بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء (١)، أو بقرة لها خوار (٢)، أو شاة تيعر (٣)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة (٤) إبطيه، ألا هل بلغت؟ ثلاثاً " (٥).
وجه الدلالة من الحديث: أن النبي ﷺ أنكر على ابن اللتبية قبوله لما أهدي إليه؛ لأن هذه الهدية كانت مقابل عمالته، بدليل قوله ﷺ (فهلا جلس في بيت أبيه، أو بيت أمه فينظر أيهدى له أم لا؟) فدل على تحريم قبول العمال والقضاة ما أهدي إليهم إذا لم تجر العادة بالإهداء قبل تولي العمل.
قال ابن القيم: " وتأمل قوله في قصة ابن اللتبية " أفلا جلس في بيت أبيه وأمه وقال: هذا أهدي لي " كيف يجد تحت هذه الكلمة الشريفة أن الدوران يفيد العلية، والأصولي ربما كد خاطره حتى قرر ذلك بعد الجهد، فدلت هذه الكلمة النبوية على أن الهدية لما دارت مع العمل وجودا وعدما كان العمل سببها وعلتها؛ لأنه لو جلس في بيت أبيه وأمه لانتفت الهدية، وإنما وجدت بالعمل فهو علتها " (٦).
قال ابن باز: "الواجب على المعلمة ترك قبول الهدايا؛ لأنها قد تجرها
стр. 1822
إلى الحيف وعدم النصح في حق من لم يهد لها، والزيادة بحق المهدية والغش، فالواجب على المدرسة أن لا تقبل الهدية من الطالبات بالكلية؛ لأن ذلك قد يفضي إلى ما لا تحمد عقباه، والمؤمن والمؤمنة عليهما أن يحتاطا لدينهما، ويبتعدا عن أسباب الريبة والخطر، أما بعد انتقالها من المدرسة إلى مدرسة أخرى فلا يضر ذلك؛ لأن الريبة قد انتهت حينئذ والخطر مأمون، وهكذا بعد فصلها من العمل أو تقاعدها إذا أهدوا إليها شيئا فلا بأس " (١).
وقال ابن عثيمين: " لا يجوز للمدرسة أن تقبل هدية من الطالبة؛ لأن هذا داخل في عموم الحديث الذي أخرجه أحمد في مسنده: (هدايا العمال غلول)، ولأن الهدية ستوجب المودة، كما جاء في الحديث: (تهادوا تحابوا)، فإذا ازدادت محبتها لهذه التلميذة يخشى عليها أن تحيف، فيجب عليها أن ترفض، أي: يجب على المعلمة أن ترفض الهدية، وتقول: لا أقبل " (٢).
(١٥٧) ٢ - ما رواه الإمام أحمد من طريق إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد الساعدي ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "هدايا العمال غلول " (٣).
стр. 1823
(١٥٨) ٣ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق الأعمش، عن شقيق قال: قدم معاذ من اليمن برقيق في زمن أبي بكر، فقال له عمر: ارفعهم إلى أبي بكر، فقال: ولمَ أرفع إليه رقيقي؟ قال: فانصرف إلى منزله ولم يرفعهم، فبات ليلة، ثم أصبح من الغد، فرفعهم إلى أبي بكر، فقال له عمر: " ما بدا لك؟ قال: رأيتني فيما يرى النائم كأني إلى نار أهدى إليها، فأخذت بحجزتي فمنعتني من دخولها، فظننت أنهم هؤلاء الرقيق، فقال أبو بكر: هم لك، فلما انصرف إلى منزله قام يصلي فرآهم يصلون خلفه، فقال: لم تصلون؟ فقالوا: لله، فقال: اذهبوا أنتم لله " (١).
(١٥٩) ٤ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن عبيد الطائي، عن علي بن ربيعة أن عليا استعمل رجلاً من بني أسد يقال له ضبيعة بن زهير أو زهير بن ضبيعة فلما جاء قال: " يا أمير المؤمنين إني أهدي إلي في عملي أشياء وقد أتيتك بها، فإن كانت حلالا أكلتها، وإلا فقد أتيتك بها فقبضها علي، وقال: لو حبستها كان غلولاً " (٢).
(١٦٠) ٥ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي قزعة، عن أبي نظرة، عن أبي سعيد ﵁ قال: " هدايا الأمراء غلول " (٣).
(١٦١) ٦ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا من طريق أبي قزعة، عن أبي يزيد المديني قال: سئل جابر بن عبد الله ﵄ عن هدايا الأمراء فقال: " هي في نفسي غلول " (٤).
стр. 1824
قال الشوكاني: " فليحذر الحاكم المتحفظ لدينه المستعد للوقوف بين يدي ربه من قبول هدايا من أهدى إليه بعد توليه للقضاء، فإن للإحسان تأثيرا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المهدي إليه ميلا يؤثر الميل عن الحق عند عروض المخاصمة بين المهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك ويظن أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه، والرشوة لا تفعل زيادة على هذا، ومن هذه الحيثية امتنعت عن قبول الهدايا بعد دخولي في القضاء ممن كان يهدي إلي قبل الدخول فيه، بل من الأقارب فضلا عن سائر الناس، فكان في ذلك من المنافع ما لا يتسع المقام لبسطه، أسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه، وقد ذكر المغربي في شرح (بلوغ المرام) في شرح حديث الرشوة كلاما في غاية السقوط، فقال ما معناه: إنه يجوز أن يرشي من كان يتوصل بالرشوة إلى نيل حق أو دفع باطل، وكذلك قال: يجوز للمرتشي أن يرتشي إذا كان ذلك في حق لا يلزمه فعله، وهذا أعم مما قاله المنصور بالله ومن معه كما تقدمت الحكاية لذلك عنهم؛ لأنهم خصوا الجواز بالراشي وهذا عممه في الراشي والمرتشي، وهو تخصيص بدون مخصص، ومعارضة لعموم الحديث بمحض الرأي الذي ليس عليه أثارة من علم، ولا يغتر بمثل هذا إلا من لا يعرف كيفية الاستدلال، والقائل ﵀ كان قاضيا (١).
تنبيه: يلحق بهذه الهدية في التحريم: قبول الموظف استضافته في سفره المار فيه في محل وظيفته عند من له حاجة متعلقة بعمله لم تنته بعد (٢)؛ لأنها ذريعة للرشوة.
стр. 1825
القسم الرابع:
الهدية للموظف من غير ذي رحمه المحرم، ولم يكن يهدي له قبل توليته الوظيفة، ولا حاجة له عند الموظف تتعلق بوظيفته.
اختلف الفقهاء في قبول الموظف لهذه الهدية على قولين:
القول الأول: يحرم على الموظف قبولها.
وإليه ذهب جمهور المذاهب الأربعة (١).
واستدلوا:
١ - ما تقدم من الآثار في القسم الثالث.
