← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لما تقدم من الأدلة على ملكية الهبة بالعقد (١). ما يترتب على اشتراط إذن الواهب في قبض الهبة: يترتب على اشتراط إذن الواهب في قبض الهبة كما يلي: ١ - أن قبضها من غير إذن الواهب قبض فاسد لا يثبت به ملك الهبة. ٢ - أن على القابض ضمان ما قبضه؛ لأنه لم يؤذن له في ذلك، وكيفية هذا الضمان كضمان المقبوض بعقد فاسد (٢). المطلب الثاني: كيفية القبض قبض الهبة ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: قبض العقار. اتفق العلماء على أن قبض العقار يكون بالتخلية (٣). القسم الثاني: قبض المكيلات، والموزونات، وما ألحق بها كالمذروعات، والمعدودات.

стр. 1927

وله حالتان: الحال الأولى: أن توهب مقدرة بكيل أو وزن … ونحوهما: اختلف الفقهاء في كيفية قبضها في هذه الحال على قولين: القول الأول: أن قبض المكيل -في هذه الحال- يحصل بكيله، وقبض الموزون يكون بوزنه، والمعدود بعدّه، والمذروع بذرعه. وهذا هو قول جمهور الفقهاء من المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة -في المعتمد من مذهبهم (٣) -، وزاد الشافعية شرط نقله إلى مكان لا يختص بالواهب (٤). القول الثاني: أن قبض المكيل والموزون والمعدود والمذروع يكون بالتخلية. وهذا هو قول الحنفية (٥)، وهو رواية عند الحنابلة إذا تم تمييزه (٦). الحال الثانية: أن توهب جزافا: وفي هذه الحال اختلف الفقهاء في كيفية قبضه على قولين: القول الأول: أن قبضه يكون بنقله، وتحويله إلى مكان آخر. وهذا هو قول الشافعية (٧)، وجمهور الحنابلة (٨).

стр. 1928

القول الثاني: أن قبض ما بيع جزافا يكون بالتخلية. وهذا قول الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وهو إحدى الروايتين عند الحنابلة إذا ميز عن غيره (٣). القسم الثالث: قبض بقية المنقولات كالنقود، والعروض والحيوانات، والمراكب الأخرى كالسيارات، ونحوها. اختلف الفقهاء في كيفية قبض هذه المنقولات على قولين: القول الأول: التفصيل في كيفية قبضها -حسب جنسها- وذلك على النحو الآتي: ١ - قبض الحلي والجواهر يكون بتناولها، وهكذا كل ما يتمكن تناوله. ٢ - قبض النقود -من أي نوع كانت- يكون بتناولها وعدها. ٣ - قبض العروض يكون بنقلها وتحويلها. ٤ - قبض الحيوانات يكون بسوقها، أو قيادتها. وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة (٤). القول الثاني: أن قبض ذلك كله يكون بالتخلية. وهذا هو قول الحنفية (٥)، وبعض الحنابلة (٦)، وهو قول عند الشافعية في نقل الضمان إلى المشترى دون التصرف (٧).

стр. 1929

المبحث الخامس: أثر الجنون والإغماء قبل القبض على صحة الهبة إذا أغمي أو جن الواهب، أو الموهوب له قبل قبض الهبة، فاختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في أثر ذلك على الهبة على قولين: القول الأول: أن الهبة لا تبطل بجنون، أو إغماء الواهب، أو الموهوب له. وهو قول جمهور أهل العلم (١). لكن عند المالكية: إن اتصل الجنون والإغماء بموت الواهب بطلت، وإن صح لم تبطل (٢). وحجته: ١ - ما تقدم من الأدلة على صحة عقد الهبة بالإيجاب والقبول، والأصل بقاء الصحة، فلا يصار إلى البطلان إلا بدليل (٣).

стр. 1930

٢ - القياس على النوم فلا تبطل الهبة بالجنون والإغماء، كما لا تبطل بالنوم. ٣ - أن الهبة قبل القبض عقد جائز، فلا تبطل بالإغماء، كالوكالة (١). القول الثاني: أن الهبة تبطل بالإغماء. هذا القول الثاني عند الشافعية (٢). وحجته: القياس على الوكالة، فتبطل الهبة بالإغماء قبل القبض كما تبطل الوكالة، بجامع أن كلا منهما عقد جائز (٣). ونوقش: بعدم تسليم بطلان الوكالة بالإغماء. وعلى فرض تسليم أن الوكالة تبطل بالإغماء، فثمة فرق بين الوكالة والهبة، فإن الهبة تؤول إلى اللزوم فلم تنفسخ بالإغماء، كالبيع الجائز، بخلاف الوكالة (٤). الراجح: قد يترجح -والله أعلم- هو القول الأول، وهو أن الهبة لا تبطل بجنون، أو إغماء الواهب، أو الموهوب له بعد العقد وقبل القبض؛ وذلك لقوة أدلة هذا القول، ومقابلة دليل القول الثاني بما أورد عليه من مناقشة.

стр. 1931

المبحث السادس: أثر الموت قبل القبض على صحة الهبة وفيه مطلبان: المطلب الأول: موت الواهب قبل قبض الهبة إذا مات الواهب قبل قبض الموهوب له الهبة بعد الإيجاب والقبول، فاختلف العلماء ﵏-في بطلان الهبة من عدمه على ثلاثة أقوال: القول الأول: عدم بطلان الهبة. وهو قول جمهور أهل العلم (١)، فيتخير الوارث بين الإقباض من عدمه. وعند الظاهرية: العقد لازم، وعليه يلزم الوارث بإقباض الهبة للموهوب له. وحجته: ١ - أنه عقد مآله إلى اللزوم، فلم ينفسخ بالموت كالبيع في مدة الخيار (٢).

