← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الزيادة لا تمنع الرجوع في الموهوب مطلقاً سواء أكانت متصلة أم منفصلة. وإلى هذا القول ذهب إليه مطرف وابن الماجشون من المالكيَّة (١)، والشافعيَّةُ (٢)، والرواية الثانية عند الحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، وهو قول ابن أبي ليلى (٥). قال المواق: "وأمَّا إذا تغيرت الهبة في عينها، فقد قال مطرف وابن الماجشون: زيادتها في عينها ونقصها لا يمنع اعتصارها. وقال أصبغ: بمنع اعتصارها، وهو الظَّاهر من قول مالك وابن القاسم" (٦). وقال الشربيني: " ولو زاد الموهوب رجع الأصل فيه بزيادته المتصلة كسمن وحرث أرض لزراعة؛ لأنها تتبع الأصل، تنبيه: يستثنى من إطلاقه صورتان: الأولى: ما لو وهب أمة أو بهيمة حائلا ثم رجع فيها وهي حامل لم يرجع إلا في الأم دون الحمل؛ بناء على أن الحمل يعلم وهو الأصح، ويرجع في الأم ولو قبل الوضع في أحد وجهين، صححه القاضي، وهو المعتمد، كما أجاب به ابن الصباغ وغيره.

стр. 2137

الثانية: ما لو وهبه نخلا فأطلعت تمرا غير مؤبر، فلا يرجع فيه على المذهب؛ لأنه لا معاوضة ولا تراض كالصداق (١) … لا الزيادة المنفصلة كالولد الحادث والكسب، فلا يرجع الأصل فيها بل تبقى للموهب ". وقال ابن قدامة: " الرابع: أن لا تزيد زيادة متصلة كالسمن والكبر وتعلم صنعة، فإن زادت، فعن أحمد فيها روايتان " (٢). وحجته: ١ - عموم أدلة جواز رجوع الوالد فيما وهب لولده. وهذا العموم يشمل ما إذا زادت الهبة مطلقا. ٢ - أنَّ حقَّ الرجوع كان ثابتاً في الأصل فيثبت في التبع. نوقش: بأنَّ الأصل أن يرجع فيه مادام ذلك ممكناً، أمّا إن تعذر بأن يرجع الأب فيما لم يهبه فلا؛ لكونه يكون قد رجع فيما لم يهبه، والشارعُ إنما أباحَ له أن يرجع فيما وهبه. وأجيب: بعدم التسليم، فإمكان الرجوع ممكنٌ كما سبق. ٣ - أنَّ الزيادةَ المتصلةَ لا تمنع الرجوع بعد القبض، كما أنَّ المنفصلةَ لا تمنعه بجامع كون كل واحدة منهما زيادة (٣). ونوقش بالفرق بين الزيادتين: فإَّن الزيادةَ المنفصلة لم تمنعه؛ لإمكان العود في الأصل دونها، وأما المتصلة فإنما منعته؛ لعدم إمكان العود في الأصل دونها. وأجيب: بإمكان الرجوع في الزيادة المتصلة كما سبق.

стр. 2138

٤ - أنَّ الزيادةَ المتصلةَ لا تمنع الرجوع بعد القبض، كما أنها لا تمنعه قبل القبض (١). ونوقش: بأنه قياسٌ على مختلف فيه، وهو لا يثمر حجة إلا عند من يرى صحة الحكم في الأصل (٢). ٥ - قياساً على نقص القيمة (٣). ونوقش: بالفرق؛ ذلك أن الزيادة المجردة في السعر ليست زيادة حقيقية في عين الموهوب، وإنما بسبب كثرة رغبات الناس بخلاف الزيادة في عين الموهوب فهي زيادة حقيقية. القول الثاني: أنَّ الزيادة إن كانت متصلة تمنع الرجوع، وإن كانت منفصلة لم تمنع الرجوع. وإلى هذا القول ذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، وهو المذهب عند الحنابلة (٦). وقال السرخسي: " وإن كانت الهبة دارا، أو أرضا فبنى في طائفة منها، أو غرس شجرا، أو كانت جارية صغيرة فكبرت وازدادت خيرا، أو كان غلاما فصار رجلا، فلا رجوع له في شيء من ذلك " (٧).

стр. 2139

ودليلهم: أولاً: استدلوا على الرجوع في الزيادة المنفصلة: ١ - ما تقدم من دليل الرأي الأول. ٢ - أنه يمكن الفسخ في الأصل دونها بخلاف المتصلة، وإذا كان الفسخ في الأصل ممكنا دونها لم يفت الفسخ؛ إذ لا ضرر (١). ثانياً: استدلوا لمنع الرجوع بالزيادة المتصلة بما يلي: ١ - أن الشارع إنما جعل الرجوع للوالد فيما وهب، والموهوب قد اختلط بغيره، فإذا رجع رجع فيما لم يهب لولده فيمتنع (٢). ٢ - أن الزيادة ليست بموهوبة، إذ لم يرد عليها العقد، فلا يجوز أن يرد عليها الفسخ (٣)؛ لئلا يفضي إلى سوء المشاركة وضرر التشقيص (٤). ونوقش هذان الدليلان بما نوقش به الدليل الثاني من الرأي الثالث. ٣ - أنَّ حقَّ الواهب هنا ضعيف، وحق صاحب الزيادة قوي، فإذا تعذر التمييز بينهما رجحنا أقوى الحقين وجعلنا الضعيف مرفوعاً (٥). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مجرد دعوى تحتاج إلى دليل. ٤ - ولأن الفسخ في هذه الحالة هو استرجاع للمال بفسخ عقد لغير عيب في عوضه، فمنعته الزيادة المتصلة، كاسترجاع الصداق بفسخ النكاح أو نصفه بالطلاق، أو رجوع البائع في المبيع لفلس المشتري (٦).

стр. 2140

ونوقش هذا الاستدلال: بقلبه حجة عليكم، فيقال: الزيادة المتصلة لا تمنع الرجوع كفسخ النكاح لا يمنع من استرجاع الصداق، والطلاق لا يمنع استرجاع نصف الصداق، وفلس المشتري لا يمنع رجوع البائع في السلعة. ٥ - أن الزيادة نماء ملك الموهوب له فيمتنع الرجوع فيها، وإذا امتنع الرجوع فيها امتنع في الأصل؛ لئلا يفضي إلى سوء المشاركة. ونوقش: بعدم التسليم فيمكن الرجوع في الزيادة دون الأصل. القول الثالث: أن زيادة الموهوب تمنع الأب من الرجوع على ولده مطلقاً، سواء أكانت الزيادة متصلة أو منفصلة. وهو رواية عن الإمام أحمد (١). وحجته: ١ - حديث ابن عمر، وابن عباس ﵄، وفيه قوله ﷺ : " لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهبه لولده " (٢)، والموهوب إذا تغير بالزيادة لم يعد عين ما وهبه الوالد، بل هو شيء آخر (٣). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أنه لو قيل بهذا لم يعد واهب فيما وهبه لولده إلا في القليل النادر؛ لأن أغلب الأشياء تتغير في فترة وجيزة عن حقيقتها التي كانت عليها، خصوصا ما كان نامياً منها، وأحكام الشريعة معلقة بالغالب لا بالنادر. الوجه الثاني: أنَّ التغيّرَ المعتبرَ هو التغير المؤثر في قيم الأشياء ورغبة

