← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(٤٠) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁، وفيه قوله ﷺ : " .... اذهب فقد ملكتها بما معك من القرآن " (١). فدل الحديث على أن النكاح ينعقد بغير لفظ الإنكاح أو التزويج، بل بما دل عليه العرف. (٤١) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ثابت وشعيب بن الحبحاب، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ : "أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها" (٢). وجه الدلالة كسابقه. المطلب الثاني: الصيغة الفعلية اختلف الفقهاء في جواز الوقف بالفعل، دون إصدار لفظ من الواقف يدل على الوقف على قولين: القول الأول: يجوز الوقف بالفعل، وأنها تقوم مقام الصيغة اللفظية. وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (٣)، واختاره شيخ الإسلام.

стр. 212

لكن قيد الحنفية بجريان العرف. وقيد الحنابلة الوقف على الفقراء والمساكين والمعين بالعرف. قال ابن نجيم: " إنه لا يحتاج في جعله مسجدا إلى قوله: وقفت ونحوه؛ لأن العرف جار بالإذن في الصلاة على وجه العموم، والتخلية بكونه وقفا على هذه الجهة، فكان كالتعبير به … بخلاف الوقف على الفقراء ولم تجر العادة فيه بالتخلية والإذن بالاستغلال، ولو جرى به عرف اكتفينا بذلك " (١). وقال هلال: " وإذا جعل الرجل داره مسجداً للمسلمين، وبناها كما تبنى المساجد، وأشهد على أنه جعلها مسجداً لله تعالى، فهذا عندنا جائز وإن لم يكن صلى فيها " (٢). وقال الدسوقي: "وما يقوم مقامها -أي ألفاظ وقفت وحبست-، كالتخلية بين المسجد وبين الناس، ولم يخص قوما دون قوم، ولا فرضا دون نفل، فإذا بنى مسجدا وأذن فيه للناس فذلك كالتصريح بأنه وقف، ولم يخص زمانا ولا قوما، ولا قيد الصلاة بكونها فرضا أو نفلا، فلا يحتاج شيء من ذلك ويحكم بوقفيته " (٣). وقال ابن قدامة: " ويصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه، مثل أن يبني مسجدا ويأذن للناس في الصلاة فيه، أو مقبرة ويأذن في الدفن فيها، أو سقاية ويأذن في دخولها … " (٤). القول الثاني: أن الوقف لا يصح إلا باللفظ. وعليه فلا يصح الوقف بالفعل إلا المسجد إذا بناه في أرض موات ونوى

стр. 213

به المسجد صار مسجدا قائما، ولم يحتج إلى صريح قول بأنه مسجد؛ لأن الفعل مع النية يغنيان عن القول. وعلى قياس ذلك غير المسجد من المدارس، والربط، وأما المسجد في أرض مملوكة، فلا يصح بالفعل. وإشارة الأخرس المفهومة، وكتابته، وكتابة الناطق كاللفظ. وهذا مذهب الشافعية (١). والقول بأن الوقف لا ينعقد إلا باللفظ رواية عن الإمام أحمد (٢). قال النووي: " فلا يصح الوقف إلا بلفظ؛ لأنه تمليك للعين والمنفعة، أو المنفعة، فأشبه سائر التمليكات " (٣). قال الأسنوي: " وقياس ذلك إجراؤه في غير مسجد أيضا من المدارس والربط " (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: (صحة الوقف بالفعل) استدل القائلون بصحة الوقف عن طريق الفعل بالأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (٥)، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٦).

стр. 214

(٤٢) ٢ - ما رواه عبد الله من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبد الملك بن حسن الجاري، عن عمارة بن حارثة، عن عمرو بن يثربى قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: " ألا ولا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه، فقلت: يا رسول الله أرأيت أن لقيت غنم ابن عمي أجتزر (١)، منها شاة؟ فقال: إن لقيتها نعجة تحمل شفرة (٢)، وأزنادا (٣) بخبت الجميش (٤) فلا تهجها (٥)، قال: يعني بخبت الجميش أرضا بين مكة والجار ليس بها أنيس " (٦).

стр. 215

(٤٣) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحلبنَّ أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه " (١). وجه الدلالة: أنَّ المعاطاةَ تدلُّ عُرفاً على الرضا، فيلزم من ذلك صحة العقد بها؛ لأنَّ اللفظَ إنما يُرادُ للدلالة على التراضي، فإذا وجد ما يدل عليه قام مقامه، وأجزأ عنه لعدم التعبد فيه (٢). ٤ - أنَّ من تتبع ما ورد عن النبي ﷺ والصحابة -رضوان الله عليهم- من أنواع المبايعات والمؤجرات والتبرعات، علم ضرورة أنهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة، ولو استعلموا ذلك في عقودهم لنقل نقلا شائعا، ولو كان ذلك شرطا لوجب نقله، ولم يتصور إهماله والغفلة عن نقله؛ لأن العقود مما تعم بها البلوى، فلو اشترط لها صيغة معينة لبينها النبي ﷺ بيانا عاما للناس حتى لا يخفى عليهم حكمها، وإنما المنقول خلاف ذلك في آثار كثيرة منها:

стр. 216

أ- أن رسول الله ﷺ بنى مسجده، والمسلمون بنوا المساجد على عهده وبعد موته، ولم يؤمر أحد أن يقول: وقفت هذا المسجد ولا ما يشبه هذا اللفظ، (٤٤) روى البخاري من طريق عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان ﵁ يقول: … سمعت النبي ﷺ يقول: " من بنى مسجدا -قال بكير: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه- بنى الله له مثله في الجنة " (١). ٥ - أنَّ أسماءَ العقود ورَدَت في الكتاب والسنة معلّقاً بها أحكام شرعية، ولا بدَّ لكلِّ اسمٍ حدٌّ يُعرف به إما باللُّغة، كالشَّمسِ والقمرِ والبر والبحر، وإما بالشرع، كالمؤمن والكافر والمنافق، وما لم يكن له حدٌّ في اللُّغة ولا في الشرع: فالمرجع فيه إلى عرف الناس، كالقبض، ومعلومٌ أنَّ البيعَ والإجارةَ والهبةَ ونحوها لم يحد الشارع لها حد، وليس لها حد في لغة العرف أيضا، وبما أن الأمر كذلك فيكون المرجع فيها إلى عرف الناس وعاداتهم، فما سموه بيعا فهو بيع وما سموه هبة فهو هبة (٢). ٦ - أن العرف جار بذلك. ٧ - أن في الفعل دلالة على الوقف، فجاز أن يثبت به كالقول. ٨ - أنه يجري مجرى من قدم إلى ضيفه طعاماً، فإنه إذن بأكله، ومن صب في خوابي السبيل ماءً كان تسبيلاً له، ومن نثر على الفارس نثاراً كان إذناً بالتقاطه وأبيح أخذه (٣).

стр. 217

أدلة القول الثاني: (عدم انعقاد الوقف بالفعل) استدل القائلون بعدم صحة الوقف بالمعاطاة بالأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الأصل في العقود التراضي، غير أن حقيقة الرضا لما كانت أمراً خفيَّاً وضميراً قلبيَّاً، اقتضت الحكمةُ ردَّ الخلق إلى مردٍّ كلّيٍّ وضابطٍ جليٍّ، يُستدلُّ به عليه، وهو الإيجاب والقبول الدالان على رضا (٢). ونوقش هذا الدليل: بأنَّه لا يوجد في الشرع ما يدلُّ على اشتراط لفظٍ معيّنٍ أو فعلٍ معيَّنٍ يستدلُّ به على التراضي، وقد عُلِمَ بالاضطرارِ من عاداتِ النَّاسِ في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعلمون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة، ولذلك يقال: إنَّ في القرآن من الفوائد ما يدل على المقاصد، بل ثبت بالأدلة أن الناس في عهد النبي ﷺ يستعملون المعاطاة وسيلة للتعبير عن الرضا بالعقد، وهذا أمرٌ معهودٌ في ذلك العصر وفي كل عصر ومصر (٣). ٢ - أن المعاطاة في معنى ما نهى عنه رسول الله ﷺ من بيع المنابذة والملامسة. (٤٥) روى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : " نهى عن الملامسة والمنابذة، وبيع الحصاة " (٤). (٤٦) وروى مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -

стр. 218

﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر " (١)، والجامع بين هذه البيوع والمعاطاة وقوعها بغير لفظ، وكذا الوقف (٢). ونوقش هذا الدليل: بعدم التسليم بالقياس؛ لأنه قياسٌ مع الفارق. فبيع الملامسة هو: وقوع العقد باللمس. والمنابذة: وقوع العقد بنبذ الثوب ونحوه إلى المشتري. وكذلك بيع الحصاة هو: أن يضع عليه حصاة. فتكون هذه الأفعال عندهم موجبة لوقوع عقد البيع، أما المعاطاة فليست من جنس اللمس والمنابذة والحصاة؛ لأنَّ العقد معلق فيه هذه البيوع على المخاطرة، ولا تعلق للَّمس والنَّبذ ووضع الحصاة بعقد البيع، فليست هذه الأفعال من موجبات العقد ولا من أحكامه، أما المعاطاة فهي تسليمٌ وتسلُّمٌ، وتسليمُ المبيع والثمن من حقوق البيع وأحكامه (٣). والمعاطاة بالوقف: ما يدل عليه، مثل: أن يبني مسجداً ويأذن للناس بالصلاة فيه، أو مقبرة ويأذن بالدفن فيها. ٣ - أنَّ في الصيغة الفعلية نقلاً للملك من غير لفظٍ دالٍّ عليه، وقد أحلَّ الله البيع، والبيع اسم للإيجاب والقبول، وليس مجرد فعل بتسليم وتسلم؛ إذ للمسلّم أن يرجع ويقول: قد ندمت، وما بعته؛ إذ لم يصدر مني إلا مجرد تسليم، وذلك ليس ببيع (٤)، وكذا الوقف. ونوقش هذا الدليل: بأنه مخالفٌ لما عليه أهلُ اللُّغة، فليس البيع في

