← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، ولأن الأصل عدم الرجوع في الهبة.

стр. 2102

المبحث الخامس: الرجوع في هبة الدين هبة الدين إما أن تكون لغير من هو عليه دين -أي غير الغريم-، أو تكون لمن هو عليه الدين -أي الغريم-. فأما هبة الدين لغير من هو عليه الدين، فإن حكم الرجوع فيها، هو حكم الرجوع في الهبة عموما عند من يعتبرها هبة صحيحة (١). وأما هبة الدين لمن هو عليه دين، فإن فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٢) متفقون على عدم جواز الرجوع فيها، إلا أن المالكية قيدوا ذلك بأن لا تكون هبة الدين للثواب، فإن وهب بشرط الثواب فهي في حكم البيع. الدليل على عدم جواز الرجوع في هبة الدين لمن هو عليه: أن هبة الدين في معنى إسقاط، وإبراء ما هو في الذمة؛ لأنه لما لم يكن هناك عين موجودة يتناولها لفظ الهبة انصرف اللفظ إلى معنى الإسقاط، والإبراء (٣)، فالدين قد سقط بالهبة، والساقط بمنزلة الشيء المعدوم، فلا يمكن أن يعود، كما لو كان عينا فهلك عند الموهوب له.

стр. 2103

وهذا سواء اعتبرت هبة الدين إسقاطا أم تمليكا (١). ودليل المالكية على جواز الرجوع في هبة الدين إن كانت للثواب: أن هبة الدين للثواب بمنزلة البيع، والبيع يجوز فيه الرجوع (٢).

стр. 2104

المبحث السادس: الرجوع في هدية الخاطب المراد بالمسألة: المراد بهدية الخاطب هي: الهدايا التي يقدمها الرجل لمن يريد الزواج بها، ثم لم يتم الزواج، وقد اختلف الفقهاء في الرجوع في هدية الخاطب على قولين: القول الأول: يجوز للخاطب أن يرجع في هديته التي بعثها على نية الزواج بها قبل أن يتم العقد إن كان المانع من قبل الزوجة، أو من قبل أبيها بعد الوعد بتزويجه، وإن كان الامتناع من جهة الخاطب فليس له أن يرجع فيها. قال به الحنفية (١)، والمالكية (٢) في قول، وقال الدردير: " وهو الأوجه"، وقال به الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). قال الزيلعي (٥): " ولو خطب بنت رجل وبعث إليها شيئا ولم يُزوّج الأب البنت، قالوا: ما بعث للمهر وهو قائم أو هالك يُسترد، وكذا ما بعث هدية وهو قائم، فأما الهالك والمستهلك فلا شيء له في ذلك".

стр. 2105

في حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١): " (و) جاز (الإهداء فيها): أي في العدة كالخضر والفواكه وغيرهما، لا النفقة. فلو تزوجت بغيره فلا رجوع له عليها بشيء. وكذا لو أهدى أو أنفق لمخطوبة غير معتدة، ثم رجعت عنه، ولو كان الرجوع من جهتها إلا لعرف أو شرط. وقيل: إن كان الرجوع من جهتها فله الرجوع عليها، لأنه في نظير شيء لم يتم، واستُظهر ". وقال سليمان الجمل في حاشيته على شرح المنهج (٢): " فرع: لو خطب امرأة ثم أرسل إليها أو دفع إليها مالا قبل العقد ولم يقصد التبرع، ثم وقع الإعراض منها أو منه رجع بما وصلها منه، كما أفاده كلام البغوي واعتمده الأذرعي ونقله الزركشي وغيره، وكذا لو ماتت فله الرجوع على من دفعه إليه، بخلاف ما لو عقد وطلق قبل الدخول فلا رجوع؛ لأن مداره على العقد". وفي إعانة الطالبين (٣): " خطب امرأة فأجابته فحمل إليهم هدية، ثم لم ينكحها رجع بما ساقه إليها؛ لأنه ساقه بناء على إنكاحه ولم يحصل، ذكره الرافعي ". قال المرداوي (٤): " هدية الزوجة ليست من المهر نص عليه، فإن كانت قبل العقد وقد وعدوه بأن يزوجوه فزوجوا غيره: رجع بها. قاله الشيخ تقي الدين ﵀، واقتصر عليه في الفروع،

стр. 2106

قلت: وهذا مما لا شك فيه. وقال الشيخ تقي الدين ﵀ أيضا: ما قبض بسبب النكاح فكمهر، وقال أيضا: ما كتب فيه المهر لا يخرج منها بطلاقها، وقال في القاعدة الخمسين بعد المئة: حكى الأثرم عن الإمام أحمد ﵀ -في المولى يتزوج العربية- يفرق بينهما، فإن كان دفع إليها بعض المهر ولم يدخل بها: يردوه وإن كان أهدى هدية يردونها عليه، قال القاضي في الجامع: لأنه في هذه الحال يدل على أنه وهب بشرط بقاء العقد، فإذا زال: ملك الرجوع كالهبة بشرط الثواب انتهى ..... ". القول الثاني: لا يجوز الرجوع في هدية الخاطب مطلقاً إلا إذا كان هناك شرط، أو عرف يقضي بالرجوع في هدايا الخاطب. وهو المذهب عند المالكية (١). قال الخرشي في شرح مختصر خليل (٢): " يجوز للرجل أن يُهدي إلى المعتدة هدية في عدتها؛ لأن في الهدية مودة، ولا يكون كالتصريح بالخطبة في العدة، بخلاف إجراء النفقة عليها، فإن أنفق أو أهدى ثم تزوجت غيره لم يرجع عليها بشيء، ومثله لو أهدى أو أنفق لمخطوبة غير معتدة ثم تزوجت غيره". وفي الشرح الكبير للدردير (٣): " (و) جاز (الإهداء) في العدة لا النفقة عليها، فإن أهدى أو أنفق، ثم تزوجت غيره لم يرجع عليها بشيء، ومثل المعتدة غيرها، ولو كان الرجوع من جهتها، والأوجه الرجوع عليها إذا كان الامتناع من جهتها إلا لعرف أو شرط".

