← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

الوجه الرابع: أنه لو صح فيحمل على هبة الثواب المادي لا المعنوي كما زعموا (١). ٣ - حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا يحلبن أحد شاة أحد إلا بإذنه" (٢). ونوقش: بأنه عام خص منه رجوع الوالد. ٤ - قصة عطية أبي بكر لابنته عائشة ﵂ حيث قالت: " نحلني أبو بكر ﵁ جاد (٣) عشرين وسقا من ماله بالغابة (٤)، فلما حضره الموت حمد الله وأثنى عليه ثم قال يا بنية: إن أحب الناس إلي أنت، وأعزهم علي فقرا أنت، وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا من مالي بالغابة وإنك لم تكوني قبضتيه، ولا حزتيه، وإنما هو مال الورثة وإنما هما أخواك وأختاك، قالت: فقلت: فإنما هي أم عبد الله يعني أسماء، قال: ذو بطن بنت خارجة (٥) أراها جارية " (٦) (٧). وجه الاستدلال منه: أن أبا بكر ﵁ رجع في هبته لعائشة؛ لأنها لم

стр. 2067

تحزها وتقبضها، ولو قبضتها لما رجع فيها، بدليل قوله: " وإنك لم تكوني قبضتيه ولا حزتيه "، ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة فكان إجماعا على أن الهبة للوالد يفوت فسخها بقبضه لها (١). واعترض على وجه الاستدلال بهذه القصة من وجوه: الوجه الأول: أن كون أبي بكر نحلها جذاذ عشرين وسقاً لا يخلو ضرورة من واحد من أمرين: أن يكون أراد نخلاً تجذ منها عشرين وسقاً، وإما أن يكون أراد بها عشرين وسقاً مجذوذة، وأي الأمرين كان فهو عدة، والعدة لا تلزم -على القول بلزومها- إلا إذا كانت في معين، وهي هنا ليست في معين من النخل ولا في معين من التمر. الوجه الثاني: أن هذه القصة هي من رواية عروة بن الزبير فقد رواها القاسم بخلاف ما رواها عروة فقد روى القاسم بن محمد بن أبي بكر ﵁ وهو مساو لعروة- أن أبا بكر ﵁ قال لعائشة ﵂: " إني أخاف أن أكون آثرتك على ولدي، وإنك لم تكوني احتزتيه، فرديه على ولدي، فقالت: أبتاه لو كان لي خبير بجذاذها لرددتها " (٢). وروى مسروق وهو أجل من عروة، ومن أخص الناس بأم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: " قال لي أبو بكر حين أحضر: إني قد كنت أبنتك بنحل، فإن شئت أن تأخذي منه قطاعا أو قطاعين ثم ترديه إلى الميراث، قالت: قد فعلت" (٣).

стр. 2068

ففي أثر مسروق: أنه إنما استرده بإذنها، بل إنه يفهم منه أنها لم ترده كله، وإنما أخذت منه قطاعا أو قطاعين. وفي أثر القاسم بن محمد: أنه إنما رده خوف أن يكون آثرها على بقية ولده لا لكونها لم تقبض (١). وأجيب: بأن ما قاله ابن حزم -رحمه الله تعالى- نظر فيما يبدو لي والله أعلم؛ وذلك لأمور: الأول: أن عروة مقدم في الرواية عن عائشة ﵂؛ وذلك لأسباب: السبب الأول: أنه مكثر عنها. السبب الثاني: أنها خالته والإنسان أعلم بأهل بيته غالباً، وهذه طريقه يسلكها بعض أئمة الحديث وعلله، من ذلك ترجيح البخاري ﵀ لوصل حديث: (لا نكاح إلا بولي) قال الحافظ ابن حجر ﵀: " وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول " (٢). ومنها: أن يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولاً، ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيره. الثاني: أن الأئمة جعلوه أخص الناس بعائشة ﵂، كما قال سفيان بن عيينة: " كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن" (٣). قال ابن القيم (٤): " يا لله العجب كيف يكون تغليط أعلم الناس بحديثها وهو عروة".

стр. 2069

وقال الحافظ ابن حجر (١): " عنه -عروة- هو أعلم الناس بحديثها ". الثالث: أنه تابعه عليه القاسم بن محمد كما تقدم، ومعلوم أن كثرة العدد من المرجحات، وهذا لا يحتاج إلى تدليل. الرابع: أن رواية عروة أخرجها الإمام مالك وغيره بخلاف رواية مسروق التي أخرجها ابن الجهم، ومعلوم ما بينهما من فرق. الخامس: أن ابن حزم نفى الخلاف في مسروق وهذا لا يسلم، وقد تكلم فيه ابن عيينة. قال ابن القيم ﵀: " وأما تصحيح ابن حزم له، فما أجدره بظاهريته وعدم التفاته إلى العلل والقرائن التي تمنع ثبوت الحديث بتصحيح مثل هذا الحديث وما دونه في الشذوذ والنكارة، فتصحيحه للأحاديث المعلولة وإنكاره لنقلتها نظير إنكاره للمعاني والمناسبات والأقيسة التي يستوي فيها الأصل والفرع " (٢). الوجه الثالث: أن مقتضى هذا الأثر أن الولد إذا نحله أبوه عطية، فلم يقبضها حتى مرض والده مرض الموت أنها تكون من الميراث، ومفهوم ذلك أنه إذا قبضها لا تكون مال وارث وإنما تكون ملكا له، وليس فيه ما يمنع على الوالد من الرجوع فيما وهبه لولده، ثم إنه لو قيل: بأن مفهومه يمنع ذلك، فإنه لا يعارض صريح قول الرسول ﷺ : " لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد لولده " (٣). ٥ - ما ورد عن عمر ﵁ أنه قال: " ما بال أحدكم يتصدق على ولده بصدقة لا يحوزها ولا يقسمها، يقول: أنا إن مت كانت له، وإن مات هو

