← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وجه الاستدلال: قيل: إن هذا مخصوص بالنبي ﷺ ، ووجه اختصاص الخطاب برسول الله ﷺ : أن أخذ الزائد على ما أعطى نوع من السؤال، والسؤال لا يجوز للرسول ﷺ . ولأن أخذ الزائد على ما دفع طريق من طرق أخذ الصدقة، وهي لا تحل لرسول الله ﷺ . وقيل معنى الآية: لا تمنن بعطيتك وعملك، ولا تستكثره، فعلى هذا يكون الخطاب له ولأمته. وقيل معناه: لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه؛ لأن "تمنن" بمعنى تضعف (١). وتقدم أن الظاهرية لا يرون صحة الهبة بشرط الثواب (٢).

стр. 1892

المبحث الثاني: الهبة دون شرط العوض اختلف أهل العلم في الهبة المطلقة هل تقتضي العوض أو لا؟ على قولين: القول الأول: أن الهبة تقتضي العوض مع العرف. وهو مذهب المالكية (١)، وهو قول عند الشافعية (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام (٣). القول الثاني: أن الهبة لا تقتضي العوض مطلقاً. وبه قال الحنفية (٤)، والشافعية في الأظهر عندهم (٥)، والحنابلة (٦). الأدلة: أدلة القول الأول: (اقتضاء العوض مع العرف) ١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " من وهب هبة لصلة رحم أو على

стр. 1893

وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها " (١). وجه الاستدلال: أن عمر ﵁ جعل للواهب حق الرجوع ما دام أنه نوى الثواب، ولم يحصل له، فمن باب أولى إذا ادعى ذلك وشهد له العرف. ويمكن أن يناقش: بأن مقتضى قول عمر هو: الإطلاق في كل من نوى الثواب ولو لم يشهد له العرف، وهذا لا يقول به من استدل بالأثر. ٢ - عن عبد الله بن عامر قال: كنت جالسا عند فضالة بن عبيد فأتاه رجلان يختصمان إليه في باز، فقال أحدهما: وهبت له بازاً رجاء أن يثيبني وقال الآخر: وهب لي بازاً وما تعرضت له، وما سألته، فقال فضالة: " اردد إليه هبته، أو أثبه منه، فإنما يرجع في المواهب النساء وشرار الأقوام " (٢). ٣ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: " المواهب ثلاثة: رجل وهب من غير أن يستوهب فهي كسبيل الصدقة فليس له أن يرجع في صدقته، ورجل استوهب فوهب فله الثوب، فإن قبل على موهبته فليس له إلا ذلك، وله أن يرجع في هبته ما لم يثب، ورجل وهب واشترط الثواب فهو دين على صاحبها في حياته وبعد وفاته " (٣). ويرد عليها من المناقشة ما ورد على أثر عمر ﵁. ٤ - ما ورد عن ابن عمر ﵄ قال: " من وهب هبة لوجه الثواب فلا بأس أن يرد" (٤).

стр. 1894

حجة القول الثاني: (الهبة المطلقة لا تقتضي العوض) أن الهبة تبرع فلا تقتضي الثواب إلا إذا شرط. ونوقش: بأن المعروف عرفاً كالمشروط لفظاً. ثمرة الخلاف: تظهر ثمرة الخلاف عند المخاصمة، فلو اختصم المتواهبان، فادعى الواهب إرادة الثواب، وأنكره الموهوب له. فالقائلون: بأن الهبة في الأصل لا تقتضي ثواباً لا يقبلون قول الواهب إذا شهد له العرف بذلك. وأما إذا لم يشهد العرف والعادة بذلك، فالذي يظهر أن الواهب لا يقبل قوله إلا على وجه ضعيف للشافعية (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- أن الهبة تقتضي العوض مع العرف؛ لقوة ما استدلوا به من آثار الصحابة ﵃، وللقاعدة أن المعروف عرفاً كالمشروط لفظاً. فرع: " ألحق الماوردي بذلك -أي عدم اقتضاء الهبة الثواب- سبعة أنواع هبة الأهل والأقارب؛ لأن القصد الصلة، وهبة العدو؛ لأن القصد التآلف، وهبة الغني للفقير؛ لأن المقصود نفعه، والهبة للعلماء والزهاد؛ لأن القصد القربة والتبرك، وهبة المكلف لغيره لعدم صحة الاعتياض منه، والهبة للأصدقاء

стр. 1895

والإخوان؛ لأن القصد تأكد المودة، والهبة لمن أعان بجاهه أو ماله؛ لأن المقصود مكافأته " (١).

стр. 1896

الفصل الثاني: القبض في الهبة وفيه مباحث: المبحث الأول: أثر القبض في ملك الهبة. المبحث الثاني: أثر القبض في لزوم الهبة، واستقرارها. المبحث الثالث: أثر لزوم الهبة، واستقرارها. المبحث الرابع: شرط القبض، وكيفيته. المبحث الخامس: أثر الجنون والإغماء قبل القبض على صحة الهبة. المبحث السادس: أثر الموت قبل القبض على صحة الهبة.

