← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

(١٣٦) ٦ - ما رواه البخاري من طريق عروة، ومسلم من طريق موسى بن طلحة يحدث أن حكيم بن حزام حدثه أن رسول الله ﷺ قال: " أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول " (١). قال الخطابي: "وابدأ بمن تعول" أي: لا تضيع عيالك، وتفضل على غيرك. وقال ابن حجر: "وابدأ بمن تعول" أي: بمن يجب عليك نفقته .. وهو أمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب، وقد بوب البخاري على هذا الحديث وغيره: " باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج أو عليه دين، فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رد عليه (٢)، ليس له أن يتلف أموال الناس " (٣). فإذا أمن الإنسان لمن يعوله كفايتهم، أو كان وحده ليس له من يعوله، فهل يشرع له الصدقة بجميع ماله؟. اتفق الأئمة الأربعة في الجملة على جواز ذلك، ولكن بشرط أن يعلم من نفسه حسن التوكل واليقين، وأن يكون عنده القناعة والصبر على الفقر وعن المسألة، أو يكون ذا كسب. وقال ابن عابدين: " ومن أراد الصدقة بماله كله وهو يعلم من نفسه حسن التوكل، والصبر عن المسألة فله ذلك، وإلا فلا يجوز " (٤).

стр. 1787

وقال ابن عبد البر: " وجائز أن يتصدق الرجل في صحته بماله كله في سبيل البر والخير " (١). وقال الماوردي: " إن كان حسن اليقين قنوعا لا يقنطه الفقر، ولا يسأل عند العدم فالأولى أن يتصدق بجميع ماله " (٢). وقال ابن قدامة: " فإن كان الرجل وحده، أو كان لمن يمون كفايتهم، فأراد الصدقة بجميع ماله، وكان ذا مكسب، أو كان واثقاً من نفسه، ويحسن التوكل والصبر على الفقر، والتعفف عن المسألة، فحسن ". وقال القاضي عياض: " جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله ". وجزم جمهور الشافعية، وهو الأصح في مذهبهم، وبعض الحنابلة باستحباب ذلك وأفضليته عند تحقق الشرط المذكور. وفي وجه عند الشافعية، والحنابلة: بالجواز (٣). واستدل الفقهاء -القائلون بالجواز والقائلون بالاستحباب- بما يلي: (١٣٧) ١ - ما رواه أبو داود من طريق الفضل بن دكين، ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: أمرنا رسول الله ﷺ يوما أن نتصدق، فوافق ذلك ما عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : " ما أبقيت لأهلك " قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده، فقال له

стр. 1788

رسول الله ﷺ : " ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا " (١).

стр. 1789

وقال الماوردي -وهو من القائلين بالاستحباب-: " فرسول الله ﷺ إنما أقر أبا بكر ﵁ على ذلك واستحسنه؛ لما علم من قوة إيمانه وصحة يقينه " (١). (١٣٨) ٢ - ما رواه أحمد قال: حدَّثنا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: " جهد المقل وابدأ بمن تعول " (٢).

стр. 1790

فالجهد بالضم: الوسع والطاقة، والمقل: الفقير وقليل المال، والمعنى: أفضل الصدقة قدر الصدقة قدر ما يحتمله حال القليل المال. وقليل المال إذا تصدق بما يحتمله وسعه وطاقته، بعد أن يبقي كفاية من يعوله، ويكون متصدقا بجميع ماله. قال الفقهاء: فإن لم يتوفر فيمن يريد الصدقة بجميع ماله، الشرط المذكور، كره له ذلك. (١٣٩) ٣ - ما رواه أبو داود من طريق محمد بن عجلان، عن عياض ابن عبد الله بن سعد سمع أبا سعيد الخدري ﷺ يقول: دخل رجل المسجد فأمر النبي ﷺ الناس أن يطرحوا ثيابا فطرحوا، فأمر له منها بثوبين، ثم حث على الصدقة، فجاء فطرح أحد الثوبين فصاح به، وقال: " خذ ثوبك " (١).

стр. 1791

قال السندي: " عن ظهر غنى: أي ما بقي خلفها غنى لصاحبه قلبيا كما كان للصديق، أو قالبيا فيصير الغنى للصدقة كالظهر للإنسان وراء الإنسان، فإضافة الظهر إلى الغنى بيانية؛ لبيان أن الصدقة إذا كانت بحيث يبقى لصاحبها الغنى بعدها إما لقوة قلبه، أو لوجود شيء بعدها إلى ما أعطى ويضطر إليه، فلا ينبغي لصاحبها التصدق به " (١). (١٤٠) ٤ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب أن عبد الله بن كعب، قال: سمعت كعب بن مالك ﵁ يقول: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ قال: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر " (٢). (١٤١) ٥ - ما رواه أبو داود من طريق محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: أمر النبي ﷺ بالصدقة، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار، فقال: "تصدق به على نفسك"، قال: عندي آخر، قال: " تصدق

стр. 1792

به على ولدك "قال: عندي آخر، قال: " تصدق به على زوجتك أو قال زوجك "، قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على خادمك "، قال: عندي آخر قال: " أنت أبصر " (١). ٦ - ولأن الإنسان إذا أخرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر، وشدة نزاع النفس إلى ما خرج منه فيندم، فيذهب ماله ويبطل أجره، ويصير كلا على الناس.

