← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

المطلب الثالث: الصورة الثالثة: إعمار المنفعة بأن يقول: سكنى هذه الدار لك عمرك، أو اسكنها عمرك، ونحو ذلك، فاختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أن للمسكن الرجوع متى شاء، ومتى مات بطلت الإباحة. وهو قول جمهور أهل العلم (١). القول الثاني: أنها كالعمرى تكون له، ولعقبه. وبه قال الحسن، وعطاء، وقتادة (٢). الأدلة: أدلة الرأي الأول: (الرجوع) (٢٤٠) ١ - ما رواه الإمام مالك: عن نافع أن عبد الله بن عمر ورث من حفصة بنت عمر دارها قال: " وكانت حفصة قد أسكنت بنت زيد بن الخطاب ما عاشت، فلما توفيت بنت زيد قبض عبد الله بن عمر السكن، ورأى أنها له " (٣).

стр. 2032

٢ - أنها هبة منافع، والمنافع تستوفى بمضي الزمان شيئاً فشيئاً، فلا تلزم إلا في قدر ما قبضه منها، واستوفاه بالسكنى (١). ٣ - أن الأصل بقاء الملك، ولا دليل على انتقاله. دليل الرأي الثاني: (عدم الرجوع) أنها في معنى العمرى، فيثبت فيها مثل حكمها. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ العمرى تمليك للرقبة، بخلاف مسألتنا فهي تمليك للمنفعة. الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لقوة دليلهم في مقابل صنف دليل القول الثاني بمناقشة.

стр. 2033

المبحث الرابع: اشتراط الرجوع في العمرى إذا أعمر شخص آخر شيئاً ما، واشترط رجوع العين التي أعمرها إلى ملكه بعد موت المعمر بأن يقول مثلا: لك عمرك فإذا مت أنت فهي رد علي، أو يقول: هي لك عمري فإذا مت أنا فهي رد على ورثتي. فهل هذا شرط صحيح نافذ، أو أنه شرط باطل؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه شرط صحيح، وعلى هذا فليس للمعمر أن يتصرف برقبة العين المعمرة ببيع أو هبة، وغير ذلك، وإنما يتصرف في منفعتها فقط، وإن كانت أمة فليس له وطؤها، وإذا مات المعمر رجعت هذه العين إلى صاحبها إن كان حياً، أو لورثته إن كان ميتاً. وبه قال المالكية (١)، وبعض الشافعية (٢)، وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٣) اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وبه قال القاسم بن محمد، وزيد بن قسيط، والزهري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وابن أبي ذئب (٥)،

стр. 2034

وبه قال داود الظاهري (١). القول الثاني: أنه شرط باطل، وعلى هذا فللمعمر أن يتصرف في العين المعمرة بما شاء من بيع أو هبة، أو غير ذلك. وهذا هو قول الحنفية (٢)، وهو قول الشافعي في الجديد، وهو الأصح عند الشافعية (٣)، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة (٤)، وبه قال بعض الظاهرية (٥). الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٦). والأمر بإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه. (٢٤١) ٢ - ما رواه مسلم من طريق أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: " إنما العمرى التي أجاز رسول الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها " (٧). وجه الاستدلال من هذا الحديث: هو أنه صريح في صحة اشتراط رجوع

стр. 2035

العمرى إلى صاحبها بعد موت المعمر وهذا لا يكون في تمليك الرقاب، وإنما يكون في تمليك المنافع (١). ونوقش الاستدلال بهذا الحديث: بأن قوله: "فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها" هو من كلام جابر نفسه، ولا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ . ويحتمل أن يكون مدرجاً من كلام الزهري؛ لأنه روي عن جابر من طرق أخرى وليس فيه قوله: " فأما إذا قال ..... " إلخ (٢). الجواب عن هذه المناقشة: يجاب عن قولهم: بأن قوله: " فأما إذا قال … هو من كلام جابر .... " وجابر ﵄ أعلم بمعنى ما روى عن النبي ﷺ في ذلك، وهذا منه تفسير لما رواه فيتعين الأخذ به. (٢٤٢) ٣ - وقال البخاري: قال رسول الله ﷺ : " المسلمون عند شروطهم " (٣). وجه الاستدلال من هذا الحديث: هو أنه أفاد لزوم الشروط التي يشترطها العاقدان مما لا يخالف الكتاب ولا السنة، واشتراط المعمر رجوع العين المعمرة إليه بعد موت المعمر ليس فيه هذا المحذور فله شرطه (٤). ٤ - الأدلة السابقة الدالة على اشتراط الرضا في الهبة (٥).