٢ - التهمة بالرشوة في هذه الهدية موجودة؛ لأن سببها ظاهر، وهو الوظيفة؛ ويخشى حدوث حاجة للمهدي، فتكون وسيلة لاستمالة قلب الموظف (٢).
قال ابن قدامة: " ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها؛ ليتوصل بها إلى ميل الحاكم معه على خصمه، فلم يجز قبولها منه كالرشوة " (٣).
القول الثاني: يكره قبولها.
وإليه ذهب الصنعاني (٤).
стр. 1826
وحجته:
١ - أن الأصل الحل.
ونوقش: بعدم التسليم لهدايا العمال، كما تقدم الدليل على ذلك.
٢ - عدم حاجته تنفي التهمة بالرشوة.
ونوقش: بأنه قد تحدث له حاجة مستقبلا.
الترجيح:
الراجح القول الأول -تحريم قبول هذه الهدية-؛ لقوة دليله، والأحاديث الواردة في النهي عن هدايا العمال عامة.
القسم الخامس:
أن يكون هناك مهاداة معتادة بين الموظف والمهدي لنحو قرابة أو صداقة مع زيادة الهدية، ولا حاجة له عند الموظف تتعلق بوظيفته.
تثبت العادة في الهدية بالمرة الواحدة، ومن المعتادة هدية القريب والصديق الذي استغنى، وهديته تناسب غناه، ومن المعتادة زيادة الهدية بزيادة المال.
فإذا زادت الهدية فوق المعتادة ومال المهدي لم يزدد، فاختلف الفقهاء في قبول الموظف لهذه الهدية على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يكره للموظف قبول الزيادة فقط.
وإليه ذهب الحنفية (١).
واستدلوا: إنما كرهت الزيادة عليها؛ خشية كونها بسبب الوظيفة (٢).
стр. 1827
ولعل عدم تحريم هذه الهدية، وزيادتها؛ لعدم وجود التهمة فيها بالرشوة؛ لوجود أصل الهدية المباح قبولها.
القول الثاني: تحرم الهدية كلها.
استظهره الدسوقي (١).
واستدلوا: بقياس هذه الهدية على صفقة جمعت حلالاً وحراماً (٢)، فإنه يحرم جميعها.
القول الثالث: إن كانت الزيادة في صفة الهدية، حرم الجميع، وإن كانت في قدرها، حرمت الزيادة فقط.
وإليه مال ابن عابدين (٣)، وهو مذهب الشافعية (٤).
واستدلوا: أن الزيادة إذا كانت في الصفة، لم تتميز فلم يمكن فصلها، أما إذا كانت في القدر، فإنه يمكن تميزها فحرمت هي فقط؛ لأنها هي التي فيها التهمة بالرشوة؛ لأن الظاهر أنها بسبب الوظيفة، وهي حق للمسلمين وليس للموظف، فلا يحل له قبول ما أهدي إليه بسببها (٥).
الترجيح:
الراجح: تحريم الزيادة فقط؛ إذ النهي متعلق بهذه الزيادة.
القسم السادس:
الهدية للموظف ممن له حاجة عنده تتعلق بوظيفته، وهو من غير ذي
стр. 1828
رحمه المحرم، وكان يهدي له قبل توليته الوظيفة، وهديته لم تتغير بزيادة بعد توليته.
اختلف الفقهاء في قبول الموظف لهذه الهدية على قولين:
القول الأول: يكره للموظف قبولها.
وإليه ذهب الحنفية (١).
ويمكن الاستدلال له: أن التهمة بالرشوة منتفية هنا؛ لوجود مثل هذه الهدية قبل توليته الوظيفة؛ فظاهر هذه الهدية أنها لاستمرار ما كان قبلها لا لميل في قضاء هذه الحاجة.
القول الثاني: يحرم على الموظف قبول هذه الهدية.
وإليه ذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
واستدلوا: أن في هذه الهدية ممايلة للمهدي، وذريعة إلى الرشوة في الحكم إن كان الموظف قاضياً، فيندرج في الذين اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً (٥).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ إذ السنة دلت على التحريم إذا كان ذلك من أجل الوظيفة، كما تقدم في القسم الثالث من الآثار.
القسم السابع:
الهدية للموظف ممن لم يكن يهدى له قبل توليته الوظيفة، وبذلها للموظف بعد إنهائه حاجته المتعلقة بوظيفته.
стр. 1829
اختلف الفقهاء في قبول الموظف هذه الهدية على أقوال:
القول الأول: أنها لا تحل.
وهو وجه عند الشافعية (١).
وحجته: ما تقدم من الأدلة الدالة على تحريم قبول هدايا العمال.
القول الثاني: يكره للموظف قبول هذه الهدية ولا يحرم.
وإليه ذهب الحنفية (٢).
وفي الفتاوى لابن باز: " أقوم بتدريس القرآن الكريم في جمعية خيرية، وبعد إعطاء الشهادات للطلبة يقدمون لي هدية جماعية هذه الهدية لا تؤثر في تقدير الطالب، فهل أقبل هديتهم؟ ج: إذا كانت الهدية بعد الفراغ من النظر في درجاتهم، وبعد الفراغ من الشهادات، وبعد الانتهاء من العمل في هذه الجمعية، فلا حرج في ذلك؛ لعموم الأدلة الدالة على شرعية قبول الهدية، والله ولي التوفيق " (٣).
واستدلوا: أن هذه الهدية ليست كالرشوة؛ لأنها تبذل بعد إنهاء الحاجة، والرشوة متقدمة عليها (٤)، وإنما كرهت خوف الشبهة.
القول الثالث: الهدية إن كانت على فعل جميل من الموظف، فإن كان واجباً عليه، حرم عليه قبولها، أما إذا لم يكن واجباً عليه، وكانت الهدية لغير سبب منه، كره له قبولها، إلا أن يكافئ عليها بمثلها.
وهو وجه عند الشافعية (٥).
стр. 1830
واستدلوا: أن الموظف إذا كان متبرعاً بفعله الجميل؛ يصير مكتسباً لهذه الهدية بمجاملته، ومعتاضاً على جاهه، وهما بالوظيفة، فلا تحل بهما الهدية -بلا كراهة- وإن كان فعل الجميل مما يجب عليه بوظيفته، ففي الهدية تهمة اعتياضية على أدائه الحق الواجب عليه (١).
الترجيح:
الأقرب -المنع مطلقا-؛ لقوة دليله، ولما فيه من سد ذريعة الاكتساب بالوظيفة، ودرء شبهة التهمة بالرشوة، ولعموم أحاديث النهي عن هدايا العمال.