стр. 1793

فرع: لكن عند توفر شرط الجواز، ما هو الأرجح: القول بالاستحباب أم القول بالجواز؟. يقوي القول بالاستحباب: قول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١)، لا خلاف في أن المقصود بهذه الآية هم الأنصار، فقد أثنى الله ﵎ على الأنصار بأنهم ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك، قاله ابن كثير. ويؤيد القول بالجواز دون الاستحباب: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ (٢)، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ أي: لا تبسطها بالعطاء ﴿كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتعطي جميع ما عندك، فتقعد محسورا، أي: منقطعاً بك لا شيء عندك تنفقه يقال: .... دابة حسيرة إذا كانت كاله. ففي الآية نهي عن الإسراف في إنفاق المال في وجوه الخير (٣). وقد جاء مثل هذا عن بعض السلف، كعطاء بن أبي رباح (٤)، وسعيد بن المسيب، وابن شهاب الزهري (٥) أنهم رأوا الاقتصار على الثلث. ويبدو أنهم أخذوا ذلك من رواية أبي داود لحديث كعب بن مالك ﵁.

стр. 1794

الأمر الثاني: هبة الرهن. إذا لزم شخصاً حق من الحقوق المالية، وأعطى مقابل ذلك رهناً، فهل يصح هبة هذا الرهن من قبل الراهن إذ هو المالك للرهن؟. أما المرتهن فلا تصح هبته بالاتفاق؛ إذ هو غير مالك، وإنما له حق الوثيقة فقط. أما الراهن، ففي هبته ثلاثة فروع: الفرع الأول: أن يكون ذلك بإذن المرتهن: إذا أذن المرتهن للراهن أن يهب الرهن صحت هذا الهبة بالاتفاق؛ لأن الراهن إنما منع من التصرفات الناقلة للملك لحق المرتهن، فإذا أذن فقد أسقط حقه (١). الفرع الثاني: أن يكون ذلك بغير إذن المرتهن، وقبل القبض: إذا لم يأذن المرتهن للراهن في هبة العين المرهونة، ولم يكن المرتهن قبضها، فوهبها الراهن، فللعلماء في حكم هذا الرهن قولان يبنيان على حكم لزوم الرهن قبل القبض، أو عدم لزومه: القول الأول: أن الرهن يلزم بمجرد العقد، وعليه فلا تصح هبة الراهن للرهن. وهو قول أكثر المالكية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد، قدمه في الفائق (٣). القول الثاني: أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض.

стр. 1795

وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية (١)، وبعض المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: (لزوم الرهن بالعقد) استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٦). وجه الدلالة من وجهين: الوجه الأول: أنه سبحانه شرط فيه القبض بعد أن أثبتها رهناً، وذلك يفيد أنها قد تكون رهناً وإن لم تقبض (٧). الوجه الثاني: أنه لا يخلو أن يكون خبراً أو أمراً، ولا يجوز أن يكون خبراً؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز وجود رهن غير مقبوض … فثبت أنه أمر (٨). ونوقش من أمرين: الأول: أن الخلاف هنا هو في لزوم الرهن وليس في اسمه، وكونه يسمى رهناً قبل القبض مسلّم، لكن لا يكون لازماً إلا بقبضه.

стр. 1796

الثاني: أن سياق الآية دل على الأمر بقبض هذا الرهن ليحصل به التوثيق، وبدون هذا القبض لا يتم المقصود. ٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)، فالتصرف بالرهن بعد العقد بما ينقل الملك مخالف للإيفاء بالعقد. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾ (٢). وجه الاستدلال: كما سبق. ٤ - أن الرهن عقد من العقود، فلم يكن من شرط انعقاده قبض المعقود عليه (٣). ونوقش: بأن الخلاف في لزومه، وأنه لا يحصل إلا بالقبض وليس بانعقاده، ولهذا نظائر في العقود منها: أن عقد البيع لا يلزم إلا بالتفرق من مجلس العقد، وبيع الربوي بالربوي متحدي العلة يصح العقد فيه لكن شرط بقائه على الصحة التقابض قبل التفرق وإلا بطل. ٥ - أن الرهن عقد لازم، فوجب أن يلزم بنفس انعقاده كالبيع (٤). ونوقش هذا التعليل: بأن هذا استدلال في محل النزاع، وقياسه على البيع مناقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن البيع عقد معاوضة، والرهن عقد إرفاق (٥). أدلة القول الثاني: (أنه لا يلزم إلا بالقبض). استدل لهذا الرأي بما يلي:

стр. 1797

١ - قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١). والاستدلال بهذه الآية من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن الله وصف الرهن بالقبض، فوجب أن يكون شرطاً في صحته، كوصف الرقبة بالإيمان، والاعتكاف بالمسجد، والشهادة بالعدالة، ثم كانت هذه الأوصاف شروطاً، فكذا القبض (٢). ونوقش: بالفرق؛ حيث إن ما ذكر صفات لأعيان، والرهن عقد، فيلزم بمجرده؛ إذ القبض صفة منفكة عنه. الوجه الثاني: أنه ذكر غير الرهن من العقود ولم يصفها بالقبض، وذكر الرهن ووصفه بالقبض، فلا يخلو أن يكون وصف الرهن بالقبض إما لاختصاصه به، أو ليكون تنبيهاً على غيره، وأيهما كان فهو دليل على لزومه فيه (٣). ونوقش: بأن وصفه بالقبض لا يدل على عدم لزومه بالعقد. الوجه الثالث: أن ذكر القبض يوجب فائدة شرعية لا تستفاد بحذف ذكره، ولا فائدة في ذكره إن لم يجعل القبض شرطاً في صحته (٤). ونوقش: بأنه لا يلزم أن يكون ذكره شرطاً للصحة، بل ذكر لتأكيد القبض، أو بناء على الغالب، بدليل أن العقد بدون قبض صحيح بالإجماع. (١٤٢) ٢ - ما رواه البخاري من طريق عامر، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً " (٥).