стр. 219

اللُّغة اسم للإيجاب والقبول، وإنما هو مبادلة المال بالمال (١)، وحقيقة الصيغة الفعلية هي: الأخذ والإعطاء، أما التلفظ بالإيجاب والقبول فهو مجرد دليل على الرضا بالمبادلة الفعلية. ونصوص الشرع دالة على هذا، فمن ذلك قول الله : ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، والتجارة عبارة عن جعل الشيء للغير ببدل، وهو تفسير التعاطي (٣). وقال : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ (٤) أطلق اسم التجارة على تبادل ليس فيه قول البيع، وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٥). فقد سمى مبادلة الجنة بالقتال في سبيل الله تعالى اشتراءً وبيعاً؛ لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ (٦). وإن لم يوجد لفظ البيع (٧)، وكذا الوقف. ٤ - أنَّ العقودَ أنواع متباينة كالبيع والإجارة والرهن والهبة والصدقة على عوض، والصلح بالمال، والوقف، ولكل منها ماهية تخصه، والرضا المقترن بالمعاوضة جنس شامل لجميع تلك الصور، فلا بد في معرفة كونه بيعاً من هبة أو هبة من وقف، أو رهناً من إجارةٍ، ونحو ذلك من بيان كل منها باسم

стр. 220

يخصه، وليس إلا القول المترجم عما في النفس، وإلا كان رجوعاً بالبيان إلى غير ما جعل الله أمره إليه (١). ويناقش هذا الدليل: بأنَّ التمييزَ بين العقود يكون باللفظ، وبالقرائن والظروف المحيطة بها، وبالعرف الغالب. فإذا ركب شخصٌ سيارةَ أجرةٍ، ودفع لصاحبها الثمن بعد وصوله مقصده ولم يحدث بينهما كلام، فالعقد إجارة، وإذا أعطى شخص صديقا له ليلة عرسه قلما أو ساعة ونحوهما فالعقد هبة، وإذا دفع رجل إلى بائع الخبز ريالا وأعطاه به خبزا فالعقد بيع، وإذا بنى أرضه مسجداً، وأذن للصلاة فيها كانت وقفاً، وهكذا. فالعرف والقرائن والظروف تعين على فهم المقصود بوضوح دون لبس أو غموض. ٥ - ولأنه إزالة ملك على وجه القربة، فلا يصح بالفعل كالعتق (٢). ونوقش: بعدم التسليم، فالعتق يصح بالفعل كما لو مثل بعبده، فإنه يعتق عليه. ٦ - واحتجوا على جواز بناء ووقف المسجد ونحوه من الربط في الموات: بأن الموات لم يدخل في ملك من أحياه مسجداً (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم بالصواب- رجحان القول الأول، القاضي بصحة عقد الوقف بالصيغة الفعلية؛ لقوة أدلة هذا القول، وضعف أدلة الأقوال الأخرى؛ حيث لم تسلم من المناقشة والنقد. ولأنَّ الألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد

стр. 221

المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه، سواء كان بإشارة أو كتابة أو إيماء أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة مطردة لا يخل بها (١). ويؤيده أنَّ القائلين بعدم صحة العقد بالصيغة الفعلية، كما هو المشهور عن الشافعية لهم استثناءات، فاستثنوا المسجد، فيصح عن طريق الفعل، مما يدل على عدم انضباط قولهم. المطلب الثالث: اشتراط القبول من الموقوف عليه وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن يكون الوقف على غير معين: الوقف إما أن يكون على معين كمحمد وزيد، أو على غير معين كالفقراء والمساكين، ونحو ذلك. فإن كان على غير معين أو على جهة كالمساجد، والقناطر ونحو ذلك، لم يفتقر إلى قبول، بل يثبت بالإيجاب وحده. وعلى هذا نص فقهاء الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).

стр. 222

قال ابن عابدين: "لا يشترط قبول الموقوف عليه لو غير معين كالفقراء" (١). وقال الدردير: " ولا يشترط قبول مستحقه " (٢). وقال الشربيني: " أما الوقف على جهة عامة كالفقراء، أو على مسجد ونحوه، فلا يشترط فيه القبول جزماً " (٣). وقال ابن قدامة: " وقال أبو الخطاب: إن كان الوقف على غير معين كالمساكين، أو من لا يتصور منه القبول كالمساجد والقناطر لم يفتقر إلى قبول" (٤). والدليل على ذلك: ١ - عموم أدلة الوقف (٥). ٢ - أن الوقف قربة لله ، والأصل نفاذه. ٣ - ما سيأتي من الأدلة على أن المعين لا يشترط قبوله، فغير المعين من باب أولى. ٤ - ولأنه قد لا يكون موجوداً، أو قد لا يتصور منه القبول كالمسجد. وهناك احتمال عند الحنابلة: أن غير المعين يقبله الإمام (٦). وبناءً على ذلك فلا يتصور حينئذ اتصال بين الإيجاب والقبول لانحصار الصيغة في الإيجاب وحده.