القسم الثامن:
الهدية للموظف ممن لا حاجة له عند الموظف تتعلق بوظيفته، ولم يقصد بها استمالة قلبه، وكان يهدي له قبل توليته الوظيفة لقرابة ونحوها، ولم تزد الهدية بعد الوظيفة فوق المعتاد إلا بزيادة مال المهدي:
تباح هذه الهدية؛ لانتفاء الاتهام فيها بالرشوة، ولعدم المجازاة بها على عمل (٢)؛
(١٦٢) لما روي أن زيد بن ثابت ﵁: " كان يهدي لعمر بن الخطاب ﵁ لبناً فيقبله، حتى اقترض زيد مالاً من بيت المال، وأهدى اللبن، فرده عمر، فقال زيد: لم رددته؟ فقال: لأنك اقترضت من بيت المال مالاً، فقال زيد: لا حاجة لي في مال يقطع الوصلة بيني وبينك، فرد المال، وأهدى اللبن، فقبله" (٣).
стр. 1831
فعمر ﵁ رد اللبن على زيد ﵁ حين كان لزيد حاجة عنده، مع أن زيداً كان قبل ذلك يهديه إليه، ولم ينكر زيد على عمر رده لهديته، ولم يرد عمر هدية زيد بعد إرجاعه المال، فدل على جواز هذه الهدية.
وعند المالكية وجه: يكره قبول هذه الهدية (١).
وعند الشافعية وجه: لا يحل للموظف قبول هذه الهدية (٢).
وذلك خشية أن تحدث للمهدي حاجة ينسب بها الموظف إلى الممايلة للمهدي (٣).
القسم التاسع:
الهدية للموظف من أصوله وفروعه، وذوي رحمه المحرم كأخيه، ونحو ذلك.
فإن لم يكن له حاجة فجائز؛ لبعد التهمة، ولقوة صلة الرحم من الموظف والمهدي.
وإن كان له حاجة، فاختلف الفقهاء في قبول الموظف هذه الهدية على قولين:
القول الأول: لا يباح للموظف قبولها.
وإليه ذهب الحنفية في قول (٤).
واستدلوا: أن هذه هدية تلحق التهمة بطلب المهدي ميل الموظف إليه في حاجته المتعلقة بوظيفته (٥).
стр. 1832
القول الثاني: يباح للموظف قبول هذه الهدية.
وإليه ذهب الحنفية في قول (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣).
واستدلوا: أن هذه الهدية لا تدخل بها الظنة على الموظف؛ للصلة بينه وبين المهدي؛ لجمع الرحم من الحرمة في ميل القلب أكثر من حرمة الهدية، فهي لصلة الرحم بينهما (٤).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- أن يقال أنه يرجع إلى القرائن، فإن دلت على أن سببها الوظيفة منعت، وإن كان سببها الصلة جازت؛ لما فيه من الجمع بين القولين.
القسم العاشر:
الهدية المأذون بها للموظف من ولي الأمر:
إذا أذن ولي الأمر للموظف بقبول الهدية، فإنه يباح له أخذها (٥).
(١٦٣) ١ - لما رواه الترمذي من طريق داود بن يزيد الأودي، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: " بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت، فقال: " أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئا بغير إذني، فإنه غلول ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لهذا دعوتك فامض لعملك " (٦).
стр. 1833
فالهدية للموظف تكون غلولاً إن كانت بغير إذن الإمام، أما إن كانت بإذنه فليست غلولاً، بل مباحة.
٢ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، قال: " قدم معاذ من اليمن برقيق في زمن أبي بكر فقال له عمر: ارفعهم إلى أبي بكر، فقال: ولم أرفع إليه رقيقي؟ قال: فانصرف إلى منزله ولم يرفعهم، فبات ليلة ثم أصبح من الغد فرفعهم إلى أبي بكر، فقال له عمر: ما بدا لك؟ قال: رأيتني فيما يرى النائم كأني إلى نار أهدى إليها فأخذت بحجزتي فمنعتني من دخولها، فظننت أنهم هؤلاء الرقيق فقال أبو بكر: هم لك، فلما انصرف إلى منزله قام يصلي فرآهم يصلون خلفه، فقال: لم تصلون؟ فقالوا: لله، فقال: اذهبوا أنتم لله " (١) (صحيح).
القسم الحادي عشر:
الهدية للموظف من الأعلى منه في وظيفته.
стр. 1834
هذه الهدية يباح بذلها من الأعلى من الموظف كرئيسه والسلطان، بشرط أن لا يترتب على ذلك محذور شرعي.
لانتفاء التهمة بالرشوة؛ حيث إن مراعاة الموظف للأعلى منه في وظيفته أو لسلطان لا تكون بهديتهم إليه، بل بالمركز والقوة المستمدة من نفوذ مركزهم (١).
وبه يتبين جواز الهدايا التي تقدمها الدوائر الحكومية والمؤسسات لبعض موظفيها.
القسم الثاني عشر:
الهدية للموظف بعد تركه الوظيفة.
إذا ترك الموظف وظيفته؛ لانتهاء فترتها، أو استقالته منها ثم قدمت له هدايا من إدارة عمله أو غيرها، أفرادا ًكانوا أو جهات، فإنه يباح بذلها وقبولها (٢)؛ وذلك لحديث ابن اللتبية ﵁، وفيه قول رسول الله ﷺ : "فهلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى له" (٣).
ووجهه: أن الموظف إذا ترك العمل، يكون قد جلس في بيت أبيه وأمه، فإذا أهدي إليه حينئذ جازت؛ لانتفاء الريبة بالرشوة (٤).
القسم الثالث عشر:
الهدية على وجه إكرام العلم والصلاح، المقدمة للمفتي والواعظ وإمام المسجد والمعلم الذي لا علاقة له باختبار الطالب ودرجاته، ولو كان موظفاً من قبل الحكومة.
стр. 1835
هذه الهدية يباح بذلها وقبولها (١)؛ لانتفاء الريبة بالرشوة بانتفاء ما يدعو إليها؛ لأن الحامل للإهداء إلى هؤلاء معنى خاص فيهم، هو إكرام العلم أو الصلاح الذي اتصفوا به، ولأن هؤلاء لا يطلب منهم إبطال حق، أو إحقاق باطل.
القسم الرابع عشر:
ضيافة الموظف في بلد وظيفته ممن لا حاجة للمضيف عند الموظف تتعلق بوظيفته، أو كان الموظف قد أنهى حاجة مضيفه،
هذه الضيافة: نص بعض الشافعية: أنه يجوز بذلها، وقبولها (٢).
ويمكن الاستدلال لهذا: أن الضيوف يستوون في هذه الضيافة، فليس فيها مجازاة للموظف على حاجة للمضيف قضاها بجهة وظيفته، ولانتفاء الاتهام بالرشوة؛ لكون هذه الضيافة إما لعدم الحاجة في وظيفة العامل، أو بعد إنهائها (٣).
ويحتمل التفريق بين الأمور التي جرت بها العادة فتباح، وبين غيرها فتمنع، كأن يخصصه بطعام بسبب الوظيفة.
القسم الخامس عشر:
نزول الموظف المسافر ضيفاً في غير بلده.
стр. 1836
يباح للموظف قبول هذه الضيافة إن كان عابر سبيل في هذه البلدة، ويكره إن كان مقيماً فيها (١).
