← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وليس من الاستيصاء بالمرأة تفضيل ضرتها عليها. أدلة القول الثاني: (عدم وجوب التعديل) ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (١). ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال: بأن الإحسان الموافق للشرع لا يمنع منه، لكن يمنع منه إذا كان على خلاف المشروع، وأدى إلى العداوة والبغضاء. ٢ - ما رواه نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " … لا يحلبن أحدٌ ماشية أحد إلا بإذنه " (٢). فدل هذا الحديث على حل مال المسلم بالإذن والرضا، والزوج إذا وهب إحدى زوجاته دون البقية، فقد أذن بذلك ورضي. ويمكن أن يناقش: بما نوقش به الدليل السابق. ٣ - ما رواه أحمد من طريق موسى بن عقبة، عن أبيه، عن أم كلثوم قالت: " لما تزوج النبي ﷺ أم سلمة قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة، فإن ردت علىّ فهي لك، قالت: وكان كما قال رسول الله ﷺ ، وردت إليه هديته، وأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة " (٣). ففي الحديث تخصيص أم سلمة بالحلة دون بقية نسائه. ونوقش من وجهين: الأول: ضعف الحديث.

стр. 1997

الثاني: عدم صراحته على التفضيل؛ إذ يحتمل أن ما بقي من المسك لا يساوي أوقية، فزاد أم سلمة الحلة؛ لكي تساوي بقية نسائه، فهو دليل على التعديل في هبة الزوجات. ٤ - حديث النعمان بن بشير ﵄ لما وهبه أبوه … وفيه قوله ﷺ : " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " (١). فقال: -أي رسول الله ﷺ : " فأشهد على هذا غيري "، فأمره النبي ﷺ بتأكيد الهبة دون الرجوع فيها، ولو لم يكن جائزاً لكانت الشهادة عليها باطلة من الناس كلهم، وإذا جاز التفضيل في هبة الأولاد، فكذا في هبة الزوجات (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا ليس بأمر؛ لأن أدني أحوال الأمر الاستحباب والندب، ولا خلاف في كراهة هذا، وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده مع أمره برده وتسميته إياه جوراًً، وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي ﷺ على التناقض والتضاد، ولو أمر النبي ﷺ بإشهاد غيره لامتثل بشير أمره ولم يرد، وإنما هو تهديد له على هذا فيفيده ما أفاده النهي عن إتمامه (٣). ٥ - أنه ورد عن الصحابة ﵃ التفضيل في هبة الأولاد، فمن ذلك: ما روت عائشة أنها قالت: " إن أبا بكر نحلها جذاذ عشرين وساقاً من ماله بالعالية … " (٤).

стр. 1998

وقال البيهقي: قال الشافعي: " وفضل عمر عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه " (١). وما رواه صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف " أن عبد الرحمن بن عوف فضل بني كلثوم بنحل قسمه بين ولده " (٢). وما رواه نافع، عن ابن عمر ﵄ " قطع ثلاثة أرؤس، أو أربعة لبعض ولده دون بعض " (٣). ونوقشت هذه الآثار: بأن منها ما هو ضعيف، وما ثبت فهو محمول على رضا بقية الأولاد، أو أنه موقوف خالف المرفوع للنبي ﷺ (٤). ٦ - أن الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقاً (٥). ونوقش: بأن هذا الأصل العام خص منه هبة الزوجات. ٧ - أن الإجماع منعقد على أن للرجل أن يهب في صحته جميع ماله للأجانب، فإذا كان ذلك للأجنبي فهو للزوجة أحرى (٦). ويمكن أن يناقش من وجهين: الأول: زوال المعنى الذي يحصل مع التخصيص، وهو وجود البغضاء، ونحو ذلك. الثاني: النص المانع لما نحن فيه.

стр. 1999

٨ - أن حقهن في النفقة والكسوة والقسم، وقد سوى بينهما، وما زاد على ذلك فهو متطوع فله أن يفعله إلى من شاء (١). ونوقش: قال شيخ الإسلام: " موجب هذه العلة أن له أن يقسم للواحدة ليلة من أربع؛ لأنه الواجب، ويبيت الباقي عند الأخرى" (٢). ٩ - أن التسوية في هذا كله تشق، فلو وجب لم يمكنه القيام به إلا بحرج، فسقط وجوبه كالتسوية في الوطء (٣). ونوقش: بوجود الفرق بين الوطء والهبة، فالهبة يملك التسوية بينهن؛ إذ هي أمر حسي ولا يسلم الحرج في ذلك، وأما الوطء فقد لا يملك التسوية بينهن إلا بحرج ومشقة؛ لأن مصدره الميل والمحبة، وهذا قد لا يملكه الإنسان. الترجيح: يترجح -والله أعلم- وجوب التسوية بين الزوجات في الهبة؛ إذ هي تحت قدرة الزوج، فتلحق بالقسم، ولما في ذلك من المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها.