стр. 2141

الناس فيها، أما التغير الذي لا يؤثر على قيم الأشياء ورغبة الناس فيها، فهذا لا اعتبار له كما هو معروف في قواعد الشرع، وأعراف الناس (١). ٢ - أنَّ الرجوعَ يفضي إلى سوء المشاركة وضرر التشقيص (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا الضرر يمكن إزالته بجعل العين للوالد، وقيمة الزيادة للولد. ٣ - أن تغير حال ذمة المعطي يمنع الرجوع، فلأن يمنعه تغير الهبة في نفسها أحرى وأولى (٣). وقد سبقت مناقشة هذا الدليل في الشرط قبله. الترجيح: يترجح لي -والله أعلم- أن الزيادة سواء كانت متصلة أو منفصلة لا تمنع الرجوع؛ لقوة دليله، ومناقشته دليل المخالف، فيرجع الوالد، ويكون الابن شريكاً في الزيادة المتصلة، وإن كانت الزيادة منفصلة فالقول بعدم الفوات بها وجيه؛ لأن الأب يستطيع أن يرجع في الأصل، وأما الزيادة فتبقى للولد ولا يكون في ذلك ضرر على الولد ويكون الوالد قد رجع فيما أباح الشارع له العودة فيه. فرع: شرط اعتبار الزيادة المتصلة مانعة من الرجوع. يشترط لكون الزيادة المتصلة في ذات الموهوب مانعة للرجوع: أن تكون مؤثرة في زيادة قيمته. وأما الزيادة التي لا تؤثر في زيادة قيمة الموهوب، فليست مانعة من الرجوع؛ لأنها في حكم العدم.

стр. 2142

قال الزيلعي: " والمراد بالزيادة المتصلة هو الزيادة في نفس الموهوب بشيء يوجب زيادة في القيمة، كما في المذكور في المختصر، وكالجمال والخياطة والصبغ ونحو ذلك، وإن زاد من حيث السعر فله الرجوع؛ لأنه لا زيادة في العين فلا يتضمن الرجوع إبطال حق الموهوب له " (١). وقال الكاساني: " وإن صبغ الثوب بصبغ لا يزيد فيه أو ينقصه فله أن يرجع؛ لأن المانع من الرجوع هو الزيادة فإذا لم يزده الصبغ في القيمة التحقت الزيادة بالعدم " (٢). وقال البهوتي: " (وإن وهبه) أمة أو بهيمة (حائلا ثم رجع) الأب (فيها حاملا فإن زادت قيمتها) بالحمل (فزيادة متصلة) تمنع الرجوع (وإن وهبه نخلا فحملت فقبل التأبير زيادة متصلة) تمنع الرجوع (وبعده) أي: التأبير، والمراد التشقق (منفصلة) لا تمنع الرجوع، نقله الحارثي عن الموفق واقتصر عليه " (٣). الشرط العاشر: أن لا يخلط الولد الهبة بما لا يمكن تمييزه عنها. صورة ذلك: أن يهب والد لولده هبة فيخلطها بما لا يمكن تمييزها عنها، كأن يهبه مثليا فيخلطه بمثله كبر ببر، فهل يمنع على الوالد الفسخ أو لا يكون كذلك؟ ذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥) إلى أن خلط الموهوب بما لا يمكن تمييزه يمنع على الوالد الرجوع في هبته لولده.

стр. 2143

ولا يبعد أن يكون هذا هو مذهب الشافعية، والحنابلة؛ وذلك لكونهم يرون أن الإتلاف يمنع على الوالد الرجوع في الموهوب كما سبق (١)، والخلط الذي لا يمكن معه التمييز نظير الإتلاف في كون الموهوب لا تبقى عينه. وقد علل أصحاب هذا القول له: بأن خلط الموهوب بما لا يتميز عنه جار مجرى إتلافه فبطل الرجوع فيه (٢). الشرط الحادي عشر: أن لا يتغير ثمن الهبة. صورة ذلك: أن يهب والد لولده شيئا من الأشياء فيزيد سعر ذلك الشيء، أو ينقص عند الولد، أو من يقوم مقامه في القبض، فهل يكون نقص سعره أو زيادته مانعاً للفسخ فيه على الوالد أو لا يكون كذلك؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن تغير السعر لا يمنع الرجوع مطلقاً، سواء أكان بزيادة أو نقص. وإلى هذا القول ذهب الحنفية، وهو المشهور من مذهب المالكية (٣)، بل إن بعضهم جعله القول الوحيد في المذهب وأن غيره ليس قولا في المذهب، وإنما نسب إلى المذهب خطأ (٤). وهو مقتضى مذهب الشافعية كذلك؛ لأنهم يرون أن نقص الشيء وزيادته

стр. 2144

لا تمنع على الوالد الرجوع فيه كما سبق أن عرفنا (١)، فمن باب أولى أن يقولوا بذلك في حوالة الأسواق؛ لأن من أسبابها نقص الشيء وزيادته. وحجته: ١ - حديث ابن عباس، وابن عمر ﵄، وعمومه يشمل الرجوع مع تغير السعر. ٢ - أن الشارع جعل للأب الواهب لابنه أن يعود فيما وهبه له، وتغير سعر الموهوب له لا يؤثر في حقيقته؛ لأنه إنما هو رغبة يحدثها الله في قلوب العباد، فلا تمنع الرجوع على الواهب فيما وهبه لولده (٢). القول الثاني: أن تغير السعر يمنع الفسخ مطلقا، سواء أكان التغير بنقص أو بزيادة. وهو قول في مذهب المالكية (٣). واستدل أصحاب هذا القول له بما يلي: ١ - أن نقص السعر وزيادته بمنزلة نقص الصفة وزيادتها، ونقص الصفة وزيادتها يمنعان الفسخ، فكذلك ينبغي أن يكون الحكم هنا (٤). ونوقش: بأن القول بأن تغير الشيء بزيادة أو نقصان يمنع الفسخ ليس على إطلاقه كما سبق، فكذلك يكون الحكم في المقيس عليه. ٢ - أن حوالة الأسواق تمنع الفسخ بخيار العيب، فكذلك يجب أن يكون الحكم ها هنا (٥).