ويمكن الاستدلال لهذا: أن إباحتها إن كان الموظف عابراً؛ بانتفاء التهمة بالرشوة؛ لأنه صار في حق الضيافة كسائر المسلمين العابرين، فلا منة فيها، ولا سبيل بها للتهمة بالرشوة من وجود الحاجة أو بلد الوظيفة.
أما كراهتها للمقيم؛ فلعدم الأحقية له في الضيافة حينئذ، ولخشية حدوث حاجة للمضيف تتعلق بالوظيفة، ويحتمل أن يقال بالتفصيل في القسم السابق قبله.
القسم السادس عشر:
الهدية للموظف من غير أهل بلد الوظيفة، ويرسلها المهدي إلى بلد الوظيفة، وليس للمهدي حاجة عند الموظف تتعلق بالوظيفة.
للشافعية في قبول الموظف هذه الهدية وجهان:
أوجههما: الحرمة (٢).
ويمكن الاستدلال لها: أنه يخشى أن تحدث حاجة للمهدي، فتكون هذه الهدية من الرشوة.
الوجه الثاني: يجوز قبولها؛ لانتفاء التهمة بالرشوة لعدم الحاجة.
والأقرب: عدم قبولها (٣)؛ لما تقدم من الأدلة على تحريم قبول الموظف الهدية، وليس هناك معنى آخر يستحق بها الهدية.
القسم السابع عشر:
تحصل أحياناً ألفة بين موظف وزميله في العمل، أو بينه وبين مراجع له؛
стр. 1837
وذلك لحسن التعامل المباح بينهما، فيبذل الزميل أو المراجع هدية لهذا الموظف تحبباً وتودداً إليه وإكراماً له، لا بقصد الوظيفة، وليس للمهدي عند الموظف حاجة تتعلق بالوظيفة.
وهذه الهدية: إن كانت بين الموظف وزميله فلا بأس بها؛ إذ هي لمعنى آخر وهي الصداقة، وإن كانت بين موظف وأجنبي، فالأقرب عدم قبولها؛ لما تقدم من الأدلة على تحريم الموظف الهدية، وليس هناك معنى آخر يستحق به الهدية.
القسم الثامن عشر:
الهدية إلى جهة عمل ليست للدولة، ولا ارتباط لها بعمل الدولة، كالمؤسسات والمحلات التجارية التي لا ارتباط لها بأي عمل للدولة.
والهدية لهذه الجهات: يجوز بذلها، ويجوز للمسؤول عن هذه الجهات قبولها؛ وذلك لأن الأصل إباحة الهدية.
لكن جواز هذه الهدية مرتبط بما إذا لم يقصد بها المهدي ميل أصحاب الجهة إليه للإضرار بغيره.
القسم التاسع عشر:
الهدية إلى جهة عمل للدولة، أو لها ارتباط بعمل متعلق بالدولة.
هذا القسم من الجهات يشمل الدوائر الحكومية والمؤسسات الخاصة المرتبطة بالحقوق العامة كمكاتب التقارير الطبية في المستشفيات الخاصة، ومكاتب المحاماة والمحاسبين القانونيين، أو المؤسسات المرتبطة بمشاريع مالية للدولة كشركات ومؤسسات المقاولة، والمحلات التجارية التي تتعامل مع الدولة.
والهدية لهذا القسم من الجهات، لا يخلو قصد مهديها من أحد أمرين:
стр. 1838
الأمر الأول: أن يقصد بهديته ميل قلوب موظفي الجهة؛ لتسهيل أعماله التي فيها، حالاً أو مستقبلاً.
فحينئذ: إما أن تكون أعماله هذه نظامية، لكن موظفي الجهة لا ينجزونها إلا ببذله هدية لدائرتهم لا لأنفسهم.
فهذه الهدية: يجوز للمهدي بذلها، ويحرم على موظفي الجهة قبولها كما تقدم في القسم الثاني.
وإما أن تكون أعمال المهدي لهذه الجهة غير نظامية، وأراد بهديته أن يغض موظفوها الطرف عنه فيها، أو أراد أن يقدموه على غيره كما في مشاريع المقاولات، أو غير ذلك من المقاصد غير المشروعة.
فهذه تعتبر رشوة، يحرم على المهدي بذلها، ويحرم على موظفي الدائرة قبولها.
الأمر الثاني: أن يقصد بهديته هذه إكرام الجهة ومجازاتها على ما قامت به تجاه مهمته.
فهذه الهدية: أرجو أن لا يكون بأس في بذلها وقبولها.
وذلك؛ لأنها ليست مقدمة لذات الموظف، فيخشى عليه المجازاة على عمل واجب عليه، وليس فيها تهمة بالرشوة.
القسم العشرون:
الهدية للسلطان ممن يهدي له قبل توليته، ولا يريد منه وظيفة في الدولة، ولا مجازاته على جميل قام به للمهدي.
تباح هذه الهدية؛ لأنها لجاه السلطنة، لكن إن كافأ السلطان عليها صارت له (١)، أما إن لم يكافئ عليها، فهل يردها أو يقبلها لبيت المال؟ قولان.
стр. 1839
القسم الواحد والعشرون:
هدية أهل الحرب للسلطان.
يباح للسلطان قبول هذه الهدية؛ لأنه يحل له استباحة أموالهم، لكن لمن تكون؟ يختلف باختلاف القصد منها، وهو لا يخلو من ثلاثة فروع:
الفرع الأول: أن تكون الهدية لمودة سابقة بين السلطان وبين المهدي، وليست لكونه سلطاناً، فالهدية تكون للسلطان.
الفرع الثاني: أن تكون لأجل سلطانه، فالهدية لبيت مال المسلمين؛ لأن سلطانه بالمسلمين.
الفرع الثالث: أن تكون الهدية لحاجة، فإن كان السلطان يقدر عليها بغير سلطانه فهو أحق بها، وإلا فلبيت مال المسلمين؛ لأن سلطانه بهم، فكانوا أحق بها (١).
الأمر الثالث: الهدية للشفيع.
الشفاعة في اللغة: مأخوذة من الشفع، وهو جعل الفرد زوجاً.
وفي الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة.
قضاء حاجة المسلم فيها فضل كبير، وأجر عظيم، والأدلة على هذا كثيرة، ومن ذلك:
١ - قول الله : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)(٢).
(١٦٤) ٢ - ما رواه الإمام مسلم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر
стр. 1840
الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (١).
ومن ذلك الشفاعة الحسنة في قضاء حوائج المسلمين، قال الله : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ (٢).
فالآية حثت على الشفاعة الحسنة وأن من يفعلها يؤجر عليها.
فإذا أهدى صاحب الحاجة لمن شفع له في قضاء حاجته، فلها أحوال:
الحال الأولى: أن تكون من أجل شفاعة في محرم، كإسقاط واجب أو معونة على ظلم، ونحو ذلك، فتحرم الهدية بالاتفاق (٣).
لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٤).
وبذل الهدية وقبولها هنا من باب التعاون على الإثم والعدوان.
