← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

الوجه الرابع: يحتمل أن يكون قد نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك. قالوا: ويتعين حمل الأثر على أحد هذه الوجوه؛ لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات (١). الوجه الخامس: أنه لو صح ولم يمكن حمله على الوجوه السابقة، فإنه يعارض قول النبي ﷺ ولا يحتج به معه (٢). (٢١٠) ٩ - ما علقه البيهقي، قال الشافعي: " وفضل عمر عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه " (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يثبت. الوجه الثاني: بما أجيب به عن أثر أبي بكر مع عائشة ﵂ (٤). (٢١١) ١٠ - ما رواه الطحاوي: حدثنا يونس قال: حدثنا سفيان، عن عمرو قال: أخبرني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن "أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ فضل بني أم كلثوم بنحل قسمه بين ولده " (٥). (منقطع؛ صالح لم يسمع من جده عبد الرحمن)

стр. 1962

قال الطحاوي: ولم ينكر عليه منكر (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الأثر منقطع (٢). الوجه الثاني: لو صح فليس فيه أنه لم يسو قبل ولا بعد بينهم (٣). (٢١٢) ١١ - ما رواه البيهقي من طريق ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن نافع: " أن ابن عمر قطع ثلاثة أرؤس أو أربعة لبعض ولده دون بعض، قال بكير: وحدثني عبد الله بن القاسم: أنه انطلق هو وابن عمر حتى أتوا رجلاً من الأنصار فساوموه بأرض له فاشتراها منه، فأتاه رجل، فقال: إني رأيت أنك اشتريت أرضاً وتصدقت بها، وعن القاسم بن عبد الرحمن قال ابن عمر: هذه الأرض لابني واقد، فإنه مسكين، نحله إياه دونه ولده " (٤). ونوقش الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أنه من طريق ابن لهيعة (٥). وأجيب: بأن رواية ابن وهب عنه صحيحة. ورد: رواية العبادلة عنه أصح من غيرها، ولا يلزم من ذلك الثبوت. الوجه الثاني: أنه ليس فيها أنه لم ينحل الآخرين قبل ولا بعد بمثل ذلك، بل فيها أنه قال: " واقد ابني مسكين " فصح أنه لم يكن نحله بعد كما نحل إخوته فألحقه بهم وأخرجه عن المسكنة (٦).

стр. 1963

وأجيب عنه: بأن في الأثر ما يدل على أنه لم ينحل الآخرين، كقوله: " قطع ثلاثة أرؤس "، وكقوله: " نحله إياه دون ولده " (١). ورد بما تقدم قريباً. الوجه الثالث: أن الموقوف إذا عارض المرفوع، فلا عبرة به. ١٢ - ولأن الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقاً (٢). ١٣ - ولأن الإجماع منعقد على أن للرجل أن يهب في صحته جميع ماله للأجانب دون أولاده، فإذا كان ذلك للأجنبي فهو للولد أحرى (٣). ونوقش هذان الدليلان: بأنهما قياس مع وجود النص، فلا يلتفت إليه (٤). ١٤ - ولأنه لما جاز أن يعطي جميعهم، جاز أن يفعل ذلك ببعضهم كالأجانب (٥). ونوقش: بالفارق من وجهين: الوجه الأول: أنه إذا أعطى الجميع زال المعنى الذي يحصل مع التخصيص. الوجه الثاني: النص المانع فيما نحن فيه. ١٥ - ولأنه لما جازت هبة بعض الأولاد للأب، جازت هبة الأب لبعض الأولاد (٦).

стр. 1964

وهو مناقش: بالفارق أيضا، وهو وجود النص في مسألتنا، ثم زوال المعنى الذي يوجد في حالة تخصيص الأب لبعض أبنائه دون الآخرين. ١٦ - ولأنها عطية تلزم بموت الأب، فكانت جائزة كما لو سوى بينهم (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بلزومها بموت الأب، كما سيأتي (٢). الوجه الثاني: لو سلم باللزوم، فلتعذر الرجوع بخلاف الأول. وحجة القول الثالث: (عدم جواز إعطاء كل المال، وجواز بعضه) ١ - حديث النعمان بن بشير السابق: أن النبي ﷺ أمر بشيراً بأن يرد ما أعطاه لولده. قال مالك: " ذلك فيما أرى لم يكن له مال غيره " (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم؛ فبشير ﵁ نحل ابنه النعمان ﵄ بعض ماله لا كله بدليل ما ثبت في صحيح مسلم من حديث النعمان ﵄ قال: " تصدق علي أبي ببعض ماله " (٤). ٢ - ولأنه إذا وهب البعض لم يولد ذلك عداوة؛ لأنه قد بقي ما يصير للباقين، وإذا أعطى كل ماله لم يبق ما يصير للباقين، أو يعطيهم منه فثبتت الأثرة، وأدى ذلك إلى العداوة والبغضاء (٥).