стр. 2070

رجعت إلي، وأيم الله لا يتصدق منكم رجل على ولده بصدقة لم يحزها ولم يقسمها ثم مات إلا صارت ميراثا لورثته " (١). وجه الاستدلال: أن الهبة للولد إذا لم تقبض أو تقسم -إن كانت من مال مشترك- لا تلزم، ومفهوم ذلك: أنها إن قبضت لزمت ولم يصح الرجوع فيها (٢). ونوقش: بالاعتراض الثالث على الأثر الوارد في نحلة أبي بكر لعائشة ﵂؛ إذ إن مقتضاه: أن العطية للولد إذا لم يقبضها حتى مات والده الذي أعطاها له عادت مال وارث، وليس فيه ما يدل على منع الوالد من العودة فيما وهبه لولده. ولو قيل: إن مفهومه يدل لذلك، لرد بأن المفهوم لا يعارض المنصوص إن كان وحيا وأحرى إن كان اجتهاداً. ٦ - ما ورد عن عمر ﵁ أنه قال: " من وهب لذي رحم محرم هبة فقبضها، فليس له أن يرجع فيها ". ٧ - ما ورد -أيضاً- عن عمر ﵁ أنه قال: " من وهب لذي رحم محرم هبة فقبضها فليس له أن يرجع فيها، ومن وهب هبة لغير ذي رحم محرم فله أن يرجع فيها ما لم يثب عليها " (٣). وجه الاستدلال: أنه في كل ذي رحم محرم، والولد ذو رحم محرم فيدخل فيهما، فيكون قبضه للهبة مانعاً للوالد من الرجوع على والده (٤).

стр. 2071

ونوقش هذا الاستدلال بأمور: الأول: أنه معارض للحديث الصريح الصحيح في جواز رجوع الأب فيما وهبه لابنه مطلقا دون تقييد بقبض أو غيره. الثاني: أن المراد المحارم غير الأولاد؛ لأن الأولاد ورد فيهما نص خاص في جواز الرجوع في الهبة لهم. الثالث: أن لفظ القبض لم يرد في نص الأثر. ٨ - ولأنها هبة يحصل بها الأجر من الله تعالى، فلم يجز الرجوع فيها كصدقة التطوع (١). ونوقش من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أنه يرده قول النعمان ﵁: " فرجع أبي في صدقته ". الوجه الثاني: أنه منقوض بهبة الأجنبي، فإن فيها أجراً وثواباً. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢)، وقد رغَّبَ النبيُّ ﷺ وندب إليها، وعندهم له الرجوع فيها (٣). الوجه الثالث: أنه قياس مع وجود النص فلا يلتفت إليه. ٩ - ولأنه لو وهب بشرط الثواب فأثيب لم يرجع، وهذا قد أثيب من قبل الله تعالى في هبة الرحم، فلم يجز أن يرجع (٤). ونوقش: بأن من أثيب بالمال قد وصل إليه البدل، فلم يجز أن يصير

стр. 2072

جامعاً بينه وبين المبدل فخالف من لم يصله البدل، على أن ثواب الله تعالى إنما يستحقه غير الراجع من الآباء (١). ١٠ - ولأن في الرجوع معنى قطيعة الرحم، وهذا موجود في حق الوالد مع ولده؛ لأنه بالرجوع يحمله على العقوق، وإنما أمر الوالد أن يحمل ولده على بره (٢). الترجيح: الذي يظهر لي رجحانه: ما ذهب إليه الجمهور من جواز رجوع الوالد في هبته لولده، بل قد يجب عليه إذا تعين طريقاً لتلافي ما وقع فيه من جور؛ وذلك لقوة ما استدلوا به. وتأيده بعظم حق الأب حتى كان له أن يتملك من مال ابنه من غير ما أعطاه، فما كان منه من باب أولى. ولأن الولد كما قال ابن القيم جزء من أبيه، وهو مال لأبيه، وبينهما من البعضية ما يوجب شدة الاتصال بخلاف الأجنبي (٣). فرع: الحنفية كما سبق يمنعون رجوع الأب على الولد في هبته إلا في حالتين: الأولى: أن يكون الأب محتاجاً، فإن كان محتاجاً جاز له الرجوع (٤). ولكنهم يسمون الرجوع هنا رجوعا ًمجازياً لا حقيقياً، أو ظاهرياً؛ لأن مال الولد لأبيه عند حاجته إليه، فإذا أخذه منه حينئذ كان كمن أخذ ماله،

стр. 2073

ومن أخذ ماله لا يعد راجعاً، أما إذا لم تكن الحاجة إلى المال قائمة، فلا يكون مالاً له، فلا يصح رجوعه فيه بعد قبض الولد له (١). وحجتهم: الأول: حديث عائشة ﵂، وفيه قوله ﷺ لرجل: " أنت ومالك لأبيك" (٢) لما شكا إليه أخذ أبيه لماله. الثاني: حديث ابن عباس ﵄، وفيه قوله ﷺ : " لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما وهبه لولده " (٣). فإن في أحد تأويلاته: لا يحل لواهب أن يرجع في هبته بغير قضاء ولا رضى الموهوب له إلا الوالد إذا احتاج إلى ذلك (٤). ونوقش: بأن التقييد بالحاجة ينافي ظاهر الحديثين؛ فقوله " أنت ومالك لأبيك" ظاهره مطلقاً في حال الحاجة وغيرها، وقوله: " إلا الوالد فيما وهبه لولده" ظاهره كذلك الإطلاق، فتقييده بالحاجة يحتاج إلى دليل ولا دليل، فيكون تحكماً. ولعلهم اعتمدوا في التقييد بالحاجة على ما أخرجه أبو داود بسنده عن عائشة ترفعه " أموالهم -أي الأولاد- لكم إذا احتجتم إليها ". لكن أبا داود قال: إن زيادة (إذا احتجتم إليها) منكرة (٥). الحال الثانية: أن يكون الولد قد قبض الهبة بإذن الوالد، فإن كان لم يقبضها، أو قبضها بغير إذن والده فللوالد أن يرجع فيها ولو لم يكن محتاجا

стр. 2074

إليها؛ وذلك لأن للأب أن يرجع في هبته قبل قبض الولد عندهم وليس للولد كذلك أن يقبض الهبة عندهم إلا بإذن والده؛ لاحتمال أن الوالد رجع فيها قبل الإقباض (١). المطلب الثاني: رجوع الأم اختلف العلماء ﵏ -في حكم رجوع الأم فيما وهبت لأولادها على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن لها الرجوع. ذهب إليه مالك في رواية (٢)، والشافعية في قول (٣)، وأحمد في رواية (٤)، والظاهرية (٥). واحتجوا بما يلي: ١ - حديث ابن عمر وابن عباس ﵄، وفيه قوله ﷺ : " إلا الوالد فيما يعطي ولده " (٦).