стр. 1932

٢ - أن الأصل بقاء صحة العقد لوجود الإيجاب والقبول، فلا يصار إلى الإبطال إلا بدليل. القول الثاني: أنه إذا مات الواهب قبل الحوز، فإنها تبطل إلا إذا كان الموهوب له طلب الهبة من الواهب، فامتنع من دفعها له، فجد في تحصيل القبض فلم يتمكن منه حتى مات الواهب، فلا تبطل، وكذلك إذا جحد الواهب الهبة وأقام الموهوب له بينة وسعى في تزكية شهود الهبة، فمات الواهب قبل التزكية. وبه قال المالكية (١). القول الثالث: أن الهبة تبطل مطلقا بموت الواهب. وبه قال بعض المالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣). وعللوا: بأن العقد جائز (٤). ونوقش: بأن كونه جائزا لا يلزم منه بطلانه بالموت. الترجيح: الراجح -والله أعلم- قول جمهور أهل العلم؛ إذ الأصل صحة العقد، وما ذكره المالكية من تفصيل لا دليل عليه.

стр. 1933

المطلب الثاني: إذا مات الموهوب له بعد القبول، وقبل القبض إذا قبل الموهوب له الهبة ثبت له حق في قبضها، فإذا قبضها لزمت الهبة اتفاقا كما سبق، فلو مات قبل القبض، فهل يبطل العقد بموته، فلا يكون للورثة حق القبض، أو لا يبطل العقد بموته، فيقوم الوارث مقامه في القبض؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أن العقد لا يبطل بموت الموهوب له قبل القبض -بعد القبول- ويقوم الوارث مقامه في القبض. ذهب إلى ذلك المالكية (١)، والشافعية في أصح القولين (٢)، وهو قول مخرج عند الحنابلة (٣)، وذهب إليه الظاهرية (٤). القول الثاني: أن العقد يبطل بموت الموهوب له قبل القبض -بعد القبول- فلا يكون للوارث حق القبض.

стр. 1934

ذهب إلى ذلك الحنفية (١)، والشافعية في أحد القولين (٢)، وبه قال الحنابلة (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - استدل المالكية لذلك: بأن الهبة تلزم بمجرد الإيجاب والقبول من غير قبض، وإنما القبض شرط في نفوذها وتمامها في الجملة -كما سبق تحريره قريبا- (٤)، وحيث كانت عقداً لازماً، فإنها لا تبطل بالموت كالبيع، وتقدمت الأدلة على لزوم عقد الهبة بالإيجاب والقبول. ٢ - استدل من ذهب إلى هذا القول من الشافعية والحنابلة: بأن الهبة وإن لم تلزم إلا بالقبض إلا أنها لا تبطل بالموت قبله؛ لأنها عقد مآل إلى اللزوم فلم يبطل بالموت، كالبيع بشرط الخيار (٥). ٣ - أما الظاهرية: فإن الهبة عندهم تتم باللفظ، ولا معنى لحيازتها ولا لقبضها أصلاً (٦)، فإذا مات الموهوب له ورثها الوارث كسائر الأملاك.

стр. 1935

أدلة القول الثاني: ١ - أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإذا مات الموهوب له قبل القبض بطلت الهبة. وذلك: أنها عقد جائز فبطلت بالموت كالوكالة والشركة (١). نوقش هذا الدليل: بأن الهبة وإن لم تلزم إلا بالقبض، إلا أن مآلها إلى اللزوم، فلم تبطل بالموت، كالبيع بشرط الخيار، بخلاف الوكالة والشركة فإنها لا تؤول إلى اللزوم (٢). ٢ - أن الهبة لا تملك إلا بالقبض، فكان القبض فيها كالقبول في البيع من حيث إن الملك يثبت به، وكما أن موت من أوجب له البيع قبل القبول يبطل البيع فكذلك الهبة (٣). ويناقش هذا الدليل: بأنه قياس مع الفارق؛ ذلك أن القبول في البيع ركن من أركان العقد فلا ينعقد البيع إلا به، بخلاف القبض في الهبة فإنه شرط الملك ولزوم العقد، وليس ركناً من أركان الهبة بدليل أن عقد الهبة ينعقد بالإيجاب والقبول كغيره من العقود (٤). وهذا الاستدلال ينتقض على الحنابلة بموت الواهب، فإن مقتضى هذا الاستدلال أن الهبة تبطل بموت الواهب أيضا قبل القبض، وهم لا يقولون

стр. 1936

به (١)، فيلزمهم على مقتضى هذا الاستدلال: التسوية بين موت الواهب والموهوب له -والله أعلم-. الترجيح: الراجح -والله أعلم بالصواب- أن الهبة لا تبطل بموت الموهوب له بعد القبول؛ لقوة أدلة هذا القول ووجاهته، وضعف أدلة القول الآخر بما ورد عليها من المناقشة، ولأن الأصل صحة العقد. فعلى قول الجمهور يقوم الوارث مقام مورثه في القبض. وعلى رأي المالكية في الجملة، والظاهرية: العقد لازم بالعقد، ويجب على الواهب تسليم الهبة لورثة الموهوب له.

