← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

كفرهم، لكن قبول هدية الكفار من أهل الحرب وأهل الذمة مسألة مستقلة بنفسها فيها خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه. وإنما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم بابتياع أو هدية، أو غير ذلك مما لم يذبحوه للعيد " (١). الأمر السابع: أخذ الهدية من أجل تعطيل الحدود. قال شيخ الإسلام: " ولا يجوز أن يؤخذ من الزاني أو السارق أو قاطع الطريق ونحوهم مال تعطل به الحدود، ولا بيت المال، ولا لغيره، وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سحت خبيث، وإذا فعل ولي الأمر ذلك فقد جمع فسادين عظيمين أحدهما: تعطيل الحد، والثاني: أكل السحت، فترك الواجب وفعل المحرم، قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ (٢)، وقال الله تعالى عن اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٣)؛ لأنهم كانوا يأكلون السحت من الرشوة التي تسمى البرطيل وتسمى أحيانا الهدية وغيرها، ومتى أكل السحت ولي الأمر احتاج أن يسمع الكذب من شهادة الزور وغيرها، وقد روي "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش الواسطة الذي يمشي بينهما"رواه أهل السنن. وفي الصحيحين: " أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ ، فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله فقال صاحبه -وكان أفقه منه- نعم يا رسول الله: اقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي فقال: إن ابني كان عسيفا في أهل هذا -يعني أجيرا- فزنى بامرأته، فافتديت منه بمئة شاة وخادم،

стр. 1857

وإن رجالا من أهل العلم أخبروني أن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: المئة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فاسألها، فإن اعترفت فارجمها، فسألها فاعترفت فرجمها " (١)، ففي هذا الحديث أنه لما بذل عن المذنب هذا المال لدفع الحد عنه أمر النبي ﷺ بدفع المال إلى صاحبه، وأمر بإقامة الحد، ولم يأخذ المال للمسلمين: من المجاهدين والفقراء وغيرهم، وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني والسارق والشارب والمحارب وقاطع الطريق، ونحو ذلك لتعطيل الحد مال سحت خبيث " (٢). المسألة التاسعة: الشرط التاسع: ألا تكون الهبة مؤقتة. اشترط جمهور أهل العلماء ألا تكون الهبة مؤقتة، كما لو قال: وهبتك هذا الكتاب شهرا. ودليلهم على ذلك: أن عقد الهبة تمليك، وهذا يقتضي التأبيد. واستثنوا: هبتي العمرى، والرقبى، كما سيأتي في مبحث هبة العمرى والرقبى. وعند شيخ الإسلام ﵀: يصح اشتراط الرجوع في الهبة، كما سيأتي في مبحث الرجوع بالهبة بالشرط، ومقتضاه صحة توقيت الهبة.

стр. 1858

المبحث الثالث: شروط الموهوب له وفيه مسائل: المسألة الأولى: الشرط الأول: أن يكون الموهوب له مسلماً، حرا، جائز التصرف: وفيها أمور: الأمر الأول: الهبة للمشركين: تُشرع الهبةُ للمسلم بالإجماع؛ لما تقدَّم من الأدلة. سواء كانت من مسلم أو كافر، ما لم تتضمَّن محذوراً شرعيَّاً كما تقدم. واستحبَّ بعضُ العلماء ردّ هدايا المشركين؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾ (١). قال السمعاني: "قال أهل العلم: وقد كان الأنبياء لا يقبلون هدايا المشركين" (٢). وقال الألوسي: "واستدل بالآية على استحباب رد هدايا المشركين" (٣).

стр. 1859

يُجاب عن هذا بجوابين: الأول: أنَّها في شرع من قبلنا، وقد خالفه شرعُنا؛ فإنَّ النبي ﷺ قبل هدايا المشركين، ومن ذلك: (١٧٠) ١ - قال البخاري: وقال أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : " هاجر إبراهيم ﵇ بسارة، فدخل قرية فيها ملك أو جبار، فقال: أعطوها آجر، وأهديت للنبي ﷺ شاة فيها سم " (١). (١٧١) ٢ - قال البخاري: " وقال أبو حميد: " أهدى ملك أيلة للنبي ﷺ بغلة بيضاء، وكساه بردا، وكتب له ببحرهم" (٢). (١٧٢) ٣ - ما رواه البخاري من طريق قتادة، حدثنا أنس ﵁ قال: أهدي للنبي ﷺ جبة سندس، وكان ينهى عن الحرير فعجب الناس منها، فقال: " والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا " وقال سعيد: عن قتادة، عن أنس: إنَّ أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ . (١٧٣) ٤ - ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁ " أن يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ " (٣). (١٧٤) ٥ - ما رواه البخاري من طريق المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ قال: " كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومئة، فقال النبي ﷺ : هل مع أحد منكم طعام؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ : بيعا أم عطية، أو قال: أم هبة، قال: لا، بل بيع، فاشترى