стр. 2075

وهذا يشمل الأم. ونوقش: بأن الوالد عند الإطلاق يتناول الأب دون الأم (١). وأجيب: بأن هذا ليس بصحيح؛ لأن الأم والد لغة، وشرعاً: أما من حيث اللغة: فقال ابن سيده: " ولدته أمه ولادة وإلادة على البدل فهي والدة على الفعل، ووالد على النسب، حكاه ثعلب في المرأة " (٢). وشرعا: (٢٥٣) فروى مسلم من طريق سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه " (٣) (٤). وهذا يشمل الأم. ٢ - حديث النعمان بن بشير ﵄، وفيه قوله ﷺ : " سووا بين أولادكم"، " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " (٥). وجه الدلالة: أن الأم يجب عليها أن تسوي بين أولادها في الهبة كما سبق، والرجوع في الهبة طريق في التسوية، وربما تعين طريقاً فيها إذا لم يمكن إعطاء الآخر مثل عطية الأول (٦).

стр. 2076

٣ - ولأنها لما دخلت في المعنى في حديث بشير بن سعد ﵁، فينبغي أن تدخل في جميع مدلوله (١)؛ لقوله: " فاردده " وقوله: " فأرجعه " (٢). ٤ - ولأنها لما ساوت الأب في تحريم تفضيل بعض ولدها ينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع فيما فضله به، تخليصاً لها من الإثم، وإزالة للتفضيل المحرم كالأب (٣). القول الثاني: أن للأم الرجوع في هبة ولدها، إلا إذا كان صغيرا وأبوه ميت فليس لها الرجوع، فإن كان له أب وقت الهبة، ثم تيتم، فالمعتمد: ليس لها الرجوع. وقيل: لها الرجوع. واشترط بعض المالكية: أن لا يكون غنياً، فإن كان الابن غنياً فلها الرجوع ولو مات الأب. وهو قول المالكية (٤). وحجته: واحتج لجواز الرجوع مع وجود الأب: ١ - ما احتج به للقول الأول. ٢ - أما عدم جواز الرجوع في حالة فقد الأب، فلأنها هبة ليتيم، والهبة لليتيم للإشفاق عليه وخوف ضياعه، وهذا معناه الصلة والقربة، فلذلك كان حكمها حكم الصدقة (٥)، ولا يجوز الرجوع في الصدقة.

стр. 2077

٣ - أما الرجوع إذا كان غنياً؛ لاحتماله المواساة. ٤ - أما الرجوع إذا بلغ؛ فلخروجه عن حد اليتم. القول الثالث: أنها لا ترجع مطلقاً. وهو وجه عند الشافعية (١)، ووجه عند الشافعية، قال المحلي في شرحه على المنهاج: " على المشهور" (٢)، وأحمد في رواية عنه، وهي المذهب (٣). واحتجوا بما يلي: ١ - لأن للأب أن يتملك من مال ولده، والأم لا تتملك، كما سبق. ونوقش: بأنه لا تعارض بين الحكمين، فدليل الرجوع قول النبي ﷺ : " إلا الوالد " وليس جواز الأخذ من مال الولد. ٢ - ولأن للأب الولاية على ولده، ويحوز جميع المال في الميراث، والأم بخلافه (٤). وهو مناقش بما نوقش به سابقه. الترجيح: والذي يظهر لي رجحانه: ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من جواز الرجوع للأم مطلقاً؛ لعموم الحديث، وقياساً على الأب، ثم إن الرجوع قد يتعين طريقاً لتلافي ما وقعت فيه من جور بترك العدل بين الأولاد. فرع: شروط رجوع الأم في هبتها: يشترط لرجوع الأم في هبتها أن يكون أبو الموهوب له حيا زمن الهبة،

стр. 2078

ولو مجنونا، سواء أكان الولد وأبوه موسرين أو معسرين، أو أحدهما، وسواء كان ابنا صغيرا أو كبيرا. وهذا قول أكثر المالكية (١). وروى ابن المواز عن أشهب: " أن اليتيم إذا كان غنيا كان للأم أن تعتصر منه كما تعتصر من الكبير، ووجه ذلك: أنه أحد الأبوين، فجاز أن تعتصر، وإن مات الآخر كالأب ". وعلى هذا فلا رجوع في هبة اليتيم حتى ولو بلغ، واليتيم هو الصغير الذي لا أب له؛ لأنها بمنزلة الصدقة والصدقة لا رجوع فيها، وأما إذا وهبت لولدها الصغير، وكان الأب حيا، ثم مات فلها الرجوع، ولو قبل بلوغه على المختار من مذهب المالكية؛ لأن الهبة لم تكن ابتداءا على وجه الصدقة، والمعتبر في ذلك وقت العطية، والهبة، وكذلك إذا كان الولد كبيرا، فإنه يجوز للأم الرجوع في هبتها له حتى ولو كان أبوه ميتا؛ لأنه لا يسمى يتيما، ولا تكون هبته في معنى الصدقة، فجاز الرجوع فيها (٢). المطلب الثالث: رجوع الأجداد والجدات اختلف العلماء في حكم رجوع الجد والجدة فيما وهبه لولد ولده على أقوال: القول الأول: أنه ليس لهم الرجوع.