стр. 1798

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أذن للمرتهن بركوب العين المرهونة مما يدل على القبض. ونوقش هذا الاستدلال: بأن مجرد قبض المرتهن للعين المرهونة لا يلزم منه أن يكون شرطاً للزوم، بل قد يكون بناء على الغالب، أو لزيادة التوثق، ونحو ذلك. ٣ - أن الرهن عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، فافتقر إلى القبض كالقرض (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: عدم تسليم المقيس عليه، فمن العلماء من يرى أن القبض يلزم بمجرد العقد. الوجه الثاني: أنه استدلال مع الفارق؛ فالقرض لا ينتفع إلا بقبضه، والرهن يكون وثيقة وإن لم يقبض. الترجيح: الراجح -والله أعلم- لزوم الرهن بمجرد العقد، وعلى هذا فلا تصح هبته بعد العقد؛ لما يترتب عليه من إبطال حق المرتهن من الوثيقة. الفرع الثالث: أن يكون بدون إذن المرتهن، وبعد القبض: للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا تصح هبة المرهون. وهو قول جمهور أهل العلم: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).

стр. 1799

القول الثاني: أنه تصح هبة الراهن إن فكها من الرهن ولو بعد مدة، وإن لم يفكها فلا تصح الهبة. وهو قول الحنفية (١). القول الثالث: صحة هبة الراهن للمرهون مطلقاً. وهو قول عند الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: (عدم الصحة مطلقاً) استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٤). وجه الدلالة: دلت الآية على مشروعية الرهن، وفي تجويز هبة الرهن إبطال لحق المرتهن من الوثيقة، فلم يكن في مشروعيته فائدة. (١٤٣) ٢ - ما رواه أحمد قال: حدثنا عبد الرَّزاق، أخبرنا معمر، عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار " (٥). وفي وقف المرهون ضرر بالمرتهن.

стр. 1800

٣ - القاعدة الفقهية: (أن المشغول لا يشغّل).

стр. 1801

٤ - أن في هبة الراهن للمرهون إبطالاً لحق المرتهن، فيحرم، والهبة قربة، ولا يتقرب بالمحرمات وإسقاط الحقوق (١). دليل القول الثاني: (الصحة إن كان الرهن موسراً) أن الرهن مجرد وثيقة، وهبته لا تضيع حق المرتهن مع الاحتياط له بما ذكر من شرط إمكان الرجوع على الموسر. ونوقش: بأنه لا يسلّم أن حق المرتهن لا يضيع، بل يضيع حقه من الوثيقة؛ إذ الموسر قد يعسر، وقد يماطل. أدلة القول الثالث: (الصحة مطلقاً) استدل للقول بصحة هبة المرهون بما يلي: ١ - أن الهبة صدرت من مالك فيصح؛ لصدوره من أهله. ونوقش: بالتسليم، لكن هذا الملك غير متمحض؛ لتعلق حق المرتهن. ٢ - القياس على العتق، فكما يصح عتق الراهن كذا هبته؛ لبناء العتق على السراية والتغليب (٢). ونوقش: بعدم تسليم عتق المرهون؛ لتعلق حق المرتهن، فلا يتقرب إلى الله بإسقاط الحق. الترجيح: الراجح -والله أعلم- عدم صحة هبة المرهون من قبل الراهن؛ لقوة دليله، وضعف القولين الآخرين بمناقشتهما.

стр. 1802

المسألة الثامنة: الشرط الثامن: أن لا تتضمن الهبة محذوراً شرعياً. وفيها أمور: الأمر الأول: الهبةُ للمُقرِضِ. تحرير محل النزاع: الهبة للمقرض لا تخلو من ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يكون ذلك بشرطٍ، فيحرم ذلك باتفاق الفقهاء (١). كما لو أقرضه بشرطِ أن يبيعه، أو يهديه، ونحو ذلك. والدليل على ذلك: ما يأتي من الأدلة على التحريم في الحال الثالثة مع عدم الشرط، فمع الشرط من باب أولى. ويدل لهذا أيضا: حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وفيه قول النبي ﷺ : " لا يحل سلف وبيع " (٢)، ويدخل في هذا إذا أقرضه واشترط أن يبيعه. ولأن القرض يراد به الإرفاق والإحسان، فإذا اشترط فيه عوضا أخرجه عن موضوعه. الحال الثانية: أن يكون ذلك بعد الوفاء، فيجوز ذلك باتفاق العلماء. والدليل على ذلك: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: " كان لرجلٍ على رسول الله ﷺ دينٌ فهَمَّ به أصحابُهُ … وقال: اشتروا له سنَّاً فأعطوه إيَّاه "، فقالوا: إنَّا لا نجد سنَّاً

стр. 1803

إلا سنَّاً هي أفضل من سنه، قال: "فاشتروها فأعطوها إياه، فإن من خيركم أحسنكم قضاء " (١). الحال الثالثة: أن يكون ذلك بلا شرط، وقبل الوفاء. صورة المسألة: أن يقرض شخصٌ شخصاً مبلغاً من المال، وفي أثناء مدة القرض يبذل المقترض للمقرض هبة من الهبات، فهل يجوز ذلك؟ المقترض إذا وهب المقرض شيئاً قبل الوفاء ومن غير شرط، ففي حكم ذلك الإهداء خلاف بين الفقهاء -رحمهم الله تعالى- على قولين: القول الأول: أنه يحرم على المقترض أن يهب للمقرض، إلا إذا كان ذلك عادة جارية بينهما قبل القرض، أو حدث سبب مسوّغ للإهداء -غير القرض- كالجوار والمصاهرة، أو كافأه المقرض مقابل تلك الهدية، أو احتسب تلك الهبة من دينه، ففي هذه الحالات تجوز الهبة، وفيما عداها تحرم. وهو قول المالكية (٢)، والمذهب عند الحنابلة (٣). واستدلوا بأدلة منها: (١٤٤) ١ - ما رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن عياش، حدثني عتبة بن حميد الضبي، عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي قال: سألت أنس بن مالك ﵁ الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي له؟ قال رسول الله ﷺ : " إذا

