وفي الإنصاف: " … وقال في الإرشاد: لا يجوز الرجوع في الصدقة بحال، وقدمه الحارثي، وقال: هذا المذهب " (١).
واحتج لهذا القول بما يلي:
١ - حديث عمر ﵁ حين سأل النبي ﷺ عن شراء الفرس التي حمل عليها في سبيل الله، فقال: " لا تشتره، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" (٢)؛ لأنه أخرجها لله، فلا يجوز رجوعه فيها.
فإذا كان قد نهاه عن شراء صدقته، فبان لا يكون له أن يأخذها بغير عوض من باب أولى (٣).
ونوقش: بالتسليم بعدم جواز الرجوع فيما سبيله الصدقة، إلا أنه يستثنى منه الوالد؛ لعموم الحديث " … إلا الوالد ".
٢ - ولقول عمر ﵁: " من وهب هبة، وأراد بها صلة الرحم، أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع " (٤).
ونوقش: بأن قول النبي ﷺ مقدم عليه، ثم إن الحديث خاص في رجوع الوالد، وأثر عمر عام، فيجب تقديم الخاص (٥).
٣ - واعتباراً بحكم سائر الصدقات، فإنه لا يرجع فيها كذا هذه (٦).
٤ - ولأن القصد بالصدقة طلب الثواب، وإصلاح حاله مع الله عز
стр. 2172
وجل، فلا يجوز أن يتغير رأيه في ذلك، والقصد بالهبة إصلاح حال الولد، وربما كان الصلاح في استرجاعه فجاز له الرجوع (١).
القول الثاني: أن له الرجوع.
ذهب إليه الشافعية في الأصح (٢)، والحنابلة في المذهب (٣)، والظاهرية (٤).
قال الماوردي: " … والوجه الثاني: يجوز " (٥).
وفي الإنصاف: " … حكم الصدقة حكم الهبة فيما تقدم على الصحيح من المذهب" (٦).
واحتج لهذا القول بما يلي:
١ - حديث النعمان بن بشير ﵄، فإنه قال: " تصدق عليّ أبي بصدقة .... وقال: فرجع أبي، فرد تلك الصدقة " (٧).
قالوا: وهذا نص.
ونوقش: بأن أكثر الروايات ليس فيها لفظ الصدقة، ولو فرض صحة هذه اللفظة، فليست بقاطعة في نية بشير فقد يكون هذا فهم النعمان من هبة والده.
стр. 2173
٢ - عموم حديث ابن عباس ﵄، وفيه قول النبي ﷺ : " إلا الوالد فيما يعطي ولده " (١).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا عام خص منه ما كان سبيله الصدقة بالإجماع على عدم الرجوع في الصدقة المقبوضة.
٣ - وتغلباً لحكم الهبات (٢).
الترجيح:
الذي يترجح -والله أعلم- أن له الرجوع ولو نوى الصدقة؛ لعموم حديث ابن عباس وابن عمر ﵃.
الشرط الخامس والعشرون: تغير العين بفعل الموهوب له.
إذا عمل الموهب في العين الموهوبة عملاً غير به صفتها، كما لو قصر القماش، أو فصله، فهل يكون للوالد الواهب الرجوع فيما وهب؟
ذهب المالكية، وابن حزم: إلى أنه لا رجوع له.
ففي المنتقى: " إذا جعل الدراهم والدنانير حلياً فليس له الاعتصار " (٣).
وفي المحلى: " فإن تغيرت الهبة عند الولد حتى يسقط عنها الاسم، فلا رجوع " (٤).
واحتج المالكية: بأن هذا تغير في الهبة فمنع الرجوع؛ كالزيادة والنقصان فيها (٥).
стр. 2174
أما ابن حزم: فاحتج بأنها إذا تغيرت، فهي غير ما جعل له الرسول ﷺ الرجوع فيها (١).
أما الحنابلة، والشافعية: فكلامهم لا يخلو من تفصيل:
أما الحنابلة فقالوا: إن لم تزد القيمة فإن له الرجوع.
إما إذا زادت فإن هذه زيادة متصلة، فينبنى على الروايتين في الزيادة المتصلة، كالسمن، وثمر النخيل (٢).
قال ابن قدامة: " ويحتمل أن تمنع هذه الزيادة الرجوع بكل حال؛ لأنها حاصلة بفعل الابن فجرت مجرى العين الحاصلة بفعله، بخلاف السمن فإنه يحتمل أن يكون للأب، فلا يمنع الرجوع؛ لأنه نماء العين، فيكون تابعاً لها " (٣).
أما الشافعية: فالحكم عندهم يختلف بنوع التغير الذي حصل في العين.
قال النووي: " … ولو كان الموهوب ثوباً فصبغه الابن رجع الأب في الثوب، والابن شريك بالصبغ، ولو قصره أو كانت حنطة فطحنها، أو غزلاً فنسجه، فإن لم تزد قيمته رجع ولا شيء للابن، وإن زادت: فإن قلنا: القصارة عين، فالابن شريك، وإن قلنا: أثر، فلا شيء له " (٤).