стр. 2079

وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة (١). وحجته: ما تقدم من الأدلة الدالة على تحريم رجوع الواهب في هبته (٢)، ويدخل في هذا الجد والجدة. القول الثاني: أن لهم الرجوع. وهو مذهب الشافعية، والظاهرية (٣). وحجته: حديث ابن عمر وابن عباس ﵃، أن النبي ﷺ قال: " لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد " (٤). فقوله: " الوالد " يدخل فيه الجد، والجدة فكل منهما والد. ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم بل المراد الوالد المباشر؛ إذ إن الأب هو الذي يتملك من مال ولده، والأم يجب أن تعدل في هبة أولادها، بخلاف الأجداد والجدات. القول الثالث: أنه يرجع آباء الآباء. وبه قال بعض الشافعية (٥). ولعل حجته: أن آباء الآباء عصبة يقومون مقام الأب، بخلاف الآباء من جهة الأم فمن ذوي الأرحام. ونوقش: بما نوقش به دليل القول الثاني.

стр. 2080

الترجيح: الراجح -والله أعلم- قول جمهور أهل العلم، وأنه لا رجوع للأجداد أو الجدات؛ إذ الأصل تحريم الرجوع؛ إذ هم يفارقون الوالدين المباشرين؛ إذ الأب له أن يتملك من مال ولده، والأب والأم يجب عليهما التعديل بين أولادهما في الهبة بخلاف الأجداد والجدات.

стр. 2081

المبحث الثاني: رجوع بقية الأولاد على أخيهم إذا مات الأب قبل التعديل في الهبة رجوع الوالد فيما وهب لولده -عند الجمهور- هل يبطل بموت الوالد، فلا يكون لبقية الورثة حق الرجوع على الوالد، أو لا يبطل؟ تحرير محل الخلاف: أولاً: إذا كان الولد المعطى منفرداً بمعنى ألا ولد للواهب غيره، ففي هذه الحالة ليس لبقية الورثة، كالأم والأخوة أن يرجعوا فيما وهبه لولده المنفرد؛ لأن الواهب ليس له أن يرجع على غير ولده، ولا يجب عليه أن يعدل في عطيته بين ولده وسائر ورثته من غيره (١)، ولم أطلع على خلاف في ذلك -والله أعلم-. ثانياً: إذا كان الولد المعطى غير منفرد، بمعنى أن الواهب له أولاد فوهب أحدهم، ففي هذه الحالة هل لبقية أولاده أن يرجعوا فيما وهبه لولده المفضّل بعد موته، كما كان له أن يرجع في حياته، أو أن حق الرجوع للوالد خاصة، وليس لأولاده حق الرجوع بعد موته؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أن حق الرجوع فيما وهب الوالد لولده يثبت لبقية الأولاد بعد موت والدهم.

стр. 2082

ذهب إلى ذلك الحنابلة في إحدى الروايتين (١)، والظاهرية (٢)، واختاره ابن بطة، وأبو حفص العكبريان (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤). وهو قول عروة بن الزبير، وإسحاق (٥). القول الثاني: أن حق رجوع الوالد فيما وهب لولده يبطل بموته، وليس لورثته حق الرجوع. ذهب إلى ذلك المالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة في إحدى الروايتين وهي المذهب (٨)، وذكر ابن قدامة -رحمة الله- أنه قول أكثر أهل العلم (٩). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - ما روى النعمان بن بشير ﵄ أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ

стр. 2083

فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي، فقال رسول الله ﷺ : " أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ " فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : " فأرجعه" (١)، وفي لفظ: " أعطيت ولدك مثل هذا؟ "، قال: لا، قال: " فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم " قال: فرجع فرد عطيته (٢). وفي لفظ: " فإني لا أشهد على جور " (٣). وجه الدلالة: أنَّ هذا الحديث يدلُّ دلالةً صريحةً على تحريم تفضيل بعض الأولاد على بعض في الهبة؛ لأن النبي ﷺ سماه جوراً، وأمر برده، وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب (٤)، وإذا ثبت أنه جور، وأنه حرام لم يحل للفاعل فعله، ولا للمعطى تناوله، والموت لا يغيره عن كونه جوراً حراماً فيجب رده بعده، كما كان يجب قبله (٥). وقد تقدم ما ورد على حديث النعمان من مناقشات، وما أجيب به عن تلك المناقشات (٦). ٢ - أنَّ سعد بن عبادة ﵁: " قسّم ماله بين أولاده، وخرج إلى الشام فمات بها، ثم ولد له بعد ذلك ولد، فمشى أبو بكر وعمر ﵄ إلى قيس بن سعد فقالا: إن سعداً قسّم ماله، ولم يدر ما يكون، وإنا نرى أن ترد هذه القسمة، فقال قيس: لم أكن لأغير شيئاً صنعه سعد، ولكن نصيبي له " (٧). وجه الدلالة: أنَّ أبا بكر وعمر ﵄ يريان رد ما أعطى الوالد لولده بعد

стр. 2084

موته إذا تبين أنه لم يعدل في عطيته بين أولاده، حتى ولو كان الوالد يظن أنه عادل في عطيته، فأولى إذا علم عدم العدل. ٣ - أن تفضيل الوالد لبعض ولده في الهبة ظلم لبقية الأولاد، فيثبت لهم الرد إذا تعذر رفع الظلم من جهته (١). أدلة القول الثاني: ١ - قول أبي بكر ﵁ لعائشة ﵂ لما حضرته الوفاة: " إني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه كان ذلك، وإنما هو اليوم مال وارث" (٢). وجه الدلالة: أن أبا بكر ﵁ إنما رجع فيما نحل لابنته لكونها لم تحزه حتى حضرته الوفاة، والهبة إنما تلزم بالقبض، وفي هذه الحال حتى لو قبضته كان حكمه حكم الوصية، ولذا اختار الرجوع فيه وبين لعائشة ﵂ أنها لو كانت حازته قبل ذلك لكان ملكاً لها، ولو كان يرى أن للورثة أن يرجعوا فيما وهبه لها لما قال ذلك، فدل على أن ما قبض الولد في صحة الوالد يثبت للولد، ولا يحق لبقية الورثة أن يرجعوا فيه -والله اعلم-. ونوقش هذا الاستدلال: بأن قول أبي بكر ﵁ إنما هو في حال غير الحال التي يجوز للورثة أن يرجعوا فيها، ذلك أن أبا بكر ﵁ إنما خص عائشة ﵂ بهذه الهبة، إما لمعنى فيها يقتضي الاختصاص وهو حاجتها وعجزها عن الكسب والتسبب فيه، مع اختصاصها بفضلها وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ وغير ذلك من فضائلها (٣)، أو لأن إخوتها كانوا راضين، أو أراد أن يعطي البقية ثم أدركه الموت.