стр. 2145

ونوقش: بأنه لا يسلم فوات فسخ خيار العيب بحوالة الأسواق، بل المنصوص عند المالكية -وهم أشهر من يقول باعتبار حوالة الأسواق- أنها لا تمنع الفسخ بخيار العيب (١). ٣ - أن الاعتصار على خلاف الأصل فيسقط بأدنى شيء؛ فكان ينبغي أن يسقط بتغير السعر؛ لأنه مؤثر في رغبة الناس في الأشياء (٢). ونوقش: بأن الاعتصار ما دام أن الشارع أباحه صار أصلا وليس خلاف الأصل، وإذا كان أصلا فلا يسقط إلا بما يسقط الأصول. القول الثالث: أن التغير إن كان بنقص السعر فإنه لا يمنع الرجوع، وإن كان بزيادته فإنه يمنعه. وهذا هو مقتضى مذهب الحنابلة؛ لأنهم يرون أن نقص الموهوب لا يمنع الرجوع فيه بلا منازع، وكذلك ينبغي أن يقولوا في نقص السعر؛ لأن نقص قيمة الشيء كنقص ذاته، ويرون أن الزيادة المتصلة تمنع الرجوع كما سبق (٣)، وكذلك ينبغي أن يقولوا في زيادة السعر؛ لأنها متصلة بالموهوب. وحجته: القياس على التغير في الموهوب زيادة ونقصا، فكما أن نقص ذات الشيء لا يمنع الرجوع فيه، فكذلك نقص قيمته، وكما أن زيادة الشيء المتصلة فيه تمنع الرجوع، فكذا زيادة الثمن تمنعه بجامع أن كل واحد منهما زيادة متصلة. ونوقش: بعدم التسليم، فالزيادة المتصلة لا تمنع الرجوع كما سبق، وأيضاً المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم.

стр. 2146

الترجيح: يظهر -والله أعلم بالصواب- أن الراجح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو أن تغير الأسواق نقصا أو زيادة لا يمنع الرجوع على الوالد فيما وهبه لولده؛ لأن تغير السعر لا يغير العين من حقيقتها، فيكون الرجوع لبقاء العين على حقيقتها، وللإجابة عما استدل به أصحاب القولين الآخرين. الشرط الثاني عشر: أن لا ينقل الولد الموهوب من مكان لآخر بكلفة. صورة ذلك: أن يهب شخص لولده هبة فينقلها الابن بكلفة إلى مكانه الذي هو فيه، فهل يكون نقله للهبة بكلفة مانعاً للرجوع على الوالد أو لا؟. القول الأول: أن ذلك لا يمنع الرجوع. وإليه ذهب أبو يوسف من الحنفية (١)، وهو قول المالكية (٢)، ومقتضى مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). واستدل أصحاب هذا القول: ١ - عموم أدلة رجوع الأب فيما وهبه لولده، فالشارع أباح للوالد الرجوع فيما وهب لابنه، والأب إذا رجع في الموهوب بعد نقله بكلفة لا يقال بأنه رجع في غير ما وهبه لابنه. ٢ - أن الكلفة غير متعلقة بالعين، بل هي خارجة عنها (٥).

стр. 2147

ونوقش: بأن زيادة كلفة النقل كزيادة السعر، وزيادة السعر تعتبر زيادة متصلة بالعين؛ لأنها متعلقة بقيمتها، وكذلك يجب أن تكون زيادة الكلفة. وأجيب عنه: بأن زيادة الكلفة تعتبر في حكم الزيادة المنفصلة؛ لأنها محددة ومتميزة عن قيمة الهبة بخلاف زيادة السعر؛ إذ هي جزء من قيمة الهبة فهي في حكم المتصلة. وأيضاً: فإن الزيادة المتصلة لا تمنع الرجوع، كما تقدم. القول الثاني: أن ذلك يمنع الرجوع. وإليه ذهب أبو حنفية، ومحمد بن الحسن من الحنفية (١). وعللوا لذلك: بأن الرجوع يبطل حق الولد في الكراء ومؤنة النقل، فلا يصح (٢). ونوقش: بأن مؤنة الكراء لا تبطل الرجوع في الموهوب على الوالد؛ لإمكان استرجاع الهبة بدونها؛ إذ يأخذ الوالد هبته ويدفع للابن الكراء. الترجيح: يظهر -والله أعلم- أن الراجح في هذه المسألة أن كلفة نقل الهبة لا تمنع على الوالد الرجوع فيما وهبه لولده؛ لإمكان الرجوع في الموهوب والتعويض للولد عن كلفة النقل، وللإجابة عما علل به أصحاب القول المانع. الشرط الثالث عشر: أن لا يتعلق بالهبة رغبة للغير. صورة ذلك: أن يهب الوالد لولده هبة يرغب الناس في التعامل معه بسببها، كأن يعطيه مزارع أو دواراً ونحو ذلك، فيعامله الناس طمعا في ذلك المال، كأن يزوجوه إن كان ذكرا أو يتزوج بها إن كانت بنتاً طمعا في

стр. 2148

المال، أو يبيعوا له ونحو ذلك من أنواع المعاملة التي يكون الهدف منها الرغبة في ذلك المال، فهل إذا عامل الناس الولد على ذلك الأساس يفوت على الأب الرجوع فيما وهبه لولده أو لا؟. اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن المال الموهوب إن تعلقت به حقوق غير الولد جميعاً فات فيه الفسخ، وإن تعلقت ببعضه فات الفسخ في ذلك البعض دون الباقي. فلو وهب لابنه مبلغاً من المال يكفي منه نصفه لتحصل الرغبة في الابن بالتزويج، أو المداينة، فإنه يرجع بالنصف الزائد. وهذا القول هو اختيار الشيخ تقي الدين (١). القول الثاني: أن ذلك يمنع الرجوع للأب. وبه قال المالكية (٢)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣). القول الثالث: أن نكاح الولد الذكر بعد الهبة لا يمنع الرجوع، بخلاف الأنثى. ذهب إليه بعض المالكية (٤). القول الرابع: أن ذلك لا يمنع الرجوع. وبه قال الشافعية (٥)، وهو مقتضى قول الحنفية (٦)، وهو رواية عن الإمام

стр. 2149

أحمد (١)، وبه قال ابن حزم (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: (يرجع دون ما تعلقت به الرقبة) ١ - الجمع بين أدلة القول الثاني والقول الثالث الآتية. ٢ - أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدما. أدلة القول الثاني: (أنه لا يرجع مطلقاً) ١ - حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار " (٣). وجه الاستدلال: أن الشارع منع على الإنسان فعل ما يضر بغيره، وفي الرجوع في هذه الحال إضرار بمن تعامل مع الابن بناء على تلك الهبة، فلا يصح الرجوع (٤). ونوقش: بأن الرجوع في المال الذي لم تتعلق به الحقوق لا ضرر فيه. (٢٥٦) ٢ - ما رواه عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: " كتب عمر ﵁ يعتصر الرجل من ولده ما أعطاه ما لم يمت، أو يستهلك، أو يقع في دين " (٥) (منقطع). ونوقش: بأنه معارض بأصح منه عن عمر ﵁ أنَّ المرءَ يرجعُ فيما وهب ما لم يثب إلا لذي رحم (٦).