الترجيح:
والذي يظهر رجحانه: هو القول بالرجوع مطلقاً ما دامت العين باقية لم تستهلك مع شراكة الابن للأب بما عمله إن زادت القيمة، أو إعطائه قدر ما أنفق في العمل الذي غير به صفة العين إن لم تزد به القيمة دفعاً للتغرير.
стр. 2175
الشرط السادس والعشرون: أن يكون الرجوع منجزا.
فلا يصح تعليق الرجوع بشرط، كقوله: إذا جاء رأس الشهر فقد رجعت، ذكره الشافعية والحنابلة.
وحجته: الرجوع فسخ وهو لا يقبل التعليق (١).
وفيه نظر، وتقدم صحة تعليق الهبة، فالرجوع من باب أولى؛ إذ هو فرع عنها.
الشرط السابع والعشرون: أن لا يشهد الوالد على الهبة، ذكره المالكية (٢).
وفيه نظر لمخالفته لعموم الأدلة.
الشرط الثامن والعشرون: أن تكون الهبة عينا.
فلا رجوع للأب في دينه على الولد بعد الإبراء منه، ولا في منفعة أباحها له أبوه بعد الاستيفاء كسكنى دار ونحوها.
نص عليه الشافعية، والحنابلة، وقد ذكر المالكية أن هبة الدين لمن هو عليه إبراء له، فلا رجوع فيها (٣).
والدليل على ذلك: أن إبراء الدين إسقاط لا تمليك، وإذا انتفى التملك انتفى الرجوع، واستيفاء المنفعة بعد الإباحة بمنزلة إتلافها (٤).
стр. 2176
فرع:
الموهوب بعد الرجوع فيه من غير استرداد له أمانة في يد الولد بخلاف المبيع في يد المشتري بعد فسخ البيع؛ لأن المشتري أخذه بحكم الضمان (١).
المطلب الثاني: شروط صحة رجوع غير الوالد في هبته عند من قال به
يرى الحنفية أنه يجوز الرجوع في الهبة لغير الوالد كما سبق بيانه، ولكنهم يرون أنه يشترط للرجوع شروط:
الشرط الأول: أن لا يوجد مانع من موانع الرجوع في الهبة، وقد تقدمت بذكر أدلتها عندهم، وهي كما يلي:
(موانع الرجوع عند الحنفية)
١ - زيادة الموهوب زيادة متصلة، كبناء، وغرس، وخياطه، ونحوه وإن زالت قبل الرجوع على خلاف بينهم، فإن كانت الزيادة منفصلة كولد وثمرة لم تمنع الرجوع في الأصل دون الزيادة.
وتقدم بحث هذه المسألة في شروط رجوع الأب في هبته.
وعن أبي يوسف: أنه لا يرجع في الأم حتى يستغني الولد عنها.
ولو حملت ولم تلد هل للواهب الرجوع، قولان عندهم.
٢ - موت أحد العاقدين، وذلك كأن يموت الواهب أو الموهوب له،
стр. 2177
فإن ذلك يمنع الرجوع، بعد القبض وقبله تبطل الهبة، فإذا مات الموهوب له بعد القبض فالملك انتقل للورثة.
وبقية المذاهب الأربعة: على أن موت الموهوب له بعد قبض الهبة مانع من موانع الرجوع؛ وذلك لتعلق حق الغير بالهبة، وهو حق الورثة بعد انتقال الهبة إليهم، فيصير الموهوب خارج عن ملك الواهب إلى ملك غيره، فيشبه كما لو خرج منه بعقد، أو بيع، وما أشبه ذلك (١).
وإن مات الواهب بعد القبض فالرجوع للواهب، والوارث ليس بواهب (٢).
٣ - خروج الموهوب عن ملك الموهوب له كلياً.
باتفاق الأئمة على أن خروج الموهوب عن ملك الموهوب له من موانع الرجوع، كالبيع، والوقف، والهبة، والإرث، والصداق، ونحو ذلك (٣).
ولو خرج جزءٌ منه عن ملكه ببيع أو هبة، ونحو ذلك لم يمنع الرجوع إلا في الجزء الذي خرج عن ملكه.
وتقدم بحث هذه المسألة في شروط رجوع الأب في هبته.
ولو عادت إلى الموهوب له بسبب جديد كالبيع والصدقة، وتقدم بحث هذه المسألة في شروط رجوع الأب في هبته.
стр. 2178
ولو وهبها الموهوب له إلى ثالث ثم رجع على الثالث، فللأول أن يرجع على الثاني
ولو ضحى بالشاة الموهوبة، فللواهب أن يرجع في اللحم.
٤ - هلاك العين الموهوبة، وذلك بأن تتلف العين الموهوبة، فإذا تلفت منع الرجوع فيها، وإن تلف البعض له الرجوع في الباقي، وإن ادعى الواهب الهلاك صدق بلا يمين؛ لأنه ينكر الرد (١)(٢).
وبقية المذاهب الأربعة: على أن هلاك الموهوب في يد الموهوب له يعتبر من موانع الرجوع في الهبة، سواء هلك بنفسه، أو هلك بسبب أجنبي لا دخل للموهوب له فيه، كالهلاك بآفة سماوية، أو قوة قهرية، أو بسبب الاعتداء عليه من جانب الغير، ونحو ذلك، أو هلك بفعل الموهوب له كما لو تسبب في هلاكه بما ارتكبه من خطأ، أو استهلكه باستعماله المتكرر له.