стр. 2107

الأدلة: دليل القول الأول: ١ - أن الزوج بذل الهدية في مقابل النكاح ولم يتم له مقصوده، وكان الامتناع من جهة المرأة، فكان له أن يرجع فيها (١). ٢ - أن رجوع الخاطب في هديته يكون تعويضاً عما لحق به من ضرر معنوي ومادي؛ لأن رجوعها لا يد له فيه، وليس من المعقول أن يحتمل هو نتيجة تصرفاتها، خاصة إذا كانت هذه التصرفات تلحق به ضرراً. دليل القول الثاني: أن ما أهداه الرجل لمخطوبته يعتبر من الهبة، ولا يجوز الرجوع في الهبة لغير الوالد في هبته لولده، إلا إذا وجد شرط بالرجوع، أو عرف يقتضي الرجوع، فيعمل حينئذ بالشرط والعرف (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لأن السبب في هذه الهدايا هو الزواج من هذه المرأة، وما بني على سبب فإنه ينتفي بانتفاء ذلك السبب.

стр. 2108

المبحث السابع: الرجوع في هبة الزوجة للزوج باتفاق الفقهاء: أن الزوج لا يجوز له أن يرجع في هبته لزوجته؛ لعموم أدلة تحريم الرجوع في الهبة (١). قال ابن قدامة: " فحصل الاتفاق على أن هبة الإنسان لذوي رحمه غير ولده لا رجوع فيه، وكذلك ما وهب الزوج لامرأته، والخلاف فيما عدا هؤلاء، فعندنا لا يرجع إلا الوالد، وعندهم لا يرجع إلا الأجنبي " (٢). اختلف العلماء في حكم الرجوع فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الزوجة إن وهبت لزوجها لخوف ضرر يلحقها منه أو طلاق، أو أن يتزوج عليها، أو وهبت حياء أو إكراها، أو لأجل الثواب ونحو ذلك فلها أن ترجع، وإن وهبت عن طيب نفس فليس لها الرجوع. وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة (٣). زاد المالكية إن كانت الهبة للثواب فلها أن ترجع (٤). القول الثاني: أنه لا يجوز الرجوع للزوجة في هبتها لزوجها.

стр. 2109

وبه قال الحنفية، ورواية عن أحمد (١). القول الثالث: أنه يجوز للزوجة أن ترجع في هبتها لزوجها مطلقا. وهو رواية عن أحمد، وإسحاق، والأوزاعي، والشعبي، والزهري (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الله تعالى أباح للأزواج من أموال زوجاتهم ما كان عن طيب نفس دون أن يكون هناك إكراه، أو خوف ضرر، أو كانت العطية مبنية على سبب (٤). (٢٥٤) ٢ - روى ابن أبي شيبة من طريق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁: " إن النساء يعطين أزواجهن رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها شيئا، فأرادت أن تعتصره فهي أحق به" (٥). وجه الدلالة: دل الأثر على رجوع الزوجة في هبتها زوجها إذا كانت الهبة على غير رغبة منها، كما لو كانت مبنية على سبب. أدلة القول الثاني: ١ - أن الزوجية مثل القرابة، فكما لا يجوز الرجوع في هبة ذوي القرابة

стр. 2110

المحرمية، فكذلك لا يجوز الرجوع بين الزوجين؛ لجريان التوارث بينهما، وعدم شهادة كل منهما للآخر. ٢ - أن المقصود في هبة كُلِّ واحد منهما للآخر الصِّلة وَالتَّوَادَّ دون العوض، كما في القرابة المحرميَّة فقد حصل، فلا يرجع بعد حصول المقصود (١). ٣ - أن الرجوع يوقع العداوة، والنفرة (٢). دليل القول الثالث: ما تقدم عن عمر ﵁. ونوقش هذا الاستدلال: بأن ما تقدم عن عمر ﵁ إنما يجوز الرجوع إذا كان لسبب. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول، فالزوجة لا يجوز لها أن ترجع في هبتها لزوجها، إلا إذا كانت لسبب؛ لقاعدة: ما بني على سبب فإنه ينتفي بانتفائه.

стр. 2111

الفصل الثاني: كيفية الرجوع، وشروطه وفيه مبحثان: المبحث الأول: كيفية الرجوع. المبحث الثاني: شروط صحة الرجوع.

стр. 2112

المبحث الأول: كيفية الرجوع، وما يحصل به وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: في الرجوع بالقول المراد بالرجوع بالقول: هي الألفاظ التي يتحقق بها الرجوع سواء كانت صريحة بالرجوع، أم كانت في معنى الرجوع غير صريحة فيه: مثل لفظ: الرجوع، والارتجاع، والاعتصار، والعود، والاسترداد، ونحو ذلك مما هو صريح في معنى الرجوع، وكذلك كل لفظ يفيد معنى العود في الهبة من ألفاظ الكناية كقوله: أخذت الموهوب وقبضته، ونحو ذلك. قال العبادي: " وألفاظ الرجوع: رجعت في هبتي، أو رددتها إلى ملكي، أو أبطلتها، أو نقلتها " (١). وفي الشرح الكبير وحاشيته: " (وللأب) فقط لا الجد (اعتصارها) أي الهبة (من ولده) الحر الذكر والأنثى صغيرا، أو كبيرا غنيا، أو فقيرا أي أخذها منه جبرا بلا عوض ولو حازها الابن بأن يقول رجعت فيما وهبته له،

стр. 2113

أو أخذتها، أو اعتصرتها فلا يشترط لفظ الاعتصار على الأظهر لعدم معرفة العامة له غالبا وليس في الحديث ما يدل على شرط لفظ الاعتصار" (١). وقال الأنصاري: " (فرع يحصل الرجوع) في الهبة (بـ رجعت في الهبة وأبطلتها ونقضتها ونحوه) كـ ارتجعت الموهوب، واسترددته، ورددته إلى ملكي، وكلها صرائح، والكناية كـ أخذته وقبضته " (٢). وقال البهوتي: " (وصفة الرجوع) من الأب فيما وهبه لولده (أن يقول قد رجعت فيها) أي: الهبة (أو) يقول (ارتجعتها أو رددتها ونحوه) كعدت فيها أو أعدتها إلى ملكي ونحو ذلك (من الألفاظ الدالة على الرجوع) قال الحارثي: والأكمل رجعت فيما وهبته لك من كذا، ومن الناس من قسمه إلى صريح وكناية بنية ولا بأس به " (٣). والرجوع باللفظ قال به جميع القائلين بجواز رجوع الأب في هبته لولده (٤)، ولا يحتاج في ذلك إلى حكم حاكم. قالوا: لأنه خيار في فسخ عقد، فلم يفتقر إلى قضاء كالفسخ بخيار الشرط (٥). وألفاظ الرجوع في الهبة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الألفاظ الصريحة، وهي كل لفظ دل على الرجوع