стр. 1965

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن النبي ﷺ أنكر على بشير تخصيصه النعمان ببعض ماله. الوجه الثاني: أن الأثر متحقق بهبة بعض المال كما هو الواقع. ٣ - وأما الدليل على جواز إعطاء بعض المال. فاحتج له بالأثر عن أبي بكر في تخصيصه لعائشة ببعض العطاء (١). وحجة القول الرابع: (عدم الجواز إذا أراد الإضرار بخلاف ما إذا لم يرد الإضرار) أن الإضرار محرم شرعا؛ لحديث: " لا ضرر ولا ضرار " (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن نهي النبي ﷺ عام، فالتخصيص بقصد الإضرار يحتاج إلى دليل. وأيضا: فإن الضرر حاصل بتخصيص بعض الأولاد سواء قصده الوالد أم لم يقصده. الترجيح: الذي يظهر لي رجحانه ما ذهب إليه أهل القول الأول من حرمة التخصيص أو المفاضلة في القدر الموهوب؛ ولذلك لقوة ما بني عليه من استدلال، ومنه حديث النعمان الصريح، مع ضعف ما أورد على الاستدلال به، قال ابن القيم: " لو لم تأت السنة الصريحة التي لا معارض لها بالمنع، لكان القياس وأصول الشريعة وما تضمنته من المصالح ودرء المفاسد يقتضي

стр. 1966

تحريمه " (١)، واشتمال أكثره على تكلف زائد لو فتح على الكثير من النصوص لاختل أكثر الاستدلال. ثم ما ذكروه أيضا من وقوع الوحشة، والعداوة، وإيغار الصدور، والواقع شاهد بذلك، والله أعلم. المسألة الثانية: حكم هبة الأب لبعض أولاده من حيث الصحة. القائلون بجواز تخصيص أو تفضيل بعض الأولاد بالهبة يرون صحة هذه الهبة. وأما المانعون من تخصيص أو تفضيل الأب بعض الأولاد بالهبة، فاختلفوا في حكم صحة هذه الهبة على قولين: القول الأول: أن الهبة صحيحة. وهو قول الشافعية (٢)، والمذهب عند الحنابلة (٣)، واختاره ابن تيمية (٤). وحجته: ١ - حديث النعمان بن بشير ﵄، وفيه قوله ﷺ : " فارتجعه" (٥)، والارتجاع فرع عن الصحة. ٢ - أن ما أعطاه الأب لأحد أولاده هبة استوفت شروطها وأركانها، فكانت صحيحة، والنهي وارد على أمر خارج عن الأركان والشروط.

стр. 1967

ونوقش هذا الاستدلال: بأن ما ذكر مسلّم به لولا النص الوارد في هذه المسألة وهو أمره ﷺ لبشير ﵁ بردّ ما وهبه للنعمان ﵄، فلو كانت الهبة صحيحة لما أمره ﷺ بذلك. وأجيب عنه: بما تقدم. القول الثاني: أن الهبة باطلة. وبه قال بعض المالكية (١)، والظاهرية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣). وحجتهم: حديث النعمان بن بشير ﵄، وفيه قوله ﷺ : " فارتجعه ". والارتجاع يقتضي بطلان الهبة. ونوقش هذا الاستدلال: بأن الارتجاع لا يلزم منه البطلان، كالارتجاع في السلعة المبيعة، أو المدلسة لا يلزم منه بطلان البيع، وإنما لأجل العدل بين الأولاد. الترجيح: لعل الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن الأب إذا حابى بعض أولاده في الهبة، ولم يسوّ بين البقية، أو يرجع في هبة المفضّلين فإن الهبة صحيحة؛ وذلك لوجاهة ما استدلوا به.

стр. 1968

المطلب الثاني: هبة الأم اختلف العلماء ﵏-في حكم تخصيص، أو تفضيل الأم بعض أولادها بالهبة على قولين: القول الأول: التحريم. وهذا مذهب الحنابلة، والظاهرية (١). القول الثاني: الجواز. وهو قول جمهور أهل العلم (٢). الأدلة: أدلة الرأي الأول: ١ - حديث النعمان بن بشير ﵄، وفيه قول النبي ﷺ : " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " (٣). ٢ - ولأنها أحد الوالدين فمنعت من التفضيل كالأب (٤). ٣ - قال ابن قدامة: " ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من

стр. 1969

الحسد والعداوة يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها، فثبت لها مثل حكمه في ذلك " (١). أدلة الرأي الثاني: استدل لهذا الرأي: بما تقدم من الأدلة على جواز تفضيل، أو تخصيص الأب بعض أولاده بالهبة، فإذا جاز ذلك في الأب، فالأم من باب أولى (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم تسليم هذه الأدلة، فقد سبقت مناقشتها. الترجيح: الراجح -والله أعلم- منع تفضيل أو تخصيص الأم بعض أولادها بالهبة؛ لعموم حديث النعمان ﵄. المطلب الثالث: التعديل المشروع في الهبة بين الأولاد اتفق العلماء ﵏-كما سبق على مشروعية التعديل بين الأولاد، لكن اختلفوا في كيفية هذا التعديل على قولين: القول الأول: أن كيفية التعديل المشروع أن يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين.