стр. 2085

وإذا كان الأمر كذلك لم يكن فيه ظلم لبقية الورثة يوجب الرجوع في الهبة، أو التسوية بينهم، ولذا لو حازته وقبضته قبل مرض موته لكان ملكاً لها، ولو كان في ذلك ظلم لبقية الورثة لأمر أبا بكر ﵁ بالتسوية، أو الرجوع من أجله ولا بد، ولما يحصل شيء من ذلك دل على ما ذكره. ٢ - قول عمر ﵁: " لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد " (١). وجه الدلالة: أن عمر ﵁ بين أن نحلة الوالد لولده تلزم وتثبت بالحوز، فإذا حازها الولد ثبتت واستقرت له مما يدل على أنه ليس لبقية الورثة أن يرجعوا فيها بعد موت والدهم. ونوقش: أنه يسلم أن الهبة استقرت بالقبض إذا كان القبض شرعياً، أما إذا لم يكن شرعياً كأن يكون فيه ظلم وجور فلا تستقر بالقبض، بل يجب ردها والرجوع فيها. ٣ - أن هبة الوالد لولده تلزم بالموت، كما لو كان الموهوب له أجنبياً (٢)، فلا يكون للورثة حق الرجوع. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق فليس للواهب في حياته أن يرجع فيما وهبه للأجنبي، فورثته بعد مماته أولى، بخلاف ما وهب لولده فإن له أن يرجع فيه، بل يجب عليه الرجوع؛ إذ الأولاد يجب العدل بينهم في الهبة، بخلاف الأجانب، فلا يجب العدل بينهم في الهبة. ٤ - أن الهبة لولده تلزم بالموت كما لو انفرد (٣)، فلا يكون للورثة حق الرجوع. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ إن حق الرجوع على

стр. 2086

المنفرد لا يجب على الوالد بل هو فيه بالخيار لعدم الظلم ولذا يسقط بموته، بخلاف ما لو كان له أولاد غير الموهوب له، فإنه يجب عليه الرجوع أو التسوية لرفع الظلم، فإن لم يقم بذلك حتى مات كان لبقية أولاده أن يقوموا مقامه في الرجوع لرفع الظلم. ٥ - أن حق الرجوع حق مجرد، والحقوق المجردة لا تورث ابتداءً، وإنما تورث تبعاً للمال، وبقية الورثة لا يرثون الموهوب، فلا يرثون حق الرجوع (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن حق الرجوع حق مجرد حيث لا يجب الرجوع، أما إذا وجب الرجوع لرفع الظلم عن بقية الأولاد فإن الحق حينئذ ليس حقاً مجرداً، وإنما هو حق متعلق بالمال؛ لأن المال في هذه الحالة أشبه ما يكون بالمال الحرام الذي لا يحل لآخذه تناوله، ويجب عليه رده فيكون حق الرجوع حقاً موروثاً لذلك. ٦ - أن حق الرجوع حق متعلق بصفة الأبوة وقد مات (٢)، فيسقط هذا الحق. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يسلم بأن حق الرجوع متعلق بصفة الأبوة وقد زال بالموت؛ إذ الرجوع لإزالة ظلم بقية الأولاد، وإقامة العدل بينهم حق متعلق بصفة الأبوة وإلا لما وجب عليه الرجوع، وإنما يكون حقاً متعلقاً بصفة الأبوة حيث لا يجب الرجوع كما لو كان الموهوب له منفرداً - والله أعلم-.

стр. 2087

الترجيح: الراجح -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول؛ لقوة أدلته، ولأن الراجح -كما سبق- وجوب العدل بين الأولاد، وإذا كان كذلك وجب الرجوع ولو بعد موت الأب؛ لتحقيق هذا العدل، ولما في ذلك من بر الوالد بعد موته، ورفع الظلم عنه. فرع: قال شيخ الإسلام: فلو مات الوالد قبل التسوية الواجبة، فللباقين الرجوع، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختيار ابن بطة وأبي حفص. وأما الولد المفضل ينبغي الرد بعد الموت قولاً واحداً، وهل يطيب له الإمساك إذا قلنا لا يجبر على الرد؟ كلام أحمد يقتضي روايتين، فقال في رواية ابن الحكم: " وإذا مات الذي فضل لم أطيبه له ولا أجبر على رده، وظاهره: التحريم ". ونقل عنه -أيضاً-: قلت: " فترى الذي فضل أن يرده، قال: إن فعل فهو أجود، وإن لم يفعل ذلك لم أجبره، وظاهره: الاستحباب، وإذا قلنا: يرده بعد الموت فالوصي يفعل ذلك " (١).

стр. 2088

المبحث الثالث: رجوع غير الوالد إذا وهب شخص آخر هبة، فهل له أن يرجع في هبته؟. فيه مطلبان: المطلب الأول: الرجوع في الهبة قبل القبض اختلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: الرجوع في الهبة لا يجوز ولو قبل القبض. قال به المالكية (١)، والظاهرية (٢). واستدلوا: بما تقدم من الأدلة على أن الهبة تملك تلزم بمجرد العقد، وإذا كان كذلك فلا يجوز الرجوع فيها (٣). القول الثاني: أن الرجوع في الهبة جائز مع الكراهة.

стр. 2089

قال به المالكية في قول (١)، والحنابلة (٢). وأما الحنفية، والشافعية، فقد سبق أن الهبة لا تملك عندهم إلا بالقبض. ودليلهم: ١ - ما تقدم من الأدلة على أن الهبة قبل القبض غير لازمة (٣)، وقالوا بالكراهة خروجاً من خلاف من قال: إن الهبة تلزم بالعقد (٤). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم، فالهبة تلزم بمجرد العقد كما سبق. ٢ - أن الهبة تبرع وإحسان، فكان للواهب الخيار في الرجوع فيها قبل تمامها بالقبض. ونوقش: بأنه استدلال بمحل النزاع. القول الثالث: أن الرجوع في الهبة جائز إذا كانت مكيلة أو موزونة، وإن كانت من غيرهما لم تجز.