стр. 1937

الباب الثالث: هبة الأقارب، والزوجات وفيه فصول: الفصل الأول: هبة الأقارب. الفصل الثاني: هبة الزوجات. الفصل الثالث: تملك الوالد من مال ولده.

стр. 1938

الفصل الأول: هبة الأقارب وفيه مبحثان: المبحث الأول: هبة الأولاد. المبحث الثاني: هبة بقية الأقارب.

стр. 1939

المبحث الأول: هبة الأولاد وفيه مطالب: المطلب الأول: هبة الأب وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكمها من حيث المشروعية، والجواز. تحرير محل النزاع: أولاً: يشرع للأب أن يهب أولاده؛ لما في ذلك من البر والإحسان، وصلة الرحم، وغير ذلك مما تقدم في حكم الهبة (١). ثانياً: اتفق الفقهاء -رحمهم الله تعالى- على استحباب التسوية بين الأولاد في الهبة في حال الصحة (٢)، وأن التفضيل أو التخصيص لبعضهم على بعض خلاف السنة.

стр. 1940

ثالثاً: اتفقوا على أن للأب أن يحابي بعض أولاده في الهبة حال صحته برضا بقية الإخوة (١)؛ وذلك لأن المنع من التفضيل إنما هو من أجل المفضولين، فإذا أذنوا زال المحذور (٢). رابعاً: اتفقوا أيضا على أن الأب إذا وهب لبعضهم في مرض موته، فإن الهبة تأخذ حكم الوصية، فلا تصح إلا بإجازة بقية الورثة. خامساً: اختلفوا في هبة الأب لبعض أولاده في الهبة حال صحته من غير رضا البقية، بأن فضّل بعضهم على بعض فيها، أو أعطى البعض وحَرَم البعض الآخر، وذلك على أقوال: القول الأول: تحريم هبة أو تفضيل الأب لبعض الأولاد دون بعض. وبه قال بعض المالكية، وبعض الشافعية (٣)، وهو المذهب عند الحنابلة (٤). وبه قال الظاهرية (٥)، وعطاء، ومجاهد، وطاووس، وشريح، والشعبي، والنخعي، وابن شبرمة (٦)، والبخاري (٧). وهو قول جمهور السلف (٨)، واختاره ابن تيمية (٩).

стр. 1941

وقال في الإنصاف: " اعلم أن الإمام أحمد ﵀ نص على أنه يعفى عن الشيء التافه، وقال القاضي أبو يعلى الصغير: يعفى عن الشيء اليسير، وعنه: يجب التسوية أيضا فيه إذا تساووا في الفقر أو الغنى ". القول الثاني: جواز هبة الأب لبعض أولاده على اختلاف بينهم في الكراهة وعدمها. فالمشهور عند الحنفية: جواز ذلك مطلقاً (١). ومنهم من كرهها إلا لزيادة فضل في الدين فلا بأس بها حينئذ، هو مروي عن أبي حنيفة (٢)، وهو قول متأخري الحنفية (٣)، وبه قال بعض

стр. 1942

المالكية (١)، وهو مذهب الشافعية (٢). ومنهم من كرهها إذا كانت بجميع المال أو أكثره بأن وهب الأب ماله كله أو جلّه لبعض ولده، فإن كانت المحاباة ببعض ماله جازت. وهو المشهور عند المالكية (٣). القول الثالث: تحرم هبة الأب لبعض أولاده إذا كانت بجميع المال، فإن كانت ببعضه جازت. وهو مروي عن الإمام مالك (٤). القول الرابع: تحرم هبة الأب لبعض أولاده إذا قصد الإضرار، فإن لم يقصده فلا بأس بها. وبه قال أبو يوسف (٥). الأدلة: أدلة الرأي الأول: (عدم جواز التفضيل، أو التخصيص) (٢٠٠) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الشعبي قال: سمعت

стр. 1943

النعمان بن بشير ﵄ وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله قال: " أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا. قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال: فرجع أبي فرد عطيته " (١). (٢٠١) وروى البخاري ومسلم من طريق الشعبي، عن النعمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: " فأرجعه " (٢). (٢٠٢) وروى مسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان، عن النعمان بن بشير ﵄ قال: " أتى بي أبي رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً، فقال: " أكل بنيك نحلت؟ قال: لا. قال: " فاردده " (٣). وروى مسلم من طريق الشعبي، حدثني النعمان بن بشير ﵄، وفيه قوله ﷺ : " فلا تشهدني إذا، فإني لا أشهد على جور " (٤). وروى مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر ﵄، وفيه قوله ﷺ : " فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق " (٥).

стр. 1944

وروى مسلم من طريق الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄، وفيه قوله ﷺ : " أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال فلا إذاً " (١). وجه الدلالة: الوجه الأول: قال ابن قدامة: "وهو دليل على التحريم؛ لأنه ﷺ سماه جوراً، وأمر برده، وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب " (٢). الوجه الثاني: أن النبي ﷺ أمره بتقوى الله المؤذن بأن ما فعله ليس من تقوى الله . الوجه الثالث: أن الحديث دل على أن التعديل طريق للبر، فيفهم منه أن التفضيل طريق للقطع والعقوق، فيكون محرماً (٣)، كما حرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها للمعنى نفسه (٤). وقال ابن حزم: " فكانت هذه الآثار متواترة متظاهرة، الشعبي، وعروة، ومحمد بن النعمان، وحميد كلهم سمعه من النعمان، ورواه عن هؤلاء - الحفلاء من الأئمة -كلهم متفق على أمر رسول الله ﵁ بفسخ تلك الصدقة والعطية وردها، وبين بعضهم أنها ردت- وأنه ﵊ أخبر أنها جور، والجور لا يحل إمضاؤه في دين الله تعالى، ولو جاز ذلك لجاز إمضاء كل جور وكل ظلم، وهذا هدم الإسلام جهاراً " (٥).