стр. 1970

وبه قال محمد بن الحسن (١)، وبعض المالكية (٢)، وقول للشافعية (٣)، ومذهب الحنابلة (٤). وهو قول شريح، وعطاء، وإسحاق (٥)، وهو اختيار ابن تيمية (٦). القول الثاني: أن كيفية التعديل المشروع أن يعطى الذكر كالأنثى. وهو مذهب الحنفية (٧)، والمالكية (٨)، والشافعية (٩)، والظاهرية (١٠)، وهو قول ابن المبارك، والثوري (١١). الأدلة: أدلة القول الأول: (للذكر مثل حظ الأنثيين) ١ - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١٢). وجه الدلالة: أن الله تعالى قسم بينهم فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وأولى ما اقتدي به قسمة الله.

стр. 1971

ونوقش: بأن هذا ليس من المواريث في شيء، ولكل نص حكمه، فقسمة الميراث مختصة بما بعد الموت، والكلام في عطية الحياة فافترقا (١). ٢ - ولأن العطية في الحياة أحد حالي العطية، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، كحالة الموت، يعني الميراث، يحققه أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت فينبغي أن تكون على حسبه، كما أن معجل الزكاة قبل وجوبها يؤديها على صفة أدائها بعد وجوبها، وكذلك الكفارات المعجلة (٢). ٣ - ولأن الذكر أحوج من الأنثى من قبل أنهما إذا تزوجا جميعاً فالصداق والنفقة، ونفقة الأولاد على الذكر، والأنثى لها ذلك، فكان أولى بالتفضيل؛ لزيادة حاجته، وقد قسم الله تعالى الميراث، ففضل الذكر مقروناً بهذا المعنى فعلل به، ويتعدى ذلك إلى العطية في الحياة (٣). ونوقش: بأن الذكر أقدر على الكسب من الأنثى وهي عاجزة عنه، فكانت أحق بالتفضيل (٤)، وإليه أشار النبي ﷺ في الحديث بقوله: " فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء " (٥). ٤ - أنه حظها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى مات (٦). أدلة الرأي الثاني: (الذكر كالأنثى سواء) ١ - حديث النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال لبشير بن سعد ﵄: " سو بينهم "، وعلل ذلك بقوله: " أيسرك أن يستووا في برك؟ " قال: نعم، "

стр. 1972

قال: فسو بينهم " (١)، والبنت كالابن في استحقاق برها، وكذلك في عطيتها (٢). وفي رواية: فقال النبي ﷺ : " ألك ولد غيره "؟ فقال: نعم. فقال: " ألا سويت بينهم؟ " (٣)، ولم يقل: ألك ولد غيره ذكر أو أنثى، وذلك لا يكون إلا وحكم الأنثى فيه كحكم الذكر، ولولا ذلك لما ذكر التسوية إلا بعد علمه أنهم كلهم ذكور، فلما أمسك عن البحث عن ذلك ثبت استواء حكمهم في ذلك عنده (٤). ونوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن حديث بشير ﵁ قضية في عين، وحكاية حال لا عموم لها، وإنما يثبت حكمها فيما يماثلها، ولا نعلم حال أولاد بشير، هل كان فيهم أنثى أو لا؟ ولعل النبي ﷺ قد علم أنه ليس له إلا ولد ذكر (٥). وأجيب عنه: الأمر الأول: أن الأصل العموم، وعدم الخصوص. الأمر الثاني: أن هذا مما يضعف احتجاجكم بمثله على وجوب التسوية بين الأولاد، وإبطال الهبة بالتفضيل بينهم (٦). الوجه الثاني: أن تحمل التسوية التي أمر بها النبي ﷺ على القسمة على كتاب الله تعالى (٧).

стр. 1973

وأجيب: بأن هذا بعيد غاية البعد (١). ونوقش: بعدم التسليم، بل هذا هو المتبادر المفهوم لدى الصحابة ﵃. الوجه الثالث: أنه يحتمل إرادة التسوية في أصل العطاء لا في صفته، فإن القسمة لا تقتضي التسوية من كل وجه. يدل على ذلك ما ورد عن عطاء قال: " ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله "، وهذا خبر عن جميعهم (٢). الوجه الرابع: علم النبي ﷺ بأنه لا أنثى له (٣). وأجيب: بأنه يرده قوله ﷺ : " أكل ولدك أعطيت مثله " (٤). (٢١٣) ٢ - ما رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: " سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثراً لآثرت النساء على الرجال " (٥) (٦).