стр. 2036

وهذا المعمر لم يرض بخروج ملكه إلا على هذا الوجه. (٢٤٣) ٥ - ما رواه الإمام مالك عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع مكحولاً الدمشقي يسأل القاسم بن محمد عن العمرى، وما يقول الناس فيها؟ قال: "ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم وفيما أعطوا " (١). وقد أدرك القاسم جمعاً من الصحابة وروى عنهم فالظاهر أن مراده بـ (الناس) أي الصحابة الذين أدركهم (٢). ونوقش الاستدلال بهذا الأثر: بأنه لا يقبل في مخالفة جمع من الصحابة والتابعين، فكيف يقبل في مخالفة قول سيد المرسلين (٣). ٦ - أن العمرى تمليك المنافع في لغة العرب كالمنيحة والعارية. ونوقش: بأن العبرة بالمدلول الشرعي، وقد نقلها إلى تمليك الرقبة كما نقل الصلاة والزكاة وغيرهما (٤). ٧ - أن تمليك الرقبة يقع مطلقا غير مؤقت كالبيع، وكل تمليك علق بوقت فيه منع فيه تمليك الرقبة، والعمرى مؤقتة فيمتنع فيها تمليك الرقبة (٥). ونوقش: بأن الشارع أبطل تأقيت العمرى، وجعلها تمليكا مطلقا (٦). أدلة الرأي الثاني: (عدم صحة الشرط) ١ - حديث جابر ﵄ قال: " قضى النبي ﷺ بالعمرى أنها لمن وهبت له" (٧).

стр. 2037

٢ - عن جابر ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أعمر ولعقبه " غير أن يحيى قال في أول حديثه: " أيما رجل أعمر عمرى فهي له ولعقبه " (١). ٣ - حديث جابر ﵄ أن رسول الله ﷺ : " قضى فيمن أعمر عمرى له ولعقبه فهي له بتلة لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا. قال أبو سلمة: لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث فقطعت المواريث شرطه" (٢). وهذا الحديث نص في أن اشتراط المعمر لا يصح. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه خاص بما إذا قال المعمر لك ولعقبك، أما إذا لم يقل ولعقبك فشرط الرجوع جائز فيها (٣). ٤ - عن جابر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا ولعقبه " (٤). وفي حديث أيوب من الزيادة قال: جعل الأنصار يعمرون المهاجرين فقال رسول الله ﷺ : " أمسكوا عليكم أموالكم " (٥). (٢٤٤) ٥ - ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵄ قال: " أعمرت امرأة بالمدينة حائطاً لها ابنا لها، ثم توفي وتوفيت بعده وتركت ولداً وله إخوة بنون للمعمرة، فقال ولد المعمرة: رجع الحائط إلينا، وقال بنو المعمر: بل كان لأبينا حياته وموته، فاختصموا إلى طارق مولى عثمان، فدعا جابراً فشهد على رسول الله ﷺ بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم

стр. 2038

كتب إلى عبد الملك فأخبره ذلك وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر، فأمضى ذلك طارق؛ فإن ذلك الحائط لبني المعمر حتى اليوم " (١). (٢٤٥) ٦ - ما رواه مسلم من طريق عطاء، عن جابر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: " العمرى ميراث لأهلها " (٢). ٧ - ما رواه ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " العمرى جائزة لمن أعمرها، والرقبى جائزة لمن أرقبها، والعائد في هبته كالعائد في قيئه " (٣). (ضعيف). (٢٤٦) ٨ - ما رواه النسائي أخبرنا محمد بن يزيد، ثنا أبي، ثنا سعيد، ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن جابر ﵄ أن رسول الله ﷺ : " قضى بالعمرى أن يهب الرجل للرجل ولعقبه الهبة، ويستثني إن حدث بك حدث وبعقبك فهو إلي وإلى عقبي أنها لمن أعطيها ولعقبه " (٤). ففي هذا الحديث اشتراط من المعمر أنها ترجع إليه، ومع ذلك لم يجعل له النبي ﷺ حق الرجوع. ونوقش الاستدلال بهذه الأدلة من وجهين: الوجه الأول: بأنها (محتملة للتأويل) (٥) كما قال ابن عبد البر، فهي إما

стр. 2039

مطلقة لم تتعرض لحكم اشتراط المعمر رجوع العين إليه بعد موت المعمر، أو هي في العمرى التي فيها ذكر لعقب المعمر. وأما حديث جابر الذي دل على صحة اشتراط رجوع العين المعمرة إلى صاحبها بعد موت المعمر فـ (هو حديث مفسر يرتفع معه الإشكال؛ لأنه جعل لذكر العقب حكماً، وللسكوت عنه حكماً، وبه أفتى أبو سلمة وإليه كان يذهب ابن شهاب وهم رواة الحديث، وإليهم ينصرف في تأويله مع موضعهم من الفقه والجلالة، وليس من خالفهم ممن يقاس بهم .... ) (١). الوجه الثاني: أنها محمولة على المنافع (٢). الراجح: الراجح -والله أعلم- كل من القولين له قوة، لكن يظهر أن القول الأول أقرب؛ لعمومات أدلة الرضا، وهو لم يرض بإخراج ماله إلا على هذا الوجه.

стр. 2040

الفصل الثاني: هبة الرقبى وفيه مباحث: المبحث الأول: تعريف الرقبى. المبحث الثاني: حكمها. المبحث الثالث: صورها.