стр. 1945

ونوقش الاستدلال من أوجه: الوجه الأول: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال ولده، ولذلك منعه، فليس فيه حجة على منع التفضيل. ونوقش: بأن كثيراً من طرق حديث النعمان ﵄ صرح بالبعضية (١)، ففي بعضها: "بعض ماله "، وفي بعضها: " بعض الموهبة من ماله " (٢)، وفي بعضها: " أن الموهوب كان غلاماً وأنه وهبه لما سألته الأم الهبة من بعض ماله " (٣) وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له مال غيره (٤). الوجه الثاني: اضطرب متن الحديث اضطراباً شديداً، فلا حجة فيه على الوجوب " ففي حديث جابر أن بشيراً شاور النبي ﷺ قبل الهبة فدله على الأولى به " (٥)، وروى الطحاوي (٦) نحوه عن النعمان، وهو خلاف جميع ما روي عن النعمان أنه نحله قبل أن يجيء به إلى النبي ﷺ (٧). كما اختلفت الروايات في هذه الهبة فجاء في أكثرها أنها غلام (٨)، وروي أنها حديقة (٩). واختلف في وقتها، ففي رواية: " أنه وهب حين نفست امرأته

стр. 1946

بالنعمان" (١)، وفي رواية: " أنه التوى بها سنة " (٢)، وفي رواية: " بعد حولين"، وفي رواية: " فأخذ بيدي وأنا غلام " (٣)، وفي أخرى: " انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ " (٤). وأجيب: بأن هذه الروايات وإن اختلفت ألفاظها لكنها متحدة معنى، فجابر ﵁ لم ينف الهبة، وإنما اختصر الرواية. وأما أنه جاء في رواية أنه " التوى بها سنة " وفي أخرى " بعد حولين "، فيجمع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئاً، فجبر الكسر تارة وألغاه أخرى. ويجمع بين قوله: " فأخذ بيدي وأنا غلام " وقوله " انطلق بي أبي يحملني " بأنه أخذ بيده فمشى معه بعض الطريق وحمله في بعضها لصغر سنه، أو عبّر عن استتباعه إياه بالحمل. وجمع بعضهم بين كون العطية غلاماً وبين كونها حديقة بالحمل على واقعتين: إحداهما عند ولادة النعمان، وكانت العطية حديقة، والأخرى: بعد أن كبر، وكانت العطية غلاماً. إلا أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد ﵁ مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي ﷺ فيستشهد على العطية الثانية. وجمع بينهما ابن حجر ﵀ بأن عمرة لما امتنعت من تربية النعمان ﵁ إلا أن يهب له شيئاً يخصه به وهبه الحديقة المذكورة تطييباً لخاطرها، فارتجعها، ولم يقبضها منه أحد غيره، فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنة أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاماً ورضيت عمرة بذلك

стр. 1947

إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضا، فقالت له: " أشهد على ذلك رسول الله ﷺ " تريد تثبيت العطية، وأن تأمن من رجوعه فيها (١)، ويكون مجيئه إلى النبي ﷺ للإشهاد مرة واحدة، وهو الأخيرة. وغاية ما فيه أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة، وبعضها أخرى، فسمع كل ما رواه فاقتصر عليه. الوجه الثالث: أن العطية المذكورة لم تنجز، وإنما جاء بشير يستشير النبي ﷺ ، (٢٠٣) فقد روى النسائي: أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد قال: حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري أن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن حدثاه عن بشير بن سعد ﵄، وفيه: " إني نحلت ابني هذا غلاماً فإن رأيت أن تنفذه أنفذته .. " (٢). ونوقش هذا الاستدلال بأمرين: الأمر الأول: بأن أكثر طرق الحديث ينابذ ما في هذه الرواية (٣). ثم إن في أول الحديث: " نحلني أبي غلاماً " (٤)، وفي وسطه: " إني نحلت ابني هذا غلاما" (٥) .... فكيف يقال: لم يتم النحل، وأما قوله: " فإن

стр. 1948

أذنت لي … " فلعله نمى إلى علمه أن رسول الله ﷺ لا يجيز هذا النوع من العطايا، وما لا يجيزه رسول الله ﷺ غير معتبر، فلذلك جاء مستفسراً. الأمر الثاني: قول بشير: " فإن أذنت لي أن أجيزه أجزته " قول صحيح، وقول مؤمن لا يعمل إلا ما أباحه له رسول الله ﷺ على ظاهره بلا تأويل، نعم إن أجازه النبي ﷺ أجازه بشير، وإن لم يجزه ﵊ رده بشير ولم يجزه كما فعل (١). الوجه الرابع: أن النعمان كان كبيراً، ولم يكن قبض النحل فجاز لأبيه الرجوع (٢). وأجيب: بأن هذا خلاف أكثر طرق الحديث خصوصاً قوله: " أرجعه" (٣)، فإنه يدل على تقدم وقوع القبض (٤). ثم إن صغر النعمان أشهر من الشمس؛ لأنه ولد بعد الهجرة بلا خلاف بين أحد من أهل العلم (٥). وفي حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: " وأنا يومئذ غلام " (٦) ولا تطلق هذه اللفظة على رجل بالغ أصلا (٧). الوجه الخامس: أن قوله: " أرجعه " دليل على الصحة، ولو لم تصح