стр. 1897

المبحث الأول: أثر القبض في ملك الهبة اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أن الهبة تملك بالعقد. قال به المالكية (١)، والشافعية في القديم (٢)، وهو مذهب الحنابلة (٣)، وبه قال أبو ثور، وهو مذهب الظاهرية (٤). في مواهب الجليل: " هذا على المشهور من أن الهبة تلزم بالقول، قال ابن عرفة: والمعروف لزوم العطية بعقدها " (٥). وفي روضة الطالبين: " وأما شروط لزوم الهبة فهو القبض، فلا يحصل الملك في الموهوب والهدية إلا بقبضهما " (٦). وفي شرح منتهى الإرادات: " وتصح الهبة بعقد وتملك العين الموهوبة بعقد، أي بإيجاب وقبول، فالقبض معتبر للزومها، واستمرارها، لا لانعقادها وإنشائها " (٧).

стр. 1898

القول الثاني: أن الهبة لا تملك إلا بالقبض بعد العقد. قال به الحنفية (١)، وهو قول للمالكية (٢)، وهو قول الشافعية (٣)، وبه قال ابن عقيل والمجد من الحنابلة (٤). في المبسوط: " الملك لا يثبت في الهبة بالعقد قبل القبض عندنا " (٥). وفي الشرح الكبير للدردير: " الهبة تملك بالقول على المشهور " (٦). وفي الحاوي الكبير: " المبيع يملك بالعقد، والهبة بالقبض " (٧). وفي كشاف القناع: " وقال المجد في شرح الهداية: إن الملك في الموهوب لا يثبت بدون القبض، وكذا صرح ابن عقيل بأن القبض ركن من أركان الهبة كالإيجاب في غيرها" (٨). الأدلة: أدلة القول الأول: (أنها تملك بالعقد) ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٩).

стр. 1899

حيث أمر الله تعالى بالوفاء بالعقد، وعقد الهبة يحصل بالإيجاب والقبول، ولا يؤمر بوفاء العقد إلا لحصول الملك به. ٢ - حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " العائد في هبته كالعائد في قيئه" (١). ٣ - حديث ابن عمر، وابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا يحل لأحد يعطي عطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده " (٢). ٤ - القياس على البيع؛ فكما يملك المعقود عليه في عقد البيع بمجرد العقد، فكذلك الهبة، " فالأصل في العقود أن لا قبض مشترط في صحتها حتى يقوم الدليل على اشتراط القبض " (٣)، فعدم الدليل على الاشتراط كافٍ في الدلالة على الاكتفاء بالعقد. ٥ - أن عدم اشتراط القبض لملك الهبة موافق لمقصد الشارع في الحثّ عليها؛ وذلك لعلم المكلف أنّه بالقول قد ملك الموهوب له الهبة، وكذلك الصدقة. أدلة القول الثاني: (الهبة لا تملك إلا بالقبض) ١ - عن أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت: " لما تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة قال لها: إني أهديت إلى النجاشي أواق من مسك وحلة، وإني لا أراه إلا قد مات، ولا أرى الهدية التي أهديت إليه إلا سترد، فإذا ردت إلي فهو لك، أو لَكُنَّ، فكان كما قال، هلك النجاشي فلما ردت إليه الهدية أعطى

стр. 1900

كل امرأة من نسائه أوقية من ذلك المسك، وأعطى سائره أم سلمة، وأعطاها الحلة " (١). وجه الدلالة: أنه لو كانت الهبة تملك قبل القبض لما استجاز الرسول ﷺ أن يتملكه ويتصرف فيه. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: ضعف الحديث. الوجه الثاني: أن الدليل لا ينفي أن تملك الهبة بالعقد بلا قبض، إلا أن للواهب الرجوع، ويأتي بيانه. (١٨٨) ٢ - ما رواه الإمام مالك عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: " إن أبا بكر الصديق ﵁ نحلها جذاذ عشرين وسقاً من مال بالغابة، فلمّا حضرته الوفاة قال: والله يا بنية، ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك من مالي جداد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك ذلك، وإنما هو مال الوارث، وإنما هو أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله … " (٢). وجه الدلالة: هي في قوله: " فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك ذلك"؛ فلولا توقف الملك على القبض لما قال " إنه مال وارث " (٣)، فيدل الأثر على أن الهبة لا تتم إلا بالقبض، فلا تملك إلا به (٤).