وسواء كان الهلاك حقيقيا كموت الحيوان، أو احتراق السيارة، أو أكل طعام.
أو كان الهلاك حكميا، وهو تغير الشيء من حالته التي كان عليها وقت الهبة، إلى حالة أخرى مغايرة ومختلفة في صورتها عن الحالة الأولى، كما لو كان الموهوب قمحا فطحن، وأصبح دقيقا، أو كان دقيقا فعجن وأصبح خبزا، أو كان قماشا وأصبح ثوبا، وهكذا.
стр. 2179
قال الكاساني: " وأما العوارض المانعة من الرجوع فأنواع منها هلاك الموهوب؛ لأنه لا سبيل إلى الرجوع في الهالك ولا سبيل إلى الرجوع في قيمته؛ لأنها ليست بموهوبة لانعدام ورود العقد عليها " (١).
جاء في المدونة: " قال يزيد: وكتب عمر بن عبد العزيز: أن الوالد يعتصر ما وهب لابنه ما لم يداين الناس أو ينكح أو يموت ابنه فتقع فيه المواريث " (٢).
قال البجيرمي: " (فيمتنع) الرجوع (بزوالها) سواء أزالت بزوال ملكه أم لا، كأن حجر عليه بفلس أو تعلق أرش جناية من أعطيه برقبته أو كاتبه أو استولد الأمة، وسواء أعاد الملك إليه أم لا؛ لأن ملكه الآن غير مستفاد منه حتى يزيله بالرجوع فيه بخلاف ما لو كانت العطية " (٣).
قال البهوتي: " ولا يجوز لواهب، ولا يصح أن يرجع وأما الرجوع قبل لزومها فجائز مطلقا (كالقيمة) أي: كما لا يجوز للواهب الرجوع في قيمة العين الموهوبة ولو تلفت عنده (إلا الأب الأقرب) ".
وقال في شروط رجوع الأب في هبته لولده: " أن تكون العين باقية في تصرف الولد، فإن تلفت) العين (فلا رجوع) للأب (في قيمتها) " (٤).
والأدلة على أن هلاك الموهوب يمنع الرجوع في الهبة ما يأتي:
أ- أن ملك الموهوب له زال بهلاك الموهوب، وفات المحل الذي يقع عليه رجوع الواهب، فتعذر الرجوع بعد الهلاك.
ب- أن الهبة هلكت في ملك الموهوب، وهو مالك لها بعقد تبرع، وهو
стр. 2180
عقد لا يقتضي السلامة، بخلاف عقود المعاوضات التي تقتضي السلامة في المعقود عليه وخلوصه للعاقد.
ج- أن الموهوب له إذا هلك الموهوب أو استهلكه، فإن ذلك يعتبر منه تصرفا في عين مملوكة له، ولا وجه لتضمينه لغيره فيما يفعله لنفسه.
د- الهلاك الحكمي يلتحق بالهلاك الحقيقي في امتناع الرجوع؛ لأن الموهوب الهلاك أصبح متعذرا لتغيره وعدم بقائه على حالته الأولى التي كان عليها وقت الهبة، والشيء يعتبر هالكا بزوال صورته، وفقد مشخصاته، وتغير اسمه (١).
وأما عدم الرجوع في قيمة الموهوب فلأنها ليست موهوبة؛ لانعدام ورود العقد عليها (٢).
فرع: هلاك بعض الموهوب:
ومما يتصل بهذه المسألة أن الموهوب إذا هلك بعضه، فإن الواهب يجوز له الرجوع في الجزء الباقي الذي لم يهلك.
قال السرخسي في المبسوط (٣): " فهدم بناءها كان له أن يرجع في الأرض، وكذلك في غير الدار إذا استهلك بعض الهبة ببيع أو غيره وبقي بعضها كان له أن يرجع في الباقي اعتبارا للبعض بالكل؛ وهذا لأن ما فعله من هدم البناء نقصان في الأرض وليس بزيادة".
والضابط لذلك: أن امتناع الرجوع في الهبة يتقدر بقدره، أي أن الواهب يرجع في الهبة في القدر الذي لم يمنع منه مانع، ولا يرجع فيما قام به مانع من موانع الرجوع.
стр. 2181
فإذا هلك بعض الموهوب جاز الرجوع في الباقي (١).
٥ - الزوجية وقت الهبة، فلو وهب الزوج لزوجه لم يرجع، باتفاق الفقهاء (٢).
قال السرخسي: " وإن وهب لامرأته هبة، ثم أبانها فليس له أن يرجع فيها؛ لأن الهبة لما كانت في حال قيام الزوجية بينهما عرفنا أنه لم يكن مقصوده العوض، فلهذا لا يرجع فيها " (٣).
وقال ابن قدامة: " فحصل الاتفاق على أن هبة الإنسان لذوي رحمه غير ولده لا رجوع فيه، وكذلك ما وهب الزوج لامرأته والخلاف فيما عدا هؤلاء " (٤).
ولو وهب لامرأة ثم تزوجها له الرجوع، ولو وهبت لرجل ثم تزوجته لها الرجوع عند الحنفية.