стр. 2150

(٢٥٧) ٣ - ولما روى ابن حزم من طريق ابن الجهم، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا أبو ثابت المديني، نا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أنَّ موسى بن سعد حدَّثَه أنَّ سعداً مولى الزبير (١) نحَلَ ابنتَه جاريةً، فلما تزوجت أراد ارتجاعها فقضى عمر بن الخطاب ﵁: " أنَّ الوالدَ يعتصر (٢) ما دام يرى ماله، ما لم يمت صاحبها فتقع في ميراث (٣)، أو تكون امرأة تنكح (٤)، ثم تلاه عثمان " (٥). فهذا قضاء عمر وعثمان بحضرة الصحابة. ٤ - ولأن النكاح قد يقصد به المال. (٢٥٨) روى البخاري ومسلم من طريق سعد بن أبي سعيد، عن أبيه،

стр. 2151

عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " تنكح المرأة لدينها، ولمالها، ولجمالها، فاظفر بذات الدين تربت يداك " (١). فإذا كان المال من أغراض النكاح، وكان أحد الزوجين قد تزوج الآخر من أجل عطية أبيه، فليس للأب أن يزيل تلك العطية، فتبطل زيادة من زاد في نكاحه من أجلها. قال مالك: " … وإنما تنكحه لغناه وللمال الذي أعطاه أبوه … وإنما يتزوجها ويرفع في صداقها لغناها ومالها " (٢). ٥ - أن الموهوب قد تعلقت به حقوق غير الابن، ففي الرجوع فيه إبطال حقه، وإبطال الحق لا يكون إلا بحق. ونوقش: بأن إبطال الحق لا يكون إلا بحق إذا تعلقت تلك الحقوق بجميع المال، أما لو تعلقت ببعضه فلا يكون الفسخ فيما زاد عن الحق فيه إبطالا للحق، فلا يفوت فيه الفسخ. ٦ - ولأن في هذا تحايلاً على إلحاق الضرر بالمسلمين، ولا يجوز التحيل على ذلك عملاً بسد الذرائع (٣). ويمكن أن يناقش: بأن فيه تحايلاً على إبطال حقوق الناس إذا قلنا: بالفوات مطلقاً، أما لو قيل بالفوات الجزئي فلا يقع إبطال. ٧ - وللاتفاق على أنه لا رجوع له في البيع والعتق، فكذلك ما نحن فيه (٤).

стр. 2152

دليل القول الثالث: (أن نكاح الذكر لا يمنع الرجوع بخلاف الأنثى) أن الولد الذكر دخل في ما المخرج منه بيده، بخلاف الابنة فقد دخلت في ما المخرج منه بيد غيرها (١). ونوقش: بأن حق الزوجة قد تعلق بمال الزوج كما تعلق حق الزوج بمال الزوجة، بل تعلق حق الزوجة بمال الزوج أقوى؛ لما فيه من المداينة، ولما يجب لها من النفقة والكسوة، والسكنى في ماله، فإذا كان نكاح الابنة يمنع الاعتصار -الرجوع- فلأن يمنعه نكاح الذكر أولى (٢). دليل القول الرابع: (الرجوع مطلقاً) حديث ابن عمر، وابن عباس ﵄، وفيه: قوله ﷺ : " لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهبه، إلا الوالد فيما وهبه لولده " (٣). وجه الاستدلال: أن هذا الحديث عام في جواز رجوع الوالد فيما وهبه لولده فيشمل ما إذا عامل الناس الولد بسبب الهبة، فيكون للأب الرجوع فيها (٤). ونوقش: بأن كونها غير متعلقة بعين الموهوب غير صحيح، بل هي متعلقة به؛ لأن المعاملة إنما وقعت بسببها. الترجيح: يترجح -والله أعلم- القول الأول؛ لما فيه من الجمع بين الأدلة، وللإجابة عما استدل به أصحاب القولين الآخرين. الشرط الرابع عشر: أن لا يفلس الولد. صورة ذلك: أن يهب شخص شيئا من المال لولده فيحكم على الولد

стр. 2153

بالإفلاس، فهل يمنع ذلك على الأب الرجوع فيما وهبه لولده لتفليسه وتعلق حقوق الغرماء بماله أو لا يفوت عليه ذلك؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن ذلك يمنع الرجوع. وهو مقتضى رأي الصاحبين من الحنفية؛ لأنهما يريان الحجر على المفلس (١). وهذا هو قول المالكية (٢)، وأصح القولين عند الشافعية (٣)، وإحدى الروايتين عند الحنابلة (٤). وحجة هذا القول: ١ - بأن حقوق الغرماء قد تعلقت بالموهوب، فيمنع الرجوع على الأب (٥). ٢ - وقياساً على الرهن (٦). القول الثاني: أن ذلك لا يمنع الرجوع. وهو مقتضى مذهب أبي حنيفة، وهذا هو أحد القولين عند الشافعية (٧)؛ لأنه لا يرى الحجر بالإفلاس (٨).

стр. 2154

وحجته: (٢٥٩) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : " من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به " (١). والأب قد أدرك ماله عند الابن المفلس. ونوقش من وجهين: الأول: بما تقدم من أن حقوق الغرماء أسبق. الثاني: أن الحديث وارد في البيع ونحوه من المعاوضات المالية إذا أدرك البائع ماله عند المفلس، ولم يأخذ ثمن سلعته، فهو أحق بها. ٢ - أن حق الأب أسبق من حق الغرماء، فلا يمنع الرجوع؛ لأن حقه يتعلق بالموهوب من حين الهبة، وحقوقهم متعلقة بالموهوب من حين التفليس، والهبة سابقة على التفليس (٢)، ولبقائها في يد الابن (٣). ونوقش: بعدم التسليم؛ إذ إن رجوع الوالد لم يحصل إلا بعد التفليس، فيكون حق الغرماء أسبق. وأيضاً: فإن الغرماء يمكن أن يكونوا عاملوه بناء على ما لديه من مال، فإذا رجع الأب كان في ذلك تغريرا وغشا. الترجيح: يظهر -والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول القاضي بمنع