стр. 2000

الفصل الثالث: تملك الأب من مال ولده

стр. 2001

الفصل الثالث: تملك الأب من مال ولده اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن للأب الأخذ والتملك من مال ولده ما شاء، مع حاجة الأب إلى ما أخذه ومع عدمها، صغيرا كان الولد أو كبيرا. وهذا مذهب الحنابلة (١). واشترطوا لتملك الأب من مال ولده شروطا، هي: الأول: أن لا يضر بالابن، ولا يجحف به، ولا يأخذ ما تعلقت به حاجته وهو منفي. لما رواه الإمام أحمد من طريق عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار " (٢). ولأن الولد أحق بما تعلقت به حاجته. الثاني: أن لا يأخذ من مال ولد فيعطيه لولد آخر. وذلك لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذ من مال ولده الآخر أولى (٣).

стр. 2002

الثالث: أن يكون التملك بالقبض مع القول أو النيَّة، ولا يتصرف الأب فيه قبل تملّكه، فإن تصرَّف قبل تملُّكه لم يصح تصرُّفُهُ. لأنَّ القبضَ يكون للتملك وغيره، فاعتبر ما يعين وجهه. وعليه فلا يجوز للأب الهبةُ من مال ولده إلا بعد أن يأخذه ويتملكه. الرابع: أن يكون ما تملكه الأب عيناً موجودة، فلا يصح أن يتملك دين ولده؛ وعند شيخ الإسلام: يملك الأب إسقاطَ دين الابن عن نفسه (١)؛ لأنَّ الولدَ لا يملك التصرّف فيه قبل قبضه. وعليه فلا يجوز للأب أن يهب دين ولده بإسقاطه (٢). الخامس: أن لا يكون الأبُ كافراً والولدُ مسلماً (٣)، وأن لا يكون الولدُ كافراً والأبُ مسلماً (٤)؛ لانقطاع الولاية والتوارث بينهما. السادس: أن لا يكون التملك في مرض موت أحدهما؛ لانعقاد السبب القاطع للتملك (٥)، قال المرداوي: " قال الشيخ تقي الدين ﵀: قياس المذهب: أنه ليس للأب أن يتملَّك من مال ابنه في مرض موت الأب ما يخلف تركة؛ لأنَّه بمرضه قد انعقد السَّببُ القاطعُ لتملّكه، فهو كما لو تملَّك في مرض موت الابن ". القول الثاني: أنه ليس للأب الأخذ والتملك من مال ولده إلا بقدر حاجته، فإذا لم تكن به حاجه لا يجوز له أخذ شيء من مال ولده.

стр. 2003

وهذا مذهب جمهور الفقهاء: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: (جواز التملك) ١ - قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ (٥)، وقال عن زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)﴾ (٦)، وقال الله على لسان إبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (٧) وما كان موهوبا له كان له أخذ ماله، كعبده. يؤيد هذا قول سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ (٨) ثم ذكر بيوت سائر القرابات إلا الأولاد لم يذكرهم؛ لأنهم دخلوا في قوله: ﴿بُيُوتِكُمْ﴾ فلما كانت بيوت أولادهم كبيوتهم، لم يذكر بيوت أولادهم (٩). (٢٢١) ٢ - ما رواه ابن ماجه من طريق عمارة بن عمير، عن عمته، عن

стр. 2004

عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولد الرجل من كسبه " (١).

стр. 2005

ونوقش حديث عائشة ﵂: بأنه مقيد برواية الحاكم والبيهقي للحديث والتي فيها: " وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها " (١). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: بأن هذه الزيادة منكرة، كما قال أبو داود وتابعه ابن حجر؛ وهي وهم من حماد بن أبي سليمان كما قال سفيان. (٢٢٢) ٣ - ما رواه ابن ماجه من طريق عيسى بن يونس، حدثنا يوسف ابن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي مالاً وولداً، وإنَّ أبي يريدُ أن يجتاحَ مالي، فقال: " أنت ومالك لأبيك " (٢) (صحيح).