стр. 1974

ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث مرسل؛ والطريق المرفوعة ضعيفة (١). الوجه الثاني: لو سلم بصحته، فإنه يحمل على التسوية بما جاء في كتاب الله، أو على التسوية في أصل العطاء لا في صفته (٢). يدل عليه قول عطاء السابق في عمل الصحابة. وأجيب عن هذه المناقشة: بأن النبي ﷺ قابل التسوية بالتفضيل، فيراد بالتسوية ما لا يكون فيه تفضيل أصلاً، وقول عطاء محمول على القسمة في المرض، والكلام في هبة الصحيح. والمرسل حجة عندنا، ثم له طرق، والمرسل إذا تعدد مخرجه كان حجة عند الجميع (٣). (٢١٤) ٣ - ما رواه الطحاوي: حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال حدثنا عبد الله بن معاذ، عن معمر، عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: كان مع رسول الله ﷺ رجل فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، ثم جاءت بنت له فأجلسها إلى جنبه، فقال رسول الله ﷺ : " فهلا عدلت بينهما " (٤).

стр. 1975

قال الطحاوي: " أفلا يرى أن رسول الله ﷺ قد أراد منه التعديل بين الابنة والابن، وأن لا يفضل أحدهما على الآخر، فذلك دليل على ما ذكرنا في العطية أيضا " (١). ٤ - ولأنه لما استحب أن يساوي بينهم في أصل العطية كذلك في مقدارها (٢). ٥ - ولأنها عطية في الحياة، فاستوى فيها الذكر والأنثى، كالنفقة والكسوة (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم- أنه يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن ذلك هو حظ الأنثى لو أبقاه الواهب في يده، ولأنه فهم السلف -رحمهم الله تعالى. المطلب الرابع: حكم الشهادة على التخصيص، أو التفضيل ذهب القائلون بحرمة تخصيص الوالد لبعض ولده في الهبة، أو تفضيل بعضهم على بعض إلى حرمة الشهادة على هذا.

стр. 1976

قال في الإنصاف: " لا تجوز الشهادة على التخصيص، لا تحملاً ولا أداءً، ونقل عن الرعاية: إن علم الشهود جوره وكذبه، لم يتحملوا الشهادة، وإن تحملوا ثم علموا لم يؤدوها في حياته ولا بعد موته، ولا إثم عليهم بعدم الأداء، وكذا إن جهلوا أن له ولداً آخر ثم علموه " (١). وقال في كشاف القناع: " وتحرم الشهادة على التخصيص والتفضيل تحملاً وأداء، ولو بعد موت المخصص والمفضل إذا علم الشاهد … ؛ لما تقدم من قوله ﷺ في حديث النعمان بن بشير ﵄: "لا تشهدني على جور" (٢). المطلب الخامس: التعديل إذا حصل التخصيص أو التفضيل وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في إعطاء الآخرين: وفيها أمران: الأمر الأول: إعطاء المفضول في حال الصحة. إذا خص الوالد أحد أبنائه بهبته، أو فضل بعضهم على بعض في قدرها وجبت (٣) عليه التسوية، ومن وسائلها إعطاء الآخرين، كما أعطى

стр. 1977

المخصص، أو زيادة نصيب المفضول ليساوي الفاضل (١)، هذا في حال الصحة، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم. الأمر الثاني: الإعطاء في مرض الموت. أما إذا أعطى أحد بنيه في صحته، ثم أراد العدل بإعطاء الآخر في مرضه، فهل يصح منه ذلك؟ اختلف فيه أهل العلم على قولين: القول الأول: أنه لا يصح. ذهب إليه الحنابلة في الوجه الثاني وهو المذهب (٢)، وهو قول ابن حزم (٣). وحجته: أن التسوية بينهما واجبة، ولا طريق لها في هذا الموضع إلا بعطية الآخر، فتصح كقضاء دينه (٤). القول الثاني: أنه يصح. وهو قول جمهور أهل العلم (٥). واحتجوا: بأن عطيته في مرضه كوصيته، ولو وصى له لم يصح، فكذلك إذا أعطاه (٦). ويمكن أن يناقش: بأن منعه من الوصية للوارث لحق الورثة، ولا حق لهم فيما أخذوه.