стр. 1949

الهبة لم يصح الرجوع، وإنما أمره بالرجوع؛ لأن للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده، وإن كان الأفضل خلاف ذلك، ولكن استحباب التسوية رجح على ذلك فلذلك أمره به (١). وأجيب: بأن معنى " أرجعه " أي لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة (٢). الوجه السادس: أن قوله: " أشهد على هذا غيري " إذا بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد؛ لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم (٣). وأجيب: بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمل الشهادة، ولا من أدائها إذا تعينت عليه، وقد صرح المحتج بهذا أن الإمام إذا شهد عند بعض نوابه جاز (٤). وأما قوله: " أشهد " فليست صيغة إذا فليس كذلك بل هو للتوبيخ؛ لما يدل عليه بقية ألفاظ الحديث، حيث أمر برد تلك الصدقة، وأخبر أنها جور، فالمراد به: التوبيخ والوعيد (٥)، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ (٦) ليس على إباحة الشهادة على الجور والباطل، لكن كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٧)، وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٨)، ثم

стр. 1950

على فرض أن قوله: " أشهد على هذا غيري " صيغة أمر، فالمراد به نفي الجواز (١)، كقوله ﷺ ، (٢٠٤) فيما رواه البخاري ومسلم من حديث هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: " خذيها فأعتقيها واشترطي لهما الولاء، فإن الولاء لمن أعتق" (٢). الوجه السابع: (٢٠٥) ما رواه النسائي: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن فطر قال: حدثني مسلم بن صبيح قال: سمعت النعمان ﵄، وفيه قوله ﷺ : " ألا سويت بينهم " (٣)، فدل على أن المراد بالأمر الاستحباب، وبالنهي التنزيه (٤). وأجيب: بأن هذا جيد، لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة، ولا سيما أن تلك الرواية بعينها، وردت بصيغة الأمر أيضا (٥) حيث قال: " سو بينهم " (٦). الوجه الثامن: ما جاء في رواية مسلم، قال ابن عون: فحدثت به محمداً -ابن سيرين- فقال: " إنما تحدثنا أنه قال: قاربوا بين أولادكم" (٧).

стр. 1951

وأجيب عن ذلك بثلاثة أمور: الأول: أنه منقطع (١). الثاني: أنه لو صح، فإن المقاربة الاجتهاد في التعديل، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٢) فصح أن المجتهد في التعديل بين أولاده إن لم يصادف حقيقة التعديل كان مقارباً إذا لم يقدر على أكثر من ذلك. الثالث: أن المخالفين لا يوجبون المقاربة كما لا يوجبون التسوية (٣). الوجه التاسع: التشبيه الواقع في التسوية بينهم بالتسوية منهم في بر الوالدين قرينة تدل على أن الأمر للندب (٤). وأجيب: بأن هذا خلاف إطلاق الجور على عدم التسوية، وخلاف المفهوم من قوله: " لا أشهد إلا على حق " (٥)، وقد قال في آخر الرواية التي وقع فيها التشبيه: " قال فلا إذا " (٦). الوجه العاشر: أن معنى " لا أشهد على جور " أي لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض (٧).

стр. 1952

وأجيب: بأن هذا فيه بعد، ويرده قوله في الرواية الثانية: " لا أشهد إلا على حق " (١). الوجه الحادي عشر: أنه جاء في رواية جابر أن بشير بن سعد ﵁ أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن بنت فلان سألتني أن أنحل ابني غلاما، وقالت: أشهد رسول الله ﷺ ، فقال: " أله إخوة؟ قال: نعم، قال: أوكلهم أعطيته؟ قال: لا، قال فإن هذا لا يصلح، فإني لا أشهد إلا على حق" (٢). ففي حديث جابر ﵁ أن بشيرا ذكر ذلك لرسول الله ﷺ قبل أن يهب، فأمره النبي ﷺ بالأولى، وحديث جابر أولى؛ لأنه كان كبيراً وكان النعمان صغيراً، والكبير أحفظ وأضبط (٣). وأجيب بما يلي: أولاً: أنه لا يسلم أن الحديث يدل على ما ذكروه، بل يدل على أنه لم يأت لرسول الله ﷺ إلا بعد أن أعطى ابنه؛ يدل لذلك أن الرسول ﷺ قال له " أفكلهم أعطيته؟ " مما يدل على أن الأمر قد وقع، ولو كان لم يعطه لقال: " أفكلهم ستعطيه "؛ لأن الأمر ما زال أنفا. ثانياً: وأما كون النعمان كان صغيراً وجابر أسن منه، فيرده أن النعمان هو صاحب القصة، وصاحب القصة أعلم بما روى. الوجه الثاني عشر: عمل الصحابة: ومنهم أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر ﵃ بعد النبي ﷺ على عدم التسوية قرينة ظاهرة تدل على أن الأمر للندب (٤).