стр. 2006

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يجعل لمن شكا أباه اجتياح ماله الحق في

стр. 2007

الاعتراض على ذلك، بل أخبره أن ماله لأبيه بقوله: "أنت ومالك لأبيك" ولم يسأله هل أبوه محتاج لما أخذ أم لا؟. (٢٢٣) ٤ - ما رواه ابن ماجه من طريق حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي اجتاح مالي. فقال: " أنت ومالك لأبيك "، وقال رسول الله ﷺ : " إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من أموالهم " (١).

стр. 2008

وجه الدلالة: بين النبي ﷺ في هذا أن أحل ما أكل الرجل، وأهنأه هو ما كسبه بنفسه دون واسطة (١)، ثم جعل الأولاد من كسب الرجل، فدل على أن أكل الرجل من مال ولده كأكله من مال نفسه الذي كسبه دون واسطة، بل إنه جعله من أطيب ذلك، فقال في رواية لأبي داود والنسائي " ولد الرجل من كسبه، من أطيب كسبه فكلوا من أموالهم ". واللام: في قوله: " لأبيك "، قال ابن رسلان: " اللام للإباحة لا للتمليك، فإن مال الولد له وزكاته عليه وهو موروث عنه " (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه محمول على أخذ قدر الحاجة (٣). وأما اجتياح والد المشتكي ماله، فيقول الخطابي: " يشبه أن يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده ماله: إنما هو بسبب النفقة عليه، وأن مقدار

стр. 2009

ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير، ولا يسعه عفو ماله والفضل منه، إلا بأن يجتاح أصله، ويأتي عليه، فلم يعذره النبي ﷺ ، ولم يرخص له في ترك النفقة، وقال له: (أنت ومالك لأبيك) على معنى: أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة، كما يأخذ من مال نفسه " (١). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: بأنها حمل للحديثين على محمل دون دليل لاسيما وأن النبي ﷺ لم يستفصل من الشاكي عن حال أبيه في الحديث الثاني مما يدل على عموم الحديث. ٥ - ولأن الرجل يلي مال ولده من غير تولية، فكان له التصرف فيه كمال نفسه (٢). أدلة القول الثاني: (عدم الجواز) ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣). (٢٢٤) ٢ - ما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا " (٤). ٣ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحلبن أحد شاة أحد إلا بإذنه " (٥). نوقش هذا الاستدلال: بأن هذه الأخبار الواردة في تحريم مال الغير "

стр. 2010

مخصوصة بالأحاديث التي استدل بها المجوزون، ومفسرة بها، فلا تنافي بينها" (١). (٢٢٥) ٤ - ما رواه سعيد بن منصور، عن حبان بن أبي جبلة، عن الحسن أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " كل أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين" (٢). ونوقش من وجهين: الأول: أنه حديث مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف. الثاني: أنه يدل على ترجيح حق الولد على حق الوالد في المال لا على نفي الحق بالكلية، والولد أحق من الوالد بما تعلقت به حاجته (٣). (٢٢٦) ٥ - ما رواه الحاكم من طريق حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إن أولادكم هبة الله لكم، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، فهم وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها " (٤).

стр. 2011

٦ - أن الله تعالى ورث الأب من ابنه السدس مع والد ولده، فلو كان الأب يملك مال الابن لم يكن لغير الأب شيء مع وجوده، ولحازه كله (١). الترجيح: بعد عرض القولين للفقهاء في هذه المسألة وأدلة كل قول، وما ناقش به كل فريق أدلة الآخرين؛ يتبين لي أن القول الراجح هو قول الحنابلة، القائلين بجواز أخذ الأب وتملكه من مال ولده، سواء كان محتاجاً إلى ما أخذ أو غير محتاج بالشروط التي ذكروها؛ لكون كل شرط عليه دليل يوجبه.

стр. 2012

الباب الرابع: هبة العمرى، والرقبى وفيه فصلان: الفصل الأول: هبة العمرى. الفصل الثاني: هبة الرقبى.

стр. 2013

الفصل الأول: هبة العمرى وفيه مباحث: المبحث الأول: تعريف العمرى. المبحث الثاني: حكمها. المبحث الثالث: صورها. المبحث الرابع: اشتراط الرجوع فيها.