стр. 1901

ونوقش هذا الاستدلال: أن أثر عائشة ﵂ في قول أبي بكر ﵁ لا دلالة فيه على أن الهبة لا تملك بالقبض؛ بل يدل على أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض وسيأتي. ٣ - أثر عمر ﵁ الآتي (١). وجه الدلالة منه: كأثر عائشة، والإجابة عنه كما سبق. ٣ - أن الهبة عقد تبرع، فلا يثبت الملك فيه بمجرد القبول كالوصية؛ وذلك أن عقد التبرع ضعيف في نفسه، ولهذا لا يتعلق به صفة اللزوم، والملك الثابت للواهب كان قويا، فلا يزول بالسبب الضعيف حتى ينضم إليه ما يتقوى به، وهو موته في الوصية؛ لكون الموت منافياً لملكه، وتسليمه في الهبة لإزالة يده عنه (٢)، ولو ثبت الملك بدون قبض للزم المتبرع شيء لم يلتزمه، وهو التسليم (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الفارق بين الهبة والبيع من حيث القوة والضعف لا يسلم جعله دليلاً على اشتراط القبض لصحة عقد الهبة، فهو تعليل يحتاج إلى ما يسنده من الأدلة الصحيحة السليمة من المعارضة. الوجه الثاني: أن تسليم الهبة مفرع على الملك، فإذا ثبت الملك بعقد الواهب لزم منه التسليم، فهو الذي التزم التسليم بعقده. الترجيح: بعد عرض الأدلة والمناقشات يتبين -والله أعلم- أن الراجح هو القول الأول؛ وذلك لما يلي:

стр. 1902

١ - لقوة ما استدل به أصحاب هذا القول، وسلامته من الاعتراض. ٢ - وضعف أدلة أصحاب القول الثاني لإمكان مناقشتها.

стр. 1903

المبحث الثاني: أثر القبض في استقرار الهبة، ولزومها بعد أن تبين أن الهبة تملك بالعقد اختلف الفقهاء فيما يتحقق به استقرار ملك الموهوب له على أربعة أقوال: القول الأول: أن الهبة تستقر بالعقد مطلقا من مكيل أو غيره. قال به المالكية في الجملة (١)، والشافعي في القديم (٢)، وهو مذهب الظاهرية (٣)، وبه قال أبو ثور (٤). وعند المالكية (٥): " أنه يجبر الواهب على الحوز، أي: على تمكين الموهوب له منه حيث طلبه، كما وصفوا (٦) ملك الهبة قبل الحوز بأنه ضعيف. لأن الهبة تملك بالقول، فله طلبها منه حيث امتنع، ولو عند الحاكم لجبره على تمكين الموهوب له منها (٧).

стр. 1904

فإن لم تتم الهبة بالحوز -وهو القبض- فإن الهبة تبطل في رأي المالكية (١) إذا تأخر الحوز حتى أحاط الدين بمال الواهب " فإن قبضها تمت له، وصارت ملكاً من ملكه ". القول الثاني: أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض (٢). وهو المذهب عند الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثالث: أن الهبة تستقر بمجرد العقد في غير المكيل والموزون، وفيهما بالقبض. قال به النخعي، والثوري، والحسن بن صالح (٥)، وأحمد في رواية (٦). فذكر في المغني (٧) أن المكيل والموزون لا تلزم فيهما الصدقة، والهبة إلا بالقبض. وهو قول أكثر الفقهاء. القول الرابع: أن ملك الهبة يستقر، ويلزم بوجود مانع من موانع الرجوع. قال به الحنفية (٨).

стр. 1905

ولما كان حكم الهبة في قول الحنفية بعد القبض هو: ثبوت الملك للموهوب له ثبوتاً غير لازم كان الرجوع صحيحاً ما لم يمنع من ذلك مانع (١). قال ابن نجيم (٢): " تملك الهبة والصدقة بالقبض، ويستقر الملك في الهبة بوجود مانع من الرجوع … " وإذا وجد أحد الموانع الآتية، فلا يصح الرجوع إلا بتراضيهما، أو بحكم حاكم (٣). الأدلة: أدلة الرأي الأول: (تلزم بالعقد) واستدلوا لما ذهبوا إليه بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤). حيث أمر الله تعالى بالوفاء بالعقد، وعقد الهبة يحصل بالإيجاب والقبول، فإذا حصل ذلك وجب الوفاء به وعدم فسخه. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ (٥). ومن رجع في الهبة فقد أبطل عمله (٦). ويمكن أن يناقش وجه الاستدلال من الآيتين من وجهين: الوجه الأول: أن المراد الوفاء بلازم العقود، والهبة إنما تلزم بالقبض لا بالعقد (٧).

стр. 1906

الوجه الثاني: أنهما مخصصتان. (١٨٩) - بما رواه الترمذي من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، أنه سمع طاوساً يحدث عن ابن عمر وابن عباس ﵄ يرفعان الحديث إلى النبي ﷺ : " لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده " (١).

стр. 1907

فدل على جواز رجوع الوالد، فكذا غيره يجوز قبل القبض. وأجيب: الاستثناء معيار العموم، فدل على عدم جواز الرجوع في الهبة مطلقاً، إلا للوالد مما يدل على لزومها بالعقد. (١٩٠) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن المسيب، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " العائد في هبته كالعائد في قيئه " (١). وجه الدلالة من الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ حرَّمَ الرجوعَ في الهبةِ، ولم يفرق بين الهبة المقبوضة، والهبة غير المقبوضة، فدلَّ ذلك على لزوم الهبة بالعقد. ٤ - حديث ابن عباس، وابن عمر ﵄، وفيه قوله ﷺ : " لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهبه إلا الوالد فيما وهبه لولده " (٢). فهذا حديثٌ صريحٌ في أنَّ من وهبَ لا يحق له أن يرجع فيها إلا إذا كان الواهب هو الوالد فله ذلك، ولم يفرق بين كون الرجوع قبل القبض أو بعده.