стр. 1978

الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من الجواز؛ وذلك لقوة دليله، من كونه طريقاً لتلافي ما وقع فيه من جور، ولا يصح قياسه على الوصية؛ لأن منعه من الوصية للوارث إنما هو لحق بقية الورثة، ولا حق لهم فيما سبيله التعديل، فحق الآخر في العطية ثابت قبل المرض. المسألة الثانية: الرجوع في الهبة على المخصص، أو المفضل في القدر الزائد. إذا خص الأب بعض أولاده بهبة أو فضله، فإنه يجب عليه أن يرجع في الهبة، أو الزيادة التي فضله بها، أو يعطي البقية في حال التخصيص، أو يزيد غير المفضل في حال التفضيل عند القائلين بوجوب التعديل في هبة الأولاد، وتقدمت أدلة ذلك. المطلب السادس: تخصيص أو تفضيل بعض الأولاد لمعنى يقتضي ذلك اختلف القائلون بحرمة تفضيل بعض الأولاد على بعض في الهبة في جواز ذلك لمعنى يقتضي تخصيصه، مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانة، أو عمى، أو كثرة عائلة، أو اشتغال بالعلم أو نحوه من الفضائل، وكذا صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته، أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله، أو ينفقه فيها، على قولين:

стр. 1979

القول الأول: الجواز. ذهب إليه أحمد في رواية عنه، اختارها ابن قدامة (١)، وابن تيمية (٢). قال شيخ الإسلام: " وينشأ من بينهما نوع ثالث، وهو أن ينفرد أحدهما بحاجة غير معتادة … ففي إعطاء الآخر مثل ذلك نظر … فلو كان أحد الأولاد فاسقاً، فقال والده: لا أعطيك نظير إخوتك حتى تتوب، فهذا حسن يتعين اعتباره، وإذا امتنع من التوبة فهو الظالم، فإن تاب وجب عليه أن يعطيه " (٣). قال المرداوي: " وهذا قوي جدا " (٤). واحتجوا: ١ - ما تقدم عن أبي بكر في نحله لعائشة بعض ماله دون إخوتها (٥). ووجه الاستدلال ظاهر (٦). ٢ - ما تقدم عن عمر في تخصيص عاصم ﵁ دون بقية إخوته (٧). ٣ - ما تقدم أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ فضل بني أم كلثوم بنحل قسمه بين ولده (٨).

стр. 1980

٤ - ما تقدم عن ابن عمر -في تخصيص واقد- وتعليله لذلك بمسكنته (١). ٥ - ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يختص بها كما لو اختص بالقرابة (٢). القول الثاني: عدم الجواز. ذهب إليه الحنابلة في قول (٣)، وابن حزم (٤). واحتجوا: ١ - بحديث النعمان بن بشير ﵄، وفيه قوله ﷺ : " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" (٥). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يستفصل بشيراً في سبب تخصيصه للنعمان دون سائر ولده (٦). فالحديث عام. ونوقش: بأن تركه الاستفصال يجوز أن يكون لعلمه بالحال. وأجيب: بأنه لو علم بالحال لما قال: " ألك ولد غيره؟ " (٧). وردت هذه الإجابة: باحتمال أن يكون السؤال ههنا لبيان العلة.

стр. 1981

(٢١٤) كما روى البخاري ومسلم من طريق عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري ﵁، وفيه قوله ﷺ : " أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟ " وقد علم أنها إذا حاضت لم تصل ولم تصم، لكن نبه السائل بهذا على علة نقصان عقلها (١) (٢). ٢ - ولأنهم سواء بالإرث، فكذلك في عطيته في حياته (٣). ٣ - ولوجود المعنى وهو حدوث العداوة والبغضاء وإيحاش الصدور. الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه أنه لا يجوز له التخصيص في الهبة لمعنى من هذه المعاني؛ لقوة ما استدلوا به ومنه عموم الحديث، مع عدم المخصص، وليس في هذا القول عسر أو تشديد؛ لأن له أن يعطي في كثير من هذه الصور، ولكن لا على سبيل الهبة، ولكن على سبيل النفقة، فينفق على المريض، والأعمى العاجز عن الكسب، ومن هو متفرغ لطلب العلم دون غيرهم من المقتدرين من بقية الإخوة.

стр. 1982

المطلب السابع: قسم الوالد ماله في حياته وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكم القسم. إذا أراد الوالد أن يقسم ماله بين أولاده في حياته، فما حكم هذا العمل؟ اختلف فيه أهل العلم على الأقوال التالية: القول الأول: أنه يكره إذا أمكن أن يولد له ولد، وإلا لم يكره. ذهب إليه بعض الحنابلة (١). وحجته: ١ - الجمع بين دليل القولين الآتيين. ٢ - أنه إذا لم يكن حدوث ولد زال المعنى الذي كره معه قسمة ماله، وهو احتمال حدوث الولد. القول الثاني: أنه يكره. ذهب إليه أحمد في رواية عنه، اختارها بعض أصحابه (٢). وحجته: باحتمال أن يولد له، فلا يكون له شيء (٣).