стр. 2014

المبحث الأول: تعريف العمرى في اللغة، والاصطلاح، والحكمة من النهي عنها وفيه مطالب: المطلب الأول: في اللغة العمرى فعلى بضم المهملة وسكون الميم مع القصر " وحكي ضم الميم مع ضم أوله " وحكي فتح أوله مع السكون (١). مشتقة من العمر، والعمر هو الحياة (٢). وهي ما تجعله للرجل طول عمرك، أو عمره. وقال ثعلب: العمرى: أن يدفع الرجل إلى أخيه داراً فيقول: هذه لك عمرك، أو عمري، أينا مات دفعت الدار إلى أهله، وكذلك كان فعلهم في الجاهلية (٣). وقيل: بأنها هبة المنافع مدة العمر (٤).

стр. 2015

المطلب الثاني: في الاصطلاح العمرى في الاصطلاح: أن يعمر شخص سكن داره ونحوها لشخص آخر مدة حياته (١). قال ابن قدامة ﵀: " والعمرى والرقبى نوعان من الهبة يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول والقبض، أو ما يقوم به مقام ذلك عند من اعتبره" (٢). المطلب الثالث: الحكمة من النهي عن العمرى، والرقبى قال أبو حاتم: " زجر المصطفى ﷺ عن النذر، والعمرى، والرقبى كان لعلة معلومة، وهي إبقاؤه ﷺ على المسلمين في أموالهم، لا أن استعمال هذه الأشياء الثلاث غير جائز إذا كان طاعة لا معصية، وذاك أن الصحابة قطنوا المدينة ولا مال لهم بها، فكره ﷺ لهم الرقبى والعمرى إبقاء على أموالهم للضرورة الواقعة التي كانت بهم، لا أنهما لا يجوز استعمالهما " (٣).

стр. 2016

المبحث الثاني: حكم العمرى وفيه مطلبان: المطلب الأول: العمرى في العقار وصورتها: أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه، أو هي لك عمري، أو ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، أو نحو هذا (١). اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى -في حكم العمرى في العقار على قولين: القول الأول: أنها جائزة. وهو قول جمهور العلماء: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية (٢). القول الثاني: أنها لا تصح العمرى. وبه قال بعض الفقهاء (٣).

стр. 2017

الأدلة: أدلة الرأي الأول: (جواز العمرى) (٢٢٧) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سلمة، عن جابر ﵄ قال: " قضى النبي ﷺ بالعمرى أنها لمن وهبت له " (١). (٢٢٨) ٢ - ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵄ قال: قال ﷺ : " أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإن من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه " (٢). (٢٢٩) ٣ - ما رواه مسلم من طريق أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، وفي حديث أيوب من الزيادة قال: جعل الأنصار يعمرون المهاجرين، فقال رسول الله ﷺ : " أمسكوا عليكم أموالكم " (٣). (٢٣٠) ٤ - ما رواه مسلم من طريق أبي سلمة، عن جابر ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه، فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أعمر ولعقبه " غير أن يحيى قال في أول حديثه: أيما رجل أعمر عمرى فهي له ولعقبه" (٤). فهذه الأحاديث صريحة في صحة العمرى. (٢٣١) ٥ - ما رواه الإمام أحمد من طريق حجاج، عن أبي الزبير، عن طاووس، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من أعمر عمرى

стр. 2018

فهي لمن أعمرها جائزة، ومن أرقب رقبى فهي لمن أرقبها جائزة، ومن وهب هبة ثم عاد فيها فهو كالعائد في قيئه " (١) (مرسل).

стр. 2019

٦ - ما سيأتي -أيضاً- من الأحاديث، وآثار الصحابة ﵃ -في المسائل الآتية من صحة العمرى. دليل الرأي الثاني: (عدم صحة العمرى) حديث جابر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا ترقبوا ولا تعمروا، فمن أرقب شيئاً أو أعمره فهو لورثته " (١). وأجيب عنه: قال ابن قدامة (٢): " فأما النهي فإنما ورد على سبيل الإعلام لهم إنكم إن أعمرتم أو أرقبتم يعد للمعمر والمرقب، ولم يعد إليه منكم شيء، وسياق الحديث يدل عليه، فإنه قال: فمن أعمر عمرى، فهي لمن أعمرها حياً وميتاً ولعقبه ".