الحال الثانية: أن لا يستطيع طالب الشفاعة الوصول إلى حقه إلا ببذل الهدية، فهذا موضع خلاف بين العلماء:
فجمهور العلماء على أنه جائز (٥).
قال شيخ الإسلام (٦): " فأما إذا أهدي له هدية ليكف ظلمه عنه، أو
стр. 1841
ليعطيه حقه الواجب، كانت هذه الهدية حراما على الآخذ، وجاز للدافع أن يدفعها إليه ".
الحال الثالثة: أن يستطيع الوصول إلى حقه ودفع الظلم عنه دون أن يقدم الهدية، ولكن يبذلها مكافئة للشافع، ولها قسمان:
القسم الأول: أن يكون هناك شرط من الشافع على المشفوع له، فعند جمهور العلماء يحرم بذل الهدية وقبولها.
وفي الأصح عند الحنفية يحرم الأخذ، ويحل الإعطاء (١).
القسم الثاني: أن لا يكون هناك شرط، فاختلف العلماء في ذلك على أقوال:
القول الأول: يحرم على الشافع قبول هذه الهدية وبذلها.
وبه قال بعض الحنفية (٢)، والإمام مالك (٣)، ورواية عن الإمام أحمد، وأخذ به أكثر الحنابلة (٤).
القول الثاني: لا يجوز أخذ الهدية إذا كانت في أمر واجب كالشفاعة عند السلطان في إنقاذ مظلوم، وأما إذا كانت في أمر مباح فيجوز.
وبه قال الصنعاني (٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومثل ذلك إعطاء من أعتق وكتم عتقه، أو أسر خبرا، أو كان ظالما للناس، فإعطاء هؤلاء: جائز للمعطي حرام عليهم
стр. 1842
أخذه، أما الهدية للشفاعة: مثل أن يشفع الرجل عند ولي أمر ليرفع عنه ظلمه، أو يوصل إليه حقه، أو يوليه ولاية يستحقها، أو يستخدمه في الجند المقاتلة - وهو مستحق لذلك -، أو يعطيه من المال الموقوف على الفقراء أو الفقهاء أو القراء أو النساك أو غيرهم، وهو من أهل الاستحقاق،، ونحو هذه الشفاعة التي فيها إعانة على فعل واجب أو ترك محرم، فهذه أيضا لا يجوز فيها قبول الهدية، ويجوز للمهدي أن يبذل ذلك ما يتوصل به إلى أخذ حقه، أو دفع الظلم عنه، هذا هو المنقول عن السلف والأئمة الأكابر ".
وقال الصنعاني: "ولعل المراد إذا كانت الشفاعة عند السلطان في إنقاذ المظلوم، أو كانت في محظور كالشفاعة عنده في تولية ظالم فأخذ الهدية محرم .... وإن كانت الشفاعة في أمر مباح فلعله جائز " (١).
القول الثالث: جواز بذل الهدية وقبولها.
وهو قول أكثر الحنفية (٢)، وبه قال بعض الشافعية وهو المذهب عندهم (٣)(٤)، وهو رواية عن الإمام أحمد مع الكراهة (٥).
وقال بعض الشافعية: إن كان يهدى له قبل الشفاعة، فلا يكره له أن يقبلها، وإن كان لا يهدي له فيكره إلا أن يكافئه.
الأدلة:
أدلة القول الأول:
(١٦٥) ١ - ما رواه أحمد قال: حدثنا حسن، ثنا ابن لهيعة، ثنا عبيد
стр. 1843
الله بن أبي جعفر، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من الربا " (١).
وتسميته بالربا من باب الاستعارة للتشابه بينهما؛ لأن الربا هو الزيادة في المال من الغير لا في مقابلة عوض وهذا مثله.
(١٦٦) ٢ - ما رواه أسلم بن سهل قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن سعيد، قال: ثنا بشر بن محمد بن أبان بن مسلم الواسطي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبان بن أبي عياش، عن مسلم بن أبي عمران، عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: " أرأيت الرشوة في الحكم هو السحت، قال: لا، ولكن الكفران السحت أن يكون للرجل ثم السلطان منزلة، ويكون للآخر إليه حاجة فيهدي له ليقضي حاجته " (٢).
стр. 1844
٣ - ما ورد عن ابن مسعود ﵁ أنه سئل عن السحت فقال: " الرجل يطلب الحاجة فيهدي إليه فيقبلها " (١)، فقد جعل ذلك من السحت، والسحت حرام.
ونوقش: أن ذلك من قبيل الورع، والورع ليس سبيله التحريم، بل يشمل ترك المحرمات والمكروهات والمشتبهات (٢).
(١٦٧) ٤ - ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن كليب بن وائل قال: سألت ابن عمر، قال: قلت: جاءني دهقان عظيم الخراج فتقبلت عنه بخراجه، فأتاني فكسر صكه، وأدى ما عليه، ثم حملني على برذون، وكساني حلة، قال: "أرأيت لو لم تتقبل منه أكان يعطيك هذا؟ قال: قلت: لا، قال: فلا إذا" (٣).
(١٦٨) ٥ - قال ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن قال: أتى دهقان من دهاقين سواد الكوفة عبد الله بن جعفر يستعين به في شيء على علي، فكلم له عليا فقضى له حاجته، قال: فبعث إليه الدهقان بأربعين ألفا وبشيء معها لا أدري ما هو؟ فلما وضعت بين يدي عبد الله بن جعفر قال: ما هذا؟ قيل له: بعث بها الدهقان الذي كلمت له في حاجته أمير المؤمنين، قال: "ردوها عليه، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف " (٤).
стр. 1845
٦ - إنها مكافأة على إحسان غير واجب، فجاز أخذها على الأمور المباحة.
٧ - إن الشفاعة من المصالح العامة التي يقوم بها الناس، وبذل الهدية يجعلها كالأجرة، ولا يجوز أخذ الأجرة على المصالح العامة (١).
قال شيخ الإسلام: " لأن مثل هذا العمل هو من المصالح العامة التي يكون القيام بها فرضا؛ إما على الأعيان؛ وإما على الكفاية، ومتى شرع أخذ الجعل على مثل هذا لزم أن يكون الولاية وإعطاء أموال الفيء والصدقات وغيرها لمن يبذل في ذلك، ولزم أن يكون كف الظلم عمن يبذل في ذلك، والذي لا يبذل لا يولى ولا يعطى ولا يكف عنه الظلم، وإن كان أحق وأنفع للمسلمين من هذا " (٢).
٨ - إن أخذ الهدية على الشفاعة ذريعة إلى الرشوة، و ما كان ذريعة إلى محرم فهو محرم.
أدلة القول الثاني:
مجموع أدلة القولين.
أدلة القول الثالث: (الجواز)
١ - ما ورد من الأدلة على مشروعية الهبة (٣).
٢ - عموم الأدلة التي وردت في المكافأة على المعروف، كقول النبي ﷺ : " من صنع إليكم معروفاً فكافئوه " (٤).