стр. 1983

القول الثالث: أن لا يكره. ذهب إليه أحمد في رواية عنه، وهو الصحيح من المذهب (١). وحجته: فعل سعد بن عبادة في ماله حيث قسمه في حياته. وهو مناقش: بأنه ضعيف. الترجيح: لعل الراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من الكراهة مع احتمال حدوث الولد، أما مع عدم ذلك فلا يكره لزوال المعنى الموجب لها. المسألة الثانية: إذا ولد له ولد بعد القسمة. إذا قسم من يجب عليه العدل بين أولاده في عطيته ماله في حياته، ثم حدث له ولد، فهل تجب التسوية وإعطاء هذا الوالد الذي حدث، أو يقال: بالفرق بين حدوث الولد في حياة الأب، أو حدوثه بعد موته؟. وفيها أمران: الأمر الأول: أن يولد قبل موت الأب. اختلف القائلون بوجوب التسوية في حكم ذلك على قولين: القول الأول: أنه يجب عليه التسوية. ذهب إليه الحنابلة في القول الثاني (٢)، وهو قول ابن حزم (٣). وحجته: حديث النعمان بن بشير ﵄، وفيه قوله ﷺ : " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " (٤)، وهذا عام.

стр. 1984

القول الثاني: أنه يستحب للأب التسوية. ذهب إليه الحنابلة في قول (١)، قالوا: فيرجع في الجميع، أو يرجع في بعض ما أعطى منهم ليدفعه إلى هذا الولد الحادث، ليساوي إخوته (٢). ولم يذكروا دليلهم على الاستحباب، ولعله كون الأحاديث في وجوب التسوية إنما هي في الأحياء. ونوقش هذا الاستدلال: بأن لفظ الأولاد في قوله ﷺ " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " يشمل الأحياء والموجودين. والأقرب: هو القول الأول؛ لعموم العدل بين الأولاد. الأمر الثاني: أن يولد بعد موت الأب. أما إذا كان هذا الولد الحادث بعد موت الأب، فقد ذهب أكثر الحنابلة (٣) إلى أنه ليس له رجوع على إخوته. وحجته: بأن العطية لزمت بموت أبيه (٤). القول الثاني: أن له الرجوع على إخوته. ذهب إليه ابن حزم (٥)، وحكاه ابن قدامة قولاً للحنابلة على رواية عدم

стр. 1985

لزوم العطية للأبناء بموت الأب (١)، وهو اختيار ابن بطة، وأبي حفص -العكبريين- (٢)، وقول عروة بن الزبير، وإسحاق (٣)، واختيار ابن تيمية (٤). والحجة لهذا القول: عموم حديث النعمان، ثم الأثر عن أبي بكر وعمر في ابن سعد بن عبادة ﵃ (٥). الترجيح: والذي يترجح -والله أعلم- أنه إن كان الأب ميتاً وجب على الأبناء الرد بقدر نصيب الابن الحادث، وذلك أخذاً من الأثر عن أبي بكر وعمر في قصة ابن سعد، واغتمامهما للأمر حتى فرج عنهما قيس بمنحه نصيبه، والله أعلم.

стр. 1986

المبحث الثاني: هبة بقية الأقارب غير الأولاد اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في حكم التسوية في هبة الأقارب غير الأولاد المباشرين كالإخوة، والأخوات، والأعمام، والعمات على قولين (١): القول الأول: عدم وجوب التسوية بينهم. وهو قول جمهور أهل العلم (٢). ونص الشافعية: " ويسن أن يسوي الولد إذا وهب لوالديه شيئا، ويكره له ترك التسوية ..... فإن فضل أحدهما فالأم أولى؛ لخبر إن لها ثلثي البر، والإخوة ونحوهم لا يجري فيهم هذا الحكم، ولا شك أن التسوية بينهم مطلوبة لكن دون طلبها في الأصول والفروع " (٣). واحتجوا بما يلي: ١ - حديث النعمان بن بشير ﵄ السابق.

стр. 1987

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد علم لبشير زوجة، ولم يأمره بإعطائها شيئاً حين أمره بالتسوية بين أولاده، ولم يسأله هل لك وارث غير ولدك؟. ٢ - ولأنها عطية لغير الأولاد في صحته، فلم تجب عليه التسوية، كما لو كانوا غير وارثين. ٣ - ولأن الأصل إباحة تصرف الإنسان في ماله كيف شاء، وإنما وجب التسوية بين الأولاد بخبر النعمان، وليس غيرهم في معناهم؛ لأنهم استووا في وجوب بر والدهم، فاستووا في عطيته. وبهذا علل النبي ﷺ حين قال لبشير ﵁: " أيسرك أن يستووا في برك؟ " قال: نعم، قال: " فسو بينهم " (١)، ولم يوجد هذا في غيرهم. ٤ - ولأن للوالد الرجوع فيما أعطى ولده، فيمكنه أن يسوي بينهم باسترجاع ما أعطاه لبعضهم، ولا يمكن ذلك في غيرهم. ٥ - ولأن الأولاد لشدة محبة الوالد لهم، وصرف ماله إليهم عادة، يتنافسون في ذلك، ويشتد عليهم تفضيل بعضهم، ولا يباريهم في ذلك غيرهم، فلا يصح قياسه عليهم ولا نص في غيرهم (٢). القول الثاني: أن حكمهم كالأولاد في وجوب التسوية. ذهب إليه جمع من فقهاء الحنابلة منهم أبو الخطاب، وأبو البركات، وصاحب التلخيص وغيرهم (٣). بل جزم صاحب الإنصاف: بأنه الصحيح من المذهب (٤).