وأما رجوع الزوجة على زوجها، فتقدم بحثه في مسألة: رجوع الزوجة.
٦ - القرب، فلو وهب لذي رحم منه نسباً، ولو ذمياً أو مستأمناً لا يرجع، ولو وهب لمحرم بلا رحم كأخيه رضاعاً ولو ابن عمه، ولمحرم بالمصاهرة كأمهات النساء والربائب رجع (٥).
والمراد بالقرب: القرابة المحرمية: وهي قرابة شخصين لو فرض أحدهما ذكرا، والآخر أنثى لم يحل التناكح بينهما.
والمراد هنا غير الوالد والولد، أي الرجوع في هبة المحارم غير الوالدين.
стр. 2182
وبقية المذاهب: على أن القرابة المحرمية بين الواهب والموهوب له من موانع الرجوع في الهبة، فإذا وهب لأحد أقاربه، كأخيه مثلا فلا يجوز له الرجوع.
قال المروزي: " واختلفوا في الرجوع في الهبة إذا كانت لغير ذي رحم محرم، وأجمعوا على أنها إذا كانت لذي رحم محرم، فلا رجوع في الهبة فيها" (١).
وأما لو وهب لقريب ذي رحم غير محرم كأولاد الأعمام، والأخوال، أو وهب لمحرم غير ذي رحم كالمحرم بالمصاهرة والرضاع، فإنه يجوز الرجوع في هبته عند الحنفية، وذلك إما لقصور معنى الصلة في هذه القرابة، أو لانعدام هذه الصلة أصلا.
قال الزيلعي: " فلو وهب لذي رحم محرم منه لا يرجع فيها " (٢).
وقال الباجي: " من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه صدقة يريد أن يقصد بها القربة، فإنَّه لا يرجع فيها يريد أنَّها لازمة له ليس له الرُّجوع فيها سواء قُبِضت منه، أو لم تُقبض" (٣).
وقال الأنصاري: " (فصل: للأب، وكذا سائر الأصول) من الجهتين ولو مع اختلاف الدين (لا غيرهم) كالإخوة (الرجوع) ولو كان قد أسقطه (من دون) حكم (الحاكم) بالرجوع (في الهبة، والهدية، والصدقة للولد) سواء أقبضها الولد أم لا، غنيا كان أو فقيرا، صغيرا أو كبيرا " (٤).
وقال ابن قدامة: " ولا يحل لواهب أن يرجع في هبته، ولا لمهد أن يرجع في هديته وإن لم يثب عليها " (٥).
стр. 2183
قال: فحصل الاتفاق على أن هبة الإنسان لذوي رحمه غير ولده لا رجوع فيه، وكذلك ما وهب الزوج لامرأته والخلاف فيما عدا هؤلاء.
الأدلة على كون القرابة المحرمية مانعة للرجوع:
أ- عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها " (١) (منكر).
ب- ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " من وهب هبة لصلة رحم، أو على وجه الصدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها " (٢).
دل الحديث والأثر: أن الرحم المحرم من موانع الرجوع.
ج- أن المقصود من هبة الأقارب صلة الرحم، وهي تقوم مقام العوض؛ فصلة الرحم سبب التناصر والتعاون في الدنيا، فيكون سببا لاستيفاء النصرة، وهي سبب الثواب في الآخرة، فكانت أقوى من المال.
د- أن الرجوع في هبة القريب يؤدي إلى التنافر، وقطيعة الرحم، وقطيعة الرحم محرمة في الشرع، فلا يجوز فعل ما يؤدي إليها.
- أن الهبة لذي الرحم في حكم الصدقة؛ لكونها قصد بها القربة، فلا يجوز الرجوع فيها كالصدقة (٣).
٧ - العوض.
المراد بالعوض في هذه المسألة:
العوض نوعان: عوض مالي، وعوض معنوي، والمقصود بالعوض في مسألتنا هو النوع الأول دون الثاني؛ وذلك لأن العوض المعنوي يشمل ثلاثة أمور:
стр. 2184
أ- الثواب من الله تعالى.
ب- وصلة الرحم (القرابة المحرمية).
ج- والقرابة الزوجية.
وقد سبق بيان الأمر الأول في شروط رجوع الوالد في هبته لولده، وهو أن لا تكون الهبة على وجه الصدقة وإرادة وجه الله وثواب الآخرة، كما أن الكلام على القرابة المحرمية، والقرابة الزوجية أيضا قد سبق بيانهما قريبا.
فيكون الكلام في هذه المسألة مقتصرا على العوض المالي.
فإن عوض الموهوب له الواهب عن هبته عوضا ماليا سقط حقه في الرجوع.
ثم العوض في الهبة إما أن يكون مشروطا في العقد، أو يكون متأخرا عن العقد غير مشروط فيه:
أولا: العوض المشروط في العقد.
إذا كان العوض مشروطا في عقد الهبة، فإنها تكون في حكم البيع، عند الجمهور، وتقدم بيان حكم هذه المسألة في هبة الثواب.
وأما إن كان العوض غير مشروط، فقد تقدم بيان حكم هذه المسألة في حكم الرجوع في هبة الثواب.