стр. 223

المسألة الثانية: أن يكون الوقف على معين: وفيها أمران: الأمر الأول: اعتبار شرط القبول: إذا كان الوقف على آدمي معين، ففي اشتراط القبول قولان: القول الأول: عدم اشتراط القبول. وهذا قول عند الشافعية (١)، وهو المذهب عند الحنابلة (٢). القول الثاني: اشتراط القبول. وهو قول الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وهو الأصح عند الشافعية (٥)، ووجه عند الحنابلة (٦). الأدلة: أدلة القول الأول: (عدم الاشتراط) استدل القائلون بعدم اشتراط القبول في عقد الوقف إن كان على معين بالأدلة الآتية: ١ - الأدلة الدالة على عدم جواز الرجوع في الوقف (٧). وجه الدلالة: أن هذه الأدلة دلت على نفوذ الوقف، وهذا يقتضي عدم اشتراط القبول.

стр. 224

٢ - حديث أبي طلحة حين وقف أرضه ببيرحاء (١). قال ابن حجر: " وفي قصة أبي طلحة من الفوائد: أن الوقف لا يحتاج في انعقاده إلى الموقوف عليه " (٢). ٣ - الآثار السابقة عن الصحابة ﵃ (٣)؛ إذ لم يرد فيها قبول الموقوف عليهم. ٤ - قياس الوقف على العتق بجامع أنهما تصرفان يزول بهما الملك، وإذا وردا على عين حرم بيعها وهبتها وإرثها (٤)، والعتق تصرف لا يفتقر إلى قبول فكذلك الوقف. ٥ - أن الوقف إزالة ملك عن الرقبة والمنفعة على وجه التقرب إلى الله تعالى، وإذا كانت هذه حقيقة الوقف فإلحاقة بالقرب التي لا يشترط فيها قبول أولى من إلحاقه بالعقود (٥). ٦ - أن القبول إذا لم يشترط في الوقف على غير معين، فكذلك لا يشترط في الوقف على معين؛ لأنه أحد نوعي الوقف (٦). ٧ - أن الوقف فيه حق لله تعالى، والموقوف عليه إنما يملك منفعة المال لا رقبته (٧). ٨ - أن الوقف لا يختص بالموقوف عليه، بل يتعلق به حتى من يأتي من

стр. 225

البطون في المستقبل، فيكون الوقف على جميعهم إلا أنه مرتب، فصار بمنزلة الوقف على الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم، ولا يتوقف على قبوله (١). ٩ - أنه لا يلزم من عدم اشتراط القبول دخول العين أو المنفعة في ملك الموقوف عليه قهراً، وإنما تدخل في ملكه بقبوله، فإن لم يقبل بطل في حقه وانتقل إلى من بعده. أدلة القول الثاني: (اشتراط القبول) استدل القائلون باشتراط القبول في عقد الوقف إن كان على معين بالأدلة الآتية: ١ - قياس الوقف على الهبة، والوصية بجامع أنها تبرعات لآدمي معين (٢)، والهبة والوصية عقدان يفتقران إلى قبول، فكذلك الوقف. ونوقش: بوجود الفارق بين الهبة والوصية، وبين الوقف. ووجه الفرق: أن الوقف لا يختص بالمعين، بل يتعلق به حتى من يأتي من البطون في المستقبل، فيكون الوقف على جميعهم، إلا أنه مرتب، فصار بمنزلة الوقف على الفقراء الذي لا يبطل برد واحد منهم ولا يقف على قبوله، والهبة والوصية لمعين بخلافه (٣). ٢ - أن دخول عين أو منفعة في ملك شخص قهرا بغير الإرث لا يصح (٤). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بكون الإرث هو الطريق الوحيد لدخول العين

стр. 226

أو المنفعة قهرا في الملك، فمن العلماء من قال: إن اللقطة تدخل في ملك الملتقط بعد التعريف قهرا (١). الوجه الثاني: أنه لا يلزم من عدم اشتراط القبول لصحة الوقف على معين دخول العين أو المنفعة في ملكه قهرا، فإن قبل دخلت في ملكه، وإلا انتقل إلى من بعده، وهذا يدل على أن عقد الوقف على معين يصح، ولو لم يقبل الموقوف عليه. سبب الخلاف: يرجع إلى الخلاف في ملكية الوقف على معين هل هو للموقف عليه، أو باق على ملك الواقف، أو ملك لله تعالى؟ على ثلاثة أقوال: فإن قيل بانتقال الملك إلى الموقف عليه، قيل باشتراط القبول، وإن قيل بعدم انتقال الملك إلى الموقوف عليه لم يشترط القبول (٢). ولم يرتض الزركشي من الحنابلة هذا السبب معللا أنه لا نزاع بين الأصحاب أن انتقال الملك إلى الموقوف عليه هو المذهب، مع أن الخلاف قائم بينهم في اشتراط القبول. ورجح الزركشي أن سبب الخلاف تردد معنى الوقف بين التمليك والتحرير، فمن قال: إنه إلى التمليك أقرب اشترط له القبول كالهبة. ومن قال: إنه إلى التحرير أقرب لم يشترط له قبولا كالعتق (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم- عدم اشتراط قبول الموقوف عليه؛ لقوة دليل هذا القول، ولأن الوقف قربة الأصل أن يكثر منه، ولا يمنع منه إلا لدليل.