стр. 1804

أقرضَ أحدُكُم قرضاً فأهدى إليه، أو حمله على الدابة، فلا يركبها، ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك " (١). وجه الدلالة من الحديث: أنَّ الرسول ﷺ نهى المقرض عن قبول هبة المقترض إلا إذا كانت العادة جاريةً بينهما قبل القرض، فدلَّ ذلك على تحريم الهبة إذا لم تكن العادةُ جارية بينهما قبل ذلك؛ لأنَّ النهي المطلق يقتضي التحريم (٢). (١٤٥) ٢ - ما رواه عبد الرزاق عن الثوري، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباس ﵄، فقال: إنه كان جار سماك، فأقرضته، وكان يبعثُ إلي من سمكه، فقال ابن عباس ﵄: " حاسبه، فإن كان فضلاً فرد عليه، وإن كان كفافاً فقاصصه " (٣) (٤).

стр. 1805

(١٤٦) ٣ - ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه: أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ﵁ فقال: " ألا تجيء فنطعمك سويقاً (١) وتمراً، وتدخل في بيتٍ، ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاشٍ (٢) إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن (٣) أو حمل شعير، أو حمل قت (٤)، فلا تأخذه فإنه ربا " (٥). (١٤٧) ٤ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: " إذا أقرضت قرضاً فلا تهدين هدية كراع، ولا ركوب دابة " (٦). (١٤٨) ٥ - ما رواه البيهقي من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي

стр. 1806

مرزوق التجيبي، عن فضالة بن عبيد صاحب النبي ﷺ أنه قال: " كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا " (١) (إسناده حسن). (١٤٩) ٦ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم -وهو ابن علية-، عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: " سألت أنس بن مالك ﵁ عن الرجل يهدي له غريمه، فقال: إن كان يهدي له قبل ذلك فلا بأس، وإن لم يكن يهدي له قبل ذلك فلا يصلح " (٢). (١٥٠) ٧ - ما رواه عبد الرزاق من طريق كلثوم بن الأقمر، عن زر بن حبيش قال: أتيت أبي بن كعب فقلت: إني أريد العراق أجاهد، فاخفض لي جناحك، فقال لي أبي بن كعب: "إنك تأتي أرضا فاشيا بها الربا، فإذا أقرضت رجلا قرضا فأهدى لك هدية فخذ قرضك، واردد إليه هديته" (٣). القول الثاني: أن المقترض إذا أهدى للمقرض من غير شرط جاز ذلك. وهو قول الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، ورواية عن الحنابلة (٦)، وهو قول ابن حزم (٧).

стр. 1807

أدلتهم: استدلوا بعموم الأحاديث المرغبة في الإهداء وقبول الهدية: ومنها: ما رواه البخاري من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " لو دعيتُ إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ ذراع أو كراع لقبلت " (١). وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن هذه الأحاديث دلت بعمومها على مشروعية الهبة، ولم يرد ما يخص هذا العموم بتحريم الهبة من المقترض للمقرض (٢). نوقش الاستدلال بهذه الأدلة ونحوها من الأدلة الدالة على الترغيب في الإهداء وقبول الهدية: بأنها عامة مخصصة بالأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول الدالة على المنع من إهداء المقترض للمقرض أثناء مدة القرض. الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، في المقابل ضعف أدلة المخالفين بمناقشتها، (ولأنَّ المقصودَ بالهديَّةِ أن يؤخّر الاقتضاء، وإن كان لم يشترط ذلك ولم يتكلم به، فيصير بمنزلة أن يأخذ الألف بهدية ناجزة وألف مؤخرة، وهذا ربا، ولهذا جاز أن يزيد عند الوفاء ويهدي له بعد ذلك لزوال معنى الربا) (٣). الأمر الثاني: الهدية للعمال، والموظفين، والقضاة. وفيها فروع: الفرع الأول: تولي القضاة أمر البيع والشراء. لمّا كان القضاةُ مظنة لمحاباة الناس لهم في المعاوضات من البيع

стр. 1808

ونحوه، فقد تكلم الفقهاء -رحمهم الله تعالى- عن مباشرة القاضي للبيع والشراء، واتفقوا على كراهة ذلك للقاضي إذا كان في مجلس القضاء (١)، بل حمل بعضهم الكراهة على التحريم. وعللوا كراهية ذلك بأسباب منها: أولاً: أن العادة جرت بحصول المماكسة في البيع والشراء، ولا شك أنها تذهب من هيبة مجلس القضاء، وتضع من جاه القاضي بين الناس (٢). ثانيا: أن الغالب في ذلك أن الناس سيحابونه في البيع والشراء، فيكون ذلك كالهدية، فيتهم بالميل لمن باعه بالمحاباة (٣). واختلفوا في كراهية ذلك في غير مجلس القضاء، وذلك على قولين: القول الأول: أنه يكره للقاضي أن يتولى البيع والشراء بنفسه، سواء كان البيع في مجلس القضاء أو خارجه، إلا أن يحتاج مباشرته ولم يكن له من يكفيه، فيجوز له ذلك حينئذ من غير كراهة، وينبغي أن يوكل في ذلك من لا يعرف أنه وكيله لئلا يحابى. وهو قول أكثر الحنفية (٤)، وبعض المالكية (٥)،