стр. 2114

صراحة، ولا يفتقر إلى نية، كقول الواهب رجعت في الموهوب، وارتجعته، واعتصرته، ورددته إلى ملكي، ونقضت ما وهبت، وأبطلت الهبة، وفسختها. وفي وجه عند الشافعية: أن قوله نقضت، وأبطلت، وفسخت كناية تحتاج إلى نية (١). القسم الثاني: الألفاظ الكنائية: وهي كل لفظ دل على الرجوع من غير صراحة، فيفتقر إلى نية، كقول الواهب: أخذت الموهوب، وقبضته، ونحو ذلك (٢). والأقرب: أن يقال أن مرجع ذلك إلى العرف فيما يتعلق بلفظ الرجوع. كما هو اختيار شيخ الإسلام، والله أعلم. المطلب الثاني: في الرجوع بالنية إذا نوى الوالد الرجوع في الهبة، ولم يقترن بهذه النية قول ولا فعل، فاختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أن هذا لا يعد رجوعاً. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (٣).

стр. 2115

وحجته: أنه إثبات الملك على مال مملوك لغيره، فلم يحصل بمجرد النية كسائر العقود (١). القول الثاني: صحة ذلك إذا كان الابن الموهوب له صغيراً. وهو وجه عند الشافعية (٢). ولعل حجته: أنها لم تخرج عن يد الأب فكانت كغير المقبوضة. المطلب الثالث: في الرجوع بأخذ الموهوب وفيه مسألتان: المسألة الأولى: إذا قارنته نية. إذا أخذ الوالد ما وهبه لولده، بنية الرجوع فهل يعد هذا رجوعاً أو لا؟ اختلف القائلون بجواز رجوع الأب في هبته في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يعد رجوعاً. وبه قال الحنفية عند وجود ما يقتضي الرجوع (٣). وذهب إليه الحنابلة (٤). قالوا: والقول قوله في نيته.

стр. 2116

واحتجوا بما يلي: ١ - أن العقد قد صح بالإعطاء، فكذلك الرجوع يكون بأخذ المعطى. ٢ - ولأن اللفظ إنما كان رجوعاً لدلالته عليه، فكذلك كل ما دل عليه. القول الثاني: أنه لا يعد رجوعاً. ذهب إليه الشافعية: فلا يحصل إلا بالقول الصريح في الرجوع. قال في الحاوي: " لأنه استرجاع ملك فكان أغلظ " (١). أي كما أن التمليك لا يحصل بالمعاطاة، فهذا من باب أولى. وقد نوقش: بعدم تسليم الأصل المقيس عليه، فالصحيح انعقاد الهبة بالمعاطاة، وأنها لا تفتقر إلى قول، كما سبق في مباحث ما تنعقد به الهبة. الترجيح: الذي يظهر لي رجحانه ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ لما تقدم من الأدلة الدالة على صحة الهبة بالمعاطاة في مباحث ما تنعقد به الهبة. فرع: على قول الحنابلة في صحة الرجوع بالأخذ مع النية إذا لم يعلم هل نوى الرجوع، وكان ذلك بعد موت الأب؟. فقد قالوا: إذا لم توجد قرينة تدل على الرجوع لم يحكم بكونه رجوعاً؛ لأن الأخذ يحتمل الرجوع وغيره، فلا نزيل حكماً يقينياً، بأمر مشكوك فيه (٢). وإن اقترنت به قرائن دالة على الرجوع، فلهم في عد ذلك رجوعاً وجهان:

стр. 2117

الوجه الأول: أنه يعد رجوعاً: ١ - لأنه قد اكتفي في العقد بدلالة الحال، ففي الفسخ من باب أولى. ٢ - ولأن لفظ الرجوع إنما كان رجوعاً لدلالته عليه، فكذلك كل ما دل عليه. الوجه الثاني: أنه لا يكون رجوعاً (١). لأن الملك ثابت للموهوب له يقيناً، فلا يزول إلا بالصريح (٢). المسألة الثانية: إذا لم يقارن الأخذ نية. إذا أخذ الوالد ما وهب لولده دون نية منه في الرجوع، فإن هذا لا يعد رجوعاً عند جميع القائلين بصحة رجوع الوالد فيما وهب لولده (٣). الرجوع بالفعل: اختلف الفقهاء في جواز الرجوع في الهبة بالفعل، كأن يبيع العين الموهوبة، أو يهبها لآخر، أو يعتقها، ونحو ذلك من التصرفات على أقوال: القول الأول: عدم جواز الرجوع بالفعل في الهبة. وبه قال الحنفية، وهو الأصح عند الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (٤). القول الثاني: أن الرجوع بالفعل لا يصح، إلا إذا علم أن الواهب أراد به الرجوع كما إذا أشهد الولد شهودا أنه قصد بفعله الرجوع في الهبة.

стр. 2118

وبه قال المالكية (١). القول الثالث: جواز الرجوع في الهبة مطلقا. وهو قول عند الشافعية (٢). الأدلة: دليل القول الأول: أن ملك الموهوب له ثابت يقينا فلا يزول إلا بيقين، وهو صريح القول من الواهب، فإن لم يحصل منه لفظ، فلا يزول ملك الموهوب له (٣). دليل القول الثاني: أن تصرف الأب ببيع الموهوب يحتمل أنه رأى أن البيع أولى، وأصلح للولد، فباعه لحصول ثمن أفضل، أو خاف فسادا يلحق تلك الهبة، ونحو ذلك من الاحتمالات، ولكنه إذا أشهد على نية الرجوع اندفعت هذه الاحتمالات (٤). دليل القول الثالث: أن الرجوع بالفعل يشبه فسخ البيع زمن الخيار بالفعل، فكما أن البيع زمن الخيار فسخ، فكذا الهبة يزول حكمها بالتصرف الدال على الرجوع (٥). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس مع الفارق؛ وذلك أن الملك زمن الخيار في البيع ضعيف، فأمكن فسخه بالفعل، بخلاف ملك الموهوب له فملكه كامل، بدليل نفوذ تصرفاته فيه (٦).