стр. 2090

قال به أحمد في رواية (١). دليل هذا القول: أثر عائشة السابق من قول أبي بكر ﵁ لها: " وإني كنت نحلتك من مالي جداد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك ذلك، وإنما هو مال الوارث … ". وجه الدلالة: أن أبا بكر ﵁ رجع في الهبة من المكيلات قبل قبض الموهوب له، فدل على جوازه، ويقاس عليه الموزونات. ونوقش: أنه يمنع من اختصاص المكيلات والموزونات بهذا الحكم؛ وذلك لإمكان قياس غير المكيلات من الأموال عليها؛ لعدم الفرق، فكما يجوز الرجوع في الهبة من المكيلات قبل القبض، فكذلك غيرها. الترجيح: بعد استعراض أدلة أصحاب الأقوال السابقة، فإن الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لما تقدم من الأدلة على الهبة تلزم بمجرد العقد. المطلب الثاني: حكم الرجوع في الهبة بعد القبض اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أن الرجوع في الهبة بعد القبض لا يجوز.

стр. 2091

قال به المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). الأدلة: ١ - ما تقدم من الأدلة على لزوم الهبة بالقبض (٥). وجه الدلالة: دلت هذه الأدلة على لزوم الهبة بالقبض، واستقرارها ودخولها في ملك الموهوب له، وإذا كان كذلك فليس للواهب الرجوع. ٢ - ما رواه ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : " العائد في هبته كالكلب يقيء، ثم يعود في قيئه " (٦). وجه الدلالة: أن الحديث يدل على تحريم الرجوع في الهبة؛ لتشبيه العود فيها بالرجوع في القيء (٧) وهو حرام، والذي يعتبر من أسوأ أحواله. ونوقش: أن الحديث لا يدل على تحريم الرجوع في الهبة، وذلك أن فعل الكلب لا يوصف بالحرمة، وإنما يوصف بالقبح (٨)، فهذا التشبيه لخساسة الفعل، ودناءة الفاعل (٩)، فيقال بكراهة العود، لا بتحريمه (١٠)، قال

стр. 2092

الطحاوي (١): " فدلَّ هذا الحديث على أن رسول الله ﷺ إنما أراد بما قد ذكرنا في الحديث الأول تنزيه أمته عن أمثال الكلاب، لا أنه أبطل أن يكون لهم الرجوع في هباتهم ". وأجيب: أن عرف الشرع: أن المراد بهذا التشبيه إنما هو الزجر الشديد عن الفعل، فهو متضمن للنهي عنه، والتنفير منه الذي يدل على تحريم الإتيان بمشابهة الكلب، لا سيما وأن في إحدى روايات حديث ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : " ليس لنا مثل السوء الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه" (٢) (٣). ٣ - حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: " لا يحل للرجل أن يعطي عطية، أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده … " (٤). ونوقش هذا الاستدلال: أن معنى قوله: "لا يحل" هو: التحذير عن الرجوع، لا نفي الجواز عنه، كما في قولك: "لا يحل للواجد رد السائل" (٥). وأجيب: بأن لفظ " لا يحل " ظاهر في التحريم، فلا تحمل على غير الظاهر إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. ٤ - أن الهبة تلزم بالقبض فلا يجوز الرجوع فيها؛ كما لا يجوز الرجوع في البيع اللازم.

стр. 2093

قال في كفاية الأخيار (١): " ثم إذا حصل القبض المعتبر لزمت الهبة، وليس للواهب الرجوع فيها كسائر العقود اللازمة ". القول الثاني: أن الرجوع في الهبة بعد القبض جائز مع الكراهة بشرط انتفاء موانع الرجوع السابقة. ومنها: أن لا تكون الهبة لذي رحم محرم، فإن كانت لذي رحم محرم لم يجز. قال به الحنفية (٢). واختلف الحنفية في الكراهة: فقيل: تحريماً، وقيل: تنزيهاً (٣). ولكن يشترط للرجوع: أن يكون الرجوع بإذن الموهوب له، أو بقضاء قاض، وإلا فلا يصح (٤). الأدلة: استدل أصحاب القول الثاني بما يلي: ١ - قول الله : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٥). وجه الاستدلال من الآية: هو أن من معاني التحية: السلام، والثناء، والهدية بالمال، والهدية بالمال متعينة بقرينة قوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٦)؛ لأن

стр. 2094

الرد إنما يتحقق في الأعيان (١) لا في الأعراض، والمشترك يتعين أحد وجوهه بالدليل وفي هذا رد الهبة، والرجوع فيها. ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن الاستدلال بهذه الآية -على التسليم بأن المعنى المذكور هنا مراد ينتج إما وجوب رد الهبة أو الندب إلى ذلك؛ لأن رد التحية فيها أتى بصيغة الأمر، ولم يقل أصحاب هذا الرأي بأي من المعنيين. الوجه الثاني: أن الأمر فيها موجه إلى المحيا لا إلى من صدرت منه التحية، فالاستدلال بها -هنا- مقلوب. الوجه الثالث: أنه على التسليم أنها في الهبة إنما وردت في الهبة التي يراد بها العوض، وهذه ليست موضع البحث؛ لأن موضع البحث الهبة بغير الثواب. الوجه الرابع: أن هذا المعنى غير مسلم أصلاً، بل المراد بالتحية هنا السلام (٢). ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " تهادوا تحابوا " (٣). وجه الدلالة: أن التفاعل يقتضي الفعل من الجانبين فكان له الرجوع إذا لم يحصل مقصوده، كالمشتري إذا وجد بالمبيع عيباً يرجع بالثمن لفوات مقصوده، وهو صفة السلامة في المبيع، والمقصود من الهبة العوض (٤). ونوقش الاستدلال بهذا: أنَّ الحديثَ لا يدل على جواز الرجوع فيها بالمنطوق، ولا بالمفهوم، وإنما المراد به الأمر بأن يهدي المسلم لأخيه،