стр. 2020

الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من صحة العمرى؛ لقوة دليله، ومناقشة دليل القول الآخر. المطلب الثاني: العمرى في غير العقار كالحيوان، أو النبات، ونحو ذلك كأن يقول: أعمرتك هذه النخلة، أو نخلي لك عمري، ونحو ذلك. اتفق الفقهاء ﵏ على صحة هبة الأشجار والنباتات والحيوانات التي يجوز بيعها. واختلف العلماء في صحة العمرى في هذه الأشياء على قولين: القول الأول: صحة العمرى في هذه الأشياء. وهو قول جمهور أهل العلم (١). أما الرقبى فمن أجازها وهم الشافعية على الجديد، والحنابلة، وأبو يوسف من الحنفية، فقالوا بصحتها في النبات والحيوان، ومن منعها وهم الحنفية، والمالكية، والشافعية على القديم، فقالوا: بعدم جوازها في النبات وغيره ..

стр. 2021

جاء في الهداية: " والعمرى جائزة للمعمر له حال حياته، ولورثته من بعده ..... ومعناه أن يجعل داره له مدة عمره ..... والرقبى باطلة عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما الله- وقال أبو يوسف -﵀-: جائزة " (١). وجاء في حاشية الدسوقي: " وجازت العمرى، لا الرقبى، فلا تجوز في حبس ولا ملك" (٢). وجاء في حاشية القليوبي وعميرة: " ولو قال بدل وهبتك: أعمرتك هذه الدار: أي جعلتها لك عمرك، فإذا مت فهي لورثتك فهي هبة، ولو قال: أرقبتك هذه الدار، أو جعلتها لك رقبى، ففي الجديد يصح الهبة، وفي القديم يبطل العقد " (٣). وجاء في المغني: " وتصح العمرى في غير العقار من الحيوان، والنبات" (٤). وقال -أيضاً-: " العمرى والرقبى: نوعان من الهبة يفتقران إلى ما يفتقر إليه سائر الهبات من الإيجاب والقبول، والقبض، أو ما يقوم مقام ذلك عند من اعتبره" (٥). القول الثاني: عدم صحة العمرى في هذه الأشياء. وهو رواية عن الإمام أحمد (٦).

стр. 2022

الأدلة: أدلة الجمهور: (الصحة) استدل الجمهور بالأدلة الآتية: ١ - ما تقدم من عمومات أدلة العمرى (١). وهذه تشمل العقار وغيره. ٢ - أنها نوع هبة فصحت في ذلك كسائر الهبات (٢). ولم أقف للقول الثاني على دليل. وقد قال ابن قدامة: " وقد روي عن أحمد في الرجل يعمر الجارية، فلا أرى له وطأها، قال القاضي: لم يتوقف أحمد عن وطء الجارية؛ لعدم الملك فيها، لكن على طريق الورع؛ لأن الوطء استباحة فرج، وقد اختلف في صحة العمرى، وجعلها بعضهم تمليك المنافع، فلم ير له وطأها لهذا، ولو وطئها كان جائزا " (٣).

стр. 2023

المبحث الثالث: صورها وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الصورة الأولى: أن تكون العمرى بلفظ مطلق - دون ما يشعر بالتأبيد- كأن يقول: أعمرتك: هذه الدار، أو يقول: داري لك عمري ونحو ذلك، فتصح، لكن اختلف العلماء ﵏ في العمرى هل هي تمليك للمنافع والذات معاً، أم هي تمليك للمنافع فقط؟. بعد أن اتفق الأئمة الأربعة على جواز العمرى (١)، اختلفوا فيها من ناحية هل هي تمليك للمنافع والذات معاً؟ أو هي تمليك للمنافع فقط؟ وترجع بعد إلى صاحبها المعمر بعد موت المعمر على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن العمرى هبة للذات، ولا تنصرف إلى المنافع مستقلة عن الذات، بل يملكها المعمر كسائر أمواله، وتورث عنه، ولا ترجع إلى المعمر ولا إلى ورثته مطلقا. وقال بذلك جمهور الفقهاء: الحنفية (٢)،

стр. 2024

والشافعية (١)، والحنابلة (٢)، والظاهرية (٣). وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - حديث جابر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها، حياً وميتاً ولعقبة " (٤). ٢ - حديث جابر ﵄ قال: " قضى النبي ﷺ بالعمرى أنها لمن وهبت له" (٥). (٢٣٢) ٣ - ما رواه مسلم من طريق أبي سلمة، عن جابر ﵄ أن رسول الله ﷺ : " أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث" (٦). (٢٣٣) ٤ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق بشير بن نهيك، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " العمرى جائزة " (٧). (٢٣٤) ٥ - ما رواه أبو داود من طريق عمرو بن دينار، عن طاووس، عن حجر، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من أعمر شيئاً فهو لمعمره محياه ومماته، ولا ترقبوا فمن أرقب شيئاً فهو سبيله " (٨).