стр. 2119

الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ وذلك أن التصرفات الفعلية تحتمل عدة احتمالات فلا بد من القرينة، أو النية، أو اللفظ الذي يخصص ويبين هذه الاحتمالات.

стр. 2120

المبحث الثاني: شروط صحة الرجوع وفيه مطلبان: المطلب الأول: شروط صحة رجوع الأب فيما وهبه لولده تقدم أن الأب له أن يرجع في هبته لولده، وقد اشترط العلماء لذلك شروطا كثيرة يعبر عنها بعضهم بموانع الرجوع، وهذه الشروط كما يلي: الشرط الأول: أن تكون الهبة باقية في ملك الولد، فإن انتقلت من ملك الولد لم يملك الوالد الرجوع: وفيه مسائل: المسألة الأولى: حكم الرجوع فيما انتقل من ملك الولد. صورة ذلك: أن يهب شخص لولده سيارة مثلا، أو دارا ثم يتصرف في تلك الدار أو السيارة ببيع أو هبة، أو نحو ذلك مما هو مخرج للموهوب عن ملكه، فهل يمنع الوالد من الرجوع على ولده؟ اتفق الأئمة الأربعة: على أن خروج الموهوب عن ملك الولد بالكلية يفيت على والده الرجوع فيه، وقد حكي ذلك اتفاقاً في البيع، والعتق (١)، كأن يبيع الولد الموهوب كله أو يهبه أو يوقفه أو يتصدق به، ونحو ذلك.

стр. 2121

وأما خروج بعضه عن ملكه فلا يمنع الأب من الرجوع، إلا في القدر الذي خرج عن ملكه. والدليل على فوات الرجوع على الأب فيما وهب لابنه بإخراج الابن للموهوب من ملكه بما يلي: ١ - أن تبدل ملك العين كتبدل عينها، وإذا تبدلت عينها لا يصح الرجوع فيها، فكذلك إذا تبدل ملكها. ٢ - أن الموهوب له الولد إنما أخرج الموهوب من ملكه بتسليط الأب له عليه بالهبة، فلم يكن للأب الرجوع فيها كما لو تصرف الوكيل بناء على توكيل الموكل. ٣ - أن رجوعه رجوع على من لم يجعل له النبي ﷺ الرجوع عليه. ٤ - أن الولد إذا باع الموهوب أو وهبه، فقد أخرجه من ملكه إلى ملك شخص آخر، فلو قلنا بصحة رجوع الأب في الموهوب بعد خروجه من ملك ولده لأدى ذلك إلى إخراج ملك من مالكه بلا إعطاء منه ولا معاوضة، وهو أمر لا يصح؛ لأنه في حكم الغصب (١). المسألة الثانية: عود العين إلى ملك الولد. إذا عادت العين الموهوبة إلى ملك الولد، فهل يعود إلى الوالد حقه في الرجوع؟ والجواب: أن هذا يختلف باختلاف السبب الذي عادت به العين، فقد تعود بسبب فسخ البيع مثلاً، أو تعود بملك جديد، وفي هذا أمران: الأمر الأول: عود الهبة إلى الابن بفسخ البيع لعيب أو إقالة، أو فلس المشتري.

стр. 2122

للحنابلة ففيه لهم وجهان: الوجه الأول: أن له الرجوع. وحجته: لأن السبب المزيل ارتفع، وعاد الملك بالسبب الأول، فأشبه ما لو فسخ البيع بخيار المجلس، أو خيار الشرط. الوجه الثاني: أنه لا يملك الرجوع (١). وحجته: لأن الملك عاد إليه بعد استقرار ملك من انتقل إليه عليه، فأشبه ما لو عاد إليه بهبة (٢). ولعل القول الأول أرجح؛ لقوة ما ذكر له من القياس، ولأن العين لم تخرج عن ملكه. الأمر الثاني: العود بملك جديد. فإن عادت إلى الابن بسبب جديد، كبيع، أو هبة، أو وصية، أو إرث، ونحو ذلك، فهل له الرجوع؟ صرح الحنابلة بعدم ملك الابن لحق الرجوع. قالوا: بأنها عادت إليه بملك جديد لم يستفده من قبل أبيه، فلا يملك فسخه وإزالته، كالذي لم يكن موهوباً له (٣). المسألة الثالثة: لو وهب الأب لابنه هبة، ثم وهبها الابن لابنه جاز للابن أن يرجع بها على ابنه، وهل للأب الرجوع بها على ابن ابنه أو لا؟ فيه قولان: القول الأول: أنه لا يرجع بها.

стр. 2123

وهو قول المالكية، وبه قال الشافعية في الوجه الثاني (١)، والحنابلة (٢). وحجته: ١ - ما تقدم من الأدلة في عدم جواز رجوع الجد بالهبة لولد ولده (٣). ٢ - أنه غير الواهب له، فلم يكن له الرجوع (٤). القول الثاني: أنه يرجع بها. ذهب إليه الحنفية والشافعية في أحد الوجهين (٥)، ولعله قول كافة من يجيز الرجوع للجد في هبته لابن ابنه (٦). وحجته: ما تقدم من الأدلة في جواز رجوع الجد في هبته (٧). والذي يظهر لي رجحانه: هو القول الأول؛ لقوة ما ذكروه، ولأن القول الراجح، والذي عليه أكثر أهل العلم كما سبق أنه لا رجوع للجد في هبته لابن ابنه مباشرة، ففي مسألتنا من باب أولى. الشرط الثاني: أن يكون الولد ثابت البنوة قبل الهبة. ذكره الشافعية (٨). الشرط الثالث: أن لا يرتد الولد عن الإسلام.