стр. 1860

منه شاة، فصنعت، وأمر النبي ﷺ بسواد البطن أن يشوى، وأيم الله ما في الثلاثين والمئة إلا قد حز النبي ﷺ له حزة من سواد بطنها إن كان شاهدا أعطاها إياه، وإن كان غائبا خبأ له، فجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، ففضلت القصعتان، فحملناه على البعير، أو كما قال " (١). الثاني: أنَّ سليمان ردَّها لتضمُّنها محذوراً شرعيَّاً، وهو مُصانعتهم في الدعوة إلى الله. وأما الهبة للمشركين، فاختلف فيها العلماءُ ﵏-على قولين: القول الأول: تجوز الهبةُ لغير الحربي. وهو قول جمهور أهل العلم ﵏ (٢). ونص الحنابلة: على أنه تحرم مهاداتهم في أعيادهم. ونصوا أيضا: على أنه يكره عمل ما يجلب المودة لهم. ودليلهم: ١ - قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ (٣). (١٧٥) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: " قَدِمَت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتيت رسول الله ﷺ ، قلت: إنَّ أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: نعم، صلي أمك " (٤).

стр. 1861

(١٧٦) ٣ - ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي ﷺ : ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفد، فقال: " إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة، فأتي رسول الله ﷺ منها بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت، قال: إني لم أكسكها لتلبسها، تبيعها أو تكسوها، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم " (١). القول الثاني: تجوز الهبةُ للمشرك، ولو كان حربيا. وهو قول بعض الحنفية (٢). واستدلوا على ذلك: بالأحاديث السابقة. ونوقش هذا الاستدلال: بأنها مخصوصة بغير الحربي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم- عدم جواز الهبة للحربي؛ إذ الحربي محارب لنا فلا يستحق الإحسان. الأمر الثاني: الهبة للرقيق: وفيها فرعان: الفرع الأول: هبة السيد لرقيقه. إذا وهب السيد لرقيقه هبة، كما لو وهبه سيارة، أو كتابا، أو نحو ذلك، فاختلف العلماء في ذلك على قولين:

стр. 1862

القول الأول: صحة هذه الهبة. وبه قال الحنفية، وهو مذهب المالكية، وقال به بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (١). القول الثاني: عدم صحة هبة السيد لرقيقه. وقال به بعض الحنفية، وهو مذهب الشافعية، والصحيح عند الحنابلة (٢). الأدلة: دليل القول الأول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الله وصفهم بالغنى والفقر، ولم يخص عبداً من حر، فدل على أنهم يملكون. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤).

стр. 1863

وجه الدلالة: أن الله أضاف الأجر إلى الأمة مما يدل على أنها تملك. (١٧٧) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " من ابتاع عبدا وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع " (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أضاف المالية إلى العبد المبيع إضافة التخصيص بلام التمليك، فدل على أنه يملك. دليل القول الثاني: أن العبد ليس أهلا لتمليك؛ إذ هو مال (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم؛ إذ هو يملك بالتمليك كما تقدم. سبب الخلاف: هل يملك العبد بالتمليك أو لا؟ الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ إذ إن الهبة إحسان وفعل خير، وهذا كما يكون للحر يكون للرقيق. الفرع الثاني: هبة غير السيد للرقيق. إذا وهب شخص غير السيد لرقيق من الأرقاء. اختلف العلماء ﵏ في حكم هذه الهبة على قولين: القول الأول: صحة هذه الهبة. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وبه قال بعض الحنابلة (٣).

стр. 1864

القول الثاني: صحة هبة المكاتب، وهبة الرقيق إذا قصد السيد، فإن قصد العبد لم يصح. وهو الصحيح عند الشافعية (١). القول الثالث: عدم الصحة مطلقا. وهو الصحيح عند الحنابلة (٢). الأدلة: الأدلة في هذه المسألة كالأدلة في المسألة السابقة، فمن يرى أن الرقيق يملك صحح الهبة له، ومن لا يرى أن الرقيق يملك لم يصحح الهبة له. وتقدم الدليل على صحة تملك الرقيق. الأمر الثالث: الهبة لغير جائز التصرف. لا يُشترطُ كونُ الموهوبِ له جائز التصرف، فتصح الهبة للصبي، والمجنون، والمغمى عليه، والنائم، والسفيه باتفاق الفقهاء (٣). والدليل على ذلك: عموم أدلة مشروعية الهبة (٤). لكن اختلف العلماء ﵏-فيما يتعلق بصحة قبول هؤلاء للهبة، وتحت هذا فروع: الفرع الأول: قبول المجنون للهبة. لا يصح قبول المجنون للهبة باتفاق الفقهاء، لكن يقبل عنه وليه (٥).