زاد بعضهم: كون الموهوب له صغيراً، وزاد آخرون نقل الموهوب له بكلفة على خلاف بينهم.
وأيضاً: فلس الموهوب له على مقتضى قول أبي يوسف ومحمد اللذين يريان صحة تفليسه، بخلاف أبي حنيفة الذي يرى عدم صحة تفليس، وتقدم في شروط الهبة.
стр. 2185
الشرط الثاني: أن يكون الرجوع برضا الموهوب له، أو بحكم قاض (١).
قال الكاساني: " وأما بيان ماهية الرجوع وحكمه شرعا، فنقول وبالله التوفيق: لا خلاف في أن الرجوع في الهبة بقضاء القاضي فسخ " (٢).
ودليلهم:
١ - أن حق الرجوع في الهبة ليس من مقتضى العقد، ولأنه بمنزلة الرد بالعيب بعد القبض، فهو فسخ للعقد بعد تمامه واستقرار ملك الموهوب له، وفسخ العقد بعد تمامه لا يتم إلا بقضاء القاضي، أو برضا العاقدين.
٢ - أنه ثابت على خلاف القياس، لكونه تصرفا في ملك الغير، ولهذا يبطل الرجوع بموانع الرجوع فيحتاج إلى حكم الحاكم (٣).
وعند جمهور العلماء: أن كل من له الرجوع في الهبة لا يحتاج في أخذها إلى رضا الموهوب له ولا إلى قضاء قاض (٤).
قال ابن القاسم العبادي: " قول المتن: (وللأب الرجوع الخ) على التراخي من دون حكم حاكم به " (٥).
قال ابن قدامة: "ولا يحتاج إلى حكم حاكم، وبهذا قال الشافعي " (٦).
وحجته:
١ - عمومات أدلة رجوع الأب في الهبة (٧).
стр. 2186
٢ - أنه فسخ عقد، فلم يفتقر إلى القضاء كالفسخ بخيار الشرط (١).
فرع: الأثر المترتب على فسخ عقد الهبة.
إذا انفسخ عقد الهبة برجوع الواهب بناء على حكم الحاكم ترتبت على ذلك الآثار الآتية:
١ - أن الموهوب يعود إلى قديم ملك الواهب فيما يستقبل بنفس الفسخ من غير الحاجة إلى قبضه؛ لأن القبض إنما يحتاج إليه في انتقال الملك، لا في عود قديم الملك كالفسخ في باب البيع (٢).
٢ - الموهوب بعد الرجوع يكون أمانة في يد الموهوب له، فلو هلك في يده لا يضمن؛ لأن قبض الموهوب قبض غير مضمون، فإذا انفسخ العقد بقي القبض على ما كان قبل ذلك، فلا يضمن إلا بالتعدي كسائر الأمانات (٣).
٣ - لو وهب المال الذي تجب فيه الزكاة في الحول قبل تمامه، ثم رجع فيه بحكم الحاكم خلال الحول لم ينقطع حكم الحول وكان عليه زكاته؛ لأن الرجوع في الهبة بحكم الحاكم فسخ، يعود به المال إلى قديم ملك المالك (٤).
فرع آخر: حكم عقد الهبة بعد الرجوع بالتراضي.
تحرير محل النزاع:
ذهب جمهور الفقهاء (٥) عدا الحنفية إلى أن رجوع الواهب لا يفتقر إلى
стр. 2187
حكم الحاكم، ولا رضا الموهوب له، فالخلاف في هذه المسألة سيكون محصورا بين فقهاء الحنفية دون غيرهم.
والحنفية اختلفوا في حكم عقد الهبة بعد الرجوع بالتراضي على قولين:
القول الأول: أن الرجوع في الهبة بالتراضي يعتبر فسخا، فينفسخ به عقد الهبة.
وهو قول أئمة الحنفية الثلاثة: أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد (١).
قال الكاساني: " واختلف في الرجوع فيها بالتراضي فمسائل أصحابنا تدل على أن الفسخ أيضا كالرجوع بالقضاء؛ فإنهم قالوا: يصح الرجوع في المشاع الذي يحتمل القسمة، ولو كان هبة مبتدأة لم يصح مع الشياع، وكذا لا تقف صحته على القبض، ولو كانت هبة مبتدأة لوقف صحته على القبض، وكذا لو وهب لإنسان شيئا ووهبه الموهوب له لآخر، ثم رجع الثاني في هبته، كان للأول أن يرجع، ولو كان هبة مبتدأة لم يكن له حق الرجوع، فهذه المسائل تدل على أن الرجوع بغير قضاء فسخ " (٢).
القول الثاني: أن الرجوع في الهبة بالتراضي يعتبر هبة جديدة.
وهو قول زفر من الحنفية (٣).
قال الكاساني: " وقال زفر: إنه هبة مبتدأة، وجه قوله: أن ملك الموهوب عاد إلى الواهب بتراضيهما، فأشبه الرد بالعيب، فيعتبر عقدا جديدا في حق ثالث كالرد بالعيب بعد القبض " (٤).