стр. 2041

المبحث الأول: تعريف الرقبى وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الرقبى لغة أصل الرقبى: من المراقبة، كأن كل واحد منهما إنما يرقب موت صاحبه، ألا ترى أنه يقول إن مت قبلي رجعت إلي، وإن مت قبلك فهي لك، فهذا ينبئك عن المراقبة. وهي أن يقول: أرقبتك هذه الدار، أو هي لك حياتك على أنك إن مت قبلي عادت إلي، وإن مت قبلك فهي لك ولعقبك. فكأنه يقول: هي لآخرنا موتا، وبذلك سميت رقبى؛ لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه (١).

стр. 2042

المطلب الثاني: تعريف الرقبى في الاصطلاح المعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي (١).

стр. 2043

المبحث الثاني: حكم الرقبى اختلف العلماء في حكم الرقبى على قولين: القول الأول: صحة الرقبى، وأنها تمليك هبة مؤبد، فإذا مات المرقب فلورثته كغيرها من أمواله، وإن مات المرقب، فللمرقب ثم لورثته. وهو قول الشافعية في الجديد (١)، والحنابلة (٢)، وأبي يوسف (٣)، وهو قول الظاهرية (٤). القول الثاني: أنها لا تصح هبة، لكن لها حكم العارية. وهو قول أبي حنيفة (٥)، ومالك (٦). أدلة الرأي الأول: (الصحة) (٢٤٧) ١ - ما رواه الإمام أحمد قال: حدثنا عبد الله بن الحارث، عن شبل، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، عن حجر المدري، عن زيد بن

стр. 2044

ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : " من أعمر عمرى فهي لمعمره محياه ومماته، لا ترقبوا، فمن أرقب شيئاً فهو سبيل الميراث " (١).

стр. 2045

٢ - ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " العمرة جائزة لمن أعمرها، والرقبى جائزة لمن أرقبها " (١). (٢٤٨) ٣ - ما رواه الإمام أحمد من طريق داود، عن أبي الزبير، عن جابر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها" (٢).

стр. 2046

(٢٤٩) ٤ - ما رواه أبو داود من طريق سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا ترقبوا ولا تعمروا، فمن أرقب شيئاً أو أعمره فهو لورثته " (١).

стр. 2047

(الحديث في مسلم دون ذكر الرقبى) (٢٥٠) ٥ - ما رواه الإمام أحمد من طريق ابن جريج، أخبرني عطاء عن حبيب، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا عمرى ولا رقبى، فمن أعمر شيئاً أو أرقبه، فهو له حياته ومماته " (١).

стр. 2048

(حبيب بن أبي ثابت مدلس، واختلف في سماعه من ابن عمر ﵄ ٦ - ما روي أن على بن أبي طالب ﵁ قال: "العمرى والرقبى سواء" (١). ٧ - ما ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: " العمرى والرقبى سواء " (٢). أدلة الرأي الثاني: (عدم صحة الرقبى) ١ - أن النبي ﷺ " أجاز العمرى، وأبطل الرقبى " لا أصل له (٣). ٢ - أن معنى الرقبى أنها للآخر منا، وهذا تمليك معلق بخطر، ولا يجوز تعليق التمليك بالخطر. ونوقش: أنه لا يسلم أن معناها ما ذكره، بل معناها أنها لك حياتك، فإذا مت رجعت إلي، فتكون كالعمرى سواء إلا أنه زاد شرطها لورثة المرقب إن مات المرقب قبله، وهذا يبين تأكيدها على العمرى. ٣ - وتكون عارية؛ لأنه يتضمن إطلاق الانتفاع (٤). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول بصحة الرقبى؛ لورود ذلك عن ابن عباس ﵄.

стр. 2049

المبحث الثالث: صورها وفيه مطالب: المطلب الأول: الصورة الأولى: أن تكون بلفظ مطلق دون ما يشعر بالتأبيد، كأن يقول: أرقبتك هذه الدار. المطلب الثاني: الصورة الثانية: أن تكون بلفظ مشعر بالتأبيد. كأن يقول: أرقبتك هذه الدار لك، ولعقبك، فالحكم في هاتين الصورتين على ظاهر كلام الفقهاء حكم الرقبى المتقدم في المطلب الثاني (١).

стр. 2050

المطلب الثالث: اشتراط الرجوع فيها اختلف العلماء ﵏ في حكم الرجوع في الرقبى، كما لو قال: أرقبتك هذه الدار ولي الرجوع فيها. للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: صحة اشتراط الرجوع في الرقبى. وبه قال بعض الشافعية (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام (٣)، وبه قال داود الظاهري (٤). القول الثاني: عدم صحة اشتراط الرجوع في الرقبى. وعليه فاشتراط المرقب رجوعها إليه إذا مات المرقب باطل. وهو قول أبي يوسف (٥)، والشافعي في الجديد، وهو الأصح عند الشافعية (٦)، وبه قال الحنابلة (٧)، وهو قول الظاهرية (٨).