стр. 1865

والدليل على ذلك: ١ - ما تقدم من الأدلة على عدم صحة هبة المجنون (١). ٢ - وأما كون وليه يقبل عنه: فلأن وليه يتصرف عنه بما فيه مصلحته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ (٢). الفرع الثاني: قبول المعتوه للهبة. تقدم أن المعتوه ينقسم إلى حالتين: الحال الأول: معتوه لا إدراك معه. فهذا حكمه حكم المجنون (٣)، وتقدم عدم صحة قبول المجنون، وإنما يقبل عنه وليه (٤). الحال الثانية: معتوه معه إدراك، وهذا حكمه حكم الصبي المميز، ويأتي صحة قبول الصبي المميز للهبة. الفرع الثالث: قبول النائم، والمغمى عليه. تقدم أن النائم والمغمى عليه لا تصح هبته بالإجماع، وتقدم الدليل على ذلك (٥). وعليه فيقبل عنه وليه؛ لما تقدم من أن ولي المجنون يقبل عنه، وتقدم شرط الإيجاب والقبول (٦).

стр. 1866

الفرع الرابع: قبول الصبي للهبة. أما الصبي غير المميز، فلا يصح قبوله للهبة، كما تقدم من عدم اعتبار قوله، وتقدم الدليل على ذلك (١). وعلى هذا يقبل عنه وليه؛ لما تقدم قريباً من أن المجنون يقبل عنه وليه، وتقدم بيان شروط الإيجاب والقبول. وأما قبول الهبة من الصبي المميز، فقد اختلف الفقهاء في صحة قبول الصبي المميز للهبة على ثلاثة أقوال: القول الأول: صحة قبول الصبي المميز للهبة. وبهذا قال الحنفية (٢)، وهو مقتضى مذهب المالكية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفق ابن قدامة (٤). القول الثاني: أن قبول الصبي المميز للهبة صحيح موقوف على إجازة الولي. وإليه ذهب المالكية. وقالوا: يتعين على الولي إجازة تصرف الصبي المميز في هذه الحالة (٥). وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٦).

стр. 1867

القول الثالث: عدم صحة قبول الصبي المميز للهبة. وبهذا قال الشافعية (١). الأدلة: دليل القول الأول: استدل القائلون بصحة اتهاب الصبي المميز: أن الصبي المميز من أهل التصرف في الجملة، وما يصدره من عقود نافعة يعد محض مصلحة، ولا ضرر فيه فيصح من غير إذن وليه قياسا على كسب المباحات، كالاحتطاب والاصطياد ونحوهما (٢). دليل القول الثاني: استدل القائلون بوقف قبول الصبي المميز للهبة على إجازة الولي: أنَّ إصدارَ العقود من التصرفات، والصبي المميز ليس لديه أهلية تصرف فتبقى تصرفاته موقوفة على إجازة وليِّهِ (٣). ويناقش هذا: بعدم التسليم به؛ فالصبي المميز من أهل التصرف، ولا يحتاج إلى إذن وليه فيما تمحضت فيه مصلحته؛ لأن الولي ما وضع إلا لمصلحة الصبي. أدلة القول الثالث: استدل القائلون بعدم صحة قبول الصبي المميز للهبة بأدلة: ١ - حديث عائشة ﵂: " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ ..... " (٤).

стр. 1868

وقد ذكر النووي ﵀ وجه الاستدلال من هذا الحديث: أن مقتضى الحديث إسقاط أقواله وأفعاله (١). ٢ - أن الصبي المميز غير مكلف، فلا يصح قبوله للهبة مطلقا كالمجنون وغير المميز (٢). ويناقش هذا الدليل: بأنه قياس مع الفارق، فالصبي المميز عنده أهلية أداء قاصرة، فلا يقاس على المجنون وغير المميز؛ لأنهما ليس لديهما أهلية أداء البتة (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة قبول الصبي المميز للهبة؛ لقوة دليله، وضعف دليل المخالف بمناقشة. الفرع الخامس: قبول السفيه للهبة: اختلف العلماء رحمهم في حكم قبول السفيه للهبة على أقوال: القول الأول: صحة قبول السفيه للهبة. وهذا مذهب الحنفيَّة (٤)، وهو مقتضى مذهب المالكية (٥)، والأصح عند

стр. 1869

الشافعية (١)، وهو وجه عند الحنابلة، صوبه المرداوي (٢). القول الثاني: عدم صحة قبول السفيه للهبة. وهذا وجه عند الشافعية (٣)، ووجه عند الحنابلة (٤). القول الثالث: صحة قبول السفيه للهبة إذا أذن له الولي. وهذا مذهب الحنابلة (٥). الأدلة: دليل القول الأول: استدل القائلون بصحة قبول السفيه: بأن تصحيح قبول السفيه للهبة نفع محض ليس فيه تفويت مال، بل تحصيله (٦). دليل القول الثاني: يمكن أن يستدل للقائلين بعدم صحة قبول السفيه للهبة:

стр. 1870

بأن السفيه محجور عليه، والحجر يقتضي المنع من جميع التصرفات، ومنها العقود النافعة له، كقبول الهبة. ويناقش هذا الدليل: بأن الغاية من الحجر على السفيه حفظ ماله، وعدم تضييعه، وليس في تصحيح عقوده النافعة له نفعا محضا -كقبول الهبة والوصية ونحوهما- ضرر عليه وتضييع لماله، بل فيه تحصيله، فكان من مصلحة السفيه تصحيح قبوله لها. دليل القول الثالث: استدل القائلون بصحة قبول السفيه للهبة إذا أذن له الولي: بقياس السفيه على الصبي المميز، فإذا صح تصرف المميز بإذن وليه، فلأن يصح تصرف السفيه بإذن وليه أولى (١). الترجيح: ترجح لي -والله أعلم- القول بصحة قبول السفيه للهبة من غير توقف على إذن الولي؛ لأن الشارع إنما حجر على السفيه لمصلحته، فإذا تحققت مصلحته في عقد نافع له، كقبول الهبة والوصية ونحوهما لم يُتردد في تصحيح صيغته ونفاذ عقده من غير اشتراط إذن الولي، وهل وضع الولي إلا لمصلحة السفيه؟ والمصلحة متحققة هنا. المسألة الثانية: الشرط الثاني: أن يكون الموهوب له متحقق الحياة. (الهبة للجنين) اختلف العلماء ﵏-في حكم الهبة للجنين على قولين: القول الأول: صحة الهبة للجنين.

стр. 1871

ذهب إليه المالكية (١)، وبه قال ابن عقيل من الحنابلة (٢). وجاء في الفروع: " ويتوجه من الوقف على حمل صحة الهبة وأولى لصحتها لعبد ". وحجتهم: ١ - عموم أدلة مشروعية الهبة (٣). وهي بعمومها تشمل الهبة للجنين. ٢ - أن الهبة في معنى الوقف على الجنين والوقف على الجنين أصالة، وعلى وجه الاستقلال يصح، فكذلك الهبة. ٣ - القياس على الوصية، فكما تصح الوصية للجنين، فكذا الهبة. ونوقش: بأن ملكية الجنين معلقة على خروجه حياً، والوقف والهبة لا يقبلان التعليق (٤). وأجيب: بعدم التسليم بأن الهبة لا تقبل التعليق كما تقدم (٥). القول الثاني: أن هبة الجنين لا تصح. وبه قال جمهور أهل العلم: الحنيفية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة في المذهب (٨).

стр. 1872

وحجته: أن ملكيته معلقة على خروجه حيّاً، والهبة تمليك منجز لا يقبل التعليق. وتقدمت مناقشة هذا الدليل في أدلة الرأي الأول. الراجح: الراجح -والله أعلم- صحة الهبة للجنين؛ لأن الأصل في الهبة أنها فعل خير، والأصل في فعل الخير الحث عليه، والأمر به، ولقوة دليله في مقابل ضعف دليل القول الآخر بمناقشة. المسألة الثالثة: الشرط الثالث: أن يكون الموهوب له موجوداً. وعلى هذا فلا تصح الهبة للمعدوم. وبه قال جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١). وحجتهم: ما تقدم من عدم صحة الهبة للجنين في الشرط السابق. القول الثاني: صحة الهبة للمعدوم. وهو قول المالكية (٢). وحجته: ما تقدم من الدليل على صحة هبة الجنين. الترجيح: في هذه المسألة كالترجيح في المسألة السابقة. المسألة الرابعة: الشرط الرابع: أن يكون الموهوب له معلوماً. إذا وهب لمجهول، كأن يهب لأحد رجلين، ونحو ذلك، فاختلف العلماء -رحمهم الله تعالى في صحة هذه الهبة على قولين:

стр. 1873

القول الأول: صحة هذه الهبة. وبه قال الإمام مالك. قال ابن رشد: " وأما صفة العوض -أي في الخلع- فإن الشافعي وأبا حنيفة يشترطان فيه أن يكون معلوم الصفة ومعلوم الوجوب، ومالك يجيز فيه المجهول الوجود والقدر والمعدوم مثل الآبق والشارد والثمرة التي لم يبد صلاحها، والعبد غير الموصوف، وحكي عن أبي حنيفة جواز الغرر ومنع المعدوم، وسبب الخلاف تردد العوض ههنا بين العوض في البيوع، أو الأشياء الموهوبة والموصي بها، فمن شبهها بالبيوع اشترط ما يشترط في البيوع وفي أعواض البيوع، ومن شبهه بالهبات لم يشترط ذلك " (١). ورواية عن الإمام أحمد في الوصية (٢). القول الثاني: أنه لا تصح الهبة للمجهول. وهو قول جمهور أهل العلم (٣). نصوا على ذلك في الوصية، والهبة من باب أولى. الأدلة: أدلة هذه المسألة كأدلة المسألة السابقة. والترجيح فيها كالترجيح في المسألة السابقة، وعلى القول بالصحة يعين المجهول بتعيين الواهب، أو بالقرعة. قال السيوطي: " قاعدة: لا تصح هبة المجهول إلا في صور: منها: إذا لم يعلم الورثة مقدار ما لكل منهم من الإرث، كما لو خلف ولدين أحدهما خنثى، ذكره الرافعي في الفرائض، فقال: لو اصطلح الذين