стр. 2124

صورة ذلك: أن يهب الأب لولده هبة فيقبضها الولد، ثم يرتد بعد ذلك عن الإسلام، فهل يكون ارتداد الولد مفيتاً على الأب الرجوع في الهبة أو لا يكون مفيتا عليه؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن ذلك لا يمنع الأب من الرجوع. وهذا مقتضى قول الحنفية، والمالكية (١)، وأحد قولي الشافعي (٢)، وهو مذهب الحنابلة؛ لأنهم يرون أن الردة لا تزيل الملك، وإن اختلفوا في تحديد كيفية بقاء الملك، حيث يرى جمهورهم بقاءه موقوفا حتى يتبين أمره، ويرى الصاحبان من الحنفية: أنه لا يزول مطلقا. وحجته: ١ - عموم ما تقدم من أدلة جواز رجوع الأب فيما وهب لولده (٣). ٢ - أن المرتد لا يزول ملكه عن ماله، وإذا كان ملكه لا يزول، فإن ردة الولد لا تمنع الأب فيما وهبه له؛ لبقاء الهبة على ملك الولد (٤). وعللوا لكون الردة لا تزيل الملك: بأن الردة سبب يبيح دم المرتد، فلم يزل ملكه به كزنى المحصن، وقتل المكافئ عمدا (٥). القول الثاني: أن ذلك يمنع الأب من الرجوع على الولد مؤقتا، فإذا

стр. 2125

رجع الولد لإسلامه رجع للوالد حق الفسخ، وإن لم يرجع إلى الإسلام لم يرجع إلى الوالد حق الفسخ. وهذا قول للشافعية (١)، وهو مقتضى الرواية الثانية عند الحنابلة القاضية: بأن المرتد يزول ملكه عن ماله بالردة (٢). وحجته: أن من شرط رجوع الأب فيما وهبه لولده أن يكون الموهوب باقيا على ملك الولد، والولد قد ارتد، والمرتد يزول ملكه عن ماله بالردة، فلا يكون للوالد الرجوع؛ لعدم بقاء الموهوب على ملك الولد (٣). والدليل على زوال ملك الولد بالردة: (٢٥٥) ١ - ما روى البخاري من طريق عبيد الله بن عتبة، ومسلم من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " (٤). فدل الحديث على أن عصمة نفسه وماله إنما تثبت بإسلامه، فزوال إسلامه يزيل عصمتهما كما لو لحق بدار الحرب. ٢ - ولأن المسلمين ملكوا إراقة دمه بردته، فوجب أن يملكوا أمواله بها (٥). ونوقش: بأن إباحة الدم لا يلزم منها إباحة المال؛ بدليل: أن الزاني

стр. 2126

المحصن يقتل لزناه، ولا يبيح ذلك ماله، وكذلك إذا قتل الإنسان من يكافئه، فإنه يقتل به ولا يبيح ذلك ماله (١). وأجيب: بأنه مسلم في القاتل والزاني، لكنه غير مسلم في المرتد؛ لوجود النص. سبب الخلاف: يظهر من خلال عرض القولين في هذه المسألة: أن الخلاف فيها مبني على الخلاف في الردة هل تزيل الملك أو لا؟ فمن قال تزيله منع الأب من الرجوع، ومن جعلها غير مزيلة للملك لم يجعلها مانعة من الرجوع. الترجيح: يترجح -والله أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول القاضي بعدم فوات الفسخ على الوالد بردة الولد؛ وذلك لوجاهة ما عللوا به، وللإجابة عن دليل أصحاب القول الثاني. ويتأيد هذا بأن رجوع الوالد في هذه الحالة متعين؛ لأنه إذا لم يرجع كان المال عونا للولد على معصية الله تعالى، خاصة على رأي الصاحبين من الحنفية اللذين يريان بأن تصرفاته مطلقة في المال في حال الردة. وأما إذا قلنا إن تصرفاته تكون موقوفة، فلن يكون المال عونا على المعصية؛ لعدم إمكان التصرف فيه. لكن لو قيل مع ذلك قد يكون وسيلة إلى رجوعه إلى الإسلام لكان ذلك متعينا حتى ولو قلنا بوقف التصرف، والله أعلم. الشرط الرابع: أن لا يحرم الولد بحج أو عمرة إذا كان الموهوب صيدا. صورة ذلك: أن يهب الأب لولده صيدا فيقبض الولد الصيد، ثم يحرم

стр. 2127

بحج أو عمرة، فهل يملك الأب الرجوع في تلك الهبة بإحرام الولد أو لا يملكه؟. تحرير محل النزاع: لا يخلو ذلك الصيد إما أن يكون صيد بحر، وإما أن يكون صيد بر، فإن كان صيد بحر فإن الأب يملك الرجوع لإجماع القائلين بجواز رجوع الوالد في هبته لولده (١)، على أن صيد البحر مباح للمحرم، وأنه لا يخرج من ملكه بالإحرام؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٢). وإن كان صيد بر فقد وقع فيه النزاع هل يملك الأب بإحرام الولد الرجوع عليه، أو لا يملكه على قولين: القول الأول: أن الأب يملك الرجوع. وهو مقتضى مذهب الحنفية؛ وأحد قولي الشافعية (٣)، ومقتضى مذهب الحنابلة؛ لأنهم يرون أن الإحرام لا يخرج صيد البر من ملك المحرم إذا كان قد تملكه قبل أن يحرم (٤)، وإذا كان لا يخرج من ملكه بالإحرام، فإن الوالد لا يفوت عليه الفسخ في الهبة بإحرام الولد؛ لأن الهبة باقية على ملك الولد. وحجته: ١ - ما تقدم من عموم الأدلة الدالة على جواز رجوع الأب فيما وهب لولده (٥).