стр. 1908

ونوقش: بأنَّ هذا محمولٌ على ما بعد القبض (١). ويمكن أن يجاب عنه: بأن ظاهر الحديث العموم فيما قبل القبض وما بعده، والظاهر لا يعدل عنه إلا بدليل ظاهر. (١٩١) ٥ - ما رواه عبد الرزاق من طريق جابر الجعفي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: " كان علي بن أبي طالب وابن مسعود ? ﵄ يجيزان الصدقة وإن لم تُقبض " (٢). (١٩٢) ٦ - ما رواه ابن حزم من طريق الحجاج بن المنهال، حدثنا المعتمر بن سليمان التيمي، قال: سمعت عيسى بن المسيب، أنه سمع القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يحدث عن أبيه، عن جده عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " الصدقة جائزة قبضت أو لم تقبض " (٣). (١٩٣) ٧ - ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم أنَّ ابنَ مسعود ﵁ قال: " من طلَّق لاعباً، أو نكح لاعباً فقد جاز " (٤). (ضعيف)

стр. 1909

٨ - أن الهبة عقد إرفاق وتبرر فيجب أن يلزم بمجرد القول قياساً على العتق والوقف؛ بجامع أن كلاًّ منهما تبرع (١). ونوقش: بعدم التسليم بصحة القياس على الوقف؛ لأنه إخراج ملك إلى الله تعالى فخالف التمليكات (٢). وأيضا هو قياس في مواد النص، فالهبة ورد النص في عدم الرجوع فيها إلا هبة الوالد لولده، فلا يكون للقياس مجال، والعتق إسقاط حق، وليس بتمليك، كما أن المعتق لو رد العتق فلا يصح رده بخلاف الهبة. ٩ - أن الهبة تمليك عين في حال الحياة، فوجب أن يلزم بمجرد الإيجاب والقبول، كالبيع (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم بالتسوية بينها وبين البيع؛ لأن البيع عقد معاوضة ملك به كل طرف عوضاً مقابلاً لما بذله بخلاف الهبة، فإنها عقد تبرع فلا يلزم إلا بالقبض. ١٠ - يستدل كذلك بدلالة اللغة: وذلك أن من قال: مالي هذا صدقة على فلان، أو قال: قد تصدقت عليك بهذا الشيء، أو قال: مالي هذا هبة لفلان، أو قال: قد وهبته لفلان، فلا يختلف اثنان ممن يحسن اللغة العربية في أنه يقال: قد تصدق فلان بكذا على فلان، وقد وهب له كذا، فلو لم تكن الصدقة كاملة تامة باللفظ لكان المخبر عنه بأنه تصدق، أو وهب كاذباً،

стр. 1910

فوجب حمل الحكم على ما توجبه اللغة ما لم يأت نص بحكم زائد لا تقتضيه اللغة، فيوقف عنده ويعمل به (١). ونوقش هذا الاستدلال: أنه لا يلزم على القول بأن الهبة لا تتم إلا بالقبض عدم صدق من قال: وهبت لفلان كذا؛ وذلك أن مدلول اللفظ يتنزل حسب المراد الشرعي، فإذا كانت الهبة غير لازمة إلا بالقبض، فإن الواهب قد وهب إلا أن هذه الهبة غير لازمة، كما يقال: إني قد بعت على فلان مع وجود شرط الخيار، والنحل من ألفاظ الهبة (٢). أدلة القول الثاني: (تلزم بالقبض) واستدلوا لما ذهبوا إليه بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٣). والتحية لفظ مشترك تستعمل في معان منها: السلام، والثناء، والهدية بالمال، والمتعين فيها هنا الهدية بالمال، لقرينة قوله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾؛ لأن الرد إنما يتحقق في الأعيان لا في الأغراض، والمشترك يتعين أحد وجوهه بالدليل (٤)، والرد بعد القبض. ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن المسيب، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " العائد في هبته كالعائد في قيئه " (٥). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ شبه العائد في هبته كالكلب العائد في قيئه،

стр. 1911

ولا يكون عود الكلب في قيئه إلا بعد إخراجه، فدل على أن الذم إنما هو بعد إخراج الهبة في القبض. ونوقش: أنه مسلم، فصدر الحديث يدل على عموم النهي في الرجوع قبل القبض وبعده، وعجز الحديث يدل على العموم لكن الرجوع بعد القبض آكد لتأكد الذم. ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الواهب أحق بهبته ما لم يثب عليها" (١). فالحديث يدل على أن للواهب الرجوع فيما وهبه ما لم يحصل ما يفيت ذلك عليه وهو العوض، فيؤخذ منه جواز الرجوع قبل القبض. ونوقش من وجهين: الأول: ضعف الحديث. الثاني: بأنه استدلال في غير محل النزاع؛ إذ النزاع إنما هو في الهبة لغير ثواب، وما استدلوا به هو في الهبة للثواب. (١٩٣?) ٤ - ما رواه مسلم من طريق همام، حدثنا قتادة، عن مطرف، عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ (٢)، قال: " يقول ابن آدم: مالي مالي، قال: وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت " (٣). وجه الاستدلال: أنه ﷺ شرط في الصدقة الإمضاء وهو الإقباض حتى تخرج عن حكم المال الموروث، والهبة في ذلك كالصدقة.