стр. 2025

وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ بين أن العمرى هبة مبتوتة للذات والمنافع، وليست هبة للمنافع مستقلة عن الذات. (٢٣٥) ٦ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق مجاهد قال: قال على بن أبي طالب ﵁: " العمرى والرقبى سواء " (١) (مجاهد لم يسمع من على ﵁. (٢٣٦) ٧ - ما رواه عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن طاووس، عن ابن عباس ﵄ قال: " من أعمر شيئاً فهو له " (٢). (٢٣٧) ٨ - وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي الزبير، عن طاووس، عن ابن عباس ﵄ قال: " العمرى والرقبى سواء " (٣). (٢٣٨) ٩ - ما رواه عبد الرزاق من طريق طاووس، عن حجر المدري، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: " العمرى للوارث " (٤). القول الثاني: أن العمرى هبة المنافع فقط، والذات باقية على ملك

стр. 2026

صاحبها، ويكون للموهوب له السكنى فقط في مثل قوله: أعمرتك هذه الدار حياتك، فإذا مات عادت الدار إلى صاحبها، ولا تنتقل إلى صاحبها، ولا تنتقل إلى ورثة المعمر إلا إذا جعلها له ولعقبه، فإنها حينئذ تكون منفعتها لورثته، وبعد ذلك ترجع إلى صاحبها أو إلى ورثته. قال بذلك مالك (١)، والليث (٢). وحجة هذا القول: ١ - قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (٣). ٢ - قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ (٤). قالوا في الاستدلال في هاتين الآيتين: فكذلك كل من أعمر عمرى فقد جعل الشيء المملوك له للغير يعمره مدة حياته تحقيقاً لوظيفة الملك في هذه الحياة (٥). ونوقش هذا الاستدلال بما يلي. قال ابن حزم: إن هذا بعيد من التوفيق في فهم الدليل؛ وذلك لما يلي: أولاً: أنهم قاسوا حكم الناس على حكم الله تعالى فيهم، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى يفعل ما يشاء من أقداره الكونية كالموت والمرض والمصائب ونحو ذلك، فله الإرادة والحكمة التامة النافذة. ثانياً: ليس المراد من الآية الكريمة العمرى بمعنى إعطاء الغير حق

стр. 2027

الانتفاع مدة حياة المعمِر، أو المعمَر، وإنما المراد بذلك أن الله استعمرنا فيها بمعنى: أنه عمرنا بالبقاء فيها مدة، وليس هذا من العمرى في ورد ولا صدر. ثالثاً: أن هذه الآية لو جعلناها حجة عليهم، لكان ذلك أوضح مما موهوا به وهو أن الله تعالى -بلا شك- أباح لنا بيع ما ملكنا من الأرض، وجعلها لورثتنا بعدنا، وهذا هو قولنا في العمرى لا قولهم (١). ٣ - قال ابن عبد البر: " ومن أحسن ما احتجوا به أن قالوا: ملك المعمر ثابت بإجماع قبل أن يحدث العمرى، فلما أحدثها، اختلف العلماء، فقال بعضهم: قد أزال لفظه ذلك ملكه عن رقبة ما أعمره، وقال بعضهم: لم يزل ملكه عن رقبة ماله بهذا اللفظ، والواجب بحق النظر أن لا يزول ملكه إلا بيقين وهو الإجماع؛ لأن الاختلاف لا يثبت به يقين، وقد ثبت أن الأعمال بالنيات، وهذا الرجل لم ينو بلفظه إخراج شيء من ملكه، وقد اشترط فيه شرطاً، فهو على شرطه؛ لقول رسول الله ﷺ : " المسلمون على شروطهم" (٢). (٢٣٩) ٤ - ما رواه ابن حزم من طريق ابن وهب بلغني عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ أن عائشة أم المؤمنين ﵂ " كانت تعمر بني أخيها حياتهم، فإذا انقرض أحدهم قبضت مسكنه، فورثنا نحن ذلك كله اليوم عنها " (٣) (ضعيف). وجه الدلالة: حيث دل هذا الأثر على وقوع العمرى بمعنى هبة المنافع مستقلة عن الذات، وقد فعلته أم المؤمنين عائشة، ولا تفعل ذلك بغير دليل على جواز ذلك.