стр. 1953

ونوقش: بعدم التسليم بأن ترك العدل من عملهم، وقد بينا حين المناقشة لكل أثر عدم صحة ذلك. ما ورد عن الصحابة: (٢٠٦) ٢ - ما رواه عبد الرزاق من طريق أيوب، عن ابن سيرين أن سعد بن عبادة ﵁ قسم ماله بين بنيه في حياته، فولد له ولد بعد ما مات، فلقي عمر أبا بكر فقال: " ما نمت الليلة من أجل ابن سعد هذا المولود لم يترك له شيئا؟ فقال أبو بكر: وأنا والله ما نمت الليلة -أو كما قال- من أجله، فانطلق بنا إلى قيس بن سعد نكلمه في أخيه، فأتياه فكلماه، فقال قيس: أما شيء أمضاه سعد فلا أرده أبداً، ولكن أشهدكما أن نصيبي له" (١). (منقطع؛ ابن سيرين لم يدرك سعد بن عبادة، وأبا بكر، وعمر ﵃ أجمعين). قال ابن حزم: " قد زاد قيس على حقه، وإقرار أبي بكر لتلك القسمة دليل على صحة اعتدالها " (٢). ونوقش من وجوه: الوجه الأول: منقطع فابن سيرين لم يدرك سعد بن عبادة، ولا أبا بكر ولا عمر، ولم يثبت سماعه من قيس، وإن كان قد أدرك زمانه. الوجه الثاني: أنه لو صح فأين منه وجوب اشتراك المولود بعد الهبة، وغاية ما فيه أن أبا بكر وعمر كلما قيساً في أخيه، وليس ذلك إلا مجرد شفاعة له. الوجه الثالث: قوله: " ولكن أشهدكما أن نصيبي له " فهبة مستأنفة من

стр. 1954

قيس تبرعاً لا دليل على وجوبه عليه، وليس هذا من الاشتراك في ما تركه أبوه كما لا يخفى (١). ٣ - ما ورد أن أبا بكر الصديق قال لعائشة أم المؤمنين: " يا بنية، إني نحلتك نخلاً من خيبر، وإني أخاف أن أكون آثرتك على ولدي، وإنك لم تكوني احتزتيه فرديه على ولدي؟ فقالت: يا أبتاه لو كانت لي خيبر بجدادها ذهباً لرددتها " (٢). ونوقش: بأن هذا احتجاج ساقط؛ لأن في الأثر قوله: " وإنك لم تكوني احتزتيه " وهو يدل أنها لو حازته لكان فعلها نافذاً، وإنما أبطله أبو بكر بنص قوله -إنها لم تحزه- (٣). (٢٠٧) ٤ - ما رواه ابن حزم من طريق محمد بن أحمد بن الجهم، أنا إبراهيم الحربي، أنا مؤمل بن هشام، نا إسماعيل بن إبراهيم -ابن عليَّة-، عن بهز بن حكيم، عن أبيه حكيم، عن أبيه معاوية بن حيدة: " أنَّ أباه حيدة كان له بنون لعلات أصاغر ولده وكان له مال كثير فجعله لبني علة واحدة، فخرج ابنه معاوية حتى قدم على عثمان بن عفان ﵁ فأخبره بذلك: " فخير عثمان الشيخ بين أن يرد إليه ماله، وبين أن يوزعه بينهم؟ فارتد ماله، فلما مات تركه الأكابر لإخوتهم " (٤).

стр. 1955

ونوقش: بأنَّه إنما يتم الاحتجاج بأثر عثمان، لو ثبت أن الذين جعل لهم حيدة ماله من بنيه كانوا صغاراً غير محتملين، أو كباراً قد سلم إليهم ما وهبه لهم، ولا يدل على ذلك قوله -" فارتد ماله " لكونه محتملاً لرد الهبة دون العين، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان-، ويحتمل أنَّ هذه الهبة كانت منه في مرض قد خاف منه عثمان على نفسه؛ لأنه كان من المعمرين، فأمره برد الهبة لكونها كالوصية للوارث، فلما برأ من مرضه ذلك تمت هبته الأولى، ولذلك تركه الأكابر لإخوتهم بعد موته، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال (١). ٥ - ولأنَّ تفضيلَ بعضهم يورث العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فمنع منه كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها (٢). ونوقش من أمرين: الأمر الأول: بأن هذا إذا قصد الإضرار لهم، وإلا فلا، وأيضا فأوجبوا التسوية بين سائر الأقارب من الإخوة والأخوات وأولاد البنين، والبنات، ولم يقل أحد بذلك مع أن التفضيل يوقع الوحشة والعداوة كما في الأولاد. الأمر الثاني: لو كانت العلة هذه فقولوا بجواز التفضيل بينهم سراً حتى لا يطلع عليه غير الموهوب له، وأما تزويج المرأة على عمتها أو خالتها فإن المنافسة بين الضرائر لا بد منها عادة، وأمر النكاح مبني على الإشهار والإعلام (٣).