стр. 2155

الأب من رجوعه فيما وهبه لولده المفلس؛ لأن حقوق الناس قد تعلقت بها، فلو قيل إن له الرجوع لربما ضاعت تلك الحقوق هدرا. الشرط الخامس عشر: أن لا يرهن الولد الهبة. صورة ذلك: أن يهب شخص لولده هبة، فيرهن الولد تلك الهبة، فهل يفوت على الوالد الرجوع في تلك الهبة برهن الولد لها أو لا يفوت عليه؟ القول الأول: أن ذلك يمنع الرجوع بشرط أن يكون المرتهن قد قبض الرهن، فإن لم يقبضه لم يمنع الرجوع؛ لأن الرهن لا يلزم إلا بالقبض؛ ولكن المنع هنا مؤقت متى انفك الرهن جاز للوالد أن يفسخ الهبة فيه. وإلى هذا القول ذهب الشافعية (١)، وهو إحدى الروايات عن أحمد (٢) ﵀. إلا أن الشافعية يشترطون للفوات شرطا ثانياً، وهو ألا يكون المرتهن هو الوالد، فإن كان المرتهن هو الوالد فلا يمنع الرجوع بالارتهان؛ لأن العلة من جهته (٣). وعللوا لما ذهبوا إليه: بأن الفسخ يقتضي إبطال حق غير الولد، فلا يجوز (٤). القول الثاني: أن ذلك لا يمنع الرجوع. وهو مقتضى مذهب الحنفية، والمالكية القائلين: بأن الموهوب ما دام في ملك الابن لم يتغير، فإنه يحق للوالد الرجوع فيه (٥).

стр. 2156

وهو إحدى الروايات عن أحمد (١). وحجته: عموم حديث ابن عباس وابن عمر ﵄: " لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما وهبه لولده " (٢)، فإنه يقتضي أن للأب أن يرجع على كل حال. الترجيح: لعل الراجح -والله أعلم- هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهو أن الرهن يمنع الرجوع منعا مؤقتاً إلى فك الرهن؛ وذلك لما فيه من الجمع بين الأدلة ومراعاة مصالح العاقدين؛ إذ فيه جمع بين عموم الحديث المبيح للرجوع، وحديث دفع الضرر القاضي بأن لا ضرر ولا ضرار. وفيه كذلك مراعاة لمصلحة الوالد بحيث يمكنه أن يرجع في المرهون بعد فكه، وفيه مراعاة للمرتهن حتى لا يضيع حقه. وفي حالة ما إذا لم يقض الولد الدين الذي رهن فيه الرهن فيباع الرهن لمصلحة المرتهن حتى يقضي حقه، فإن بقيت بقية من قيمته عن قضاء الدين فيتجه أن يكون للأب الحق في العود فيها قياسا على الموهوب إذا نقص، والله أعلم. الشرط السادس عشر: أن لا يؤجر الولد الهبة. صورة ذلك: أن يهب الأب لولده هبة، فيؤجر الولد تلك الهبة، فهل يصح للوالد أن يفسخ الهبة فيها أو لا يصح له ذلك؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن ذلك لا يمنع الرجوع.

стр. 2157

وهو المذهب عند الشافعية (١)، وبه قال الحنابلة (٢). وهو مقتضى مذهب الحنفية، والمالكية: القاضي بأن العين مادامت على حالها ولم تخرج من ملك الولد يمكن للأب الرجوع فيها (٣). غير أن الشافعية، والحنابلة مع كونهم يرون أن الأب لا يمتنع عليه الرجوع بالتأجير إلا أنهم يرون أن الإجارة لا تفسخ حتى تنتهي مدتها (٤)، فرجع قولهم إلى القول الثاني. وحجته ما يلي: ١ - حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهبه إلا الوالد " (٥). ٢ - أن تأجير العين لا يمنع على الولد التصرف فيها، وكل ما لا يمنع التصرف على الولد لا يمنع التصرف على الوالد (٦). ٣ - أن العين باقية على ملك الولد لم تخرج، والهبة للولد إذا بقيت في ملكه جاز لوالده الرجوع فيها، فكذا هنا (٧). القول الثاني: أن ذلك يمنع الرجوع منعا مؤقتا إلى انتهاء عقد الإجارة. وهو قول للشافعية (٨).

стр. 2158

وحجته: أن المستأجر مختص بمنافع العين المؤجرة فيمنع الرجوع على الأب دفعا للضرر عن المستأجر (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- أن تأجير العين الموهوبة لا يمنع الرجوع؛ لقوة دليله. ثمرة الخلاف: على القول بالفوات تكون زوائد العين المؤجرة المنفصلة، والأجرة للولد حتى تنتهي مدة الإجارة، وعلى القول برجوع الوالد وعدم الفوات يكون كل ذلك للأب من تاريخ الفسخ. الشرط السابع عشر: أن لا يسقط الأب حقه من الرجوع. صورة ذلك: أن يهب الولد لولده هبة، ويلتزم أنه لن يعود فيها، فهل التزامه ذلك يمنع عليه الرجوع فيها، أو لا يفيته عليه متى ما أراد أن يرجع رجع؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يمتنع عليه الرجوع. وهو قول للحنفية (٢)، وهو القول الراجح في مذهب المالكية (٣)، وبه قال الحنابلة في قول (٤)، واختاره شيخ الإسلام (٥).

стр. 2159

وحجته: ١ - الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالوعد؛ ومن تلك الأدلة: أ- قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (١). ب- قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢). ج- قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ (٣). (٢٦٠) د- ما رواه البخاري ومسلم من طريق نافع، عن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان " (٤). وجه الاستدلال منها: أن الشارع الحكيم أمر بالوفاء بالوعد، والتزام إسقاط الرجوع من طرف الأب في الهبة وعد، فإذا رجع عنه كان إخلالاً بالوعد الذي قطعه على نفسه، وهو أمر لا يجوز كما هو مقتضى الكتاب والسنة (٥). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الوعد في منزلة الهبة قبل قبضها، والهبة قبل قبضها يصح الرجوع فيها، فكذلك ما كان في منزلتها (٦). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الأصل المقيس عليه غير مسلم، فالهبة تلزم بمجرد العقد كما سبق تقريره.

стр. 2160

الوجه الثاني: لا يلزم المالكية؛ لأنهم يرون أن الهبة تلزم بمجرد العقد كما سبق (١)، فترجع المسألة إلى بناء الخلاف على الخلاف الذي لا يثمر حجة على الخصم. ٢ - حديث عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " (٢). دل الحديث على أن الشروط يجب الوفاء بها، وأحقها بالوفاء الشروط في النكاح والأب قد شرط على نفسه عدم الرجوع. ٣ - وقال البخاري: قال النبي ﷺ : " المسلمون على شروطهم" (٣). ٤ - أن إسقاط الرجوع حق للوالد، ومن ملك حقا ملك أن يسقطه كإسقاط الولي حقه من ولاية النكاح عمن هو عليه (٤). القول الثاني: أن ذلك لا يمنع الرجوع. وهذا هو المذهب عند الحنفية (٥)، وقول للمالكية (٦)، وبه قال الشافعية (٧)، وهو قول للحنابلة (٨).