стр. 1912

ونوقش هذا الاستدلال: قال ابن حزم: " إن الإمضاء هو شيء آخر غير التصدق والإعطاء، ولا جاء ذلك قط في لغة، بل كل تصدق وإعطاء إعطاء، فاللفظ بهما إمضاء، وإخراج لهما عن ملكه كما أن الأكل نفسه هو الإفناء، واللباس هو الإبلاء … " (١). ٥ - حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ أهدى للنجاشي هدية من مسك فردت إلى النبي ﷺ ، لكون النجاشي مات قبل أن تصل إليه، فقسمها النبي ﷺ بين أزواجه (٢)، ولو كانت الهبة تلزم بالعقد لما أخذ النبي ﷺ الهبة ولأعطاها لورثة النجاشي (٣). ونوقش هذا الاستدلال على تسليم ثبوت الحديث: بأن العقد في هذه الحالة لم يقع؛ لكون القبول لم يحصل من النجاشي، وما دام العقد لم يقع، فلا يسمى فعل النبي ﷺ ذلك فسخاً، لكون الفسخ لا يكون إلا لعقد قد تم. ٦ - ما ورد عن الصحابة: أن الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها (٤) (٥). ونوقش: بأن هذا إنما ورد في هبة الثواب، وتلك ليست هي مجال البحث هنا. ٧ - أن أبا بكر الصديق ﵁ نحل عائشة ﵂ جذاذ عشرين وسقاً (٦) من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: " والله يا بنية ما من الناس أحد أحب

стр. 1913

إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله … " (١). وجه الدلالة: قوله: (فلو جددتيه، واحتزتيه كان لك ذلك)، يقتضي أن القبض شرط في لزوم الهبة. ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن هذا مجرد عدة، وليست من الهبة المعروفة؛ لأنها ليست في معين من النخل، ولا معين من التمر (٢). وأجيب بأمرين: الأمر الأول: على التسليم بأنها عدة، فالإيفاء بالوعد واجب، وإخلافه محرم، ومن صفات المنافقين. الأمر الثاني: قوله ليست في معين من النخل، ولا معين من التمر، لا يلزم منه عدم صحة الهبة؛ إذ الهبة للمجهول والمعدوم صحيحة فالمبهم من باب أولى (٣). الوجه الثاني: على التسليم بأن هذا من الهبة، فإن أبا بكر ﵁ استرد هذه الهبة بإذن عائشة ﵂، لا أن الهبة لم تتم باللفظ، ويدل لهذا: (١٩٤) ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة أن القاسم بن محمد، أخبره أن أبا بكر الصديق قال لعائشة أم المؤمنين ﵂: " يا بنية إني نحلتك نحلاً من خيبر، وإني أخاف أن أكون آثرتك على ولدي،

стр. 1914

وإنك لم تكوني احتزتيه فرديه على ولدي، فقالت: يا أبتاه لو كانت لي خيبر بجداها لرددتها " (١). (١٩٥) وروي ابن حزم من طريق ابن الجهم، حدثنا إبراهيم الحربي، حدثنا ابن نمير -هو محمد بن عبد الله بن نمير-، حدثنا أبي، عن الأعمش، عن شقيق أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: قال لي أبو بكر حين أحضر: " إني كنت أبنتك بنحل، فإن شئت أن تأخذي منه قطاعاً أو قطاعين، ثم ترديه إلى الميراث، قالت: قد فعلت" (٢). الوجه الثالث: أنه مخالف لظاهر السنة في لزوم الهبة بمجرد العقد. (١٩٦) ٨ - ما رواه الإمام مالك عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " … من نحل نحلة لم يحزها الذي نحلها حتى تكون إن مات لورثته فهي باطل " (٣). (١٩٧) ٩ - ما رواه ابن أبي شيبة عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن

стр. 1915

المسيب قال: " شكي ذلك إلى عثمان أن الولد إذا كان صغيراً لا يجوز، فرأى أن أباه إذا وهب له وأشهد جاز " (١). ونوقش: قال ابن حزم: " وبقيت الرواية عن عمر وعثمان فهي حجة إلا أنهما اختلفا فعمر عمّ كل موهوب، وعثمان خص من ذلك صغار الولد، وإنما هو رأي من رأيهما اختلفا فيه لا تقوم به حجة على أحد " (٢). ١٠ - ما رواه ابن حزم من طريق ابن وهب، عن الحارث بن نبهان، عن محمد بن عبيد الله -هو العرزمي-، عن عمرو بن شعيب وابن أبي مليكة " أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر قالوا: لا تجوز صدقة حتى تقبض " (٣). وجه الدلالة: إذا كانت الصدقة لا تجوز حتى تقبض، فالهبة من باب أولى. (١٩٨) ١١ - ما رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن القاسم بن عبد الرحمن " كان معاذ بن جبل لا يجيز الصدقة حتى تقبض" (٤).