стр. 2128

٢ - أن الصحابة كانوا يحرمون وفي بيوتهم صيود، ولم ينقل عنهم إرسالها. ٣ - أن اللباس، والطيب، والاستمتاع بالزوجة من محظورات الإحرام، ولا تخرج عن ملك المحرم بالإحرام بالإجماع، فكذا الصيد (١). ٤ - أن الأصل بقاء ملك الولد، وخروجه عن ملكه يحتاج إلى دليل. القول الثاني: أنه لا يملك ذلك. وهذا هو الأصح عند الشافعية (٢). وينبغي أن يكون مذهبا للمالكية؛ لأنهم يرون أن المحرم إذا أحرم وبيده صيد خرج من ملكه، ووجب عليه إرساله (٣). وحجته: أن شرط رجوع الوالد فيما وهبه لولده بقاء الهبة في ملك الولد، والولد إذا أحرم في هذه الصورة تخرج الهبة من ملكه؛ لأن المحرم لا يحل له ملك الصيد؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٤)، وإذا خرجت من ملك الولد لم يكن للوالد إليها سبيل (٥). ونوقش: الاستدلال بالآية بأنها إنما وردت في النهي عن التعرض للصيد أثناء التلبس بالإحرام، لا عن تملكه قبل الإحرام؛ إذ هو مباح (٦). سبب الخلاف: من خلال الأقوال وعللها في هذه المسألة يظهر أن سبب الخلاف فيها

стр. 2129

الخلاف في كون الإحرام يخرج صيد البر من ملك من صاده قبل أن يحرم أو لا يخرجه. الترجيح: يظهر -والله أعلم بالصواب- أن الراجح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو أن إحرام الولد لا يمنع على الوالد الرجوع في هبته إذا كان صيد بر؛ لقوة دليله، ولأن القائلين بوجوب إرساله وزوال ملكه عنه إنما يوجبون ذلك إذا كان بيده المشاهدة دون ما إذا كان بيده الحكمية (١)، ومن قال بوجوب إرساله إذا كان بيده المشاهدة منهم من قال: ببقاء ملكه، ومنهم من قال: بزوالها مما يدل على ضعف هذا القول -والله أعلم-. الشرط الخامس: أن تمتد حياة الولد إلى رجوع الوالد. صورة ذلك: أن يهب شخص لولده داراً أو أرضا أو مزرعة أو سيارة، فيقبضها الولد، فيموت، فهل للأب أن يرجع في تلك الهبة بعد موت الولد؟. باتفاق الأئمة: أن موت الولد في تلك الحال يمنع الوالد من الرجوع. وحجة ذلك: أن مال الولد ينتقل ملكه إلى ورثته بموته، وإذا انتقل إلى الورثة زالت سلطة الوالد في الرجوع فيه إلا بقدر نصيبه من التركة، وذلك يعطى له، وإن لم يطلبه (٢). ولقول عمر ﵁: " لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد، فإن مات ورثه " (٣).

стр. 2130

وأما موت الوالد فمانع من رجوع بقية الورثة، إلا إذا خصص أو فضل بعض الأولاد، كما سيأتي مبحث رجوع الورثة بعد موت الوالد إذا خصص أو فضل بعض الأولاد. الشرط السادس: أن لا يمرض الولد مرضا مخوفا. صورة ذلك: أن يهب شخص لولده شيئا من المال فيمرض الولد، فهل يكون مرض الولد مانعا للوالد من الرجوع في ذلك المال؟. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الولد إذا مرض مرضا مخوفا امتنع على الوالد الرجوع فيما وهب له. ويفهم من ذلك: أنه إن مرض مرضا غير مخوف لا يمنع رجوع الأب. وهو مقتضى قول الحنفية، (١)، وإلى هذا القول ذهب المالكية (٢)، وهذا هو مقتضى مذهب الحنابلة (٣). أما الحنفية: فلأنهم يرون أن الإنسان إذا مرض مرضا مخوفا تعلقت حقوق الورثة بماله، وحقوق الورثة إذا تعلقت بالمال انقطع التصرف فيه -إلا لمصلحة الميت- حتى يأخذوا حقوقهم. وأما الحنابلة: فلأنهم يرون ما يراه الحنفية، ويرون كذلك أن مرض الابن قاطع لسبب تملك الأب من مال ولده، فكذلك هنا (٤).

стр. 2131

وحجته: ١ - أثر عائشة ﵂، وفيه نحلة أبي بكر لها ﵁ (١). ووجه الاستدلال هنا: أن أبا بكر لما مرض قال لعائشة ﵂: "إن المال اليوم صار مال وارث "، مع أن أبا بكر ما زال على قيد الحياة، ولكنه جعل مرضه المخوف بداية تعلق حق الوارثين بالمال، ولو لم يكن قد تعلقت به حقوقهم لقال لها حوزيه قبل أن أموت فإني إذا مت صار مال وارث، فدل ذلك على أن حقوق الورثة تتعلق بالمال بمرض مورثهم مرضا مخوفا، وإذا كان الأمر كذلك فإن الولد إذا مرض مرضا مخوفا امتنع على والده الرجوع فيما وهب له لتعلق حق الوارث بالتركة. ٢ - أن الولد إذا مرض مرضا مخوفا تعلقت حقوق الورثة بأمواله، فلا يحق لواحد منهم أن ينفرد بها عن غيره (٢). ولكن المالكية اختلفوا فيما إذا زال المرض هل تعود إمكانية الرجوع، أو لا تعود؟ على قولين: القول الأول: أنها تعود. القول الثاني: أنها لا تعود. قال ابن رشد: " والقول الأول أظهر؛ لأن الاعتصار (٣) إنما امتنع في

стр. 2132

المرض مخافة الموت، فإذا زال المرض ارتفعت العلة بزواله، ولو اعتصر في المرض فلم يعثر على ذلك حتى صح لوجب أن يمضي " (١). ومعنى هذا أن مذهب المالكية هو: أن امتناع رجوع الوالد على ولده بالمرض المخوف امتناع مؤقت، فإن مات الابن بذلك المرض فات الفسخ، وإن لم يمت عادت إمكانيته. ولذلك قال ابن رشد الجد: " ولو قيل: إن الاعتصار في المرض يكون موقوفا حتى ينظر هل يصح أو يموت؟ لكان هو وجه القياس والنظر " (٢). القول الثاني: أن ذلك لا يمنع الأب من الرجوع. وإليه ذهب الشافعية احتمالا متجها (٣)، وإن كان الجاري على قاعدتهم هو القول الأول؛ لأنهم يرون أن حقوق الورثة تتعلق بالمال في المرض المخوف (٤). وحجته: أن كون الشخص إذا مرض مرض الموت حجر عليه لا يقدح في رجوع الأب؛ لأن الحجر إنما هو على تصرفات المريض فقط، أما تصرفات غيره فلا يرد الحجر عليها (٥). ويناقش: بأن الحجر إنما ورد على تصرفات المريض لحقوق الوارثين المتعلقة بالمال فترد كذلك على غيره حماية للمال. الترجيح: يظهر -والله أعلم بالصواب- رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول

стр. 2133

الأول، وهو أن مرض الابن مرضا مخوفا يفيت على الوالد الفسخ في هبته له، لما يحققه من حماية حقوق الورثة ودفع الضرر عنهم. ثم إنه –أيضا- ليس فيه هدر لحق الوالد بالكلية؛ إذ هو أحد الورثة، وسيناله نصيب من تركة ولده، فلا يتحقق حرمانه بالكلية ولا حرمان الورثة بالكلية كذلك. إلا إذا كان طريقاً للعدل وتلافي الجور، ولا يمكن من العدل إلا بالرجوع، والله أعلم. الشرط السابع: أن تكون الهبة باقية إلى رجوع الأب. صورة ذلك: أن يهب شخص لولده سيارة أو طعاماً، ونحو ذلك فيتلف ذلك الشيء الموهوب كليا، فهل للأب أن يرجع في مثل ذلك الشيء التالف، أو في قيمته؟ باتفاق الأئمة: أن تلف الهبة يفيت على الوالد الفسخ فيها وفي قيمتها (١). وحجة ذلك: أولاً: أن الإتلاف يزيل العين، فلا يمكن الرجوع فيها. ثانياً: أن قيمة العين لا يمكن الرجوع فيها؛ لأنها ليست بموهوبة، لكون العقد لم يجر عليها، وإنما جرى على العين التالفة (٢). الشرط الثامن: أن لا تنقص الهبة. صورة ذلك: أن يهب شخص لولده شيئا من الأشياء فينقص ذلك

стр. 2134

الشيء؛ كأن يهبه له براً فيأكل بعضه، أو دارا فيتهدم بعضها، أو شاة فتهزل، ونحو ذلك، فهل يمنع ذلك الأب من الرجوع؟. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن ذلك لا يمنع رجوع الأب. وبه قال جمهور العلماء: الحنفية (١)، ومطرف وابن الماجشون من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وحجته: ١ - عموم أدلة جواز رجوع الوالد فيما وهب لولده (٥). ٢ - أنَّ الوالدَ له أن يرجع في بعض ما وهب للموهوب له، مع بقائه بكماله، فكذلك إذا نقص (٦). ٣ - أنَّ العينَ إذا تلفت تلفت على مالك الهبة، فكذلك إذا نقصت، وإذا كان الأمر كذلك، فإن نقصها لا يمنع الرجوع فيها لبقائها على ملكه (٧). ٤ - أنَّ النقصَ ضررُهُ على الأب (الواهب) وليس على الولد، فلا يمنع الأب من الفسخ؛ لكونه بعوده قد تحمل الضرر المترتب ورضي به (٨). القول الثاني: أن ذلك يمنع من الرجوع، سوى كان ذلك معنوياً كنسيان صنعة، أو حسيا كهزال السمين.

стр. 2135

وهذا المشهور من مذهب المالكية (١). وحجة ذلك: ١ - أن تغير حال ذمة المعطى يقطع الاعتصار، فلأن يمنعه تغير الهبة في نفسها أولى وأحرى (٢). ونوقش: بالفرق بين المقيس والمقيس عليه، فإن تغير الذمة إنما كان مانعا من الفسخ؛ لأن العين ينتقل ملكها إلى غير الولد، فلا تكون للأب عليها سلطة، أما في حال النقص فإن العين باقية على ملك الولد، فلا يقطع ذلك سلطة الوالد عليها. ٢ - أن النقص تغير في الموهوب، والتغير فيه بالنقص يمنع الرجوع فيه كالزيادة المتصلة. ونوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ في صورة الزيادة المتصلة حصل شيء جديد في ملك الموهوب له، بخلاف النقص فإنه لم يحصل به شيء زائد. الترجيح: يترجح -والله أعلم- ما ذهب إليه الجمهور؛ لعموم أدلة جواز رجوع الوالد فيما وهب لولده، والإجابة عما علل به القائلون بمنع الأب من الرجوع، والله أعلم. الشرط التاسع: أن لا تزيد الهبة. صورة ذلك: أن يهب شخص لولده شيئا من الأشياء، فيزيد ذلك الشيء عند الولد؛ كأن يهبه شاة فتسمن أو تلد، أو نخلا فتثمر، ونحو ذلك، فهل تكون تلك الزيادة مانعة للوالد من الفسخ في هبته لولده تلك؟

стр. 2136

اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الزيادة لا تمنع الرجوع في الموهوب مطلقاً سواء أكانت متصلة أم منفصلة. وإلى هذا القول ذهب إليه مطرف وابن الماجشون من المالكيَّة (١)، والشافعيَّةُ (٢)، والرواية الثانية عند الحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، وهو قول ابن أبي ليلى (٥). قال المواق: "وأمَّا إذا تغيرت الهبة في عينها، فقد قال مطرف وابن الماجشون: زيادتها في عينها ونقصها لا يمنع اعتصارها. وقال أصبغ: بمنع اعتصارها، وهو الظَّاهر من قول مالك وابن القاسم" (٦). وقال الشربيني: " ولو زاد الموهوب رجع الأصل فيه بزيادته المتصلة كسمن وحرث أرض لزراعة؛ لأنها تتبع الأصل، تنبيه: يستثنى من إطلاقه صورتان: الأولى: ما لو وهب أمة أو بهيمة حائلا ثم رجع فيها وهي حامل لم يرجع إلا في الأم دون الحمل؛ بناء على أن الحمل يعلم وهو الأصح، ويرجع في الأم ولو قبل الوضع في أحد وجهين، صححه القاضي، وهو المعتمد، كما أجاب به ابن الصباغ وغيره.