стр. 227

ثمرة الخلاف: أننا إذا قلنا: لا يفتقر إلى القبول لم يبطل بالرد كالعتق، وإن قلنا يفتقر إلى القبول فرده بطل في حقه دون من بعده (١). الأمر الثاني: حكم الوقف إذا لم يقبل الموقوف عليه: إذا لم يقبل الموقوف عليه الوقف فاختلف العلماء ﵏ في ذلك على قولين: القول الأول: أن الوقف لا يبطل، وينتقل لمن بعده. وهذا قول جمهور أهل العلم: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وبه قال شيخ الإسلام (٢). القول الثاني: أن الوقف يبطل برد الموقوف عليه. وبه قال بعض المالكية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٣). الأدلة: أدلة الرأي الأول: ١ - الأدلة الدالة على عدم جواز الرجوع في الوقف (٤). وجه الدلالة: أن هذه الأدلة دالة على نفوذ الوقف، وهذا يقتضي عدم بطلان الوقف برد الموقوف عليه. ٢ - القياس على العتق، فينفذ مع رد المعتق (٥).

стр. 228

٣ - أن الوقف ليس عقداً فيحتاج إلى إرادتين، بل هو من جنس التصرف عليه. ٤ - ولأن الوقف يتعلق به حق من بعده، فلم يؤثر الرد إلا على الراد نفسه؛ لئلا يحرم غيره من الوقف بسبب رد الأول، وهذا فيه ظلم لمن بعده من الذين سيسري عليهم الوقف. ٥ - ولأن الوقف صدقة ولا يجوز العود في الصدقة؛ (٤٧) لما رواه البخاري ومسلم من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النبي ﷺ فقال: "لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (١). دليل القول الثاني: (بطلان الوقوف) ١ - أن الملك لا يمكن أن يدخل جبراً في ملك الشخص الذي لا يريده، وسبب البطلان وعدم السريان هو: أن الوقف في الأصل لهذا الأول، ومن بعده فرع عنه أو تابع له، فإذا بطل الأول بطل الثاني تبعاً (٢). ونوقش: بعدم التسليم، فالبطن الثاني ليس تبعاً للأول، بل أصل يتلقى عن الواقف نفسه. ٢ - القياس على الوكيل إذا رد الوكالة (٣).

стр. 229

ونوقش: بأن قياس مقابل بمثله، وأيضا وجود الفارق، فالوقوف عقد لازم، والوكالة عقد جائز، فبطلت برد الوكيل. الترجيح: الراجح -والله أعلم- عدم بطلان الوقف؛ لقوة دليله، ولأن الأصل الصحة وعدم البطلان. المطلب الرابع: اتصال القبول بالإيجاب سبق أن الراجح: أنه لا يشترط القبول إذا كان الوقف على معين، فعلى القول بعدم اشتراط القبول لا يشترط لصحة الصيغة في عقد الوقف اتصال بين الإيجاب والقبول، سواء أكان الوقف على معين أم غير معين؛ لانحصار الصيغة في الإيجاب. وعلى القول باشتراط القبول لصحة الوقف إذا كان على معين، اختلف العلماء ﵏ في اشتراط اتصال القبول بالإيجاب على قولين: القول الأول: أنه لا يشترط اتصال القبول بالإيجاب. وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀. وحجته: إلحاق الوقف بالوكالة، فيصح معجلا ومؤجلا بالقول والفعل (١).

стр. 230

القول الثاني: يشترط اتصال القبول بالإيجاب في الوقف على معين، فإن تراخى عنه بطل الوقف. وهو قول عند الشافعية (١)، وعند الحنابلة (٢). وحجته: القياس على عقد البيع، والهبة. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: وجود الفارق بين عقدي الهبة والوقف؛ إذ الهبة تبطل برد الموهوب له؛ لعدم تعلق غير الموهوب له بالهبة، بخلاف الوقف فيبقى حق البطن الثاني. الوجه الثاني: وجود الفارق بين عقدي البيع والوقف، فالبيع لا يتعلق به غير المشتري، بخلاف الوقف كما سلف، وأيضا عقد البيع عقد معاوضة يطلب فيه من الضبط والتحرير ما لا يطلب في عقود التبرعات. الترجيح: الراجح -والله أعلم- عدم بطلان الوقف برد الموقوف عليه، وانتقاله لمن بعده؛ إذ الأصل صحة الوقف، وقوة نفوذه.