стр. 2028

وقد نوقش هذا الدليل بما يلي: قالوا إن خبر عائشة باطل، وهو مرسل، وأن عبد الرحمن بن القاسم وأباه القاسم وجده محمدا لم يرثوا عائشة؛ لأن محمداً قتل في حياة عائشة قبل موتها بنحو عشرين سنة، وإنما ورثها عبد الله بن عبد الرحمن فقط؛ لأنه كان ابن شقيقها فحجب القاسم بن محمد، ولو صح ذلك لكان قد خالفها ابن عباس، وابن عمر، وجابر، وزيد بن ثابت، وعلى بن أبي طالب ﵃ (١). ٥ - قالوا إن العمرى معناها عند العرب تمليك المنافع فقط. والجواب على هذا: أن العمرى إذا كانت عند العرب تمليك المنافع فقط والرقبة على ملك صاحبها، فنقول قد جعلها الشارع تمليك رقبة كما كانت الصلاة عند العرب دعاء فجعلها الشارع عبادة خاصة؛ لأن الشرع نقل حقائق لغوية إلى معان شرعية (٢). ومن المقرر في علم الأصول: أن اللفظ في خطاب الشارع يحمل على المعنى الشرعي لا اللغوي (٣). ٦ - أن الإمام مالك لم يجد على ذلك عمل أهل المدينة. ونوقش: بأن عمل أهل المدينة (٤) موضع خلاف بين أهل العلم في الاحتجاج به. القول الثالث: أن العمرى هبة صحيحة إذا أعمرها له ولعقبه، فأما إذا لم يقل لعقبة، فهي تمليك للمنافع فقط، وترجع بعد ذلك للمعمر.

стр. 2029

قال بذلك عروة بن الزبير، وأبو ثور، وداود بن على، والزهري (١). وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - حديث جابر ﵄ قال: " إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها " (٢). وجه الدلالة: حيث جعل لذكر العقب حكماً وللسكوت عنه حكماً، فدل ذلك على التفريق بينهما (٣). قال ابن حزم في الرد على هذا الاستدلال: " ولا حجة لهم فيه؛ لأن السند منه إلى رسول الله ﷺ إنما العمرى التي أجازها ﷺ أن يقول هي لك ولعقبك، وأما باقي لفظ الخبر فمن كلام جابر، ولا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ ، وقد خالف جابراً ههنا ابن عباس وابن عمر ﵃، وغيرهما … ، فإنما في هذا الخبر حكم العمرى إذا قال المعمر: هي لك ولعقبك، وبقي حكمه إذا لم يقل هذا الكلام لا ذكر له في هذا الخبر، فوجب طلبه من غيره " (٤). الترجيح: الراجح -والله أعلم- قول جمهور العلماء من أن العمرى عبارة عن تمليك للمنافع والرقبة معاً، وليست تمليكاً للمنافع فقط، لقوة أدلتهم، ولأن مالكاً ﵀ القائل بأن العمرى تمليك المنافع فقط دون الرقبة قد روى (٥)

стр. 2030

حديث العمرى وهو حديث صحيح رواه جابر، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة ﵃. ولأن طارقا (١) قضى (٢) بذلك في المدينة بأمر عبد الملك بن مروان. المطلب الثاني: الصورة الثانية: أن يؤكد لفظ العمرى بما يشعر بالتأبيد كأن يقول: هي لك ولعقبك. الخلاف في هذه الصورة كالخلاف في الصورة الأولى بين جمهور الفقهاء والمالكية، والترجيح فيها كالترجيح في الصورة الأولى. قال ابن قدامة: " إذا شرط في العمرى أنها للمعمر وعقبه فهذا تأكيد لحكمها، وهذا قول جميع القائلين بها " (٣).