стр. 1809

وبه قال الشافعية (١)، والحنابلة (٢). القول الثاني: أنه لا يكره، وينبغي التنزه عنه مطلقاً. وهو قول بعض الحنفية (٣)، والراجح عند المالكية (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: (الكراهة) (١٥١) ١ - ما رواه الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، ثنا أبي، ثنا بقية، عن خالد بن حميد، ثنا أبو الأسود المالكي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " ما عَدَلَ والٍ اتَّجَر في رعيَّتِه أبداً " (٥). وجه الدلالة من الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ نفى العدالةَ عن الراعي الذي يبيع ويشتري بنفسه مع رعيته، فدل ذلك على كراهية ذلك للقاضي ونحوه؛ لأنه يدخل في هذا العموم. ونوقش: هذا الحديث بأنه ضعيف الإسناد، كما تقدم في تخريجه. ٢ - أن القاضي إذا باع واشترى يعرف فيحابى، فتكون المحاباة كالهبة. نوقش هذا الدليل: بأنه يندر وجود المحاباة إذا كانت مباشرة القاضي للبيع والشراء عادة له في كل وقت؛ لأنَّ الناس اعتادوا في التعامل معه، وفي

стр. 1810

محاباته في كل بيع وشراء يشق عليهم، بخلاف ما إذا كان ذلك ليس من عادته، فإن ورود المحاباة حينئذ يكون غالباً وقوياً (١). وأُجيب عن هذه المناقشة: بأنَّ ما ذكر يخالفه واقع الناس، فإنهم بمجرد علمهم أن من يتعاملون معه من أصحاب المناصب -وخاصة منصب القضاء- فإنهم يبادرون لمحاباته ومسامحته في البيع والشراء، وعلى الأقل تمكينه من المماكسة بالثمن الذي يريده (٢). ٣ - أن بيع القاضي وشراءه بنفسه يشغله عن النظر في أمور النّاس فيكره ذلك في حقّه (٣). ٤ - والدليل على زوال الكراهة عند الحاجة إذا لم يكن له من يكفيه: أن أبا بكر ﵁ قصد السوق ليتجر فيه حتى فرضوا له ما يكفيه (٤). ولأن القيام بعياله فرض عين، فلا يتركه لوهم مضرة (٥).

стр. 1811

أدلة القول الثاني: (عدم الكراهة) (١٥٢) ١ - ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه لما بويع أخذ الذراع (١) وقصد السوق، فقالوا: يا خليفة رسول الله ﷺ لا يسعك أن تشتغل عن أمور المسلمين، قال: " فإني لا أدع عيالي يضيعون "، قالوا: فنحن نفرض لك ما يكفيك، ففرضوا له كل يوم درهمين (٢). وجه الدلالة من الأثر: أن أبا بكر ﵁ قصد السوق بعد توليه الخلافة واشتغل بالتجارة، فدل على عدم كراهة مباشرة القاضي للبيع والشراء بنفسه. نوقش الاستدلال بهذا الأثر: بأنه حجة لمن قال بالكراهة حيث إن الصحابة ﵃ أنكروا عليه، فاعتذر بحفظ عياله عن الضياع، فلما أغنوه عن البيع والشراء بما فرضوا له قبل قولهم وترك التجارة، فحصل الاتفاق منهم على تركها عند الغنى عنها (٣). ٢ - أنَّ بيع القاضي وشراءه في مجلس القضاء فيه إشغال لباله وتشويش

стр. 1812

عليه، فيكره بخلاف بيعه وشرائه خارج مجلس القضاء، فليس فيه ذلك، فلا يُكره (١). يمكن مناقشة هذا الدليل: بأنه لا فرق بين بيعه وشرائه بنفسه في مجلس القضاء أو خارجه، ففي الموضعين يبقى معرضاً نفسه للمحاباة. الفرع الثاني: الهدية للعمال والموظفين والقضاة. اعتنى الفقهاء -رحمهم الله تعالى- بأحكام الهدايا للموظفين عند كلامهم على أدب القاضي، وذكروا أن الهدايا لسائر العمال كالهدية للقاضي، إلا أن جرمه أغلظ منهم (٢). قال ابن الهمام: " وكل من عمل للمسلمين عملاً حكمه في الهدية كالقاضي" (٣)، وأفردها السبكي برسالة عنوانها: "فصل المقال في هدايا العمال" واختصرها نفسه بعنوان: (مختصر فصل المقال في هدايا العمال) (٤). تمهيد: قال ابن القيم: " قال ابن عقيل: " الأموال التي يأخذها القضاة أربعة أقسام: رشوة وهدية وأجرة ورزق، فالرشوة حرام، وهي ضربان: رشوة ليميل إلى أحدهما بغير حق فهذه حرام عن فعل، حرام على الآخذ والمعطي وهما آثمان، ورشوة يعطاها ليحكم بالحق واستيفاء حق المعطي من دين ونحوه، فهي حرام على الحاكم دون المعطي؛ لأنها للاستنقاذ، فهي كجعل الآبق وأجرة الوكلاء في الخصومة، وأما الهدية فضربان: هدية كانت