стр. 1956

وأجيب: أما الأمر الأول: فلا يسلم بحصول الوحشة بين سائر الأقارب، ولو حصل فليس في منزلة الوحشة بين الأولاد. أما الأمر الثاني: فليس كل العلة حصول القطيعة بين الأولاد، بل من العلة ما أشار إليه النبي ﷺ من تحقيق العدل بين الأولاد الذي تكون ثمرته برهم جميعاً لوالدهم. أدلة القول الثاني: (جواز التفضيل أو التخصيص) ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (١). وعطيته لبعض ولده من إيتاء ذي القربى (٢). ونوقش: بأنا لا نمنع من إيتاء ذي القربى، وإنما نمنع من إيتائهم على غير الوجه المشروع، وما يؤدي إلى وقوع العداوة والبغضاء بين ذوي القربى. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (٣). وجه الدلالة: دلت الآية على أن الزوجة إذا طابت نفساً بشيء من مهرها للزوج جاز له، وكذا الأب مع أولاده. ونوقش: بما نوقش به الدليل الأول. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٤).

стр. 1957

وجه الدلالة: أن الله أثنى على إعطاء المال للأجنبيين وذوي القربى، ولا أقرب من الولد (١). ٤ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق نافع عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا يحلبن أحد شاة إلا بإذنه " (٢). والأب قد أذن في هبة بعض أولاده دون بعض. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن إذن المكلف مقيد بإذن الشارع. الوجه الثاني بأن هذا صحيح، ولكن الذي قال هذا هو الذي حكم بإيجاب الزكاة، وفسخ أجر البغي، وحلوان الكاهن، وبيع الخمر، وبيع الربا، وهو الذي فسخ الصدقة، والعطية المفضل فيها بعض الولد على بعض (٣). ٥ - حديث النعمان، وفيه قوله ﷺ : " فأشهد على هذا غيري " (٤) فأمره بتأكيدها دون الرجوع فيها (٥)، ولو لم يكن جائزاً لكانت الشهادة عليها باطلة من الناس كلهم (٦). ونوقش: بأن هذا ليس بأمر؛ لأن أدنى أحوال الأمر الاستحباب والندب، ولا خلاف في كراهة هذا، وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده، مع أمره

стр. 1958

برده، وتسميته إياه جوراً، وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي ﷺ على التناقض والتضاد، ولو أمر النبي ﷺ بإشهاد غيره لامتثل بشير أمره ولم يرد، وإنما هذا تهديد له على هذا، فيفيد ما أفاده النهي عن إتمامه (١). ٦ - ومثله قوله ﷺ في حديث النعمان ﵄: " فأرجعه " (٢)، فلولا نفوذ الهبة لما أمره بالاسترجاع (٣). ونوقش: بأن معنى "أرجعه" أي لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة (٤)، يدل عليه الرواية الصحيحة أيضا "فاردده" (٥)، والرد ظاهر في الفسخ. (٢٠٨) فيما رواه البخاري ومسلم من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " (٦) أي مردود مفسوخ (٧). (٢٠٩) ٧ - ما رواه مسلم من طريق الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄، وفيه قوله ﷺ : " أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ " (٨)، فدل أن ذلك من

стр. 1959

قبيل البر والعطف، لا من قبيل اللزوم، والوجوب (١). ويمكن أن يناقش: بأن هذا يستقيم لو خلت روايات الحديث عن غير هذه اللفظة، والأمر بخلاف ذلك فمنها: " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم "، " اردده "، " أرجعه "، " هذا جور". ثم قد يقال: إن في هذا اللفظ ما يشير إلى وجوب العدل؛ ذلك أنه جعل ترك العدل سبباً لاختلاف درجات البر. ٨ - ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: إن أبا بكر ﵁ كان نحلها جاد عشرين وسقاً (٢) من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة، قال: " والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى منك، ولا أعز علي فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله " (٣)، قالوا: وهذا دليل على جواز التفضيل (٤). قال الطحاوي: " فهذا أبو بكر قد أعطى عائشة دون سائر ولده، ورأى أن ذلك جائز، ورأته هي كذلك، ولم ينكر عليهما أحد من أصحاب رسول الله ﷺ " (٥).

стр. 1960

ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أن الأثر قد ورد على خلاف ما أوردوه (١)، كما سيأتي (٢). الوجه الثاني: أن إخوة عائشة ﵂ كانوا راضين بذلك (٣). وأجيب: بأن هذا ليس بكاف؛ لأنهم وإن رضوا فذو بطن بنت خارجة (٤) لم يكن راضياً وهو من أهل الاستحقاق، ولو سلم فما الدليل على أنه لو لم يكونوا راضين لم يفعل أبو بكر ذلك، ولما كان جائزاً، وبالجملة تأثير رضا الأخوة في جواز هذا الفعل دعوى لا بد لها من دليل (٥). الوجه الثالث: احتمال أنه خصها بعطيته لحاجتها وعجزها عن التكسب والتسبب فيه مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ ، وغير ذلك من فضائلها (٦).

стр. 1961

الوجه الرابع: يحتمل أن يكون قد نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك. قالوا: ويتعين حمل الأثر على أحد هذه الوجوه؛ لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات (١). الوجه الخامس: أنه لو صح ولم يمكن حمله على الوجوه السابقة، فإنه يعارض قول النبي ﷺ ولا يحتج به معه (٢). (٢١٠) ٩ - ما علقه البيهقي، قال الشافعي: " وفضل عمر عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه " (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يثبت. الوجه الثاني: بما أجيب به عن أثر أبي بكر مع عائشة ﵂ (٤). (٢١١) ١٠ - ما رواه الطحاوي: حدثنا يونس قال: حدثنا سفيان، عن عمرو قال: أخبرني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن "أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ فضل بني أم كلثوم بنحل قسمه بين ولده " (٥). (منقطع؛ صالح لم يسمع من جده عبد الرحمن)