стр. 2188
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١ - أن هذا العقد جائز الفسخ؛ لثبوت حق الرجوع فيه، وما هو جائز الفسخ، يقتضي جواز استيفاء حق ثابت له، ولا فرق في ذلك بين الرضا والقضاء؛ لأن الواهب والموهوب له يفعلان بالتراضي على الرجوع في الهبة ما يفعله القاضي إذا حكم بذلك، وهو الفسخ (١).
٢ - أن حق الواهب مقصور على العين وفي مثله القضاء وغير القضاء سواء؛ لأنهما فعلا بدون القاضي عين ما يأمر به القاضي لو رفعا الأمر إليه والموهوب له نظر لنفسه حين لم ير في الخصومة فائدة، فلم يكن متلفا حق الفقراء وهو فسخ عقد الهبة (٢).
دليل القول الثاني:
١ - أن الملك عاد إلى الواهب بتراضيهما، فأشبه الرد بالعيب في البيع، فإنه إن كان بقضاء القاضي كان فسخا، وإن كان بالتراضي كان بيعا مبتدأ، فكذلك الرجوع في الهبة، وإن كان بقضاء القاضي كان فسخا، وإن كان بالتراضي كان هبة مبتدأة (٣).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن التراضي إنما يكون موجبا ملكا مبتدأ إذا كان على سبب موجب للملك منه: كالهبة، والصدقة، والوصية، وهنا تراضيا على رفع السبب الأول، وذلك لا يصح موجبا ملكا مبتدأ، بل يكون فسخا من الأصل.
стр. 2189
بخلاف الرد بالعيب؛ فحق المشتري ليس في عين الرد، بل بالمطالبة في الجزء الثابت؛ ولهذا لو تعذر الرد رجع بحصة العيب من الثمن، وهنا حق الواهب في فسخ العقد مقصور على العين.
الوجه الثاني: أن البيع عقد لازم من عقود المعاوضات، فيمتنع أن يقتضي ثبوت حق الفسخ لأحد المتعاقدين؛ ولكون ذلك منافيا للزوم العقد، بخلاف عقد الهبة؛ فإنه عقد تبرع (١) غير لازم، فلا ينافيه ثبوت حق الفسخ لأحد المتعاقدين.
٢ - أن الموهوب له لو رد الهبة في مرض موته برضاه بغير قضاء يعتبر ذلك من الثلث، وهذا دليل أن الرد برضاه يعتبر هبة مبتدأة، ولو كان ذلك فسخا لما اعتبر من ثلث تركة المريض، والرجوع في الهبة بالتراضي مثل رد الهبة في مرض الموت برضاه، فيكون هبة مبتدأة.
ونوقش: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لوجهين:
الوجه الأول: أن رد الموهوب له إنما اعتبر في المرض من الثلث؛ لأن حق الورثة تعلق بجميع ماله فلا يقدر أن يبطله باختياره، وإن أبطله رد عليه كيفما كان، وليس كذلك الرجوع بالتراضي.
الوجه الثاني: أن رد المريض الهبة في مرض موته معتبر من الثلث وإن كان بقضاء، فلا شيء لورثة المريض على الواهب، فاعتباره من الثلث ليس من أجل أن ذلك هبة مبتدأة؛ لاستواء الرضا والقضاء فيه، وهذا بخلاف الرجوع في الهبة؛ للاتفاق على أنه فسخ إذا كان بحكم الحاكم (٢).
стр. 2190
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول، وهو أن الرجوع بالتراضي يعتبر فسخا، لا هبة مبتدأة؛ ومما يؤيد هذا القول ما ذكره الحنفية من مسائل تدل دلالة واضحة على أن الرجوع في الهبة فسخ لا هبة مبتدأة.
ومن هذه المسائل ما يأتي:
١ - صحة الرجوع في المشاع الذي يحتمل القسمة، كالدار ونحوها؛ ولو كان بمنزلة الهبة ابتداء لما صح في مشاع يحتمل القسمة؛ لأن هبة الجزء الشائع من المال المقابل للقسمة غير جائز، وحيث صح عُرف أنه فسخ، وأن العقد يبقى في النصف الآخر.
٢ - عدم توقف صحة الرجوع في الهبة على القبض، ولو كان الرجوع هبة مبتدأة توقفت صحته على القبض.
٣ - لو وهب الإنسان شيئا، ووهبه الموهوب له لآخر، ثم رجع الثاني في هبته، كان للأول أن يرجع، ولو كان هبة مبتدأة لم يكن له الرجوع؛ لأن الهبة دخلت في ملك الواهب الثاني بسبب جديد، فلم يبق ملك الواهب الأول حتى يرجع فيه (١).
ثمرة الخلاف:
تترتب على القول بأن الرجوع في الهبة بالتراضي يعتبر فسخا ما يلي:
١ - أن الموهوب يعود إلى قديم ملك الواهب فيما يستقبل لا فيما مضى.
٢ - أن الموهوب بعد الرجوع يكون أمانة في يد الموهوب له.
стр. 2191
٣ - لو وهب المال الزكوي ثم رجع خلال الحول بحكم الحاكم لم ينقطع حكم الحول، وكان عليه زكاته (١).
وأما على القول بأن الرجوع في الهبة بالتراضي يعتبر هبة مبتدأة، فإنه لا يترتب عليه شيء من هذه الأمور؛ لأن الرجوع في حكم عقد جديد.