стр. 1874

وقف المال بينهم على تساو أو تفاوت: جاز ..... وهذا التواهب: لا يكون إلا عن جهالة لكنها تحتمل للضرورة، ولو أخرج بعضهم نفسه من البنين، ووهبه لهم عن جهل صحت الهبة وإن كان مجهول القدر والصفة للضرورة، ومنها: اختلاط الثمار والحجارة المدفونة في البيع، والصبغ في الغصب ونحوه على ما صرحوا به في مواضعه " (١).

стр. 1875

الباب الثاني: العوض والقبض في الهبة وفيه فصلان: الفصل الأول: العوض في الهبة. الفصل الثاني: القبض في الهبة.

стр. 1876

الفصل الأول: العوض في الهبة وفيه مبحثان: المبحث الأول: الهبة بشرط العوض. المبحث الثاني: الهبة دون شرط العوض.

стр. 1877

المبحث الأول: الهبة بشرط العوض وفيه مطالب: المطلب الأول: حكم الهبة بشرط العوض إذا اشترط الواهب في هبته عوضاً معلوماً، فاختلف العلماء رحمهم في ذلك على قولين: القول الأول: صحة الهبة. وهو قول جمهور أهل العلم (١). القول الثاني: بطلان هذه الهبة. وهو قول للشافعية، وقول للحنابلة، وهو قول الظاهرية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل الجمهور بالأدلة الآتية:

стр. 1878

١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١). والأمر بإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢). وجه الاستدلال: أن الله أخبر في هذه الآية أن المعطي لا يكون له من عطيته إلا ما نوى بها، فإن نوى بها أمراً آخر كالثواب من المعطي ونحوه كان له ذلك. (١٧٨) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " (٣). (١٧٩) ٤ - وقال البخاري: وقال النبي ﷺ : "والمسلمون على شروطهم" (٤). (١٨٠) ٥ - ما رواه ابن ماجه من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بن جارية الأنصاري، عن عمرو بن دينار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها "، أي يعوض (٥) (ضعيف).

стр. 1879

(١٨١) ٦ - ما رواه الإمام مالك عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان ابن طريف المري، عن عمر ﵁ قال: " من وهب هبة لصلة الرحم، أو على وجه الصدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد الثواب فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض منها " (١). (١٨٢) ٧ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن القاسم، عن ابن أبزى، عن علي ﵁ قال: " الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها " (٢) (ضعيف).

стр. 1880

(١٨٣) ٨ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله بن عامر قال: " كنت عند فضالة بن عبيد إذ جاء رجلان، فقال أحدهما: وهبت له بازاً وأنا أرجو أن يثيبني منها، وقال الآخر: وهب لي بازاً وما تعرضت له وما سألته، فقال فضالة: " اردد إليه هبته أو أثبه منها، فإنما يرجع في المواهب النساء وشرار القوم " (١). (١٨٤) ٩ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن إبراهيم، عن ابن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: " من وهب هبة لوجه الثواب فلا بأس أن يرد " (٢) (صحيح). (١٨٥) ١٠ - ما رواه الطحاوي قال: حدثنا فهد ثنا، أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن راشد بن سعد، عن أبي الدرداء ﵁ قال: " المواهب ثلاثة: رجل وهب من غير أن يستوهب فهي كسبيل الصدقة فليس له أن يرجع في صدقته، ورجل استوهب فوهب فله الثواب … ورجل وهب واشترط الثواب فهو دين على صاحبها في حياته وبعد مماته " (٣).