стр. 2161

وحجته: ١ - أن رجوع الوالد فيما وهب لولده حق ثبت له بالشرع، فلم يسقط بإسقاطه كما لو أسقط الولي حقه من ولاية النكاح (١). ونوقش: بأن هذا قياس مع الفارق؛ إذ حق الرجوع حق للأب فيملك إسقاطه، وحق ولاية النكاح حق لله من جهة وحق للمرأة من جهة أخرى، فلم يملك الولي إسقاطه (٢). ٢ - أنه حق ثبت بالشرع، فلا يملك إسقاطه كالميراث، والوقف، والاستحقاق (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا قياس على أمر مختلف فيه (٤)، والقياس على المختلف فيه لا يثمر حجة عند من لا يرى الحكم في الأصل. الوجه الثاني: أنه يسلم أنه حق ثبت بالشرع، كذلك إسقاط حق الرجوع ثبت بالشرع. ٣ - أن الواهب قد تعلق حقه بالعين فيدوم بدوام بقائها في ولاية الموهوب له (٥). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم، فإن الهبة قد انتقلت إلى ملك الموهوب له. الترجيح: يترجح -والله أعلم بالصواب- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن

стр. 2162

إسقاط الرجوع في الهبة من طرف الأب في هبته لولده يفيت عليه الرجوع فيها؛ وذلك لأن الرجوع حق محض للوالد ومن ملك حقا ملك إسقاطه، ولأن الإسقاط عدة والعدة مأمور بالوفاء بها. إلا إذا تعين الرجوع طريقاً لتلافي الجور في عطيته الأولاد، فإنه لا يسقط رجوعه بإسقاطه، لحديث النعمان. وأما ما علل به أصحاب القول الثاني فقد أجيب عنه بما يكفي، والله أعلم. الشرط الثامن عشر: أن لا يفلس الأب. صورة ذلك: أن يهب الأب هبة لولده، ثم يحكم القاضي بتفليس الأب فهل يملك الوالد الرجوع فيما وهبه لولده بعد الحكم بتفليسه أو لا يملك ذلك؛ لأن التفليس يفيت عليه الفسخ؟. القول الأول: أن الأب يملك الرجوع. وهو مقتضى قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة. أما الحنفية: فلأن أبا حنيفة لا يرى صحة الحجر على المفلس كما سبق أن عرفنا (١) .. وأما الشافعية: فلأنهم يرون كراهة رجوع الأب فيما وهبه لابنه إلا عند الحاجة (٢)، ولا شك أن الأب عند الإعسار حاجته آكد وأبين. وأما الحنابلة: فلأن المذهب عندهم هو جواز رجوع الأب فيما وهبه لولده مشروط بشروط، وتلك الشروط متوفرة في هذه الصورة، فالعين باقية

стр. 2163

على ملك الولد وتحت تصرفه على حالها من غير زيادة متصلة ولم تتعلق بها رغبات الناس، وما دامت تلك الشروط متوفرة فلا مانع من الرجوع (١). وحجته: ١ - حديث ابن عباس ﵄، وفيه قوله ﷺ : " لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهبه إلا الوالد " (٢). ففيه جواز رجوع الأب فيما وهبه لولده الذي سبق ذكره (٣). ٢ - حاجة الأب لإبراء ذمته. القول الثاني: أن الحكم بتفليس الأب يمنع الأب من الرجوع. وبه قال المالكية (٤). وحجته: أن الأب إنما جاز له اعتصار الهبة من ولده لنفسه، ولم يجز له اعتصارها لغيره؛ فإذا رجع فيها في حال التفليس لم يصح ذلك؛ لأنه إنما يرجع فيها للغرماء لا لمصلحة نفسه فلا يصح رجوعه (٥). ونوقش: بأنه يرجع فيها لمصلحته ولمصلحة الغرماء أيضا؛ فإن تخليصه من ورطة الدين مصلحة له، وإبراء لذمته وإذا تحقق أن في رجوعه مصلحة له اتجه ضعف ما بنى عليه أصحاب هذا الرأي قولهم. الترجيح: يتبين من خلال ما سبق من عرض الأقوال وأدلتها في هذه المسألة: أن الراجح فيها: هو القول بجواز رجوع الأب على ولده ولو فلّس الأب؛ وذلك

стр. 2164

لعموم أدلة جواز رجوع الأب فيما وهبه لولده، ولشدة حاجة الوالد في حال التفليس لما يخلصه من ورطة المطالبة. الشرط التاسع عشر: أن لا يحرم الأب إذا كان الموهوب صيدا. صورة ذلك: أن يهب شخص لولده صيدا ثم يحرم بعد ذلك بعمرة أو حج، فهل يصح للأب أن يرجع في تلك الهبة، أو يفوت ذلك عليه بإحرامه؟. تحرير محل النزاع: لا خلاف بين العلماء في أن الهبة إن كانت صيد بحر لا يفوت على الأب الرجوع فيها بالإحرام؛ لإجماعهم (١) على إباحة صيد البحر للمحرم؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (٢). وإنما موطن الخلاف بينهم في الهبة إذا كانت صيد بر هل يملك الرجوع فيها على الولد بالإحرام، أو لا يملك؟ على قولين: القول الأول: أنه يملك الرجوع. وهذا هو مقتضى مذهب المالكية (٣)، والحنابلة (٤) في المحرم يرجع الصيد المعيب في خيار العيب؛ لأنه فسخ، وكذلك ينبغي أن يكون قولهم هنا، لأنه فسخ كذلك. غير أنهم يرون أن الصيد المعيب يرسله المحرم إن عاد إليه ولا يمسكه (٥)، وكذلك ينبغي أن يكون قولهم هنا.

стр. 2165

وحجته: عموم أدلة جواز رجوع الأب على ولده (١). القول الثاني: أنه لا يملك الرجوع. وبه قال الشافعية، ولكنهم جعلوه مؤقتا بالإحرام (٢). وهذا القول هو مقتضى مذهب الحنفية؛ لأنهم يرون أن الأب لا يجوز له أن يرجع في هبته لولده إلا عند الحاجة (٣)، والصيد في حال الإحرام لا يصح للأب أن ينتفع به ببيع ولا أكل ولا غير ذلك من أنواع الانتفاع؛ لأن إضافة التحريم إلى العين تفيد منع الانتفاعات (٤) عندهم. وحجتهم: ١ - قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٥). ٢ - أن الوالد لا يصح إثبات يده على الصيد في حال الإحرام، فلا يملك الرجوع حتى يحل (٦). الترجيح: يظهر -والله أعلم بالصواب- أن الإحرام لا يمنع الرجوع في صيد البر على الوالد؛ لأن الفسخ لا يعد تملكا بسبب جديد، ومن ثم فلا يكون داخلا في عموم الآية، ولكن مع ذلك لا يجوز للأب الانتفاع به ما دام محرما حتى يحل.