стр. 1916

وعلى فرض أن أبا بكر كان يرى أنها لا تفسخ بعد القبض، فلا يعارض ذلك حديث جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده مطلقاً. ١٢ - أن الهبة عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، فوجب أن يفتقر إلى القبض كالقرض والعارية (١). ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن المقيس عليه موضع خلاف، فلا يسلم، بل يلزمان بالقبض. الوجه الثاني: أنه قياس مع الفارق؛ فالهبة تمليك للرقبة والمنفعة بلا عوض، والعارية إباحة أو تمليك للمنافع، والقرض تمليك ببدل. ١٣ - القياس على الوصية، فلا تصح باللفظ وحده، لكن بمعنى آخر مقترن إليه، وهو الموت، وكذا الهبة بالقبض. ونوقش: بعدم التسليم، بل الوصية تجب بالموت، وإن لم تقبض. ١٤ - أن الهبة عقد لا يلزم الوارث إلا بالقبض، فوجب أن لا يلزم المورث إلا بالقبض كالرهن طردا، والبيع عكساً (٢).

стр. 1917

ونوقش: بأن وجود الفرق بين البيع والرهن والهبة؛ إذ البيع من عقود المعاوضات والرهن من عقود التبرعات، وتقدم. أدلة القول الثالث: (تلزم بمجرد العقد غير المكيل، والموزون) أولاً: دليلهم على أن ما عدا المكيل والموزون يلزم بالعقد: ما تقدم من أدلة الرأي الأول. ثانياً: دليلهم على أن الموزون والمكيل لا يلزم إلا بالقبض: ١ - أثر عائشة السّابق من قول أبي بكر ﵁ لها: " وإني كنت نحلتك من مالي جذاذ عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك ذلك، وإنما هو مال الوارث … " (١). وجه الدلالة: أن المعقود عليه عقد الهبة إنما هو عشرون وسقاً، وهي مكيلة، فيلتحق ما كان بمعنى المكيل من الموزون والمعدود والمذروع. وقد سبقت مناقشة دلالة أثر أبي بكر قبل قليل. ٢ - أنَّ الهبةَ أحد نوعي التمليك فكان منها ما يلزم قبل القبض، ومنها ما يلزم بعده كالبيع. ونوقش: بأن القياس من شرط صحته عدم وجود نص في المقيس، وقد وجد، فإن قوله ﷺ : " لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهبه إلا الوالد فيما وهبه لولده " (٢)، نص في الموضوع، وهو يشمل المكيل وغير المكيل، فلا يكون للقياس محلاً (٣).

стр. 1918

٣ - أنَّ هذا مرويٌّ عن عليٍّ وابن مسعود، فقد روي عنهما أنهما قالا: " الهبة جائزة إذا كانت معلومة قبضت أو لم تقبض " (١). ونوقش: بأنه ضعيف (٢). وأما حجة الحنفية، فقد عللوا لما ذهبوا إليه (٣): بوجود الخلاف؛ حيث قال بعض العلماء بعدم الرجوع في الهبة. لكن التعليل بالخلاف علة باطلة، فلا يبنى عليه حكم؛ إذ الخلاف حادث. وموانع الرجوع في الهبة عند الحنفية: أولاً: الزيادة المتصلة بالموهوب الموجبة لزيادة القيمة كالبناء، والغرس، والسمن، والجمال، ونحوه دون المنفصلة كالولد، والأرش، فيرجع بالأصل، لا الزيادة (٤). والتعليل: أنه لا وجه للرجوع فيها دون الزيادة؛ لعدم الإمكان، ولا مع الزيادة؛ لعدم دخولها تحت العقد (٥). ثانياً: موت أحد المتعاقدين بعد التسليم. والتعليل: أن موت الموهوب له ينتقل به الملك إلى الورثة وهم لم يستفيدوه من جهة الواهب فلا يرجع عليهم، فصار كما لو انتقل في حال حياته (٦)، ولأن تبدل الملك كتبدل العين، فصار كعين أخرى، فلا يكون له فيها سبيل، وبموت الواهب يبطل خياره؛ لأنه لا يورث.

стр. 1919

ثالثاً: تعويض الموهوب له الواهب بشرط أن يذكر لفظاً يعلم الواهب أنه عوض كل هبته (١). التعليل: أن الموهوب له إذا عوض الواهب فهو كما لو بقي ملكه عنده (٢). وعللوا لاشتراط اللفظ المفيد للتعويض: بأن التمليك المطلق يحتمل الابتداء، ويحتمل المجازاة، فلا يبطل حق الرجوع بالشك. رابعاً: خروج الهبة عن ملك الموهوب له بالكلية (٣). التعليل: أن الإخراج عن ملكه وتمليكه لغيره حصل بتسليط الواهب، فلا يمكن من نقض ما تم من جهته، ولأن تبدل الملك كتبدل العين فصار كعين أخرى، فلا يرجع فيها (٤). خامساً: ما وهبه لذي رحم محرّم منه؛ لما يلي: (١٩٩) ١ - ما رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها " (٥).