стр. 2051

الأدلة: أدلة الرأي الأول: (صحة الرجوع في الرقبى) استدل لهذا الرأي بما يلي: بما تقدم من الأدلة على صحة الرجوع في العمرى بالشرط. أدلة الرأي الثاني: (عدم صحة الرجوع فيها) ما تقدم من الأدلة على صحة الرجوع في الهبة. ونوقش: بتخصيصها بأدلة الرأي الأول. الترجيح: الترجيح في هذه المسألة كالترجيح في صحة الرجوع في العمرى، والله أعلم.

стр. 2052

الباب الخامس: الرجوع في الهبة وفيه فصول: الفصل الأول: حكم الرجوع. الفصل الثاني: كيفية الرجوع، وشروطه. الفصل الثالث: الرجوع بالشرط، والشراء، ونحوه.

стр. 2053

الفصل الأول: حكم الرجوع وفيه مباحث: المبحث الأول: رجوع الوالد. المبحث الثاني: رجوع الأخوة على أخيهم إذا مات الأب قبل التعديل. المبحث الثالث: رجوع غير الوالد. المبحث الرابع: الرجوع في هبة الثواب.

стр. 2054

المبحث الأول: رجوع الوالد وفيه مطالب: المطلب الأول: رجوع الأب إذا خص الأب أحد أولاده بهبته، أو فضله في القدر الموهوب على بقية إخوته، فهل له الرجوع في هبته لتلافي ما وقع فيه من عدم العدل؟. اختلف أهل العلم في ذلك على الأقوال التالية: القول الأول: أن له الرجوع مطلقاً. ذهب إليه المالكية (١)، والشافعية (٢)، وأحمد في رواية عنه وهي المذهب (٣)، والظاهرية (٤)، وهو قول الأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور (٥).

стр. 2055

القول الثاني: أنه ليس له الرجوع. وهذا مذهب الحنفية (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢). لكن عند الحنفية يجوز للأب الرجوع في حالتين يأتي بيانهما. الأدلة: أدلة الرأي الأول: ١ - حديث ابن عمر، وابن عباس ﵃، وفيه قوله ﷺ : " لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما يعطي ولده " (٣). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ جعل للوالد حق الرجوع فيما وهب لولده، ولم يفرق بين كون الولد قد قبض الموهوب له، وبين كونه لم يقبضه (٤). ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أنه محمول على عود الوالد بطريق الشراء أي فيجوز للوالد أن يشتريه، والعود في الهبة بطريق الشراء -وإن كان منهياً عنه (٥) -خوفا من أن يستحي الموهوب له من الواهب، فيرخص له السعر- جائز بين الوالد وولده؛ لأن الولد لا يستحى عن المضايقة في الثمن، للمباسطة بينه وبين والده، فلذلك جاز للوالد أن يعود فيه بطريق الشراء (٦).

стр. 2056

وأجيب عنه بجوابين: الأول: بأن هذا ليس بصحيح؛ لأن المراد بتملك الوالد هاهنا تملكه بطريق الإنفاق على نفسه، لا بطريق الشراء؛ لأن الشراء مما لا مساس له بالهبة فلا يناسب تأويل الحديث (١). الثاني: أن الأصل حمل الكلام على حقيقته، وحقيقة الرجوع في الهبة الرجوع فيها بغير عوض، والحقيقة لا يعدل عنها إلا بدليل معتبر. الوجه الثاني: أن معنى قوله " إلا الوالد " أي: ولا الوالد، فيكون الوالد كذلك منهيا عن الرجوع في هبته لولده، ويؤيد ذلك أن " إلا " ترد أحيانا بمعنى " ولا "، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (٢) أي، ولا الذين ظلموا منهم، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (٣) أي: ولا خطأ (٤). وبناء على هذا فلا يكون في الحديث دليل لمن استدل به. وأجيب عنه بجوابين: الأول: بأن " إلا " لم ترد بمعنى " ولا " (٥). الثاني: أنه على فرض تسليم ذلك، فيمكن أن يجاب عنه: بأن الأصل في الكلام حمله على حقيقته حتى يرد ما يغيره عن ذلك، وليس في الحديث ما يدل على أن إلا ليست للاستثناء، فتبقى على أصل معناها وهو الاستثناء.

стр. 2057

الوجه الثالث: أن الحديث ليس بمتصل، فلا يصح الاحتجاج به (١). وأجيب عنه: أن الحديث قد صح اتصاله (٢). الوجه الرابع: أن ابن عمر ﵄ هو راوي هذا الحديث، والأثر عن عمر ﵁ (٣)، ولو كان عند ابن عمر علم عن النبي ﷺ في هذا الحديث لما استجاز الرواية عن عمر بخلافه، ولأخبر بما عنده ليرجع إليه (٤). ونوقش: صحة الحديث، والأثر، ولا تعارض بينهما؛ لأن الحديث خاص في رجوع الوالد، والأثر عام، فيكون رجوع الوالد مخصوصاً. الوجه الخامس: لو سلم بصحته، وأن إلا للاستثناء فذلك على إباحته للوالد أن يأخذ ما وهب لابنه في حاجته إلى ذلك وفقره إليه؛ لأن ما يجب للوالد من ذلك ليس بفعل يفعله، فيكون ذلك رجوعاً منه، يكون مثله كمثل الكلب المتراجع في قيئه، ولكنه شيء أوجبه الله له لفقره، فلم يضيق ذلك عليه، كما ورد عن رسول الله ﷺ أيضاً- في غير هذا الحديث، (٢٥١) فقد روى مسلم من طريق عبد الله بن يزيد، عن أبيه ﵁ قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأته، فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: فقال: " وجب أجرك، وردها عليك الميراث " (٥).