стр. 2166

وهذا إذا كان الأب هو الذي صاد ذلك الصيد. أما إذا كان لم يصده وإنما صاده شخص آخر وأهداه إليه أو باعه له، فهذا يصح وضع اليد عليه والانتفاع به؛ لحديث أبي قتادة لما صاد حمار الوحش وهو غير محرم، فأجاز النبي ﷺ للصحابة الذين لم يعينوه على الاصطياد أن يأكلوا منه، " بل إن رسول الله ﷺ أكل منه وهو محرم " (١). الشرط العشرون: أن يكون الأب حياً إلى الرجوع. صورة ذلك: أن يهب والد لولده هبة فيقبضها الولد، ثم يموت الوالد، فهل موت الوالد يمنع الرجوع فيها على الورثة أو لا؟. لا خلاف بين العلماء فيما يبدو من أقوالهم أن موت الوالد يمنع رجوعه في هبته لولده. وقد نص على ذلك الحنفية (٢)، وهو مقتضى مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة. أما المالكية: فلأنهم يرون أن الأب لا يعتصر الهبة في حالة مرضه المخوف؛ لأنه يعتصر لغيره (٣)، وإذا كان الأب لا يعتصر للورثة، فمن باب أولى أن يمنعوا من الرجوع. ولأنهم كذلك جعلوا الاعتصار خاصا بالأب مطلقا، والأم ببعض القيود (٤). وأما الشافعية: فلأنهم يرون أن الرجوع خاص بالواهب (٥).

стр. 2167

وأما الحنابلة: فلأنهم كذلك يرون أن الرجوع في الموهوب خاص بالأب، والأم على قول (١). ولأنهم كذلك يرون أن ما وجد من عين مال الولد الذي رجع فيه الأب لا يكون تركة، وإنما يكون للولد، فلأن يكون ما لم يرجع فيه الأب خاصا بالولد أولى وأحرى (٢). وقد علل الحنفية لهذا القول: بأن الوارث لم يوجب الملك للموهوب له، فكيف يرجع في ملك لم يوجبه؟ (٣). ويأتي حكم الرجوع في الهبة إذا فضل الأب بعض أولاده أو خصه بهبة ثم مات قبل العديل (٤). الشرط الحادي والعشرون: أن لا يمرض الوالد مرضا مخوفا. صورة ذلك: أن يهب والد لولده هبة فيقبضها الولد أو تقبض له، فيمرض الوالد مرضا مخوفا قبل أن يرجع فيها، فهل يكون مرضه مانعاً لرجوعه على ولده أو لا يكون كذلك؟. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن ذلك يمنع الرجوع. وهذا هو القول المشهور عند المالكية (٥). ويحتمل أن يكون قولا للحنفية، والشافعية، والحنابلة؛ وذلك لأنهم يمنعون على المريض مرض الموت أن يحابي في عطاياه (٦)، وكذلك ينبغي

стр. 2168

أن يمنعوا هنا؛ لأنه عندما يرجع الوالد في هبته لولده التي قد حازها، فكأنما يحابي بقية الورثة ليشركهم معه فيما قد وهبه له. ثم إن الحنفية: إنما جعلوا للأب الرجوع فيما وهبه لولده عند حاجته (١)، وهو في مرض موته لا يعتصر لحاجته وإنما يعتصر للورثة فينبغي أن يمنعوا عليه الاعتصار على قاعدتهم. ثم إن الحنابلة كذلك: يرون أن المرض المخوف يمنع على الوالد الأخذ من مال ولده (٢)، فكذلك ينبغي أن يمنعوه هنا؛ لكون الرجوع هنا في مال قد صار على ملك الولد. وعلل المالكية لقولهم المشهور: بأن الوالد إذا أراد أن يرجع فيما وهبه لولده، إنما يرجع لحظ نفسه ولا يرجع لحظ الورثة (٣). القول الثاني: أن ذلك لا يمنع الوالد من الرجوع. وهو قول عند المالكية (٤). ويحتمل أن يكون قولا للحنفية، والشافعية، والحنابلة؛ لأن الحجر عندهم على المريض إنما هو في تصرفاته المخرجة للمال من ذمته (٥) على

стр. 2169

تفصيل بينهم في ذلك، واسترجاع ما وهب الوالد لولده ليس من ذلك؛ لأنه إدخال للمال في ذمته، لا إخراج له منها. وعلل المالكية لهذا القول: بأن المرض يوجب الحجر، والحجر لا يمنع على المحجور عليه تحصيل المال، وإنما عليه إخراجه من ذمته (١). الترجيح: يظهر -والله أعلم بالصواب- أن الوالد إذا مرض مرضاً مخوفاً ليس له الرجوع فيما وهبه لولده؛ لأن ماله أصبح مال وارث. فما يرجع فيه يشترك فيه بقية أولاده. إلا إذا كان رجوعه تلافياً لجور حصل منه بسبب تفضيله أو تخصيصه بعض ولده، بالهبة فيجب أن يرجع (٢)، والله أعلم. الشرط الثاني والعشرون: أن لا يجن الأب. صورة ذلك: أن يهب والد لولده هبة فيقبضها الولد، فيصاب الأب بجنون، فهل يكون جنونه مانعاً له من الرجوع؟ نص الشافعية على أن جنون الأب يفيت عليه الرجوع في الهبة إلى أن يفيق (٣)، وهذا مؤقت بالجنون، وإذا أفاق من جنونه صح أن يرجع، ويعني أن ولي أمر المجنون لا ينظر له في الرجوع. ولعل حجتهم: أن الحديث الوارد في رجوع الوالد لم يجعل الرجوع لغيره فيجب أن يقتصر عليه، ولفوات أهلية الأب، والله أعلم. الشرط الثالث والعشرون: أن لا يرتد الأب. صورة ذلك: أن يهب شخص لولده هبة، فيرتد نسأل الله السلامة

стр. 2170

والعافية، فهل تكون ردته مانعة له من الرجوع في تلك الهبة التي وهب لولده أو لا تكون؟. ذهب الشافعية: إلى أن الأب إذا ارتد فات عليه الرجوع. وعللوا لذلك: بأن ماله موقوف بسبب الردة، وأما الرجوع فلا يصح أن يوقف ولا أن يعلق (١). ولأن رجوعه قد يكون سببا في استعانته بهذا المال على المعصية. الشرط الرابع والعشرون: أن لا يكون الوالد قد نوى بها الصدقة. فإن نوى بها الصدقة فلا رجوع له على الولد. وإليه ذهب مالك (٢)، والشافعية في مقابل الأصح (٣)، والحنابلة في قول، جعله بعضهم هو المذهب (٤). قال مالك: " الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أن كل من تصدق على ابنه بصدقة قبضها الابن، أو كان في حجر أبيه فأشهد له على صدقته فليس له أن يعتصر شيئاً من ذلك " (٥). وفي الحاوي: " فأما إذا تصدق الأب على ولده، فقد اختلف أصحابنا هل يجوز له الرجوع فيها أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يجوز " (٦).

