قيَم المُتلفات، وبَدَل القرض، وعِوَض الخُلع، وثمن المبيع بعد قبض المبيع، وقيمة المغصوب، والأجرة بعد انقضاء المدَّة، والمهر بعد الدخول، وأروش الجنايات (٤). الثاني: الدَّين غير المستقر: وهو بخلاف الدَّين المستقرِّ، مثاله: دين الأجرة قبل استيفاء المنفعة، والصَّداق قبل الدُّخول، ودين السَّلَم.

стр. 1778

واعتبر بعض الشافعيَّة (١) أنَّ معنى استقرار ملك الدَّين: " جواز الحوالة به وعليه، والاستبدال " إلاَّ أنه يرِدُ عليه: أنَّ جوازَ الحوالة، والاعتياض إنَّما هو أثرٌ من آثار استقرار الملك، وحكمٌ من أحكامه، وليس هو معنى الاستقرار. الأمر الثاني: هبة الدَّين المستقر لمن هو عليه. صورة ذلك: أن يقرض شخصاً مثلاً ألف ريال، أو ألف صاعٍ من البُرِّ فيهبُها الدَّائنُ للمدين. وحكم هبة الدين لمن هو عليه: جائزة اتفاقاً (٢). وهبة الدين لمن هو عليه إسقاط للدين من ذمة المدين (٣)، وعند الشافعيَّة (٤): " إذا وهب الدين لمن هو عليه فهو إبراء "، والإبراء يُتوسَّع فيه ما لا يُتوسَّع في غيره؛ لكونه ليس من قبيل المعاوضات، ولذا لم يكن فيه خيار (٥). والدليل على هذا: ١ - عموم أدلة الهبة. ٢ - أنّ الهبة خير وقربة، فيؤمر بها.

стр. 1779

٣ - أنَّ الأصل في المعاملات الحلُّ. ٤ - ما يأتي من الأدلَّة على مشروعيَّة الإبراء من الدّيون (١). الأمر الثالث: هبة الدَّين المستقر لغير من هو عليه. مثاله: أن يقول مَن له دينٌ على آخر: وهبتك ما في ذمَّة فلان لي: اختلف العلماء في حكم هذه الهبة على قولين: القول الأول: أنَّ هبة الدَّين المستقر لغير مَن هو عليه صحيحة. قال به المالكيَّة (٢)، وهو وجهٌ للشافعيَّة (٣)، وأحمد في رواية (٤). وحجتهُ: ما يأتي من الأدلَّة على صحَّة هبة الدَّين غير المستقر لمَن هو عليه. القول الثاني: أنَّ هبة الدَّين المستقر لغير مَن هو عليه لا تصح. قال به الحنفيَّة (٥). والحنابلة (٦)، والشافعيَّة في الأظهر (٧). وحجته: ما يأتي من الأدلة على عدم صحَّة هبة الدَّين غير المستقر لغير مَن هو عليه. وتأتي مناقشتها.

стр. 1780

الترجيح: الراجح - فيها يظهر والله أعلم - هو الصحَّة؛ لما يأتي من صحَّة هبة الدَّين غير المُستقر لغير مَن هو عليه، فكذا هنا. الأمر الرابع: هبة الدَّين غير المستقر لمَن هو عليه. نصَّ الحنابلة (١) على صحَّة هبة الدَّين غير المستقر لمَن هو عليه، كما أنَّ القولَ بصحَّة ذلك هو قياس قول الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، حيث يمكن تخريج هذا القول للحنفيَّة (٢)، والشافعيَّة (٣) من صحَّة هبة الكتابة، والإبراء منها، كما أنَّه قياس قول المالكيَّة (٤) في صحَّة هبة المبيع قبل القبض، وصحَّة بيع الكتابة. الأدلة: ١ - عموم أدلَّة الهبة السَّابقة (٥). ٢ - أنَّ الأصلَ في العقود الصِحَّة، لا سيّما وأنَّ الهبةَ لا يترتَّب عليها غرر، ولا ظلم، ولا ربا، وهي من الإحسان المأمور به شرعاً، وأمر الهبة أوسع من عقود المعاوضات؛ ولذا أجاز المالكيَّة (٦) هبة المجهول، والمعدوم المتوقَّع الوجود، وكل ما لا يصحُّ بيعُهُ في الشَّرع من جهة الغَرر. ٣ - أنَّ هبةَ الدَّين لمَن هو عليه إسقاط للدَّين عن الدائن (٧)، ولا تأثير