стр. 231

المطلب الخامس: الوقف من الأخرس يحصل الوقف من الأخرس بكتابته، أو بإشارته المفهومة. قال ابن حجر الهيتمي بعد أن ذكر الصيغ التي يحصل بها الوقف: " أو بإشارة أخرس مفهمة، أو بكتابته " (١). وقال البهوتي بعد أن ذكر صيغة الوقف: " ويحصل بقول، وكذا إشارة مفهومة من أخرس " (٢). والدليل على ذلك: ١ - عمومات أدلة الوقف، وهو من أهل الوقف والتبرع (٣). (٤٨) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن كعب بن مالك، أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك قال: «يا كعب» قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع

стр. 232

الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : «قم فاقضه» (١). دل الحديث على صحة التبرع بالإشارة. ٣ - أن الإشارة المفهومة بمنزلة العبارة المنطوقة. المطلب السادس: انعقاد الوقف بالكتابة ينعقد الوقف بالكتابة مع النية بالاتفاق (٢)، والدليل على ذلك: ١ - قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣). فأمر الله بتوثيق المعاملات بالكتابة، فدل ذلك على اعتبارها. (٤٩) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٤). وسيأتي بيان إثبات الوقف بالكتابة في باب إثبات الوقف.

стр. 233

الفصل الثاني: شروط صحة الوقف

стр. 234

تمهيد: اختلفت عبارات الفقهاء في شروط الوقف بحسب اختلاف مذاهبهم في مسائل الوقف. من الفقهاء من سرد شروط الوقف تباعاً (١)، ومنهم من جعلها في ثنايا كلامه عن الوقف والتحبيس (٢). كما نهج الفقهاء المتقدمون، وكثير من المعاصرين طريقة صياغة الشروط في العقود، ومواضع ذكرها، حيث يذكرون الأركان، ثم يذكرون شروط كل ركن على حدة (٣). وتحته مباحث:

стр. 235

المبحث الأول: شروط الواقف وفيه مطالب: المطلب الأول: أن يكون الواقف بالغاً، عاقلاً، حراً، رشيداً وفيه مسائل: المسألة الأولى: البلوغ: وفيها أمران: الأمر الأول: وقف الصبي غير المميز (١). إذا وقف الصبي غير المميز، فوقفه غير معتبر لا يترتب عليه إلزام ولا التزام.

стр. 236

وهذا محل اتفاق بين الفقهاء (١). ويدل لهذا الأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (٢). وجه الدلالة: أن انتقال الملك بالوقف متوقف على الرضا المعتبر، وهو مفقود من الصبي غير المميز (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٤). قال الطبري ﵀: " والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه عم بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فلم يخص سفيهاً دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي ماله صبياً صغيراً كان أو رجلاً كبيراً " (٥). (٥٠) ٣ - ما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " رُفع القلم عن

стр. 237

ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (١). ٤ - أن الصبي في أول أحواله عديم التمييز، فكان كالمجنون بل أدنى حال منه؛ لأنه قد يكون للمجنون تمييز وإن لم يكن له عقل، والصبي غير المميز عديم التمييز (٢).

стр. 238

٥ - أن الصبي غير المميز لا تحصل المصلحة بتصرفه؛ لعدم تمييزه ومعرفته (١). وتصحيح عقوده التي يصدرها وسيلة لضياع حقوقه وأمواله. الأمر الثاني: وقف الصبي المميز: إذا وقف الصبي المميز فإن وقفه لا يصح. ولا أثر لإذن الولي في ذلك، فلو أذن الولي للصبي في مباشرة الوقف فإنه لا يغير الحكم. وهذا هو قول أكثر الفقهاء، فهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه الأصحاب (٥). ويدل لهذا ما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٦). قال الطبري ﵀: " والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه عم بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فلم يخص سفيهاً دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي ماله صبياً صغيراً كان أو رجلاً كبيرا " (٧).

стр. 239

٢ - عن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (١). ٣ - أن الصبي المميز محجور عليه لحظ نفسه (٢)، فلا يصح وقفه. ٤ - أن الصبي مظنة الرحمة والإشفاق، لا مظنة الإضرار به، والله تعالى أرحم الراحمين فلم يشرع في حقه المضار (٣)، ومن ذلك عدم صحة وقفه. ٥ - وأما الدليل على عدم أحقية الولي في الإذن والإجازة في الوقف؛ لأن ولايته نظرية، وليس من النظر إثبات الولاية فيما ضرره محض في حق الصبي كالوقف (٤). ٦ - قياس وقف غير البالغ على طلاقه لزوجته؛ لاتفاقهما في حصول الضرر عليه وعلى ماله (٥). القول الثاني: صحة وقف الصبي المميز. وهو رواية عن الإمام أحمد (٦). وبه قال أبو بكر الأصم إذا كان بإذن القاضي (٧). وحجته: القياس على صحة إبرائه. ونوقش هذا الاستدلال: بعدم تسليم الأصل المقيس عليه؛ إذ هو موضع خلاف بين أهل العلم.

стр. 240

ونوقش قول أبي بكر الأصم: بأن القاضي لا يملك أن يوقف من مال الصبي شيئاً فكيف يملك الإذن؟ ففاقد الشيء لا يعطيه. الترجيح: الراجح -والله أعلم- أن الصبي المميز لا يصح وقفه؛ لقوة دليل الجمهور على ما ذهبوا إليه، وضعف دليل القول الثاني بمناقشاته. المسألة الثانية: العقل: وفيها أمور: الأمر الأول: وقف المجنون (١) حال اختلاله.