стр. 2171

وفي الإنصاف: " … وقال في الإرشاد: لا يجوز الرجوع في الصدقة بحال، وقدمه الحارثي، وقال: هذا المذهب " (١). واحتج لهذا القول بما يلي: ١ - حديث عمر ﵁ حين سأل النبي ﷺ عن شراء الفرس التي حمل عليها في سبيل الله، فقال: " لا تشتره، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" (٢)؛ لأنه أخرجها لله، فلا يجوز رجوعه فيها. فإذا كان قد نهاه عن شراء صدقته، فبان لا يكون له أن يأخذها بغير عوض من باب أولى (٣). ونوقش: بالتسليم بعدم جواز الرجوع فيما سبيله الصدقة، إلا أنه يستثنى منه الوالد؛ لعموم الحديث " … إلا الوالد ". ٢ - ولقول عمر ﵁: " من وهب هبة، وأراد بها صلة الرحم، أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع " (٤). ونوقش: بأن قول النبي ﷺ مقدم عليه، ثم إن الحديث خاص في رجوع الوالد، وأثر عمر عام، فيجب تقديم الخاص (٥). ٣ - واعتباراً بحكم سائر الصدقات، فإنه لا يرجع فيها كذا هذه (٦). ٤ - ولأن القصد بالصدقة طلب الثواب، وإصلاح حاله مع الله عز

стр. 2172

وجل، فلا يجوز أن يتغير رأيه في ذلك، والقصد بالهبة إصلاح حال الولد، وربما كان الصلاح في استرجاعه فجاز له الرجوع (١). القول الثاني: أن له الرجوع. ذهب إليه الشافعية في الأصح (٢)، والحنابلة في المذهب (٣)، والظاهرية (٤). قال الماوردي: " … والوجه الثاني: يجوز " (٥). وفي الإنصاف: " … حكم الصدقة حكم الهبة فيما تقدم على الصحيح من المذهب" (٦). واحتج لهذا القول بما يلي: ١ - حديث النعمان بن بشير ﵄، فإنه قال: " تصدق عليّ أبي بصدقة .... وقال: فرجع أبي، فرد تلك الصدقة " (٧). قالوا: وهذا نص. ونوقش: بأن أكثر الروايات ليس فيها لفظ الصدقة، ولو فرض صحة هذه اللفظة، فليست بقاطعة في نية بشير فقد يكون هذا فهم النعمان من هبة والده.

стр. 2173

٢ - عموم حديث ابن عباس ﵄، وفيه قول النبي ﷺ : " إلا الوالد فيما يعطي ولده " (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا عام خص منه ما كان سبيله الصدقة بالإجماع على عدم الرجوع في الصدقة المقبوضة. ٣ - وتغلباً لحكم الهبات (٢). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- أن له الرجوع ولو نوى الصدقة؛ لعموم حديث ابن عباس وابن عمر ﵃. الشرط الخامس والعشرون: تغير العين بفعل الموهوب له. إذا عمل الموهب في العين الموهوبة عملاً غير به صفتها، كما لو قصر القماش، أو فصله، فهل يكون للوالد الواهب الرجوع فيما وهب؟ ذهب المالكية، وابن حزم: إلى أنه لا رجوع له. ففي المنتقى: " إذا جعل الدراهم والدنانير حلياً فليس له الاعتصار " (٣). وفي المحلى: " فإن تغيرت الهبة عند الولد حتى يسقط عنها الاسم، فلا رجوع " (٤). واحتج المالكية: بأن هذا تغير في الهبة فمنع الرجوع؛ كالزيادة والنقصان فيها (٥).

стр. 2174

أما ابن حزم: فاحتج بأنها إذا تغيرت، فهي غير ما جعل له الرسول ﷺ الرجوع فيها (١). أما الحنابلة، والشافعية: فكلامهم لا يخلو من تفصيل: أما الحنابلة فقالوا: إن لم تزد القيمة فإن له الرجوع. إما إذا زادت فإن هذه زيادة متصلة، فينبنى على الروايتين في الزيادة المتصلة، كالسمن، وثمر النخيل (٢). قال ابن قدامة: " ويحتمل أن تمنع هذه الزيادة الرجوع بكل حال؛ لأنها حاصلة بفعل الابن فجرت مجرى العين الحاصلة بفعله، بخلاف السمن فإنه يحتمل أن يكون للأب، فلا يمنع الرجوع؛ لأنه نماء العين، فيكون تابعاً لها " (٣). أما الشافعية: فالحكم عندهم يختلف بنوع التغير الذي حصل في العين. قال النووي: " … ولو كان الموهوب ثوباً فصبغه الابن رجع الأب في الثوب، والابن شريك بالصبغ، ولو قصره أو كانت حنطة فطحنها، أو غزلاً فنسجه، فإن لم تزد قيمته رجع ولا شيء للابن، وإن زادت: فإن قلنا: القصارة عين، فالابن شريك، وإن قلنا: أثر، فلا شيء له " (٤). الترجيح: والذي يظهر رجحانه: هو القول بالرجوع مطلقاً ما دامت العين باقية لم تستهلك مع شراكة الابن للأب بما عمله إن زادت القيمة، أو إعطائه قدر ما أنفق في العمل الذي غير به صفة العين إن لم تزد به القيمة دفعاً للتغرير.

стр. 2175

الشرط السادس والعشرون: أن يكون الرجوع منجزا. فلا يصح تعليق الرجوع بشرط، كقوله: إذا جاء رأس الشهر فقد رجعت، ذكره الشافعية والحنابلة. وحجته: الرجوع فسخ وهو لا يقبل التعليق (١). وفيه نظر، وتقدم صحة تعليق الهبة، فالرجوع من باب أولى؛ إذ هو فرع عنها. الشرط السابع والعشرون: أن لا يشهد الوالد على الهبة، ذكره المالكية (٢). وفيه نظر لمخالفته لعموم الأدلة. الشرط الثامن والعشرون: أن تكون الهبة عينا. فلا رجوع للأب في دينه على الولد بعد الإبراء منه، ولا في منفعة أباحها له أبوه بعد الاستيفاء كسكنى دار ونحوها. نص عليه الشافعية، والحنابلة، وقد ذكر المالكية أن هبة الدين لمن هو عليه إبراء له، فلا رجوع فيها (٣). والدليل على ذلك: أن إبراء الدين إسقاط لا تمليك، وإذا انتفى التملك انتفى الرجوع، واستيفاء المنفعة بعد الإباحة بمنزلة إتلافها (٤).
следующие страницы →