стр. 1781

للاستقرار أو عدمه في إسقاط الدَّين، والإسقاط يُتسامح فيه ما لا يتسامح في المعاوضة؛ ولذا ذكر الشافعيَّة (١) على أحد الوجهين لهم أنَّ الإبراء إسقاطُ حقٍّ فصحَّ معلوماً ومجهولاً، كالعتق. الأمر الخامس: هبة الدَّين غير المستقر لغير مَن هو عليه. مثال ذلك: أن يقول الدائنُ لشخصٍ آخر -غير المدين- وهبتُكَ ما لي من دَين في ذمَّة زيد مثلاً. والصُّورة في هذه المسألة ليس فيها إسقاطٌ للدَّين حتى تأخذ حكمه، بل فيها عطيَّة من جانب الدَّائن لطرف ثالث يتبعه انتقال الحق في الدَّين من الدَّائن لطرف ثالث، ويترتَّب عليه حق مطالبة الطرف الثالث المدين بالدَّين. وقد اختلف الفقهاء في حكم هبة الدَّين المستقر لغير مَن هو عليه على قولين: القول الأول: أنَّ هبةَ الدَّين غير المستقر لغير مَن هو عليه صحيحة. وهو قياس قول المالكيَّة (٢) في صحَّةِ هبة المبيع قبل قبضه، وصحَّة بيع الكتابة. القول الثاني: أنَّ هبةَ الدَّين غير المستقر لغير مَن هو عليه لا تصح. وهو مذهب الحنفيَّة (٣)، والشافعيَّة (٤)، والحنابلة (٥).

стр. 1782

الأدلَّة: أدلة القول الأول: ١ - عموم أدلة الهبة، وهي تشمل هبة الدّين غير المستقر لغير مَن هو عليه. ٢ - أنَّ الأصل في العقود الصحَّة -كما سبق-، ويُغتفر في الهبة ما لا يُغتفر في غيرها من الغَرر، والجهالة. ٣ - أنَّ هبة الدَّين غير المستقر محض إحسان وتبرُّع، فالإنسان فيها إمَّا غانمٌ، وذلك عند استيفائه للدَّين، وإمَّا سالمٌ وذلك عند سقوط الدَّين. أدلة القول الثاني: ١ - أنَّ الهبة تقتضي وجود معيَّن وهو منتفٍ هنا (١)، فالهبة مختصَّةٌ بالأعيان القائمة؛ ولذا لم تصح هبة المجهول (٢). ونوقش: بأنَّ قولهم إنَّ الهبة تقتضي وجود معيَّن … غير مسلَّم، واختصاص الهبة بالأعيان يتطلَّب دليلاً شرعيَّاً، فالدَّين تُمكِن هبتُه، ويكون المراد بذلك إسقاطُهُ من ذمَّة المَدين إن كانت الهبةُ للمَدين، أو هبتُهُ لغير المدين، فيكون الموهوب مالكاً لما في ذمَّة المَدين، وله حقُّ استيفائه. ٢ - تخلُّفُ القدرة على تسليم الدَّين، كما لو وهبه عبداً آبقاً أو غيره، فما في ذمَّة الشَّخص الآخر لا يُستطاع تسليمُهُ، والقدرةُ على التَّسليم شرطٌ لصحَّة الهبة. ونوقش: بأنَّ تخلُّف القدرة على التسليم على القول بتأثيرها في الدّيون، فإنما يتَّجه التعليل بها على الإبطال إذا كان البَدَل معقوداً عليه عقد معاوضةٍ، وأمَّا في الهبة، فإنَّ الموهوب له إمَّا سالمٌ وإمَّا غانمٌ.