стр. 2058

فهذا رسول الله ﷺ قد أباح للمتصدق صدقته لما رجعت إليه بالميراث، ومنع عمر ﵁ من ابتياع صدقته، (٢٥٢) روى البخاري ومسلم من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ … فسألت عن ذلك النبي ﷺ فقال: "لا تشتره، وإن أعطاكه بدرهم" (١). فثبت بهذين الحديثين إباحة الصدقة الراجعة إلى المتصدق بفعل الله، وكراهة الصدقة الراجعة إليه بفعل نفسه. فكذلك وجوب النفقة للأب من مال الابن لحاجته وفقره، وجبت بإيجاب الله تعالى إياها له. فأباح النبي ﷺ بذلك ارتجاع هبته، وإنفاقها على نفسه، وجعل ذلك كما رجع إليه بالميراث، لا كما رجع إليه بالابتياع والارتجاع (٢). وأجيب عن هذا بجوابين: الجواب الأول: أن الأب له أن يتملك من مال ولده على الصحيح، وإن لم يكن محتاجاً. الجواب الثاني: أن الأب إذا احتاج لم يكن حقه فيما أعطى ولده دون سائر ماله الذي لم يعطه إياه (٣). الوجه السادس: أن المراد به نفي استبداد الرجوع - أي عدم استقلال

стр. 2059

الواهب بالرجوع من غير قضاء ولا رضا إلا الوالد إذا احتاج إلى ذلك، فإنه ينفرد بالأخذ لحاجته بلا قضاء ولا رضا (١). ونوقش: بأن هذا الفهم بعيد، ولا يخفى ما فيه من تكلف ظاهر، والصحيح أن كل من له الرجوع في الهبة لا يحتاج إلى قضاء؛ لأنه فسخ في عقد، فلم يحتج إلى قضاء كالفسخ بخيار الشرط. ٢ - حديث عائشة ﵂، وفيه قوله ﷺ : " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم " (٢)، فقد ميز النبي ﷺ الولد من غيره وجعله كسباً لوالده، فكان ما كسبه الولد منه أولى أن يكون من كسبه (٣). وأيضاً الرسول ﷺ أجاز للأب أن يأكل من مال ولده، فلأن يسترجع ما وهب أولى (٤). ٣ - حديث النعمان بن بشير ﵄، وفيه قال: ﷺ : " أكل ولدك نحلته؟ " قال: لا، قال: " فأرجعه " (٥). فدل ذلك على أن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه، سواء أكان ذلك قبل القبض أم بعده؛ لأنه لم يستفسر هل النعمان قبض الهبة أو لم يقبضها؟ (٦). ونوقش بأمور: الأمر الأول: أنَّ النبيَّ ﷺ أمر بشير بن سعد بالرجوع في هبته لولده إنما

стр. 2060

هو لرفع الجور الذي يحصل بإمضائها، ولا دليل على الرجوع مطلقا دون سبب. الأمر الثاني: أن هذا الحديث ورد بألفاظ أخرى عن النعمان بن بشير ليس فيها الأمر بالإرجاع، وإنما فيها أن رسول الله ﷺ لا يشهد على جور (١)، أو الأمر بالتسوية بين الأولاد (٢)، ونحو ذلك (٣). وأجيب عنه: بأن تلك العبارات تدل -أيضاً- على الإرجاع، واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد (٤). الأمر الثالث: أن الهبة لم تتم بدليل ما جاء من رواية جابر أن بشير بن سعد أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن بنت فلان سألتني أن أنحل ابني غلاما، وقالت: أشهد رسول الله ﷺ ، فقال: " أله إخوة؟ قال: نعم. قال: أوكلهم أعطيته؟ قال: لا، قال: فإن هذا لا يصلح، فإني لا أشهد إلا على حق " (٥). ففي حديث جابر ﵁ أن بشيرا ذكر ذلك لرسول الله ﷺ قبل أن يهب، فأمره النبي ﷺ بالأولى، وحديث جابر أولى؛ لأنه كان كبيراً وكان النعمان صغيراً، والكبير أحفظ وأضبط (٦). وأجيب عنه بجوابين: الأول: أنه لا يسلم أن الحديث يدل على ما ذكر، بل يدل على أنه لم