стр. 1988

حجته: ١ - لأنهم في معنى الأولاد، فثبت فيهم مثل حكمهم (١). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم، كما تقدم القول الأول. ٢ - ولأن المنع من ذلك كان خوف قطيعة الرحم والتباغض، وهذا موجود في الأقارب (٢). ونوقش هذا الاستدلال: أن ما ذكروه من المعنى وهو ما يؤدي إليه من العداوة والبغضاء، وهذا إنما يعظم في الأولاد دون غيرهم، ويمكن تجنب هذه المفسدة بأن يكون التفضيل سرا، والله أعلم. الترجيح: والذي يترجح -والله أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من عدم وجوب التسوية في غير الأولاد؛ وذلك لقوة أدلتهم وتضافرها في هذا الشأن، ومن أهمها ورود النص الصحيح فيهم خاصة.

стр. 1989

الفصل الثاني هبة الزوجات

стр. 1990

الفصل الثاني: هبة الزوجات يجب على الزوج أن يعدل بين زوجاته في النفقة والكسوة والسكن. وضابط ذلك: أن يعطي كل واحدة قدر حاجتها من ذلك (١). (٢١٥) لما رواه الترمذي من طريق سليمان بن عمرو بن الأحوص ﵁ قال: حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله ﷺ ، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ … فقال: " ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً " (٢).

стр. 1991

(٢١٦) وروى ابن أبي الدنيا: حدثني أبي: حدثني الفضل بن إسحاق، وحدثنا الأشجعي، عن سفيان بن عبيد، عن علي بن ربيعة قال: " كان لعلي امرأتان، فإذا كان يوم هذه اشترى لحماً بنصف درهم، وإذا كان في يوم هذه اشترى لحماً بنصف درهم" (١). لكن إذا قام بالواجب لكل واحدة، فهل له أن يوسع على بعضهن بالنفقة والكسوة والسكن بأن يعطيها أكثر من حقها، أو يخصها بهبة دون الأخريات؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: وجوب العدل في الهبة. وهو مذهب الحنفية (٢)، وهو قول المالكية (٣)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، والشوكاني (٥).

стр. 1992

القول الثاني: عدم وجوب التعديل بين الزوجات في الهبة. فللزوج إذا قام بالواجب من النفقة والكسوة والسكنى أن يهب ويوسع على من يشاء في النفقة والكسوة والسكنى، دون البقية. وهو قول جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). الأدلة: أدلة القول الأول: (وجوب التعديل) ١ - قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢). وليس من المعاشرة بالمعروف أن لا يعدل بينهن في النفقة والكسوة ونحوها؛ لقدرة الزوج على ذلك. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣). وهذا بعد إحلال الأربع بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤). وجه الدلالة: دلت الآية على أن حل الأربع مشترط فيه القدرة على العدل، و إلا لم يحل التعدد، فدل على وجوب العدل بين الزوجات (٥)، وهذا يشمل العدل في النفقة والكسوة ونحوها. (٢١٧) ٣ - ما رواه أبو داود الطيالسي: أنبأنا همام، عن قتادة، عن

стр. 1993

النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة، وشقه مائل " (١).

стр. 1994

٤ - ما رواه النعمان بن بشير ﵄ قال: أعطاني أبي عطية … وفيه قوله ﷺ قال: " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال: فرجع أبي فرد عطيته" (١). وجه الدلالة: دل الحديث على وجوب العدل بين الأولاد في الهبة، فكذا الزوجات بجامع لحوق الضرر بكل مع عدم التعديل، بل هو في الزوجات أشد لوجود الغيرة بينهن. (٢١٨) ٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته " (٢). (٢١٩) ٦ - ما رواه الإمام أحمد من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم " (٣).

стр. 1995

وليس من الخير للمرأة تفضيل ضرتها عليها في الهبة. ٧ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " استوصوا بالنساء خيراً " (١).