стр. 2031

المطلب الثالث: الصورة الثالثة: إعمار المنفعة بأن يقول: سكنى هذه الدار لك عمرك، أو اسكنها عمرك، ونحو ذلك، فاختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أن للمسكن الرجوع متى شاء، ومتى مات بطلت الإباحة. وهو قول جمهور أهل العلم (١). القول الثاني: أنها كالعمرى تكون له، ولعقبه. وبه قال الحسن، وعطاء، وقتادة (٢). الأدلة: أدلة الرأي الأول: (الرجوع) (٢٤٠) ١ - ما رواه الإمام مالك: عن نافع أن عبد الله بن عمر ورث من حفصة بنت عمر دارها قال: " وكانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت بنت زيد قبض عبد الله بن عمر السكن، ورأى أنها له " (٣).

стр. 2032

٢ - أنها هبة منافع، والمنافع تستوفى بمضي الزمان شيئاً فشيئاً، فلا تلزم إلا في قدر ما قبضه منها، واستوفاه بالسكنى (١). ٣ - أن الأصل بقاء الملك، ولا دليل على انتقاله. دليل الرأي الثاني: (عدم الرجوع) أنها في معنى العمرى، فيثبت فيها مثل حكمها. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ العمرى تمليك للرقبة، بخلاف مسألتنا فهي تمليك للمنفعة. الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لقوة دليلهم في مقابل صنف دليل القول الثاني بمناقشة.

стр. 2033

المبحث الرابع: اشتراط الرجوع في العمرى إذا أعمر شخص آخر شيئاً ما، واشترط رجوع العين التي أعمرها إلى ملكه بعد موت المعمر بأن يقول مثلا: لك عمرك فإذا مت أنت فهي رد علي، أو يقول: هي لك عمري فإذا مت أنا فهي رد على ورثتي. فهل هذا شرط صحيح نافذ، أو أنه شرط باطل؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه شرط صحيح، وعلى هذا فليس للمعمر أن يتصرف برقبة العين المعمرة ببيع أو هبة، وغير ذلك، وإنما يتصرف في منفعتها فقط، وإن كانت أمة فليس له وطؤها، وإذا مات المعمر رجعت هذه العين إلى صاحبها إن كان حياً، أو لورثته إن كان ميتاً. وبه قال المالكية (١)، وبعض الشافعية (٢)، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٣) اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وبه قال القاسم بن محمد، وزيد بن قسيط، والزهري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن أبي ذئب (٥)،

стр. 2034

وبه قال داود الظاهري (١). القول الثاني: أنه شرط باطل، وعلى هذا فللمعمر أن يتصرف في العين المعمرة بما شاء من بيع أو هبة، أو غير ذلك. وهذا هو قول الحنفية (٢)، وهو قول الشافعي في الجديد، وهو الأصح عند الشافعية (٣)، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة (٤)، وبه قال بعض الظاهرية (٥). الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٦). والأمر بإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه. (٢٤١) ٢ - ما رواه مسلم من طريق أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: " إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها " (٧). وجه الاستدلال من هذا الحديث: هو أنه صريح في صحة اشتراط رجوع

стр. 2035

العمرى إلى صاحبها بعد موت المعمر وهذا لا يكون في تمليك الرقاب، وإنما يكون في تمليك المنافع (١). ونوقش الاستدلال بهذا الحديث: بأن قوله: "فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها" هو من كلام جابر نفسه، ولا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ . ويحتمل أن يكون مدرجاً من كلام الزهري؛ لأنه روي عن جابر من طرق أخرى وليس فيه قوله: " فأما إذا قال ..... " إلخ (٢). الجواب عن هذه المناقشة: يجاب عن قولهم: بأن قوله: " فأما إذا قال … هو من كلام جابر .... " وجابر ﵄ أعلم بمعنى ما روى عن النبي ﷺ في ذلك، وهذا منه تفسير لما رواه فيتعين الأخذ به. (٢٤٢) ٣ - وقال البخاري: قال رسول الله ﷺ : " المسلمون عند شروطهم " (٣). وجه الاستدلال من هذا الحديث: هو أنه أفاد لزوم الشروط التي يشترطها العاقدان مما لا يخالف الكتاب ولا السنة، واشتراط المعمر رجوع العين المعمرة إليه بعد موت المعمر ليس فيه هذا المحذور فله شرطه (٤). ٤ - الأدلة السابقة الدالة على اشتراط الرضا في الهبة (٥).
следующие страницы →