стр. 2061

يأت لرسول الله ﷺ إلا بعد أن أعطى ابنه؛ لقول الرسول ﷺ : " أفكلهم أعطيته؟ "، وقول بشير: " إني نحلت ابني غلاماً "، وقول سعد: " تصدق علي أبي بصدقة " (١) مما يدل على أن الأمر قد وقع، ولو كان لم يعطه لقال " أفكلهم ستعطيه "؛ لأن الأمر ما زال أنفا. الثاني: أما كون النعمان كان صغيراً وجابر أسن منه، فيرده أن النعمان هو صاحب القصة، وصاحب القصة أعلم بما روي. الأمر الرابع: أنه ورد عن النعمان ﵄ أنه قال: " نحلني أبي غلاما ثم مشى بي حتى أدخلني على النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني نحلت ابني غلاما، فإن أذنت أن أجيزه أجزته " (٢)، ثم ذكر الحديث. قال الطحاوي: " فدل ما ذكرنا على أنه لم تكن النحلة كملت من حين نحله إياه إلى أن أمره النبي ﷺ برده " (٣). ويمكن أن يجاب عنه بما يلي: الأول: أنه لا يسلم ما أولوا به الحديث، بل قوله: (إني نحلت ابني) يدل على أن الأمر قد وقع، وقوله: (فإن أذنت لي أن أجيزه)، لعله قاله لكونه نمى إلى علمه أن رسول الله ﷺ لا يجيز هذا النوع من العطايا، وما لا يجيزه رسول الله ﷺ من العقود غير معتبر، فلذلك جاء مستفسرا. الثاني: وعلى فرض صحة تأويل الحديث بما أولوه به، فإن هذا الحديث من رواية أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، وهذه الرواية فيها إشكالان: الأول: أنه يحتمل أن يكون مما رواه أبو اليمان عن شعيب بطريق

стр. 2062

الكتاب لا بطريق المشافهة، وقد روى عنه أحاديث بطريق الكتاب، وقال فيها أخبرنا اعتمادا منه على إجازة شعيب له بالرواية عنه (١). الثاني: أن شعيباً خالف الحفاظ الرواة عن الزهري عند البخاري ومسلم وغيرهما، حيث لم يرووا هذه الرواية، بل الذي رووه هو أن النحلة كانت قد وقعت من بشير قبل مجيئه لرسول الله ﷺ (٢). الأمر الخامس: أن النعمان لم يكن صغيراً حيث لم تنقل ذلك الكتب المشاهير، فيحتمل أنه كان صغيراً ووهب له أبوه وعلق الهبة على رأي رسول الله ﷺ ، ويحتمل أنه كان كبيرا بالغا ولم يقبض الهبة من أبيه، والموهوب له إذا لم يقبض الهبة يصح لمن وهبه أن يرجع فيما وهبه له (٣). وأجيب عنه: بأن كون النعمان كان صغيرا لم تنقلها المشاهير غير مسلم به، بل إن أغلب طرق هذا الحديث فيها ما يشير إلى أن النعمان كان صغيرا، ففي صحيح مسلم يقول النعمان في رواية (وأنا يومئذ غلام) (٤). وفي رواية أخرى: (انطلق بي أبي يحملني) (٥)، وكل ذلك يدل على أنه كان صغيراً (٦). وإذا ثبت أن النعمان كان صغيراً وقت النحلة سقط الاحتمال الثاني أنه كان كبيرا وما بني عليه.

стр. 2063

الأمر السادس: أن سبب أمر النبي ﷺ لبشير أن يرد العطية أنه قد أعطى النعمان جميع ماله، ولم يترك شيئاً لبقية الورثة (١). وأجيب عنه: بأن هذا من أبعد التأويلات؛ لأن الكثير من روايات هذا الحديث صريحة في البعضية (٢). وقد مضى بيان ذلك مفصلا في هبة الأب لولده. الأمر السابع: على فرض أنه كان صغيراً، فيحتمل أن بشيراً فوض ذلك إلى رسول الله ﷺ ليهبه له إن كان صواباً، ومعنى "اردده" أي أمسك مالك، وارجع إلى رحلك (٣). وأجيب عنه: بأن هذا تكلف يأباه سياق سائر ألفاظ الحديث. الأمر الثامن: أن هذا كان من بشير بطريق الوصية بعد موته يدل عليه أنه اعتبر التسوية بين الأولاد، وإنما تجب التسوية بين الأولاد في الوصية بعد الموت، فأما في الهبة في الصحة فلا، والدليل عليه: أن النعمان ﵁ قال: " فرجع أبي في وصيته " (٤). وأجيب عنه: بأن اعتباره التسوية لا يدل على أنه وصية، بل يدل على حرمة التفضيل بين الأولاد، وأما قوله: "فرجع أبي في وصيته "، فليست بمحفوظة، فالمحفوظ المشهور " فرجع أبي، فرد تلك الصدقة " (٥). ٤ - ولأنه وهب كسبه لكسب غير معتاض عنه، فجاز له الرجوع فيه كما لو وهب عبده.