стр. 1881

دليل القول الثاني: (بطلان هذه الهبة). ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١). قال ابن حزم: "روينا من طريق محمد بن الجهم: نا يحيى الجبابي، نا محمد بن عبيد، نا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ قال: هو هدية الرجل أو هبة الرجل يريد أن يثاب أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند الله ولا يؤجر عليه صاحبه ولا إثم عليه " (٢). قال ابن حزم: هذا إذا أراده بقلبه، وأما إذا اشترطه فعين الباطل والإثم. ويمكن أن يناقش: بأن هذا لا يقتضي بطلانها؛ لأن عدم الثواب والأجر من الله في العمل لا يقتضي بطلانه كسائر العقود التي لا يقصد بها الثواب. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)﴾ (٣). وجه الاستدلال: أن الله تعالى نهى في هذه الآية عن إعطاء شيء ليؤخذ أكثر منه. ويمكن أن يناقش: بأن هذه الآية اختلف في المخاطب بها وفي المراد بها: فقيل المخاطب بها رسول الله ﷺ ، وتكون الآية مقيدة للآية السابقة التي استدل بها الجمهور والظاهرية، ووجه اختصاص الخطاب برسول الله ﷺ :

стр. 1882

أن أخذ الزائد على ما أعطى نوع من السؤال، والسؤال لا يجوز لرسول الله ﷺ . ولأن أخذ الزائد على ما دفع طريق من طرق أخذ الصدقة، وهي لا تحل لرسول الله ﷺ . وقيل معنى الآية: لا تمنن بعطيتك وعملك، ولا تستكثره، فعلى هذا يكون الخطاب له ولأمته. وقيل معناه: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه؛ لأن " تمنن " بمعنى تضعف (١). وعلى كل هذه الأوجه لا يكون في الآية دليل على ما ذكره ابن حزم من بطلان هبة الثواب. ٣ - أن لفظ الهبة يفيد التبرع، فلا يصح شرط العوض فيها (٢). ونوقش: بعدم التسليم، كما في أدلة الرأي الأول. الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة الهبة بشرط الثواب؛ إذ الأصل صحة التبرعات والشروط فيها.

стр. 1883

المطلب الثاني: تكييف الهبة بشرط العوض اختلف الفقهاء ﵏-في التكييف الفقهي للهبة بشرط العوض على أقوال: القول الأول: أن الهبة بشرط العوض يغلب فيها حكم الهبة، فلا تثبت لها أحكام البيع الخاصة. وهو رواية عن الإمام أحمد، وانتصر لها الحارثي (١). القول الثاني: أن الهبة بشرط العوض بيع ابتداء، وانتهاء. وهو قول جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢). القول الثالث: أن الهبة بشرط العوض هبة ابتداء، فإذا حصل تقابض أصبحت بيعا. وهو قول الحنفية، وقول للشافعية، وقول للحنابلة (٣). الأدلة: دليل القول الأول: (هبة مطلقاً) ١ - ما تقدم عن الصحابة ﵃ قريبا أن الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها.

стр. 1884

وهذا يشمل الإثابة المجهولة مما يدل على أنها ليست بيعا للجهالة بالعوض. ٢ - أن الهبة تارة تكون تبرعاً، وتارة تكون بعوض، وكذلك العتق، ولا يخرجان عن موضوعهما (١). دليل القول الثاني: (أنها بيع) أن معنى البيع موجود في هذا العقد؛ لأن العقد تمليك العين بعوض وقد وجد، إلا أنه اختلفت العبارة، واختلافها لا يوجب اختلاف الحكم كحصول البيع بلفظ التمليك. والقاعدة: أن العبرة في العقود بالمعاني، لا بالألفاظ والمباني. دليل القول الثالث: (هبة ابتداء بيع انتهاء) أنه قد وجد في هذا العقد لفظ الهبة، ومعنى البيع، فيعمل بالشبهين قدر الإمكان، فيعتبر فيه القبض والحيازة عملاً بشبهه الهبة، ويثبت فيه حق الرد بالعيب، وعدم الرؤية، وحق الشفعة عملا بشبهه بالبيع. ونوقش: أن العبرة بالعقود المعاني لا الألفاظ والمباني. الترجيح الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليلهم، وضعف دليل المخالف بمناقشته. ثمرة الخلاف على قول الحنفية: يترتب على قول الحنفية: أنه قبل القبض من الطرفين لا يجوز هبة المشاع -عندهم كما تقدم- الذي ينقسم، ولا يثبت الملك في كل واحد منهما، ولكل واحد منهما أن يرجع، أما إذا تقابضا فإن الهبة بعوض تكون

стр. 1885

بمنزلة البيع، فلكل منهما أن يرد بالعيب، وعدم الرؤية، وتجب الشفعة إذا كان غير منقول. المطلب الثالث: إنكار شرط العوض في الهبة إذا ادعى الواهب شرط العوض، فأنكر الموهوب له، فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن القول قول الموهوب له مع يمينه. وهذا قول الحنفية (١)، وأصح الوجهين عند الشافعية (٢)، والمذهب عند الحنابلة (٣). القول الثاني: أن القول قول الواهب. وهذا وجه للشافعية (٤)، ووجه للحنابلة (٥). القول الثالث: إن كان مثل الواهب يطلب العوض على هبته فالقول قوله