стр. 2095

وأن يكثر من الإهداء المتبادل؛ لتحصل المحبة، وعدم التعويض عن الهبة ليس عيباً، بل إن عوّض فخير، وإلا فلا ملامة عليه، كما لا يسلّم أنَّ المقصود من الهبة التعويض، ومن ثم يصح قياسه على المبيع. ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الواهب أحق بهبته ما لم يثب عليها " (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل للواهب حق الرجوع فيما وهبه ما لم يحصل على عوض عنه، فدل ذلك على أن الهبة لا تلزم بالقبض، بل يحق للواهب أن يرجع فيها بعد القبض لعموم الحديث، حيث شمل صحة الرجوع في الهبة قبل القبض وبعده (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بضعف هذا الحديث. ٤ - إجماع الصحابة على ذلك حيث ورد عن عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن عمر، وأبي الدرداء، وفضاله بن عبيد، وغيرهم ﵃، أن من وهب هبة فهو أحق بالرجوع فيها ما لم يثب منها، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعا (٣). ونوقش: عدم تسليم الإجماع؛ لأنه خلاف ما ورد عن النبي ﷺ . وأيضاً: فإن الخلاف إنما هو في الهبة التي لا يراد بها الثواب هل يجوز الرجوع فيها بعد لزومها أو لا؟ والوارد عنهم في جواز الرجوع أنما هو في هبة الثواب؛ بدليل: قول عمر ﵁: " من وهب هبة لصلة الرحم، أو على

стр. 2096

وجه الصدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد الثواب فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض منها " (١). وعن عبد الله بن عامر قال: " كنت عند فضالة بن عبيد إذ جاء رجلان، فقال أحدهما: وهبت له بازاً وأنا أرجو أن يثيبني منها، وقال الآخر: وهب لي بازاً وما تعرضت له وما سألته، فقال فضالة: " اردد إليه هبته أو أثبه منها، فإنما يرجع في المواهب النساء وشرار القوم " (٢). وعن ابن عمر ﵄ قال: " من وهب هبة لوجه الثواب، فلا بأس أن يرد" (٣). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: " المواهب ثلاثة: رجل وهب من غير أن يستوهب فهي كسبيل الصدقة فليس له أن يرجع في صدقته، ورجل استوهب فوهب فله الثواب … ورجل وهب واشترط الثواب فهو دين على صاحبها في حياته وبعد مماته (٤). وأما الهبة للثواب كما ورد عنهم النص في ذلك فليست محل البحث فيكون الاستدلال وارداً في غير محل النزاع، والاستدلال إذا كان في غير محل النزاع لا يفيد، وما لم ينص على الثواب يحمل على الثواب جمعاً بين الأدلة. ٥ - أن العوض المالي قد يكون مقصودا من هبة الأجانب، فإن الإنسان قد يهب الأجنبي إحسانا إليه وإنعاما عليه، وقد يهب له طمعا في المكافأة والمجازاة عرفا وعادة، وقد لا يحصل ذلك من الأجنبي، وفوات المقصود

стр. 2097

من عقد محتمل للفسخ يمنع لزومه كالبيع، لأنه يعدم الرضا، والرضا في هذا الباب كما هو شرط في الصحة فهو شرط في اللزوم (١). ويناقش بما نوقش به الدليل السابق؛ وذلك أن مجال البحث –هنا- إنما هو في الهبة التي لا يراد بها الثواب، أما التي يراد بها الثواب فليست محل البحث، فيكون الاستدلال على غير صورة النزاع فلا يكون معتبرا. ٦ - الدليل على منع الرجوع إذا كانت الهبة لذي رحم محرم: ما تقدم من الأدلة على منع الأب من الرجوع على ولده بالهبة، كحديث سمرة وأثر عمر ﵄؛ إذ الهبة لذي الرحم بمنزلة الصدقة، والصدقة لا يجوز الرجوع فيها. وتقدمت مناقشتها. ٧ - ودليلهم على الكراهة أنه من باب الخساءة والدناءة. الترجيح: بعد استعراض أدلة القولين السابقين فإن الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ وذلك لما يلي: قوة أدلة هذا القول، وعدم استقامة الاعتراضات عليها. والإجابة على أدلة أصحاب القول الثاني.

стр. 2098

المبحث الرابع: الرجوع في هبة الثواب تقدم البحث في هبة الثواب، وأنه إذا شرط فيها العوض يغلب فيها حكم الهبة على الراجح، وقد اختلف العلماء في حكم الرجوع فيها على قولين: القول الأول: أنه له الرجوع إذا لم يثب منها. وهذا قول جمهور العلماء (١). القول الثاني: أنه ليس له الرجوع فيها. وبه قال ابن حزم (٢). الأدلة: دليل الجمهور: ما تقدم عن الصحابة ﵃ أن الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها (٣). ودليل ابن حزم ما تقدم: ما الأدلة على تحريم الرجوع في الهبة (٤). وأما إذا كان العوض متأخرا عن العقد غير مشروط فيه؛ بأن عوض الموهوب له الواهب عن هبته، فقال: هذا عوض عن هبتك، فاختلف الفقهاء في امتناع الرجوع بذلك على قولين:

стр. 2099

القول الأول: أن ذلك مانع من الرجوع في الهبة. قال به الحنفية، والمالكية (١). قال السرخسي: " وإذا عوض الموهوب له الواهب من هبته عوضا وقبضه الواهب لم يكن للواهب أن يرجع في هبته، ولا للمعوض أن يرجع في عوضه" (٢). جاء في المدونة: " قلت: أرأيت إن وهبت لرجل هبة فعوَّضني منها، أيكون لواحد منَّا أن يرجع في شيء ممَّا أعطى في قول مالك؟ قال: لا .... " (٣). القول الثاني: أن العوض عن الهبة يعتبر هبة مبتدأة، فلا يمنع ذلك الرجوع فيها. قال به الشافعية، والحنابلة (٤)، لكنهم يخصون جواز الرجوع بهبة الوالد. قال ابن قدامة: " والهبة المطلقة لا تقتضي ثوابا سواء كانت من الإنسان لمثله أو دونه أو أعلى منه … " (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - ما تقدم من الأدلة على أن الواهب أحق بهبته ما لم يثب عليها (٦).