стр. 1920

٢ - ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه الصدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها " (١). الترجيح: لعل الراجح في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- ما ذهب إليه المالكية: وهو أن الهبة تلزم بالإيجاب والقبول ما عدا هبة الوالد لولده، وبناء على ذلك، فلا يصح للواهب أن يفسخ هبة وهبها لغيره إلا ما وهبه الوالد لولده؛ لورود ذلك عن الصحابة، ولأن الوالد مع ولده له أحكام خاصة من التملك، والرجوع في الهبة، ونحو ذلك. وذلك لقوة أدلة هذا القول، وللإجابة عما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى. ولما تقدم من أن الراجح: أن الهبة تمليك بالعقد، فكذا تلزم به. سادساً: الزوجية وقت الهبة، فلو وهب الزوج لزوجه لم يرجع؛ لأدلة عدم الرجوع في الهبة. ولو وهب لامرأة ثم تزوجها له الرجوع، ولو وهبت لرجل ثم تزوجته لها الرجوع عند الحنفية. وأما رجوع الزوجة على زوجها، فتقدم بحثه في مسألة: رجوع الزوجة.

стр. 1921

سابعاً: هلاك العين الموهوبة، وذلك بأن تتلف العين الموهوبة، فإذا تلفت منع الرجوع فيها، وإن تلف البعض له الرجوع في الباقي، وإن ادعى الواهب الهلاك صدق بلا يمين؛ لأنه ينكر الرد (١) (٢). ودليل ذلك: أن ملك الموهوب له زال بهلاك الموهوب، وفات المحل الذي يقع عليه رجوع الواهب، فتعذر الرجوع بعد الهلاك.

стр. 1922

المبحث الثالث: أثر لزوم الهبة، واستقرارها عند استقرار ملك الموهوب له بالقبض، فإن ملكه للهبة لا يتأثر بما قد يطرأ على الواهب، أو الموهوب له من موت، أو غيره، بخلاف ما إذا لم تستقر، وذلك كما يلي: أولاً: تبين مما سبق أنه إذا استقر ملك الموهوب له في الهبة، فإن الواهب لا يستطيع الرجوع فيها. ثانياً: ما يتعلق بموت الواهب، أو الموهوب له قبل القبض، ويأتي بحثه في المبحث السادس. ثالثاً: يذهب المالكية (١) إلى بطلان الهبة إذا تأخر حوز الواهب له في صحته حتى لحقه دين محيط بماله، سواء كان قبل الهبة، أو بعدها؛ لفقد الحوز. كما تبطل عندهم إذا وهب الواهب الهبة لشخص ثان وحازها الثاني قبل الأول، فتكون للثاني؛ لأنه تقوى جانبه بالحيازة لها، كما تبطل إذا أعتق الواهب العبد قبل أن يحوزه الموهوب له، أو استولد الأمة كذلك، وإذا باع الواهب الهبة قبل أن يعلم بها الموهوب له فإنها لا تبطل، أو بعد علمه، إلا أنه لم يفرط في الحوز، فإن فرط نفذ البيع على المشهور، كما تبطل إذا جن

стр. 1923

الواهب، أو مرض واتصل بموته قبل الحوز، ولو قبضها الموهوب له قبل الموت؛ لأن شرط الحوز في صحته، وعقله (١).

стр. 1924

المبحث الرابع: شرط القبض، وكيفيته وفيه مطلبان: المطلب الأول: شرط القبض اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في اشتراط إذن الواهب في قبض العين الموهوبة على قولين: القول الأول: أنه لا يشترط إذن الواهب في قبض العين الموهوبة. وهو قول المالكية، وابن حزم (١). القول الثاني: أنه يشترط إذن الواهب لقبض الهبة. فإن قبضها بغير إذنه لم تتم الهبة، ولم يصح القبض. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢). وأجاز الحنفية قبضها بغير إذن صريح -استحساناً- إذا حصل ذلك في المجلس بحضرة الواهب، ولم ينهه عن ذلك لدلالة هذا على الإذن بالقبض الذي هو معنى الإيجاب في الهبة، والثابت لدلالة كالثابت نصاً.

стр. 1925

وبعد الافتراق من المجلس لا بد من الإذن. وخالفهم الشافعية والحنابلة في ذلك (١): " لأن التسليم غير مستحق على الواهب فلا يصح التسليم إلا بإذنه، كما لو أخذ المشتري المبيع من البائع قبل تسليم ثمنه … " (٢). وهو مقتضى القياس عند الحنفية (٣). الأدلة: دليل القول الأول: خروج الموهوب من ملك الواهب، وصيرورته ملكاً للموهوب له بالعقد له، كما تقدم الدليل على ذلك، وعلى ذلك لا يحتاج إلى إذن الواهب (٤). دليل القول الثاني: أن الإذن بالقبض شرط لصحة القبض في باب البيع، فلو قبض المشتري المبيع من غير إذن البائع قبل نقد الثمن كان للبائع حق الاسترداد، فلأن يكون في الهبة أولى؛ لأن البيع يصح بدون القبض، والهبة لا صحة لها بدون القبض .... ولأن القبض في باب الهبة يشبه القبول في باب البيع (٥). ونوقش: بالفرق بين البيع والهبة كما سبق (٦).