стр. 1886

مع يمينه، وإن لم يكن فالقول قول الموهوب له مع يمينه، فإن أشكل ذلك واحتمل الوجهين فالقول قول الواهب مع يمينه. وهذا قول المالكية (١). الأدلة: أدلة القول الأول: (أن القول قول الموهوب له) استدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية: (١٨٦) ١ - ما رواه البخاري من طريق أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لو يعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم " (٢). ٢ - أن الواهب أقر له بالهبة وادعى بدلاً الأصل عدمه (٣). ويناقش: بأن الأصل قد يترك إذا عارضه ظاهر أقوى منه، كما لو كان من عادة الواهب طلب العوض. ٣ - أن الموهوب له منكر لشرط العوض، والقول قول المنكر مع يمينه. وقد يناقش من وجهين: الأول: أن الواهب منكر لعدم العوض. الثاني: أن الواهب قد يترجح إنكاره إذا كان له عادة بشرطه. دليل القول الثاني: (أن القول قول الواهب) استدل أصحاب هذا القول:

стр. 1887

١ - ما تقدم من آثار الصحابة ﵃ أن الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها (١). ٢ - الواهب لم يقر بخروج الشيء من ملكه إلا ببدل (٢). ونوقش: بأنها محمولة على العرف. وأيضا: بأن مطلق الهبة لا يقتضي بدلاً، ولو أراد الواهب العوض لاشترطه؛ لأنه خلاف الأصل (٣). دليل القول الثالث: (الرجوع إلى العرف، وإلا فالقول قول الواهب) أولاً: دليلهم على الرجوع إلى العرف في ذلك: بأن العرف إن وجد فهو قائم مقام الاشتراط؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرعاً (٤). ويناقش: بأن العرف قد لا يكون مطرداً، فالرجوع إلى الأصل -وهو عدم العوض- أولى. ويجاب: بأن المدار على ما إذا كان هناك عادة مطردة. ثانياً: استدلوا على أن القول قول الواهب إن لم يكن عرف: بما استدل به أصحاب القول الثاني. ويناقش: بما نوقش به هناك. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول، أن القول قول الموهوب له في عدم اشتراط العوض في الهبة؛ وذلك لقوة أدلة هذا القول في الجملة.

стр. 1888

إلا أن يؤيد الواهب عادة مطردة في اشتراط العوض، فيقدم؛ لقوة هذا الظاهر، وهو العادة المطردة؛ إذ من القواعد الشرعية أن "العادة محكمة"، و" أن المعروف عرفاً كالمشروط شرعاً، ويؤيده ما جاء عن الصحابة ﵃: أن الواهب أحق بهبته ما لم يثب عليها. المطلب الرابع: العلم بالعوض اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في اشتراط العلم في العوض في الهبة، على قولين: القول الأول: أنه لا يشترط. وهو مذهب المالكية، ورواية عن الإمام أحمد (١). القول الثاني: أنه يشترط. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢). وعند الحنفية: أن الهبة لا تبطل بالشروط الفاسدة. الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٣).

стр. 1889

وجه الدلالة: أن عقد النكاح صح بدون تسمية المهر، فكذا الهبة. (١٨٧) ٢ - ما رواه الإمام أحمد من طريق عمرو بن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس ﵄ " أن أعرابيا وهب للنبي ﷺ هبة فأثابه عليها، قال: رضيت؟ قال: لا، قال: فزاده، قال: رضيت؟، قال: لا، قال: فزاده، قال: رضيت؟ قال: نعم، قال: فقال رسول الله ﷺ : " لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي " (١). ٣ - ما ورد عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- أن الواهب أحق بهبته ما لم يرض منها (٢). وظاهره شمول الإثابة القليل أو الكثيرة. دليل القول الثاني: أنه عوض مجهول في معاوضة، فلم يصح كالبيع (٣). ونوقش: بالفرق بين عقد الهبة وعقد البيع؛ إذ عقد الهبة من عقود

стр. 1890

التبرعات، وعقود التبرعات يتسامح فيها ما لا يتسامح في عقود المعاوضات، ولهذا صحت هبة المجهول والمعدوم، وغير المقدور عليه، كما تقدم. الراجح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ إذ عقود التبرعات يتسامح فيها ما لا يتسامح في عقود المعاوضات، ولأن الأصل الصحة، والهبة عقد خير يحث عليه ويكثر منه، وفي الشرح الكبير: " إذا كان العوض مجهول حكمه حكم البيع الفاسد يردها بزيادتها، وإن كانت تالفة رد قيمتها ". المطلب الخامس: الهبة من أجل الإثابة تجوز الهبة من أجل الإثابة، ويدل لذلك: ١ - ما تقدم من أدلة الهبة السابقة، فعمومها يدل على جواز الهبة من أجل الإثابة. ٢ - أن هذا هو الوارد عن الصحابة، كعمر، وأبي الدرداء، وفضالة بن عبيد الله، وغيرهم من الصحابة ﵃ (١). ٣ - ولأن الأصل في عقد الهبة الحل. واستثنى العلماء ﵏-النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٢).