стр. 2100

وجه الاستدلال: دلت هذه الأدلة على جواز رجوع الواهب في هبته إذا لم يعوض عنها، فإذا عوض عنها فليس له الرجوع. ٢ - أن ثبوت حق الرجوع للواهب في الهبة إنما كان لخلل في مقصوده، وهو أنه ربما أراد بهبته العوض، أو تحقيق غرض آخر عن الموهوب له، ونحو ذلك، وقد زال هذا الخلل بالحصول على عوض الهبة، فصار كما إذا وجد المشتري عيبا في المبيع، ثم زال، فإنه لا خيار له في الرد، فكذلك هنا لا رجوع له في الهبة (١). أدلة القول الثاني: ١ - قول النبي ﷺ : " لا يحل لرجل أن يعطي العطية، ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده " (٢). وجه الدلالة: أن الحديث أثبت الرجوع مطلقا، ولم يقيده بانتفاء العوض، فدل على أن العوض ليس مانعا. ونوقش: بأن عموم هذا الحديث يخص بالأدلة الدالة على أن الواهب أحق بهبته ما لم يثب عليها. ٢ - أن الهبة المطلقة لا تقتضي عوضا، فإذا عوض الموهوب له عن هبته كانت هبة مبتدأة، ولم تكن عوضا عن الأولى، فلكل منهما الرجوع فيما يجوز فيه الرجوع (٣). ونوقش: بعدم التسليم بأن الهبة المطلقة لا تقتضي ثوابا، فهو موضع خلاف.

стр. 2101

الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، ولأن الأصل عدم الرجوع في الهبة.

стр. 2102

المبحث الخامس: الرجوع في هبة الدين هبة الدين إما أن تكون لغير من هو عليه دين -أي غير الغريم-، أو تكون لمن هو عليه الدين -أي الغريم-. فأما هبة الدين لغير من هو عليه الدين، فإن حكم الرجوع فيها، هو حكم الرجوع في الهبة عموما عند من يعتبرها هبة صحيحة (١). وأما هبة الدين لمن هو عليه دين، فإن فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٢) متفقون على عدم جواز الرجوع فيها، إلا أن المالكية قيدوا ذلك بأن لا تكون هبة الدين للثواب، فإن وهب بشرط الثواب فهي في حكم البيع. الدليل على عدم جواز الرجوع في هبة الدين لمن هو عليه: أن هبة الدين في معنى إسقاط، وإبراء ما هو في الذمة؛ لأنه لما لم يكن هناك عين موجودة يتناولها لفظ الهبة انصرف اللفظ إلى معنى الإسقاط، والإبراء (٣)، فالدين قد سقط بالهبة، والساقط بمنزلة الشيء المعدوم، فلا يمكن أن يعود، كما لو كان عينا فهلك عند الموهوب له.

стр. 2103

وهذا سواء اعتبرت هبة الدين إسقاطا أم تمليكا (١). ودليل المالكية على جواز الرجوع في هبة الدين إن كانت للثواب: أن هبة الدين للثواب بمنزلة البيع، والبيع يجوز فيه الرجوع (٢).

стр. 2104

المبحث السادس: الرجوع في هدية الخاطب المراد بالمسألة: المراد بهدية الخاطب هي: الهدايا التي يقدمها الرجل لمن يريد الزواج بها، ثم لم يتم الزواج، وقد اختلف الفقهاء في الرجوع في هدية الخاطب على قولين: القول الأول: يجوز للخاطب أن يرجع في هديته التي بعثها على نية الزواج بها قبل أن يتم العقد إن كان المانع من قبل الزوجة، أو من قبل أبيها بعد الوعد بتزويجه، وإن كان الامتناع من جهة الخاطب فليس له أن يرجع فيها. قال به الحنفية (١)، والمالكية (٢) في قول، وقال الدردير: " وهو الأوجه"، وقال به الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). قال الزيلعي (٥): " ولو خطب بنت رجل وبعث إليها شيئا ولم يُزوّج الأب البنت، قالوا: ما بعث للمهر وهو قائم أو هالك يُسترد، وكذا ما بعث هدية وهو قائم، فأما الهالك والمستهلك فلا شيء له في ذلك".

стр. 2105

في حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١): " (و) جاز (الإهداء فيها): أي في العدة كالخضر والفواكه وغيرهما، لا النفقة. فلو تزوجت بغيره فلا رجوع له عليها بشيء. وكذا لو أهدى أو أنفق لمخطوبة غير معتدة، ثم رجعت عنه، ولو كان الرجوع من جهتها إلا لعرف أو شرط. وقيل: إن كان الرجوع من جهتها فله الرجوع عليها، لأنه في نظير شيء لم يتم، واستُظهر ". وقال سليمان الجمل في حاشيته على شرح المنهج (٢): " فرع: لو خطب امرأة ثم أرسل إليها أو دفع إليها مالا قبل العقد ولم يقصد التبرع، ثم وقع الإعراض منها أو منه رجع بما وصلها منه، كما أفاده كلام البغوي واعتمده الأذرعي ونقله الزركشي وغيره، وكذا لو ماتت فله الرجوع على من دفعه إليه، بخلاف ما لو عقد وطلق قبل الدخول فلا رجوع؛ لأن مداره على العقد". وفي إعانة الطالبين (٣): " خطب امرأة فأجابته فحمل إليهم هدية، ثم لم ينكحها رجع بما ساقه إليها؛ لأنه ساقه بناء على إنكاحه ولم يحصل، ذكره الرافعي ". قال المرداوي (٤): " هدية الزوجة ليست من المهر نص عليه، فإن كانت قبل العقد وقد وعدوه بأن يزوجوه فزوجوا غيره: رجع بها. قاله الشيخ تقي الدين ﵀، واقتصر عليه في الفروع،
следующие страницы →