стр. 2064

٥ - ولأن مال الولد في يد والده؛ لجواز تصرفه فيه إذا كان صغيراً، وأخذ النفقة منه إذا كان كبيراً، فصارت هبته له وإن خرجت عن يده في حكم ما وهبه وهو باق في يده، فإذا جاز أن يرجع فيما وهبه لغيره إذا لم يقبضه لبقائه في يده جاز أن يرجع فيما وهبه لولده وإن أقبضه؛ لأنه في حكم الباقي في يده. وتحريره قياساً: أنها هبة يجوز تصرفه فيها، فجاز له الرجوع فيها قياساً على ما لم يقبض (١). ٦ - ولأن الأب يختص مع الولد بما لا يوجد في غيره، وله شبهة في ماله ففارق الأجنبي (٢). ٧ - ولأن المانعين قد وافقونا في الفرق بين الأجنبي، وذي الرحم (٣)، فلأن يكون الرجوع فيها مع ذي الرحم المباعض دون الأجنبي أولى منه مع الأجنبي دون ذي الرحم؛ لثلاثة أمور: أحدها: النص المعاضد. والثاني: البعضية الممازجة. الثالث: التميز بالأحكام المخصوصة (٤). ٨ - ولأن الأب لا يتهم في رجوعه؛ لأنه لا يرجع إلا لضرورة، أو لإصلاح الولد (٥).

стр. 2065

حجة القول الثاني: (أنه ليس له الرجوع) ١ - حديث ابن عباس ﵄، وفيه قوله ﷺ : " العائد في هبته كالعائد في قيئه " (١). ونوقش: بأن هذا عام خص منه الوالد؛ للأدلة السابقة. ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " الرجل أحق بهبته ما لم يثب عليها" (٢). وجه الاستدلال: أن قوله: " ما لم يثب عليها " أي يعوض، وصلة الرحم عوض معنوي؛ لأنه سبب التناصر والتعاون في الدنيا، وسبب الثواب في الآخرة، فكان أقوى من المال (٣). ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أنه ضعيف لا يثبت مرفوعاً عن النبي ﷺ . الوجه الثاني: أن هذا التأويل ينتقض بهبة الأجنبي فإن فيها أجراً وثواباً، والرجوع جائز عند الحنفية (٤). الوجه الثالث: أن هذا النوع من المعاوضة لا نظير له في التبرع حتى تعتبر به، فإن المعروف أن ذوي الأرحام يبيع بعضهم لبعض ويؤجر بعضهم لبعض، ولم يقل أحد من العلماء أن لذي الرحم أن يقول لذي رحمه إن ثمن المبيع الفلاني الذي اشتريت منك عوض عن قرابتك لي، ونحو ذلك، بل لو قال له ذلك لعد شطحا من القول وبعدا عن جادة الصواب، وعلى قولهم هذا يسلم قول ذلك القائل من الاعتراض.

стр. 2066

الوجه الرابع: أنه لو صح فيحمل على هبة الثواب المادي لا المعنوي كما زعموا (١). ٣ - حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا يحلبن أحد شاة أحد إلا بإذنه" (٢). ونوقش: بأنه عام خص منه رجوع الوالد. ٤ - قصة عطية أبي بكر لابنته عائشة ﵂ حيث قالت: " نحلني أبو بكر ﵁ جاد (٣) عشرين وسقا من ماله بالغابة (٤)، فلما حضره الموت حمد الله وأثنى عليه ثم قال يا بنية: إن أحب الناس إلي أنت، وأعزهم علي فقرا أنت، وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا من مالي بالغابة وإنك لم تكوني قبضتيه، ولا حزتيه، وإنما هو مال الورثة وإنما هما أخواك وأختاك، قالت: فقلت: فإنما هي أم عبد الله يعني أسماء، قال: ذو بطن بنت خارجة (٥) أراها جارية " (٦) (٧). وجه الاستدلال منه: أن أبا بكر ﵁ رجع في هبته لعائشة؛ لأنها لم

стр. 2067

تحزها وتقبضها، ولو قبضتها لما رجع فيها، بدليل قوله: " وإنك لم تكوني قبضتيه ولا حزتيه "، ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة فكان إجماعا على أن الهبة للوالد يفوت فسخها بقبضه لها (١). واعترض على وجه الاستدلال بهذه القصة من وجوه: الوجه الأول: أن كون أبي بكر نحلها جذاذ عشرين وسقاً لا يخلو ضرورة من واحد من أمرين: أن يكون أراد نخلاً تجذ منها عشرين وسقاً، وإما أن يكون أراد بها عشرين وسقاً مجذوذة، وأي الأمرين كان فهو عدة، والعدة لا تلزم -على القول بلزومها- إلا إذا كانت في معين، وهي هنا ليست في معين من النخل ولا في معين من التمر. الوجه الثاني: أن هذه القصة هي من رواية عروة بن الزبير فقد رواها القاسم بخلاف ما رواها عروة فقد روى القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵁ وهو مساو لعروة- أن أبا بكر ﵁ قال لعائشة ﵂: " إني أخاف أن أكون آثرتك على ولدي، وإنك لم تكوني احتزتيه، فرديه على ولدي، فقالت: أبتاه لو كان لي خبير بجذاذها لرددتها " (٢). وروى مسروق وهو أجل من عروة، ومن أخص الناس بأم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " قال لي أبو بكر حين أحضر: إني قد كنت أبنتك بنحل، فإن شئت أن تأخذي منه قطاعا أو قطاعين ثم ترديه إلى الميراث، قالت: قد فعلت" (٣).