стр. 1846
ونوقش هذا الاستدلال: بتخصيص الهدية للشافع؛ لورود الأدلة على ذلك.
٣ - أن ذلك غير معارض لأصول الشرع ومقاصده.
٤ - أن هذا من باب الجعالة، والأصل في الجعالة الحل (١).
ونوقش هذا الاستدلال: بهذين الدليلين بما ذكره شيخ الإسلام (٢) قال: " وقد رخص بعض المتأخرين من الفقهاء في ذلك ...... ".
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- أنه يجوز أخذ الهدية على الشفاعة في الأمور المباحة دون الشفاعة على الأمور الواجبة أو المحرمة؛ إذ به تجتمع أدلة المسألة.
الأمر الرابع: الهبة في البيع والشراء:
وفيه فروع:
الفرع الأول: الهدايا التَذْكَارية.
الهدايا التذكارية: هي ما يقدمه أصحاب السلع إلى عموم الناس بغرض تكوين علاقة طيبة، والتذكير بسلعهم، وأنشطتهم.
ومن أمثلة هذا النوع من الهدايا: التقاويم السنوية، والمفكرات، ونحوها (٣).
وهذا النوع من الهدايا الترغيبية يخرّج على أنه هبة مطلقة، يقصد منها تذكير الناس بأعمال التجار، وإقامة علاقة وديّة معهم.
وحكم هذه الهدايا الجواز؛ لأن الأصل في المعاملات الحل.
стр. 1847
ومن الهدايا الترغيبية التذكارية التي لا تجوز بذلاً ولا قبولاً: الهدايا التي ترغّب في التعاملات المحرمة كهدايا البنوك الربوية مثلاً، فإنها لا تجوز؛ لما فيها من الدعاية لهذه البنوك الربوية؛ إذ لا تخلو هذه الهدايا غالباً من شعار البنك، وعبارات تدعو إلى التعامل معه.
الفرع الثاني: الهدايا الترويجية.
الهدايا الترويجية: هي ما يقدمه التجار من مكافآت تشجيعية للمستهلكين مقابل شراء سلع أو خدمات معينة، أو اختيار تاجر معين (١)، ولا تخلو من حالتين:
الحال الأولى: كون الهدية الترويجية سلعة.
أي أن تكون الهدية الترويجية سلعة معينة، سواء كانت من جنس المبيع أو من غير جنسه، وفيها أقسام:
القسم الأول: أن يكون المشتري موعوداً بالهدية قبل الشراء.
وتحته صورتان:
الصورة الأولى: هدية لكل مشترٍ.
صورة ذلك: أن يعلن صاحب السلعة أن كل من يشتري سلعة معينة، فله هدية مجانيّة أو موصوفة وصفاً مميزاً.
الصورة الثانية: هدية يشترط لتحصيلها بلوغ حد معين من السلع، أو بلوغ ثمن معين.
صورة ذلك: أن يقول التاجر: من اشترى عدد كذا من سلعة معينة فله هدية مجاناً، أو يقول: من جمع كذا قطعة من سلعة معينة فله هدية مجاناً.
ومن ذلك قول بعض الباعة: من اشترى بمبلغ كذا فله هدية معينة مجاناً.
стр. 1848
وهذا النوع من الهدايا الترويجية يخرج على أنه وعد بالهبة، فالثمن المبذول عوض عن السلعة دون الهدية، وذلك أن هذه الهدية لا أثر لها على الثمن مطلقاً، والمقصود منها التشجيع على الشراء.
قال ابن قدامة: " ولا يصح تعليق الهبة بشرط؛ لأنها تمليك لمعين في الحياة، فلم يجز تعليقها على شرط كالبيع، فإن علقها على شرط، كقول النبي ﷺ : (إن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك) (١) كان وعداً " (٢).
وحكم هذا النوع: الجواز؛ لأن الأصل في المعاملات الحلّ.
وأيضا: أنه ليس للواهب الرجوع في هبته بعد قبض المشتري، ولو انفسخ العقد؛ لعموم النهي عن الرجوع في الهبة (٣).
وأيضا: يلزم البائع إعطاء المشتري الهدية الموعودة بناء على القول بوجوب الوفاء بالوعد.
وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية (٤)، وهو قول لبعض المالكية (٥) كابن شبرمة (٦)، وابن العربي (٧)، ووجه في مذهب أحمد (٨)، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٩)، وحكاه ابن رجب عن بعض أهل الظاهر (١٠).
стр. 1849
القول الثاني: لا يجب الوفاء بالوعد، بل يستحب.
وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وابن حزم من الظاهرية (٤).
القول الثالث: يجب الوفاء بالوعد المعلق على شرط دون ما لم يعلق بشرط.
وهذا مذهب المالكية (٥).
وقيل: إن هذه الهدايا الترويجية من الهدايا المحرمة التي يتذرع بها إلى أكل أموال الناس بالباطل، والإضرار بالتجار الآخرين (٦).
وأجيب عن ذلك بأمرين:
الأمر الأول: أن هذه الهدايا الترويجية وسيلة لترغيب الناس في الشراء، وتشجيعهم على التعامل مع من يستعملها، فهي ليست لأخذ أموالهم بغير حق،
стр. 1850
ولا لتوريطهم في شراء ما لا يحتاجون، ولا لستر عيوبٍ فيما يبيعون، فلا تحيّل فيها ولا تمويه ولا تغرير، فلا تكون من أكل أموال الناس بالباطل.
الأمر الثاني: أن دعوى الإضرار بالتجار الآخرين تناقش بما يلي:
أ- إن دواعي الإقبال على بائع دون آخر كثيرة متنوعة مختلفة، وليست الهدايا الترويجية هي العامل المؤثر في ذلك ليعلق عليه الحكم.
ب- إن أهل التجارات يسلكون طرقاً متعددة في جذب الناس إلى سلعهم أو خدماتهم، فينبغي ألا يحجر على أحدهم في استعمال ما أحلّه الله وأباحه.
ج- إن الضرر الذي نهى عنه النبي ﷺ مبناه على القصد والإرادة، أو على فعل ضرر لا يحتاج إليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقله عنه صاحب الفروع: " فمتى قصد الإضرار ولو بالمباح، أو فعل الإضرار من غير استحقاق فهو مضار، وأما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به لا لقصد الإضرار فليس بمضار " (١).
القسم الثاني: ألاّ يكون المشتري موعوداً بالهدية قبل الشراء.
صورة ذلك: ما يقوم به كثير من التجار، وأصحاب السلع من إعطاء المشترين سلعة زائدة على ما اشتروه بدون وعد سابق، أو إخبار متقدم على العقد، وذلك إكراماً للمشترين، ومكافأة لهم على شرائهم، وترغيباً في استمرار التعامل (٢).
وتخرج هذه الهدية على أنها هبة محضة (٣)؛ لتشجيع الناس على الشراء، ومكافأتهم عليه، أو على اختيارهم للمحل أو النوع، وما أشبه ذلك (٤).