стр. 1813

قبل الولاية فلا تحرم استدامتها، وهدية لم تكن إلا بعد الولاية وهي ضربان: مكروهة وهي الهدية إليه ممن لا حكومة له، وهدية ممن قد اتجهت له حكومة فهي حرام على الحاكم والمهدي، وأما الأجرة إن كان للحاكم رزق من الإمام من بيت المال حرم عليه أخذ الأجرة قولا واحدا؛ لأنه إنما أجرى له الرزق لأجل الاشتغال بالحكم فلا وجه لأخذ الأجرة من جهة الخصوم، وإن كان الحاكم لا رزق له فعلى وجهين: أحدهما الإباحة؛ لأنه عمل مباح، فهو كما لو حكماه، ولأنه مع عدم الرزق لا يتعين عليه الحكم، فلا يمنع من أخذ الأجرة كالوصي وأمين الحاكم يأكلان من مال اليتيم بقدر الحاجة، وأما الرزق من بيت المال: فإن كان غنيا لا حاجة له إليه احتمل أن يكره لئلا يضيق على أهل المصالح، ويحتمل أن يباح؛ لأنه بذل نفسه لذلك فصار كالعامل في الزكاة والخراج. قلت: أصل هذه المسائل عامل الزكاة وقيم اليتيم فإن الله تعالى أباح لعامل الزكاة جزءا منها فهو يأخذه مع الفقر والغنى، والنبي ﷺ منعه من قبول الهدية وقال: " هلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر هل يهدى إليه أم لا " وفي هذا دليل على أن من أهدى إليه في بيته ولم يكن بسبب العمل على الزكاة جاز له قبوله، فيدل ذلك على أن الحاكم إذا أهدى إليه من كان يهدي له قبل الحكم ولم تكن ولايته سبب الهدية فله قبولها " (١). تعريف الموظف: يمكن التعريف بالموظف: " بأنه من يختص عمله بغيره من دولة أو شركة أو مؤسسة أو فرد، في محل تجاري، أو مزرعة، أو مصنع، أو شركة، ونحوها" (٢).

стр. 1814

ويمكن حصر أقسام هدايا الموظفين بالآتي (١): القسم الأول: الهدية للموظف إذا ترتب عليها محظور شرعي. وذلك ليقدمه هو أو من يشفع له على غيره، أو ليغض الطرف عنه فيما اشترطته جهة عمله، أو ليموه، أو يخفي الحقيقة إن كان محققاً، أو ليحكم له بباطل إن كان حاكماً كقاض ونحوه، فهذه رشوة محرمة، ويشتد تحريمها إن علم بقصد المهدي (٢). تنبيه: ومن هذه الهدايا المحرمة بذلاً وقبولاً؛ ما يقدمه أصحاب المحلات التجارية والمستشفيات ونحوها لموظفيها مقابل قيامهم بتغيير صلاحية المنتج، أو أسماء الشركات، أو طلب تحاليل من المرضى، أو ترويج أدوية. وفي فتاوى ابن باز: " ما حكم من يسلم أشياء ثمينة بدعوى أنها هدية لمن يرأسه في العمل؟ ج: هذا خطأ ووسيلة لشر كثير، والواجب على الرئيس أن لا يقبل الهدايا، فقد تكون رشوة ووسيلة إلى المداهنة والخيانة، إلا إذا أخذها للمستشفى ولمصلحة المستشفى لا لنفسه، ويخبر صاحبها بذلك فيقول له: هذه لمصلحة المستشفى لا آخذها أنا، والأحوط ردها ولا يقبلها له ولا للمستشفى؛ ذلك قد يجره إلى أخذها لنفسه، وقد يساء به الظن، وقد يكون للمهدي بسببها جرأة عليه، وتطلع لمعاملته أحسن من معاملة غيره؛ لأن

стр. 1815

الرسول ﷺ لما بعث بعض الناس لجمع الزكاة قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، فأنكر عليه النبي ﷺ ذلك وخطب في الناس وقال: «ما بال الرجل منكم نستعمله على أمر من أمر الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، ألا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر هل يهدى إليه» وهذا الحديث يدل على أن الواجب على الموظف - في أي عمل من أعمال الدولة - أن يؤدي ما وكل إليه، وليس له أن يأخذ هدايا فيما يتعلق بعمله، وإذا أخذها فليضعها في بيت المال، ولا يجوز له أخذها لنفسه لهذا الحديث الصحيح، ولأنها وسيلة للشر والإخلال بالأمانة، ولا حول ولا قوة إلا بالله " (١). وقال شيخ الإسلام: " محاباة الولاة في المعاملة من المبايعة والمؤاجرة والمضاربة والمساقاة والمزارعة ونحو ذلك هو من نوع الهدية، ولهذا شاطر عمر بن الخطاب ﵁ من عماله من كان له فضل ودين لا يتهم بخيانة؛ وإنما شاطرهم لما كانوا خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك؛ لأنه كان إمام عدل يقسم بالسوية، فلما تغير الإمام والرعية كان الواجب على كل إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه ويترك ما حرم عليه ولا يحرم عليه ما أباح الله له " (٢). والأدلة على تحريم الرشوة ما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٣). عن الحسن، وقتادة وغيرهم أَنَّهم فسَّروا السحت بالرِّشْوة (٤). (١٥٣) ٢ - ما رواه أحمد: حدثنا وكيع، ثنا ابن أبي ذئب، عن خاله

стр. 1816

الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: " لعن رسول الله ﷺ : الراشي والمرتشي" (١) (حسن لغيره).

стр. 1817

القسم الثاني: أن يكون للشخص حق مرتبط إنجازه بموظف، ولا يستطيع الوصول إليه إلا بدفع مال لهذا الموظف، فالموظف يحرم عليه مماطلة صاحب الحق، وقبوله ما يدفعه إليه؛ لأنه مرتش. أما البذل له من صاحب الحق، فللفقهاء في جوازه قولان: الأول: أنه يجوز البذل. وإليه ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). وحجته: ١ - قول الله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢).