стр. 1891

وجه الاستدلال: قيل: إن هذا مخصوص بالنبي ﷺ ، ووجه اختصاص الخطاب برسول الله ﷺ : أن أخذ الزائد على ما أعطى نوع من السؤال، والسؤال لا يجوز للرسول ﷺ . ولأن أخذ الزائد على ما دفع طريق من طرق أخذ الصدقة، وهي لا تحل لرسول الله ﷺ . وقيل معنى الآية: لا تمنن بعطيتك وعملك، ولا تستكثره، فعلى هذا يكون الخطاب له ولأمته. وقيل معناه: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه؛ لأن "تمنن" بمعنى تضعف (١). وتقدم أن الظاهرية لا يرون صحة الهبة بشرط الثواب (٢).

стр. 1892

المبحث الثاني: الهبة دون شرط العوض اختلف أهل العلم في الهبة المطلقة هل تقتضي العوض أو لا؟ على قولين: القول الأول: أن الهبة تقتضي العوض مع العرف. وهو مذهب المالكية (١)، وهو قول عند الشافعية (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام (٣). القول الثاني: أن الهبة لا تقتضي العوض مطلقاً. وبه قال الحنفية (٤)، والشافعية في الأظهر عندهم (٥)، والحنابلة (٦). الأدلة: أدلة القول الأول: (اقتضاء العوض مع العرف) ١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " من وهب هبة لصلة رحم أو على

стр. 1893

وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها " (١). وجه الاستدلال: أن عمر ﵁ جعل للواهب حق الرجوع ما دام أنه نوى الثواب، ولم يحصل له، فمن باب أولى إذا ادعى ذلك وشهد له العرف. ويمكن أن يناقش: بأن مقتضى قول عمر هو: الإطلاق في كل من نوى الثواب ولو لم يشهد له العرف، وهذا لا يقول به من استدل بالأثر. ٢ - عن عبد الله بن عامر قال: كنت جالسا عند فضالة بن عبيد فأتاه رجلان يختصمان إليه في باز، فقال أحدهما: وهبت له بازاً رجاء أن يثيبني وقال الآخر: وهب لي بازاً وما تعرضت له، وما سألته، فقال فضالة: " اردد إليه هبته، أو أثبه منه، فإنما يرجع في المواهب النساء وشرار الأقوام " (٢). ٣ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: " المواهب ثلاثة: رجل وهب من غير أن يستوهب فهي كسبيل الصدقة فليس له أن يرجع في صدقته، ورجل استوهب فوهب فله الثوب، فإن قبل على موهبته فليس له إلا ذلك، وله أن يرجع في هبته ما لم يثب، ورجل وهب واشترط الثواب فهو دين على صاحبها في حياته وبعد وفاته " (٣). ويرد عليها من المناقشة ما ورد على أثر عمر ﵁. ٤ - ما ورد عن ابن عمر ﵄ قال: " من وهب هبة لوجه الثواب فلا بأس أن يرد" (٤).

стр. 1894

حجة القول الثاني: (الهبة المطلقة لا تقتضي العوض) أن الهبة تبرع فلا تقتضي الثواب إلا إذا شرط. ونوقش: بأن المعروف عرفاً كالمشروط لفظاً. ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف عند المخاصمة، فلو اختصم المتواهبان، فادعى الواهب إرادة الثواب، وأنكره الموهوب له. فالقائلون: بأن الهبة في الأصل لا تقتضي ثواباً لا يقبلون قول الواهب إذا شهد له العرف بذلك. وأما إذا لم يشهد العرف والعادة بذلك، فالذي يظهر أن الواهب لا يقبل قوله إلا على وجه ضعيف للشافعية (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- أن الهبة تقتضي العوض مع العرف؛ لقوة ما استدلوا به من آثار الصحابة ﵃، وللقاعدة أن المعروف عرفاً كالمشروط لفظاً. فرع: " ألحق الماوردي بذلك -أي عدم اقتضاء الهبة الثواب- سبعة أنواع هبة الأهل والأقارب؛ لأن القصد الصلة، وهبة العدو؛ لأن القصد التآلف، وهبة الغني للفقير؛ لأن المقصود نفعه، والهبة للعلماء والزهاد؛ لأن القصد القربة والتبرك، وهبة المكلف لغيره لعدم صحة الاعتياض منه، والهبة للأصدقاء

стр. 1895

والإخوان؛ لأن القصد تأكد المودة، والهبة لمن أعان بجاهه أو ماله؛ لأن المقصود مكافأته " (١).
следующие страницы →