стр. 1783

الترجيح: الذي يترجَّح -والله أعلم- هو القول بالصحَّةِ؛ لقوَّة أدلَّة هذا القول ولأن الهبةُ عملُ خيرٍ يحث عليه، ولهذا اغتُفر فيها على الصحيح -كما تقدم في شروط صحتها- الجهالة، وعدم القدرة على التسليم. المسألة السابعة: الشرط السابع: أن لا تتضمن الهبة ترك واجب. وفيها أمران: الأمر الأول: هبة ما يجب من نفقة ونحوها. من وهب ما يضر بمن تلزمه نفقته من الزوجات، والأقارب، فإنه يأثم لتقديمه النفل على الواجب. قال ابن عابدين: " الصدقة تستحب بفاضل عن كفايته، وكفاية من يمونه، وإن تصدق بما ينقص مؤنة من يمونه أثم " (١)، والهبة من باب أولى. ويقول الشيرازي: " لا يجوز أن يتصدق بصدقة التطوع وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته أو نفقه عياله " (٢). وقال: " ولا يجوز لمن عليه دين وهو محتاج إلى ما يتصدق به لقضاء دينه؛ لأنه حق واجب، فلم يجز تركه بصدقة التطوع كنفقة عياله " (٣). وللشافعية وجهان آخران في المسألة غير هذا ذكرهما النووي:

стр. 1784

الأول: أن الصدقة لا تستحب، ولا يقال إنها مكروهة، وحكاه عن الماوردي والغزالي وجماعة من الخراسانيين. الثاني: أن الصدقة مكروهة في هذه الحالة. وقال ابن قدامة: " فإن تصدق بما ينقص من كفاية من تلزمه مؤنته ولا كسب له أثم " (١). وقال الماوردي: " أما صدقة التطوع قبل أداء الواجبات من الزكوات والكفارات، وقبل الإنفاق على من تجب نفقتهم من الأقارب والزوجات، فغير مستحبة ولا مختارة " (٢). وقال المرداوي: " وإن تصدق بما ينقص مؤنة من تلزمه مؤنته أثم، وكذا لو أضر ذلك بنفسه أو بغريمه أو بكفالته، قاله الأصحاب " (٣)، والهبة من باب أولى. أما إن كانت الصدقة تنقص من كفاية المتصدق نفسه، ولا صبر له على الضيق، فإنه يكره له الصدقة في هذه الحالة، فإن أضر بنفسه حرم عليه التصدق. صرح بهذا فقهاء الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). وقال ابن حزم: " ولا تنفذ هبة ولا صدقة لأحد إلا فيما أبقى له ولعياله غنى، فإن أعطى ما لا يبقى لنفسه وعياله بعده فسخ كله " (٧).

стр. 1785

الدليل: ١ - قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (١). ٢ - قول تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (٢). (١٣٣) ٣ - ما رواه مسلم من طريق خيثمة، عن عبد الله بن عمر ﵄ ...... قال: قال رسول الله ﷺ : " كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته " (٣). (١٣٤) ٤ - وما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵄ قال: أعتق رجل من بني عذرة عبداً له عن دبر، فبلغ ذلك الرسول ﷺ فقال: «ألك مال غيره؟ فقال: لا، فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمئة درهم، فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء، فهكذا وهكذا " (٤). (١٣٥) ٥ - ما رواه البخاري من طريق أبي صالح قال: حدثني أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول. تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني، فقالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟، قال: لا هذا من كيس أبي هريرة " (٥).