стр. 2068

ففي أثر مسروق: أنه إنما استرده بإذنها، بل إنه يفهم منه أنها لم ترده كله، وإنما أخذت منه قطاعا أو قطاعين. وفي أثر القاسم بن محمد: أنه إنما رده خوف أن يكون آثرها على بقية ولده لا لكونها لم تقبض (١). وأجيب: بأن ما قاله ابن حزم -رحمه الله تعالى- نظر فيما يبدو لي والله أعلم؛ وذلك لأمور: الأول: أن عروة مقدم في الرواية عن عائشة ﵂؛ وذلك لأسباب: السبب الأول: أنه مكثر عنها. السبب الثاني: أنها خالته والإنسان أعلم بأهل بيته غالباً، وهذه طريقه يسلكها بعض أئمة الحديث وعلله، من ذلك ترجيح البخاري ﵀ لوصل حديث: (لا نكاح إلا بولي) قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول " (٢). ومنها: أن يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولاً، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيره. الثاني: أن الأئمة جعلوه أخص الناس بعائشة ﵂، كما قال سفيان بن عيينة: " كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن" (٣). قال ابن القيم (٤): " يا لله العجب كيف يكون تغليط أعلم الناس بحديثها وهو عروة".

стр. 2069

وقال الحافظ ابن حجر (١): " عنه -عروة- هو أعلم الناس بحديثها ". الثالث: أنه تابعه عليه القاسم بن محمد كما تقدم، ومعلوم أن كثرة العدد من المرجحات، وهذا لا يحتاج إلى تدليل. الرابع: أن رواية عروة أخرجها الإمام مالك وغيره بخلاف رواية مسروق التي أخرجها ابن الجهم، ومعلوم ما بينهما من فرق. الخامس: أن ابن حزم نفى الخلاف في مسروق وهذا لا يسلم، وقد تكلم فيه ابن عيينة. قال ابن القيم ﵀: " وأما تصحيح ابن حزم له، فما أجدره بظاهريته وعدم التفاته إلى العلل والقرائن التي تمنع ثبوت الحديث بتصحيح مثل هذا الحديث وما دونه في الشذوذ والنكارة، فتصحيحه للأحاديث المعلولة وإنكاره لنقلتها نظير إنكاره للمعاني والمناسبات والأقيسة التي يستوي فيها الأصل والفرع " (٢). الوجه الثالث: أن مقتضى هذا الأثر أن الولد إذا نحله أبوه عطية، فلم يقبضها حتى مرض والده مرض الموت أنها تكون من الميراث، ومفهوم ذلك أنه إذا قبضها لا تكون مال وارث وإنما تكون ملكا له، وليس فيه ما يمنع على الوالد من الرجوع فيما وهبه لولده، ثم إنه لو قيل: بأن مفهومه يمنع ذلك، فإنه لا يعارض صريح قول الرسول ﷺ : " لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد لولده " (٣). ٥ - ما ورد عن عمر ﵁ أنه قال: " ما بال أحدكم يتصدق على ولده بصدقة لا يحوزها ولا يقسمها، يقول: أنا إن مت كانت له، وإن مات هو

стр. 2070

رجعت إلي، وأيم الله لا يتصدق منكم رجل على ولده بصدقة لم يحزها ولم يقسمها ثم مات إلا صارت ميراثا لورثته " (١). وجه الاستدلال: أن الهبة للولد إذا لم تقبض أو تقسم -إن كانت من مال مشترك- لا تلزم، ومفهوم ذلك: أنها إن قبضت لزمت ولم يصح الرجوع فيها (٢). ونوقش: بالاعتراض الثالث على الأثر الوارد في نحلة أبي بكر لعائشة ﵂؛ إذ إن مقتضاه: أن العطية للولد إذا لم يقبضها حتى مات والده الذي أعطاها له عادت مال وارث، وليس فيه ما يدل على منع الوالد من العودة فيما وهبه لولده. ولو قيل: إن مفهومه يدل لذلك، لرد بأن المفهوم لا يعارض المنصوص إن كان وحيا وأحرى إن كان اجتهاداً. ٦ - ما ورد عن عمر ﵁ أنه قال: " من وهب لذي رحم محرم هبة فقبضها، فليس له أن يرجع فيها ". ٧ - ما ورد -أيضاً- عن عمر ﵁ أنه قال: " من وهب لذي رحم محرم هبة فقبضها فليس له أن يرجع فيها، ومن وهب هبة لغير ذي رحم محرم فله أن يرجع فيها ما لم يثب عليها " (٣). وجه الاستدلال: أنه في كل ذي رحم محرم، والولد ذو رحم محرم فيدخل فيهما، فيكون قبضه للهبة مانعاً للوالد من الرجوع على والده (٤).
следующие страницы →