стр. 1962

قال الطحاوي: ولم ينكر عليه منكر (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الأثر منقطع (٢). الوجه الثاني: لو صح فليس فيه أنه لم يسو قبل ولا بعد بينهم (٣). (٢١٢) ١١ - ما رواه البيهقي من طريق ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن نافع: " أن ابن عمر قطع ثلاثة أرؤس أو أربعة لبعض ولده دون بعض، قال بكير: وحدثني عبد الله بن القاسم: أنه انطلق هو وابن عمر حتى أتوا رجلاً من الأنصار فساوموه بأرض له فاشتراها منه، فأتاه رجل، فقال: إني رأيت أنك اشتريت أرضاً وتصدقت بها، وعن القاسم بن عبد الرحمن قال ابن عمر: هذه الأرض لابني واقد، فإنه مسكين، نحله إياه دونه ولده " (٤). ونوقش الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أنه من طريق ابن لهيعة (٥). وأجيب: بأن رواية ابن وهب عنه صحيحة. ورد: رواية العبادلة عنه أصح من غيرها، ولا يلزم من ذلك الثبوت. الوجه الثاني: أنه ليس فيها أنه لم ينحل الآخرين قبل ولا بعد بمثل ذلك، بل فيها أنه قال: " واقد ابني مسكين " فصح أنه لم يكن نحله بعد كما نحل إخوته فألحقه بهم وأخرجه عن المسكنة (٦).

стр. 1963

وأجيب عنه: بأن في الأثر ما يدل على أنه لم ينحل الآخرين، كقوله: " قطع ثلاثة أرؤس "، وكقوله: " نحله إياه دون ولده " (١). ورد بما تقدم قريباً. الوجه الثالث: أن الموقوف إذا عارض المرفوع، فلا عبرة به. ١٢ - ولأن الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقاً (٢). ١٣ - ولأن الإجماع منعقد على أن للرجل أن يهب في صحته جميع ماله للأجانب دون أولاده، فإذا كان ذلك للأجنبي فهو للولد أحرى (٣). ونوقش هذان الدليلان: بأنهما قياس مع وجود النص، فلا يلتفت إليه (٤). ١٤ - ولأنه لما جاز أن يعطي جميعهم، جاز أن يفعل ذلك ببعضهم كالأجانب (٥). ونوقش: بالفارق من وجهين: الوجه الأول: أنه إذا أعطى الجميع زال المعنى الذي يحصل مع التخصيص. الوجه الثاني: النص المانع فيما نحن فيه. ١٥ - ولأنه لما جازت هبة بعض الأولاد للأب، جازت هبة الأب لبعض الأولاد (٦).

стр. 1964

وهو مناقش: بالفارق أيضا، وهو وجود النص في مسألتنا، ثم زوال المعنى الذي يوجد في حالة تخصيص الأب لبعض أبنائه دون الآخرين. ١٦ - ولأنها عطية تلزم بموت الأب، فكانت جائزة كما لو سوى بينهم (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بلزومها بموت الأب، كما سيأتي (٢). الوجه الثاني: لو سلم باللزوم، فلتعذر الرجوع بخلاف الأول. وحجة القول الثالث: (عدم جواز إعطاء كل المال، وجواز بعضه) ١ - حديث النعمان بن بشير السابق: أن النبي ﷺ أمر بشيراً بأن يرد ما أعطاه لولده. قال مالك: " ذلك فيما أرى لم يكن له مال غيره " (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم؛ فبشير ﵁ نحل ابنه النعمان ﵄ بعض ماله لا كله بدليل ما ثبت في صحيح مسلم من حديث النعمان ﵄ قال: " تصدق علي أبي ببعض ماله " (٤). ٢ - ولأنه إذا وهب البعض لم يولد ذلك عداوة؛ لأنه قد بقي ما يصير للباقين، وإذا أعطى كل ماله لم يبق ما يصير للباقين، أو يعطيهم منه فثبتت الأثرة، وأدى ذلك إلى العداوة والبغضاء (٥).

стр. 1965

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن النبي ﷺ أنكر على بشير تخصيصه النعمان ببعض ماله. الوجه الثاني: أن الأثر متحقق بهبة بعض المال كما هو الواقع. ٣ - وأما الدليل على جواز إعطاء بعض المال. فاحتج له بالأثر عن أبي بكر في تخصيصه لعائشة ببعض العطاء (١). وحجة القول الرابع: (عدم الجواز إذا أراد الإضرار بخلاف ما إذا لم يرد الإضرار) أن الإضرار محرم شرعا؛ لحديث: " لا ضرر ولا ضرار " (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن نهي النبي ﷺ عام، فالتخصيص بقصد الإضرار يحتاج إلى دليل. وأيضا: فإن الضرر حاصل بتخصيص بعض الأولاد سواء قصده الوالد أم لم يقصده. الترجيح: الذي يظهر لي رجحانه ما ذهب إليه أهل القول الأول من حرمة التخصيص أو المفاضلة في القدر الموهوب؛ ولذلك لقوة ما بني عليه من استدلال، ومنه حديث النعمان الصريح، مع ضعف ما أورد على الاستدلال به، قال ابن القيم: " لو لم تأت السنة الصريحة التي لا معارض لها بالمنع، لكان القياس وأصول الشريعة وما تضمنته من المصالح ودرء المفاسد يقتضي
следующие страницы →