стр. 1818

وجه الدلالة: أن الباذل في هذه الحال يصدق عليه أنه غير باغ ولا عاد، فيجوز له البذل؛ لاستنقاذ حقه. ٢ - سائر الأدلة الدالة على إباحة المحرمات عند الاضطرار. ٣ - سائر الأدلة الدالة على دفع الظلم. (١٥٤) ٤ - قال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع قال: حدثنا أبو العميس، عن القاسم بن عبد الرحمن أن ابن مسعود ﵁ " لما أتى أرض الحبشة أخذ في شيء، فأعطى دينارين حتى أخذ سبيله " (١). ٥ - ولأن الباذل يدفع به الظلم عن نفسه، وهو جائز؛ لاستنقاذه حقه بذلك كما يستنقذ الرجل أسيره. القول الثاني: يحرم البذل. وبه قال الشوكاني (٢). قال: " والتخصيص لطالب الحق بجواز تسليم الرشوة منه للحاكم لا أدري بأي مخصص، فالحق التحريم مطلقا أخذا بعموم الحديث، ومن زعم الجواز في صورة من الصور فإن جاء بدليل مقبول وإلا كان تخصيصه ردا عليه ". وحجته: ١ - أنّ الأَصل في مال المسلم التَّحريم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣).

стр. 1819

٢ - الأدلة الدالة على تحريم الرشوة. ونوقش الاستدلال بهذه الأدلة: بتخصيص ما إذا اضطر إلى استنقاذ حقه. ٣ - حديث أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: " من شفع لأخيه شفاعةً فأهدى له هديَّة عليها فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الرِّبَا " (١). ونوقش الاستدلال بهذا الحديث: بأنه ضعيف. (١٥٥) ٤ - قال ابن أبي شيبة: حدثنا غندر، عن شعبة، عن عمار، عن سالم، عن مسروق قال: سألت عبد الله عن السحت فقال: " الرجل يطلب الحاجة فيهدى إليه فيقبلها " (٢) (إسناده صحيح). ٥ - أن الدافع إنما دفعه لأحد أمرين: إما لينال به حكم الله إن كان محقا، وذلك لا يحل؛ لأن المدفوع في مقابلة أمر واجب أوجب الله على الحاكم الصدع به، فكيف لا يفعل حتى يأخذ عليه شيئا من الحطام، وإن كان الدفع للمال من صاحبه لينال به خلاف ما شرعه الله إن كان مبطلا فذلك أقبح؛ لأنه مدفوع في مقابلة أمر محظور فهو أشد تحريما من المال المدفوع للبغي في مقابلة الزنى بها؛ لأن الرشوة يتوصل بها إلى أكل مال الغير الموجب لإحراج صدره والإضرار به، بخلاف المدفوع إلى البغي، فالتوسل

стр. 1820

به إلى شيء محرم وهو الزنى لكنه مستلذ للفاعل والمفعول به، وهو أيضا ذنب بين العبد وربه، وهو أسمح الغرماء ليس بين العاصي وبين المغفرة إلا التوبة، ما بينه وبين الله وبين الأمرين بون بعيد (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لما ذكروه من أدلة، لكن يقيد هذا بأن يستنفد صاحب الحق جميع الطرق المباحة للتوصل إلى حقه قبل بذل الرشوة. القسم الثالث: الهدية للموظف من شخص له حاجة تتعلق بوظيفة الموظف، وبذلها قبل إنهاء الوظيفة سواء كان بينهما مهاداة، أو لا. هذه الهدية: يحرم على الموظف قبولها؛ لأنها كالرشوة بالنسبة له (٢)، ويدل للتحريم: (١٥٦) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عروة، أخبرنا أبو حميد الساعدي ﵁ قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من بني أسد يقال له ابن اللتبية (٣) على الصدقة، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فقام النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " ما بال العامل (٤) نبعثه فيقول هذا لكم، وهذا لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي

стр. 1821

بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء (١)، أو بقرة لها خوار (٢)، أو شاة تيعر (٣)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة (٤) إبطيه، ألا هل بلغت؟ ثلاثاً " (٥). وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أنكر على ابن اللتبية قبوله لما أهدي إليه؛ لأن هذه الهدية كانت مقابل عمالته، بدليل قوله ﷺ (فهلا جلس في بيت أبيه، أو بيت أمه فينظر أيهدى له أم لا؟) فدل على تحريم قبول العمال والقضاة ما أهدي إليهم إذا لم تجر العادة بالإهداء قبل تولي العمل. قال ابن القيم: " وتأمل قوله في قصة ابن اللتبية " أفلا جلس في بيت أبيه وأمه وقال: هذا أهدي لي " كيف يجد تحت هذه الكلمة الشريفة أن الدوران يفيد العلية، والأصولي ربما كد خاطره حتى قرر ذلك بعد الجهد، فدلت هذه الكلمة النبوية على أن الهدية لما دارت مع العمل وجودا وعدما كان العمل سببها وعلتها؛ لأنه لو جلس في بيت أبيه وأمه لانتفت الهدية، وإنما وجدت بالعمل فهو علتها " (٦). قال ابن باز: "الواجب على المعلمة ترك قبول الهدايا؛ لأنها قد تجرها