стр. 2137

الثانية: ما لو وهبه نخلا فأطلعت تمرا غير مؤبر، فلا يرجع فيه على المذهب؛ لأنه لا معاوضة ولا تراض كالصداق (١) … لا الزيادة المنفصلة كالولد الحادث والكسب، فلا يرجع الأصل فيها بل تبقى للموهب ". وقال ابن قدامة: " الرابع: أن لا تزيد زيادة متصلة كالسمن والكبر وتعلم صنعة، فإن زادت، فعن أحمد فيها روايتان " (٢). وحجته: ١ - عموم أدلة جواز رجوع الوالد فيما وهب لولده. وهذا العموم يشمل ما إذا زادت الهبة مطلقا. ٢ - أنَّ حقَّ الرجوع كان ثابتاً في الأصل فيثبت في التبع. نوقش: بأنَّ الأصل أن يرجع فيه مادام ذلك ممكناً، أمّا إن تعذر بأن يرجع الأب فيما لم يهبه فلا؛ لكونه يكون قد رجع فيما لم يهبه، والشارعُ إنما أباحَ له أن يرجع فيما وهبه. وأجيب: بعدم التسليم، فإمكان الرجوع ممكنٌ كما سبق. ٣ - أنَّ الزيادةَ المتصلةَ لا تمنع الرجوع بعد القبض، كما أنَّ المنفصلةَ لا تمنعه بجامع كون كل واحدة منهما زيادة (٣). ونوقش بالفرق بين الزيادتين: فإَّن الزيادةَ المنفصلة لم تمنعه؛ لإمكان العود في الأصل دونها، وأما المتصلة فإنما منعته؛ لعدم إمكان العود في الأصل دونها. وأجيب: بإمكان الرجوع في الزيادة المتصلة كما سبق.

стр. 2138

٤ - أنَّ الزيادةَ المتصلةَ لا تمنع الرجوع بعد القبض، كما أنها لا تمنعه قبل القبض (١). ونوقش: بأنه قياسٌ على مختلف فيه، وهو لا يثمر حجة إلا عند من يرى صحة الحكم في الأصل (٢). ٥ - قياساً على نقص القيمة (٣). ونوقش: بالفرق؛ ذلك أن الزيادة المجردة في السعر ليست زيادة حقيقية في عين الموهوب، وإنما بسبب كثرة رغبات الناس بخلاف الزيادة في عين الموهوب فهي زيادة حقيقية. القول الثاني: أنَّ الزيادة إن كانت متصلة تمنع الرجوع، وإن كانت منفصلة لم تمنع الرجوع. وإلى هذا القول ذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وهو المذهب عند الحنابلة (٦). وقال السرخسي: " وإن كانت الهبة دارا، أو أرضا فبنى في طائفة منها، أو غرس شجرا، أو كانت جارية صغيرة فكبرت وازدادت خيرا، أو كان غلاما فصار رجلا، فلا رجوع له في شيء من ذلك " (٧).

стр. 2139

ودليلهم: أولاً: استدلوا على الرجوع في الزيادة المنفصلة: ١ - ما تقدم من دليل الرأي الأول. ٢ - أنه يمكن الفسخ في الأصل دونها بخلاف المتصلة، وإذا كان الفسخ في الأصل ممكنا دونها لم يفت الفسخ؛ إذ لا ضرر (١). ثانياً: استدلوا لمنع الرجوع بالزيادة المتصلة بما يلي: ١ - أن الشارع إنما جعل الرجوع للوالد فيما وهب، والموهوب قد اختلط بغيره، فإذا رجع رجع فيما لم يهب لولده فيمتنع (٢). ٢ - أن الزيادة ليست بموهوبة، إذ لم يرد عليها العقد، فلا يجوز أن يرد عليها الفسخ (٣)؛ لئلا يفضي إلى سوء المشاركة وضرر التشقيص (٤). ونوقش هذان الدليلان بما نوقش به الدليل الثاني من الرأي الثالث. ٣ - أنَّ حقَّ الواهب هنا ضعيف، وحق صاحب الزيادة قوي، فإذا تعذر التمييز بينهما رجحنا أقوى الحقين وجعلنا الضعيف مرفوعاً (٥). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مجرد دعوى تحتاج إلى دليل. ٤ - ولأن الفسخ في هذه الحالة هو استرجاع للمال بفسخ عقد لغير عيب في عوضه، فمنعته الزيادة المتصلة، كاسترجاع الصداق بفسخ النكاح أو نصفه بالطلاق، أو رجوع البائع في المبيع لفلس المشتري (٦).

стр. 2140

ونوقش هذا الاستدلال: بقلبه حجة عليكم، فيقال: الزيادة المتصلة لا تمنع الرجوع كفسخ النكاح لا يمنع من استرجاع الصداق، والطلاق لا يمنع استرجاع نصف الصداق، وفلس المشتري لا يمنع رجوع البائع في السلعة. ٥ - أن الزيادة نماء ملك الموهوب له فيمتنع الرجوع فيها، وإذا امتنع الرجوع فيها امتنع في الأصل؛ لئلا يفضي إلى سوء المشاركة. ونوقش: بعدم التسليم فيمكن الرجوع في الزيادة دون الأصل. القول الثالث: أن زيادة الموهوب تمنع الأب من الرجوع على ولده مطلقاً، سواء أكانت الزيادة متصلة أو منفصلة. وهو رواية عن الإمام أحمد (١). وحجته: ١ - حديث ابن عمر، وابن عباس ﵄، وفيه قوله ﷺ : " لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهبه لولده " (٢)، والموهوب إذا تغير بالزيادة لم يعد عين ما وهبه الوالد، بل هو شيء آخر (٣). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أنه لو قيل بهذا لم يعد واهب فيما وهبه لولده إلا في القليل النادر؛ لأن أغلب الأشياء تتغير في فترة وجيزة عن حقيقتها التي كانت عليها، خصوصا ما كان نامياً منها، وأحكام الشريعة معلقة بالغالب لا بالنادر. الوجه الثاني: أنَّ التغيّرَ المعتبرَ هو التغير المؤثر في قيم الأشياء ورغبة
следующие страницы →