стр. 1996

وليس من الاستيصاء بالمرأة تفضيل ضرتها عليها. أدلة القول الثاني: (عدم وجوب التعديل) ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (١). ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال: بأن الإحسان الموافق للشرع لا يمنع منه، لكن يمنع منه إذا كان على خلاف المشروع، وأدى إلى العداوة والبغضاء. ٢ - ما رواه نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " … لا يحلبن أحدٌ ماشية أحد إلا بإذنه " (٢). فدل هذا الحديث على حل مال المسلم بالإذن والرضا، والزوج إذا وهب إحدى زوجاته دون البقية، فقد أذن بذلك ورضي. ويمكن أن يناقش: بما نوقش به الدليل السابق. ٣ - ما رواه أحمد من طريق موسى بن عقبة، عن أبيه، عن أم كلثوم قالت: " لما تزوج النبي ﷺ أم سلمة قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة، فإن ردت علىّ فهي لك، قالت: وكان كما قال رسول الله ﷺ ، وردت إليه هديته، وأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة " (٣). ففي الحديث تخصيص أم سلمة بالحلة دون بقية نسائه. ونوقش من وجهين: الأول: ضعف الحديث.

стр. 1997

الثاني: عدم صراحته على التفضيل؛ إذ يحتمل أن ما بقي من المسك لا يساوي أوقية، فزاد أم سلمة الحلة؛ لكي تساوي بقية نسائه، فهو دليل على التعديل في هبة الزوجات. ٤ - حديث النعمان بن بشير ﵄ لما وهبه أبوه … وفيه قوله ﷺ : " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " (١). فقال: -أي رسول الله ﷺ : " فأشهد على هذا غيري "، فأمره النبي ﷺ بتأكيد الهبة دون الرجوع فيها، ولو لم يكن جائزاً لكانت الشهادة عليها باطلة من الناس كلهم، وإذا جاز التفضيل في هبة الأولاد، فكذا في هبة الزوجات (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا ليس بأمر؛ لأن أدني أحوال الأمر الاستحباب والندب، ولا خلاف في كراهة هذا، وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده مع أمره برده وتسميته إياه جوراًً، وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي ﷺ على التناقض والتضاد، ولو أمر النبي ﷺ بإشهاد غيره لامتثل بشير أمره ولم يرد، وإنما هو تهديد له على هذا فيفيده ما أفاده النهي عن إتمامه (٣). ٥ - أنه ورد عن الصحابة ﵃ التفضيل في هبة الأولاد، فمن ذلك: ما روت عائشة أنها قالت: " إن أبا بكر نحلها جذاذ عشرين وساقاً من ماله بالعالية … " (٤).

стр. 1998

وقال البيهقي: قال الشافعي: " وفضل عمر عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه " (١). وما رواه صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف " أن عبد الرحمن بن عوف فضل بني كلثوم بنحل قسمه بين ولده " (٢). وما رواه نافع، عن ابن عمر ﵄ " قطع ثلاثة أرؤس، أو أربعة لبعض ولده دون بعض " (٣). ونوقشت هذه الآثار: بأن منها ما هو ضعيف، وما ثبت فهو محمول على رضا بقية الأولاد، أو أنه موقوف خالف المرفوع للنبي ﷺ (٤). ٦ - أن الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقاً (٥). ونوقش: بأن هذا الأصل العام خص منه هبة الزوجات. ٧ - أن الإجماع منعقد على أن للرجل أن يهب في صحته جميع ماله للأجانب، فإذا كان ذلك للأجنبي فهو للزوجة أحرى (٦). ويمكن أن يناقش من وجهين: الأول: زوال المعنى الذي يحصل مع التخصيص، وهو وجود البغضاء، ونحو ذلك. الثاني: النص المانع لما نحن فيه.

стр. 1999

٨ - أن حقهن في النفقة والكسوة والقسم، وقد سوى بينهما، وما زاد على ذلك فهو متطوع فله أن يفعله إلى من شاء (١). ونوقش: قال شيخ الإسلام: " موجب هذه العلة أن له أن يقسم للواحدة ليلة من أربع؛ لأنه الواجب، ويبيت الباقي عند الأخرى" (٢). ٩ - أن التسوية في هذا كله تشق، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج، فسقط وجوبه كالتسوية في الوطء (٣). ونوقش: بوجود الفرق بين الوطء والهبة، فالهبة يملك التسوية بينهن؛ إذ هي أمر حسي ولا يسلم الحرج في ذلك، وأما الوطء فقد لا يملك التسوية بينهن إلا بحرج ومشقة؛ لأن مصدره الميل والمحبة، وهذا قد لا يملكه الإنسان. الترجيح: يترجح -والله أعلم- وجوب التسوية بين الزوجات في الهبة؛ إذ هي تحت قدرة الزوج، فتلحق بالقسم، ولما في ذلك من المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها.

стр. 2000

الفصل الثالث: تملك الأب من مال ولده
следующие страницы →