стр. 1926

الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لما تقدم من الأدلة على ملكية الهبة بالعقد (١). ما يترتب على اشتراط إذن الواهب في قبض الهبة: يترتب على اشتراط إذن الواهب في قبض الهبة كما يلي: ١ - أن قبضها من غير إذن الواهب قبض فاسد لا يثبت به ملك الهبة. ٢ - أن على القابض ضمان ما قبضه؛ لأنه لم يؤذن له في ذلك، وكيفية هذا الضمان كضمان المقبوض بعقد فاسد (٢). المطلب الثاني: كيفية القبض قبض الهبة ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: قبض العقار. اتفق العلماء على أن قبض العقار يكون بالتخلية (٣). القسم الثاني: قبض المكيلات، والموزونات، وما ألحق بها كالمذروعات، والمعدودات.

стр. 1927

وله حالتان: الحال الأولى: أن توهب مقدرة بكيل أو وزن … ونحوهما: اختلف الفقهاء في كيفية قبضها في هذه الحال على قولين: القول الأول: أن قبض المكيل -في هذه الحال- يحصل بكيله، وقبض الموزون يكون بوزنه، والمعدود بعدّه، والمذروع بذرعه. وهذا هو قول جمهور الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة -في المعتمد من مذهبهم (٣) -، وزاد الشافعية شرط نقله إلى مكان لا يختص بالواهب (٤). القول الثاني: أن قبض المكيل والموزون والمعدود والمذروع يكون بالتخلية. وهذا هو قول الحنفية (٥)، وهو رواية عند الحنابلة إذا تم تمييزه (٦). الحال الثانية: أن توهب جزافا: وفي هذه الحال اختلف الفقهاء في كيفية قبضه على قولين: القول الأول: أن قبضه يكون بنقله، وتحويله إلى مكان آخر. وهذا هو قول الشافعية (٧)، وجمهور الحنابلة (٨).

стр. 1928

القول الثاني: أن قبض ما بيع جزافا يكون بالتخلية. وهذا قول الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو إحدى الروايتين عند الحنابلة إذا ميز عن غيره (٣). القسم الثالث: قبض بقية المنقولات كالنقود، والعروض والحيوانات، والمراكب الأخرى كالسيارات، ونحوها. اختلف الفقهاء في كيفية قبض هذه المنقولات على قولين: القول الأول: التفصيل في كيفية قبضها -حسب جنسها- وذلك على النحو الآتي: ١ - قبض الحلي والجواهر يكون بتناولها، وهكذا كل ما يتمكن تناوله. ٢ - قبض النقود -من أي نوع كانت- يكون بتناولها وعدها. ٣ - قبض العروض يكون بنقلها وتحويلها. ٤ - قبض الحيوانات يكون بسوقها، أو قيادتها. وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة (٤). القول الثاني: أن قبض ذلك كله يكون بالتخلية. وهذا هو قول الحنفية (٥)، وبعض الحنابلة (٦)، وهو قول عند الشافعية في نقل الضمان إلى المشترى دون التصرف (٧).

стр. 1929

المبحث الخامس: أثر الجنون والإغماء قبل القبض على صحة الهبة إذا أغمي أو جن الواهب، أو الموهوب له قبل قبض الهبة، فاختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في أثر ذلك على الهبة على قولين: القول الأول: أن الهبة لا تبطل بجنون، أو إغماء الواهب، أو الموهوب له. وهو قول جمهور أهل العلم (١). لكن عند المالكية: إن اتصل الجنون والإغماء بموت الواهب بطلت، وإن صح لم تبطل (٢). وحجته: ١ - ما تقدم من الأدلة على صحة عقد الهبة بالإيجاب والقبول، والأصل بقاء الصحة، فلا يصار إلى البطلان إلا بدليل (٣).

стр. 1930

٢ - القياس على النوم فلا تبطل الهبة بالجنون والإغماء، كما لا تبطل بالنوم. ٣ - أن الهبة قبل القبض عقد جائز، فلا تبطل بالإغماء، كالوكالة (١). القول الثاني: أن الهبة تبطل بالإغماء. هذا القول الثاني عند الشافعية (٢). وحجته: القياس على الوكالة، فتبطل الهبة بالإغماء قبل القبض كما تبطل الوكالة، بجامع أن كلا منهما عقد جائز (٣). ونوقش: بعدم تسليم بطلان الوكالة بالإغماء. وعلى فرض تسليم أن الوكالة تبطل بالإغماء، فثمة فرق بين الوكالة والهبة، فإن الهبة تؤول إلى اللزوم فلم تنفسخ بالإغماء، كالبيع الجائز، بخلاف الوكالة (٤). الراجح: قد يترجح -والله أعلم- هو القول الأول، وهو أن الهبة لا تبطل بجنون، أو إغماء الواهب، أو الموهوب له بعد العقد وقبل القبض؛ وذلك لقوة أدلة هذا القول، ومقابلة دليل القول الثاني بما أورد عليه من مناقشة.
следующие страницы →