стр. 1786

(١٣٦) ٦ - ما رواه البخاري من طريق عروة، ومسلم من طريق موسى بن طلحة يحدث أن حكيم بن حزام حدثه أن رسول الله ﷺ قال: " أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول " (١). قال الخطابي: "وابدأ بمن تعول" أي: لا تضيع عيالك، وتفضل على غيرك. وقال ابن حجر: "وابدأ بمن تعول" أي: بمن يجب عليك نفقته .. وهو أمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب، وقد بوب البخاري على هذا الحديث وغيره: " باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج أو عليه دين، فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رد عليه (٢)، ليس له أن يتلف أموال الناس " (٣). فإذا أمن الإنسان لمن يعوله كفايتهم، أو كان وحده ليس له من يعوله، فهل يشرع له الصدقة بجميع ماله؟. اتفق الأئمة الأربعة في الجملة على جواز ذلك، ولكن بشرط أن يعلم من نفسه حسن التوكل واليقين، وأن يكون عنده القناعة والصبر على الفقر وعن المسألة، أو يكون ذا كسب. وقال ابن عابدين: " ومن أراد الصدقة بماله كله وهو يعلم من نفسه حسن التوكل، والصبر عن المسألة فله ذلك، وإلا فلا يجوز " (٤).

стр. 1787

وقال ابن عبد البر: " وجائز أن يتصدق الرجل في صحته بماله كله في سبيل البر والخير " (١). وقال الماوردي: " إن كان حسن اليقين قنوعا لا يقنطه الفقر، ولا يسأل عند العدم فالأولى أن يتصدق بجميع ماله " (٢). وقال ابن قدامة: " فإن كان الرجل وحده، أو كان لمن يمون كفايتهم، فأراد الصدقة بجميع ماله، وكان ذا مكسب، أو كان واثقاً من نفسه، ويحسن التوكل والصبر على الفقر، والتعفف عن المسألة، فحسن ". وقال القاضي عياض: " جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله ". وجزم جمهور الشافعية، وهو الأصح في مذهبهم، وبعض الحنابلة باستحباب ذلك وأفضليته عند تحقق الشرط المذكور. وفي وجه عند الشافعية، والحنابلة: بالجواز (٣). واستدل الفقهاء -القائلون بالجواز والقائلون بالاستحباب- بما يلي: (١٣٧) ١ - ما رواه أبو داود من طريق الفضل بن دكين، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: أمرنا رسول الله ﷺ يوما أن نتصدق، فوافق ذلك ما عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : " ما أبقيت لأهلك " قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده، فقال له

стр. 1788

رسول الله ﷺ : " ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا " (١).

стр. 1789

وقال الماوردي -وهو من القائلين بالاستحباب-: " فرسول الله ﷺ إنما أقر أبا بكر ﵁ على ذلك واستحسنه؛ لما علم من قوة إيمانه وصحة يقينه " (١). (١٣٨) ٢ - ما رواه أحمد قال: حدَّثنا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: " جهد المقل وابدأ بمن تعول " (٢).

стр. 1790

فالجهد بالضم: الوسع والطاقة، والمقل: الفقير وقليل المال، والمعنى: أفضل الصدقة قدر الصدقة قدر ما يحتمله حال القليل المال. وقليل المال إذا تصدق بما يحتمله وسعه وطاقته، بعد أن يبقي كفاية من يعوله، ويكون متصدقا بجميع ماله. قال الفقهاء: فإن لم يتوفر فيمن يريد الصدقة بجميع ماله، الشرط المذكور، كره له ذلك. (١٣٩) ٣ - ما رواه أبو داود من طريق محمد بن عجلان، عن عياض ابن عبد الله بن سعد سمع أبا سعيد الخدري ﷺ يقول: دخل رجل المسجد فأمر النبي ﷺ الناس أن يطرحوا ثيابا فطرحوا، فأمر له منها بثوبين، ثم حث على الصدقة، فجاء فطرح أحد الثوبين فصاح به، وقال: " خذ ثوبك " (١).
следующие страницы →