стр. 241

اتفق الفقهاء (١) ﵏ على عدم صحة وقف المجنون، ولا عبرة بإجازة الولي لو أجاز ما أصدره المجنون من وقف. وهذا بالإجماع؛ للأدلة الآتية: ١ - حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (٢). ٢ - ما سبق من الأدلة على عدم صحة وقف الصبي والمجنون من باب أولى (٣).

стр. 242

٣ - أن انتقال الملك متوقف على الرضا، ومعرفة رضا المجنون متعذر لعدم التمييز وانتفاء تعقل المعاني. فلا يصح حينئذ وقفه التي يصدرها (١). ٤ - أن الإنسان يعرف بالعقل ما ينفعه من العقود فيقدم عليه، والمجنون فاقد للعقل فلا يصح ما يصدره من صيغ تفيد التزامه بعقد من العقود لرجحان جانب الضرر؛ نظرا إلى سفهه وقلة مبالاته وعدم قصده المصالح. وقد يستجر -من يعامله- ماله باحتياله (٢). ٥ - أن الأهلية شرط لجواز التصرف وانعقاده، ولا أهلية بدون عقل وتمييز، والمجنون فاقد لهما (٣). ٦ - ويستدل لعدم الاعتداد بإجازة الولي لما يصدره المجنون من وقف: بأن صدور الصيغة من المجنون تصرف باطل لا يعتد به، وإجازة الولي إنما تلحق التصرفات الموقوفة فتجعلها نافذة، ولا تلحق التصرفات الباطلة، فالباطل في حكم المعدوم. الأمر الثاني: وقف المجنون حال إفاقته: اختلف الفقهاء ﵏ فيما يصدره المجنون من وقف حال إفاقته على قولين: القول الأول: أن ما يصدره المجنون من وقف في حال إفاقته يعد صحيحا نافذا. وبهذا قال جمهور الفقهاء، فقد نصوا على ذلك في مواضع كولاية النكاح، وأسباب الحجر.

стр. 243

فهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: أن ما يصدره المجنون من وقف حال إفاقته فيه تفصيل: فإن كان لإفاقة المجنون وقت معلوم فوقف في ذلك الوقت، فالحكم أنه صحيح نافذ. وإن لم يكن لإفاقته وقت معلوم فوقف في حال الإفاقة، فالحكم أنها موقوفة على إجازة الولي. وإلى هذا القول ذهب بعض الحنفية (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل القائلون بصحة وقف المجنون حال إفاقته بما يلي: ١ - أن الأصل صحة الوقف إلا لتخلف شرط، أو وجود مانع، ولم يوجد. ٢ - أنَّ العلةَ من عدم صحة وقف المجنون زالت بإفاقته، والقاعدة الشرعية: أنَّ كلَّ علَّة أوجبت حكماً اقتضى أن يكون زوال تلك العلة موجبا لزوال ذلك الحكم (٦). دليل القول الثاني: استدل القائلون بصحة وقف المجنون ونفاذه إن كان لإفاقته وقت معلوم، وبوقفها على إجازة الولي إن لم يكن لها وقت معلوم:

стр. 244

أن من كان لإفاقته وقت معلوم فإنه يتحقق من صحوه، ومن لم يكن لإفاقته وقت معلوم لا يتحقق صحوه (١). ويناقش هذا التعليل: بأن العلة من عدم صحة وقف المجنون هي زوال العقل، فإذا أفاق زالت العلة وتحقق شرط صحة الوقف، وارتفع بطلانه، وحينئذ فلا يلتفت إلى كون الإفاقة لها وقت معلوم أو لا. الترجيح: يظهر لي -والله أعلم بالصواب- رجحان القول بصحة وقف المجنون؛ لقوة دليل أصحاب هذا القول، وضعف تعليل القائلين بالتفصيل. الأمر الثالث: وقف الخرف: الخَرَف: هو فساد العقل من الكبر والهرم. يقال: خَرِف الرجل خَرفَا -من باب تعب- فهو خرِف (٢). فإذا رد الإنسان لأرذل العمر، وأصبح لا يعلم من بعد علم شيئا، فلا يصح وقفه. ويدل لذلك ما يأتي: ١ - حديث على بن أبي طالب ﵁ السابق: " رفع القلم عن ثلاثة … " رواية فيها زيادة: " والخَرِف " (٣) (٤).

стр. 245

(٥١) ٢ - ما روي عن علي ﵁ في عدم وقوع طلاق المعتوه (١). ٣ - أنَّ الهرمَ الخرف كالمجنون؛ لفقده العقل، فليس أهلا للوقف وإبرام العقود. وبهذا يتبين أن الخرف كالمجنون في عدم صحة وقفه التي تفيد التزامه بعقد من العقود. الأمر الرابع: وقف المعتوه: وفيه فرعان: الفرع الأول: تعريف المعتوه: العته في اللغة: يطلق على نقص العقل، ويطلق أيضا على فقده (٢). وفي اصطلاح الفقهاء: انقسم الفقهاء ﵏ في تعريف المعتوه إلى طائفتين: فطائفة جعلت العته نوعاً من الجنون، والطائفة الأخرى فرقت بينه وبين الجنون. فقد جاء في تبيين الحقائق (٣) للحنفيَّة أن المعتوه هو: " من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون ".