فرع: حكم القضاء في الرجوع في الهبة:
للفقهاء في ذلك قولان:
القول الأول: أن الرجوع في الهبة لا يحتاج إلى قضاء القاضي، ولا رضا الموهوب له.
وبه قال جمهور أهل العلم: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).
القول الثاني: أن الرجوع في الهبة لا يكون إلا بحكم القاضي، أو رضا الموهوب له.
وبه قال الحنفية، وهو قول للثوري (٣).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١ - عموم أدلة الرجوع وهي عامة سواء أكان ذلك بحكم القاضي، أو رضا الموهوب له، أو لم يكن (٤).
стр. 2192
٢ - أن حق الرجوع للواهب ثبت بالنص، فلا حاجة إلى حكم الحاكم (١).
٣ - أن حق الرجوع في الهبة كحق الخيار في فسخ أي عقد، فلا يفتقر استعمال هذا الحق إلى قضاء، أو رضا الموهوب له كالفسخ بخيار الشرط (٢).
أدلة القول الثاني:
١ - أن الواهب إن كان يطالب بحقه فالموهوب له يمنع ذلك، وحق المنع ثابت له بحكم ملكه، فلا بد من اعتبار قضاء القاضي بينهما، كالأخذ بالشفعة، والتفريق بين العنين وزوجته (٣).
٢ - أن ملك الموهوب له ثابت بالعين، فلا يخرج عن ملكه إلا بالرضا أو بالقضاء (٤).
٣ - أن الرجوع في الهبة مختلف فيه بين فقهاء المذاهب، وقبلهم بين فقهاء الصحابة والتابعين، وفي أصله ضعف؛ لأنه ثابت بخلاف القياس، وفي عدم حصول مقصوده، ووجوده خفاء؛ لأنه يحتمل أن يكون غرضه العوض الدنيوي فيثبت له حق الرجوع، ويحتمل أن يكون غرضه الثواب في الآخرة أو إظهار الجود والسماحة، فلا يكون له الرجوع على هذا التقدير، فلا بد من الفصل بالقضاء أو الرضا (٥).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- أن الرجوع إذا توفر شرطه، وانتفى مانعه أنه
стр. 2193
لا يحتاج في ذلك إلى حكم القاضي، أو رضا الموهوب له؛ إذ هو حق من حقوق الواهب.
الشرط الثالث: إن كانت الهبة هبة ثواب، فيشترط إذا وقعت الهبة بشرط العوض:
١ - التقابض للعوضين في المجلس، وبعده بالإذن، فإن لم يوجد تقابض من كل منهما، أو من أحدهما فلكل الرجوع.
٢ - إفراز العوض، وعدم شيوعه (١).
٣ - أن يصاحب العوض لفظ يدل على أنه عوض عن كل الهبة السابقة، كأن يقول له خذ هذا عوضاً عن هبتك، أو بدلا عن هبتك أو مكان هبتك، ونحو ذلك من العبارات الدالة على التعويض، فلو لم يذكر أنه عوض رجع كل بهبته، والعوض مانع من الرجوع ولو كان يسيراً.
ودليل ذلك: أن العوض اسم لما يقابل المعوض، فلا بد من لفظ يدل على المقابلة.
٤ - أن لا يكون التعويض بجزء من الهبة نفسها.
ودليل ذلك: أن التعويض ببعض الموهوب لا يكون مقصود الواهب عادة؛ إذ لو كان مقصوده لأمسكه ولم يهبه.
وإن كان الموهوب قد تغير عن حاله تغيرا يمنع الرجوع، فإن بعض الموهوب يكون عوضا عن الباقي؛ لأنه بالتغير صار بمنزلة عين أخرى فصلح عوضا عن الباقي; لأنه بالتغير صار بمنزلة عين أخرى.
فأما إذا وهب شيئين في عقدين فعوض أحدهما عن الآخر، فقال أبو حنيفة: يكون عوضا.
стр. 2194
وقال أبو يوسف: لا يكون عوضا.
٥ - أن لا يكون العوض مستحقا، فإن كان مستحقًا رجع في كل الهبة، وإن استحق بعض العوض منع الرجوع؛ لأن الباقي يصلح للعوض ولكن إذا شاء الواهب أن يرد البعض الباقي، ويرجع في الهبة له ذلك.
ودليل ذلك: أن استحقاق العوض في يد الواهب ينزل منزلة عدم أخذه أصلا (١).
وقال زفر: إذا استحق نصف العوض له أن يرجع في نصف الهبة.
واستدلوا لعدم الرجوع بالتعويض بما يلي:
أ- قوله ﷺ : " الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها " (٢).
وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ جعل غاية أحقية الرجوع في الهبة من طرف الواهب بإثابة الموهوب عليها، فإذا أثاب الموهوب على هبته فات على الواهب الرجوع في هبته.
ب- ولأن التعويض دليل على أن مقصود الواهب هو الوصول إلى العوض المتأخر عن العقد (٣).
المبحث الأول:
الرجوع بالشرط
إذا شرط الواهب على الموهوب له أن يرجع في هبته إذا شاء، فاختلف العلماء ﵏ -في صحة هذا الشرط على قولين:
القول الأول: صحة هذا الشرط.