стр. 1851
جواز هذا النوع من الهدايا الترويجية؛ لأن الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يقم مانع شرعي.
القسم الثالث: أن يكون الحصول على الهدية مشروطاً بجمع أجزاء مفرّقة في أفراد سلعة معيّنة.
صورة ذلك: ما تقوم به بعض الشركات من وضع ملصقات مجزأة في أفراد سلعة معينة غالباً ما تكوّن هذه الأجزاء شكلاً معيناً.
ومن صور هذه الحال: ما تقوم به بعض محلات المواد الغذائية والاستهلاكية الكبيرة (السوبر ماركت) (١) من إعطاء مَن بلغ حداً معيناً من الشراء بطاقة فيها جزء من جهاز على أنه إذا كرر الشراء ثانية وبلغ ذلك الحد، فإنه يعطى بطاقة أخرى، فإذا كمّل الجزء الآخر يكون ذلك الجهاز هدية مجانيّة لصاحب البطاقة.
هذه الصورة من الهدايا الترويجية تخرّج على أنها هبة (٢).
وقد أفتى بتحريم هذه الصورة من الهدايا الترويجية شيخنا العلامة الشيخ محمد الصالح العثيمين ﵀، حيث قال في إجابة له عن سؤال حول هذه الهدايا: " أما الصورة الثانية: فهي جعل صورة سيارة نصفها في كارت ونصفها الثاني في كارت آخر مثلاً، ولا تدري عن هذا النصف الآخر هل هو موجود، أو غير موجود؟ وعلى فرض أنه موجود، فهو حرام بلا شك؛ لأن الإنسان إذا اشترى كرتوناً يكفيه وعائلته، ووجد فيه كارت السيارة، فإنه سوف
стр. 1852
يشتري عشرات الكراتين أو مئات الكراتين رجاء أن يحصل على النصف الثاني ليحصل على السيارة، فيخسر مئات الدراهم، والنهاية أنه لا شيء، فقد تحصل لغيره، فيكون في هذا إضاعة مال وخطر، فلا يجوز استعمال هذه الأساليب " (١).
الحال الثانية: كون الهدية الترويجية منفعة (خدمة)، ولا تخلو من قسمين:
القسم الأول: أن يكون المشتري موعوداً بالمنفعة (الخدمة) قبل العقد.
صورة هذا: ما تعلن عنه كثير من محطات وقود السيارات، أو تغيير الزيت، أو غسيل السيارات من أن من جمع عدداً محدداً من البطاقات التي تثبت أنه اشترى منهم وقوداً، أو غيّر عندهم الزيت، أو غسّل السيارة، فله غسلة مجانيّة، ونحو ذلك من الخدمات.
ومما يدخل في هذه الحال ما تقوم به بعض الشركات، أو أصحاب السلع من أن مَن اشترى منهم سلعة أو خدمة، فإن له هدية تذكرة سفر مجانية إلى بلد معين.
وتخرج هذه المنافع على أنها وعد بهبة المنفعة (٢).
وقد أفتى بجواز هذه الصورة من الهدايا الترويجية اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية في جواب لها.
القسم الثاني: ألاّ يكون المشتري موعوداً بالمنفعة قبل العقد.
صورة هذا: ما تقدمه بعض محطات وقود السيارات من خدمات لمن يشتري منها وقوداً، كتمسيح زجاج السيارة مثلاً، ونحو ذلك من الخدمات.
стр. 1853
وتخرّج هذه الهدية على أنها هبة محضة للمنفعة (الخدمة) مكافأة على التعامل وتشجيعاً عليه.
وحكمها: جواز هذا النوع من الهدايا الترغيبية بذلاً وقبولاً؛ عملاً بأصل الإباحة في المعاملات.
الفرع الثالث: الهدايا الإعلانية (العينات).
الهدايا الإعلانية: وهي ما تقدمه المؤسسات، والشركات للعملاء من نماذج معدّة إعداداً خاصاً للتعريف ببضاعة جديدة، أو إعطاء العملاء فرصة تجربة السلعة، أو لأجل الترويج لها (١).
وتخرج على أنها هبة محضة.
وحكمها: جواز هذا النوع من الهدايا الترغيبية؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، ولا دليل على المنع.
الفرع الرابع: الهدايا النقدية.
وهي: أن يقوم بعض أصحاب السلع بوضع شيء من النقود في بضائعهم.
ولها صورتان:
الصورة الأولى: هدية نقدية في كل سلعة.
وتخرج على أنها من باب مسألة مد عجوة ودرهم، ومسألة مد عجوة ودرهم هي: أن يبيع ربوياً بجنسه ومعهما، أو مع أحدهما من غير جنسه.
وهذه المسألة محرمة على الراجح من أقوال أهل العلم؛
(١٦٩) لما رواه مسلم من طريق حَنَش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت يوم خيبر قلادةً باثني عشر دينارًا فيها ذهب وخرز ففصَّلتها،
стр. 1854
فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: " لا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ " (١).
الصورة الثانية: هدية نقدية في بعض أفراد السلع.
وذلك أن يوضع في علبة أو فرد من أفراد السلعة شيء من النقود.
وحكمها: التحريم؛ إذ هي من الميسر الذي حرمه الله ، وذلك أن المشتري يبذل مالاً لشراء سلعة قد يحصل معها على هدية فيغنم، وقد لا يحصل على شيء فيغرم (٢).
الأمر الخامس: الهدية للمولود، ونحوه.
في كشاف القناع: " (ولو اتخذ الأب دعوة ختان وحُملت هدايا إلى داره فهي له)؛ لأنه الظاهر (إلا أن يوجد ما يقتضي الاختصاص بالمختون فيكون له، وهذا كثياب الصبيان ونحوها مما يختص بهم، وكذا لو وجد ما يقتضي اختصاص الأم) بشيء (فيكون لها مثل كون المهدي من أقاربها أو معارفها) حُمل على العرف (وخادم الفقراء الذي يطوف لهم في الأسواق ما حصل له لا يختص به)؛ لأنه في العرف إنما يدفع إليه للشركة فيه، وهو إما كوكيلهم أو وكيل الدافعين فينتفي الاختصاص.
(وما يُدفع من صدقة إلى شيخ زاوية أو) شيخ (رباط الظاهر أنه لا يختص به)؛ لأنه في العادة لا يدفع إليه اختصاصا به، فهو كوكيل الفقراء أو الدافعين" (٣).
الأمر السادس: الهدية في أعياد الكفار.
قال شيخ الإسلام: "وكذلك أعياد الفرس مثل: النيروز والمهرجان،
стр. 1855
وأعياد اليهود، أو غيرهم من أنواع الكفار، أو الأعاجم أو الأعراب، حكمها كلها على ما ذكرناه من قبل، وكما لا نتشبه بهم في الأعياد، فلا يعان المسلم المتشبه بهم في ذلك، بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تجب دعوته، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد مخالفة للعادة في سائر الأوقات غير هذا العيد لم تقبل هديته، خصوصاً إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم مثل إهداء الشمع ونحوه في الميلاد، أو إهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير الذي في آخر صومهم، وكذلك أيضا لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان به على التشبه بهم كما ذكرناه.