стр. 246

وجاء في الإكليل (١) للمالكية: " أن المعتوه هو: ضعيف العقل " (٢). وقد ذكر صاحب كشاف اصطلاحات الفنون (٣): ما يؤيد هذا التفريق حيث قال: "والفرق بين السفه والعته ظاهر، فإن المعتوه يشابه المجنون في بعض أفعاله وأقواله، بخلاف السفيه فإنه لا يشابه المجنون، لكن تعتريه خفة فيتابع مقتضاها في الأمور من غير روية وفكر في عواقبها ". وجاء في تحرير التنبيه للشافعية (٤): " المعتوهُ نوعٌ من المجانين ". وجاء في المغني للحنابلة (٥): " المعتوه هو: الزائل العقل بجنون مطبق". وفي الدر النقي (٦): " المعتوه هو المجنون ". الفرع الثاني: وقف المعتوه: اختلف الفقهاء ﵏ في وقف المجنون على قولين: القول الأول: أن المعتوه كالمجنون في الأحكام، فلا يصح وقفه، ولا يجوز للولي أن يأذن له في ذلك. وهذا مذهب المالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 247

القول الثاني: أن المعتوه كالصبي العاقل في تصرفاته، لذا فما يصدره المعتوه من وقف يأخذ حكم وقف الصبي المميز، وقد تقدم حكمه (١). وبهذا قال الحنفية (٢). الأدلة: الذين يرون بطلان وقف المعتوه يلحقونه بالمجنون ويطبقون عليه أحكامه، وتقدمت الأدلة قريبا على عدم صحة وقف المجنون. أما الذين يرون إلحاق المعتوه بالصبي المميز في التصرفات القوليَّة وهم الحنفيَّة، فإنهم لما رأوا المعتوه -حسب اصطلاحهم- عنده نوع تمييز ألحقوه بالصبي المميز وقاسوه عليه. والذي يظهر لي في المسألة أن المعتوه ينقسم إلى قسمين: الأول: معتوه ليس معه إدراك فهذا في حكم المجنون، فلا يصح وقفه. الثاني: معتوه معه إدراك، فيأخذ حكم الصبي المميز، وقد تقدم حكم وقفه (٣). الأمر الخامس: وقف السكران (٤): السكران لا يخلو من حالتين: الحال الأولى: أن يكون معذوراً بسكره، كمن شرب مسكراً ظنه

стр. 248

عصيراً، أو كان مكرهاً على شربه، ونحو ذلك، فلا يصح وقفه باتفاق الفقهاء (١). لما يأتي من الأدلة على عدم صحة وقفه إذا كان السكران غير معذور، فالمعذور من باب أولى. الحال الثانية: أن لا يكون معذوراً بسكره بأن شرب المسكر عالماً مختاراً. إذا وقف السكران غير المعذور بسكره فهل يصح وقفه؟ خلاف بين الفقهاء على أقوال: القول الأول: عدم صحة وقف السكران. هو قول الكرخي، والطحاوي من الحنفية (٢)، وقول للشافعية (٣)، ورواية

стр. 249

عند الحنابلة، خرَّجها الأصحابُ على عدم وقوع طلاق السكران (١)، وهو قول الظاهرية (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (٣). القول الثاني: صحة وقف السكران. وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية (٤)، وهو قول شاذ عند المالكية (٥)، وهو المذهب عند الشافعية (٦)، ورواية عند الحنابلة، خرَّجها الأصحابُ على وقوع طلاق السكران (٧)، وهي المذهب (٨). في تيسير التحرير: " وإن كان طريقه -أي السكر- محرما .... فلا يبطل التكليف فيلزم الأحكام، وتصح به عباراته من الطلاق، والعتاق، والبيع، والإقرار، والتزويج، والإقراض … ".

стр. 250

القول الثالث: أن وقف السكران صحيح، إلا أن العقد غير لازم. وبهذا قال الإمام مالك، وعامة أصحابه (١). القول الرابع: يصح وقف السكران، ولا يصح قبوله الوقف. وهذا قول للشافعية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: (عدم صحة وقف السكران) استدل من قال بعدم صحة هبة السكران بالأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٣). وجه الاستدلال من الآية: أن الله جعل قول السكران غير معتبر؛ لأنه لا يعلم ما يقول (٤)، وعليه فلا يصح وقفه. وأيضا فإن النهي عن قربان الصلاة مع السكر دليل على بطلان عبادته، فترتب على ذلك بطلان سائر عقوده لانعدام مناط التكليف (٥). (٥٢) ٢ - ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بريدة، عن أبيه ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك للنبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله طهِّرني، … قال: " ممَّ أُطهِّرك؟ " قال: من الزنى. فسأل رسول الله ﷺ : " أَبِهِ جنون؟ " فأُخبر أنه ليس
следующие страницы →