стр. 1822

إلى الحيف وعدم النصح في حق من لم يهد لها، والزيادة بحق المهدية والغش، فالواجب على المدرسة أن لا تقبل الهدية من الطالبات بالكلية؛ لأن ذلك قد يفضي إلى ما لا تحمد عقباه، والمؤمن والمؤمنة عليهما أن يحتاطا لدينهما، ويبتعدا عن أسباب الريبة والخطر، أما بعد انتقالها من المدرسة إلى مدرسة أخرى فلا يضر ذلك؛ لأن الريبة قد انتهت حينئذ والخطر مأمون، وهكذا بعد فصلها من العمل أو تقاعدها إذا أهدوا إليها شيئا فلا بأس " (١). وقال ابن عثيمين: " لا يجوز للمدرسة أن تقبل هدية من الطالبة؛ لأن هذا داخل في عموم الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده: (هدايا العمال غلول)، ولأن الهدية ستوجب المودة، كما جاء في الحديث: (تهادوا تحابوا)، فإذا ازدادت محبتها لهذه التلميذة يخشى عليها أن تحيف، فيجب عليها أن ترفض، أي: يجب على المعلمة أن ترفض الهدية، وتقول: لا أقبل " (٢). (١٥٧) ٢ - ما رواه الإمام أحمد من طريق إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد الساعدي ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "هدايا العمال غلول " (٣).

стр. 1823

(١٥٨) ٣ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق الأعمش، عن شقيق قال: قدم معاذ من اليمن برقيق في زمن أبي بكر، فقال له عمر: ارفعهم إلى أبي بكر، فقال: ولمَ أرفع إليه رقيقي؟ قال: فانصرف إلى منزله ولم يرفعهم، فبات ليلة، ثم أصبح من الغد، فرفعهم إلى أبي بكر، فقال له عمر: " ما بدا لك؟ قال: رأيتني فيما يرى النائم كأني إلى نار أهدى إليها، فأخذت بحجزتي فمنعتني من دخولها، فظننت أنهم هؤلاء الرقيق، فقال أبو بكر: هم لك، فلما انصرف إلى منزله قام يصلي فرآهم يصلون خلفه، فقال: لم تصلون؟ فقالوا: لله، فقال: اذهبوا أنتم لله " (١). (١٥٩) ٤ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن عبيد الطائي، عن علي بن ربيعة أن عليا استعمل رجلاً من بني أسد يقال له ضبيعة بن زهير أو زهير بن ضبيعة فلما جاء قال: " يا أمير المؤمنين إني أهدي إلي في عملي أشياء وقد أتيتك بها، فإن كانت حلالا أكلتها، وإلا فقد أتيتك بها فقبضها علي، وقال: لو حبستها كان غلولاً " (٢). (١٦٠) ٥ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي قزعة، عن أبي نظرة، عن أبي سعيد ﵁ قال: " هدايا الأمراء غلول " (٣). (١٦١) ٦ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا من طريق أبي قزعة، عن أبي يزيد المديني قال: سئل جابر بن عبد الله ﵄ عن هدايا الأمراء فقال: " هي في نفسي غلول " (٤).

стр. 1824

قال الشوكاني: " فليحذر الحاكم المتحفظ لدينه المستعد للوقوف بين يدي ربه من قبول هدايا من أهدى إليه بعد توليه للقضاء، فإن للإحسان تأثيرا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المهدي إليه ميلا يؤثر الميل عن الحق عند عروض المخاصمة بين المهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك ويظن أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه، والرشوة لا تفعل زيادة على هذا، ومن هذه الحيثية امتنعت عن قبول الهدايا بعد دخولي في القضاء ممن كان يهدي إلي قبل الدخول فيه، بل من الأقارب فضلا عن سائر الناس، فكان في ذلك من المنافع ما لا يتسع المقام لبسطه، أسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه، وقد ذكر المغربي في شرح (بلوغ المرام) في شرح حديث الرشوة كلاما في غاية السقوط، فقال ما معناه: إنه يجوز أن يرشي من كان يتوصل بالرشوة إلى نيل حق أو دفع باطل، وكذلك قال: يجوز للمرتشي أن يرتشي إذا كان ذلك في حق لا يلزمه فعله، وهذا أعم مما قاله المنصور بالله ومن معه كما تقدمت الحكاية لذلك عنهم؛ لأنهم خصوا الجواز بالراشي وهذا عممه في الراشي والمرتشي، وهو تخصيص بدون مخصص، ومعارضة لعموم الحديث بمحض الرأي الذي ليس عليه أثارة من علم، ولا يغتر بمثل هذا إلا من لا يعرف كيفية الاستدلال، والقائل ﵀ كان قاضيا (١). تنبيه: يلحق بهذه الهدية في التحريم: قبول الموظف استضافته في سفره المار فيه في محل وظيفته عند من له حاجة متعلقة بعمله لم تنته بعد (٢)؛ لأنها ذريعة للرشوة.

стр. 1825

القسم الرابع: الهدية للموظف من غير ذي رحمه المحرم، ولم يكن يهدي له قبل توليته الوظيفة، ولا حاجة له عند الموظف تتعلق بوظيفته. اختلف الفقهاء في قبول الموظف لهذه الهدية على قولين: القول الأول: يحرم على الموظف قبولها. وإليه ذهب جمهور المذاهب الأربعة (١). واستدلوا: ١ - ما تقدم من الآثار في القسم الثالث. ٢ - التهمة بالرشوة في هذه الهدية موجودة؛ لأن سببها ظاهر، وهو الوظيفة؛ ويخشى حدوث حاجة للمهدي، فتكون وسيلة لاستمالة قلب الموظف (٢). قال ابن قدامة: " ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها؛ ليتوصل بها إلى ميل الحاكم معه على خصمه، فلم يجز قبولها منه كالرشوة " (٣). القول الثاني: يكره قبولها. وإليه ذهب الصنعاني (٤).
следующие страницы →