يجب على المسلم أن لا يفعل ما يعين الكفار في أعيادهم وغيرها وما ورد عن السلف في النهي عن ذلك " (١).
قال شيخ الإسلام: " وأما قبول الهدية منهم يوم عيدهم: فقد قدمنا عن علي ﵁: أنه أتي بهدية النيروز فقبلها.
وروى ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا جرير، عن قابوس عن أبيه: " أن امرأة سألت عائشة قالت: إن لنا أظآرا من المجوس، وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا. قالت: أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا، ولكن كلوا من أشجارهم ".
وقال: حدثنا وكيع، عن الحسن بن حكيم، عن أمه، عن أبي برزة: أنه كان له سكان مجوس، فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: ما كان من فاكهة فكلوه، وما كان من غير ذلك فردوه.
فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء؛ لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر
стр. 1856
كفرهم، لكن قبول هدية الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة مسألة مستقلة بنفسها فيها خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه.
وإنما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم بابتياع أو هدية، أو غير ذلك مما لم يذبحوه للعيد " (١).
الأمر السابع: أخذ الهدية من أجل تعطيل الحدود.
قال شيخ الإسلام: " ولا يجوز أن يؤخذ من الزاني أو السارق أو قاطع الطريق ونحوهم مال تعطل به الحدود، ولا بيت المال، ولا لغيره، وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث، وإذا فعل ولي الأمر ذلك فقد جمع فسادين عظيمين أحدهما: تعطيل الحد، والثاني: أكل السحت، فترك الواجب وفعل المحرم، قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ (٢)، وقال الله تعالى عن اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٣)؛ لأنهم كانوا يأكلون السحت من الرشوة التي تسمى البرطيل وتسمى أحيانا الهدية وغيرها، ومتى أكل السحت ولي الأمر احتاج أن يسمع الكذب من شهادة الزور وغيرها، وقد روي "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش الواسطة الذي يمشي بينهما"رواه أهل السنن.
وفي الصحيحين: " أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ ، فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله فقال صاحبه -وكان أفقه منه- نعم يا رسول الله: اقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي فقال: إن ابني كان عسيفا في أهل هذا -يعني أجيرا- فزنى بامرأته، فافتديت منه بمئة شاة وخادم،
стр. 1857
وإن رجالا من أهل العلم أخبروني أن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: المئة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فاسألها، فإن اعترفت فارجمها، فسألها فاعترفت فرجمها " (١)، ففي هذا الحديث أنه لما بذل عن المذنب هذا المال لدفع الحد عنه أمر النبي ﷺ بدفع المال إلى صاحبه، وأمر بإقامة الحد، ولم يأخذ المال للمسلمين: من المجاهدين والفقراء وغيرهم، وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني والسارق والشارب والمحارب وقاطع الطريق، ونحو ذلك لتعطيل الحد مال سحت خبيث " (٢).
المسألة التاسعة: الشرط التاسع: ألا تكون الهبة مؤقتة.
اشترط جمهور أهل العلماء ألا تكون الهبة مؤقتة، كما لو قال: وهبتك هذا الكتاب شهرا.
ودليلهم على ذلك: أن عقد الهبة تمليك، وهذا يقتضي التأبيد.
واستثنوا: هبتي العمرى، والرقبى، كما سيأتي في مبحث هبة العمرى والرقبى.
وعند شيخ الإسلام ﵀: يصح اشتراط الرجوع في الهبة، كما سيأتي في مبحث الرجوع بالهبة بالشرط، ومقتضاه صحة توقيت الهبة.
стр. 1858
المبحث الثالث: شروط الموهوب له
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الشرط الأول: أن يكون الموهوب له مسلماً، حرا، جائز التصرف:
وفيها أمور:
الأمر الأول: الهبة للمشركين:
تُشرع الهبةُ للمسلم بالإجماع؛ لما تقدَّم من الأدلة.
سواء كانت من مسلم أو كافر، ما لم تتضمَّن محذوراً شرعيَّاً كما تقدم.
واستحبَّ بعضُ العلماء ردّ هدايا المشركين؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾ (١).
قال السمعاني: "قال أهل العلم: وقد كان الأنبياء لا يقبلون هدايا المشركين" (٢).
وقال الألوسي: "واستدل بالآية على استحباب رد هدايا المشركين" (٣).
стр. 1859
يُجاب عن هذا بجوابين:
الأول: أنَّها في شرع من قبلنا، وقد خالفه شرعُنا؛ فإنَّ النبي ﷺ قبل هدايا المشركين، ومن ذلك:
(١٧٠) ١ - قال البخاري: وقال أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : " هاجر إبراهيم ﵇ بسارة، فدخل قرية فيها ملك أو جبار، فقال: أعطوها آجر، وأهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم " (١).
(١٧١) ٢ - قال البخاري: " وقال أبو حميد: " أهدى ملك أيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء، وكساه بردا، وكتب له ببحرهم" (٢).
(١٧٢) ٣ - ما رواه البخاري من طريق قتادة، حدثنا أنس ﵁ قال: أهدي للنبي ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها، فقال: " والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا " وقال سعيد: عن قتادة، عن أنس: إنَّ أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ .
(١٧٣) ٤ - ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁ " أن يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ " (٣).
(١٧٤) ٥ - ما رواه البخاري من طريق المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: " كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومئة، فقال النبي ﷺ : هل مع أحد منكم طعام؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ : بيعا أم عطية، أو قال: أم هبة، قال: لا، بل بيع، فاشترى
стр. 1860
منه شاة، فصنعت، وأمر النبي ﷺ بسواد البطن أن يشوى، وأيم الله ما في الثلاثين والمئة إلا قد حز النبي ﷺ له حزة من سواد بطنها إن كان شاهدا أعطاها إياه، وإن كان غائبا خبأ له، فجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، ففضلت القصعتان، فحملناه على البعير، أو كما قال " (١).
الثاني: أنَّ سليمان ردَّها لتضمُّنها محذوراً شرعيَّاً، وهو مُصانعتهم في الدعوة إلى الله.
وأما الهبة للمشركين، فاختلف فيها العلماءُ ﵏-على قولين:
القول الأول: تجوز الهبةُ لغير الحربي.
وهو قول جمهور أهل العلم ﵏ (٢).
ونص الحنابلة: على أنه تحرم مهاداتهم في أعيادهم.
ونصوا أيضا: على أنه يكره عمل ما يجلب المودة لهم.
ودليلهم:
١ - قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (٣).
(١٧٥) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: " قَدِمَت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتيت رسول الله ﷺ ، قلت: إنَّ أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم، صلي أمك " (٤).