وهو اختيار شيخ الإسلام (١).
وحجته: ما تقدم من الأدلة على صحة اشتراط الرجوع في هبة العمرى (٢).
القول الثاني: أنه لا يصح هذا الشرط.
وهو قول جمهور أهل العلم (٣).
وحجته: ما تقدم من الأدلة الدالة على تحريم الرجوع في الهبة (٤).
ونوقشت هذه الأدلة: بتخصيص جواز الرجوع بالشرط، للدليل على ذلك، كما خصص جواز رجوع الأب بالدليل.
стр. 2197
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- جواز الرجوع بالشرط؛ إذ أن الواهب لم يرض بخروج ملكه إلا على هذا الوجه، والرضا شرط في صحة العقود.
стр. 2198
المبحث الثاني: الرجوع بانتفاء السبب
إذا وهبه بناءً على سبب، ثم تبين انتفاء السبب، فله أن يرجع في هبته.
مثل: أن يهبه على أنه طالب علم، ثم يتبين له أنه عامي، فله أن يرجع في هبته ولا يدخل تحت الذم.
وفي مغني المحتاج: " ولو أهدى شخص لآخر على أن يقضي له حاجة أو يخدمه، فلم يفعل وجب عليه ردها إن بقيت وبدلها إن تلفت كما، قاله الإصطخري" (١).
ودليل ذلك: عموم أدلة الرضا بالهبة السابقة في شرط الاختيار حيث لم يرض بالهبة إلا بناءً على هذا السبب.
стр. 2199
المبحث الثالث: الرجوع بشراء الهبة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: شراء الواهب هبته من الموهوب له
إذا لزمت الهبة جاز للموهوب له التصرف فيها ببيعها، أو هبتها، أو غير ذلك.
ويجوز لغير الواهب اشتراؤها منه بغير خلاف (١).
وهل يجوز للواهب اشتراء ما وهب من الموهوب له؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يحرم شراء الواهب هبته.
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
القول الثاني: يكره شراء الواهب هبته.
стр. 2200
وهذا قول الحنفية (١)، والمالكية في المشهور من مذهبهم (٢)، والشافعية (٣)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٤).
وقيد المالكية: الكراهة بالهبة التي لا تعتصر -أي غير هبة الوالد لولده-.
القول الثالث: يباح للواهب شراء هبته من الموهوب له.
وهو رواية عن الإمام أحمد في الصدقة، والهبة من باب أولى (٥).
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
١ - حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه " (٦).
(٢٦١) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر ﵁ يقول: " حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه -وظننت أنه يبيعه برخص- فسألت النبي ﷺ فقال: " لا تشتر، ولا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه " (٧).
وفي رواية: أن عبد الله بن عمر كان يحدث " أن عمر بن الخطاب ﵁
стр. 2201
تصدق بفرس في سبيل الله، فوجده يباع، فأراد أن يشتريه، ثم أتى النبي ﷺ فاستأمره، فقال: " لا تعد في صدقك "فبذلك كان ابن عمر ﵄ لا يترك أن يبتاع شيئاً تصدق به إلا جعله صدقة ".
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عمر عن شراء هبته وصدقته، والهبة ملحقة بالصدقة بجامع الإحسان والتقرب إلى الله تعالى، والنهي يقتضي التحريم، ثم جعل شراءها عودا فيها، ثم شبه العود بأقبح وأشنع تشبيه وهو عود الإنسان في قيئه مما يعين إرادة التحريم.
٣ - ولأن شراء الهبة وسيلة إلى استرجاع شيء منها؛ لأنه يسامحه في ثمنها حياء أو رغبة أو رهبة، فيصير الواهب الذي اشتراها كالراجع في بعضها.
والرجوع في الهبة أو في بعضها حرام، فيكون الشراء حراما.
قال ابن حجر: " وسمى شراءه برخص عودا في الصدقة من حيث إن الغرض منها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص فكأنه اختار عرض الدنيا على الآخرة، مع أن العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدق فكيف بالمتصدق، فيصير راجعاً في ذلك المقدار الذي سومح فيه " (١).
والهبة ملحقة بالصدقة كما تقدم.
أدلة أصحاب القول الثاني: (الكراهة)
(٢٦٢) ١ - ما رواه أبو داود من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه بها فأهدى منها لغني " (٢).
стр. 2202
(الصواب مرسل، قاله الدارقطني وغيره).
والشاهد من الحديث قوله: (أو رجل اشتراها بماله) فهو عام في المتصدق وفي غيره، وفي شرائها من المتصدق عليه ومن غيره.
والهبة من باب أولى.
ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث مرسل.
الوجه الثاني: أنه يحمل على شراء الرجل صدقة غيره لا صدقة نفسه.
الوجه الثالث: أنه يحمل على شراء الصدقة بقيمتها أو بأكثر من قيمتها، لا بأقل.
الوجه الرابع: أنه يحمل على صدقة الفريضة لا صدقة التطوع، فيكون الشراء جائزاً في صدقة الفريضة وغير جائز في صدقة التطوع؛ لأنه لا يتصور الرجوع في صدقة الفريضة حتى يكون الشراء مشبها له، بخلاف صدقة التطوع، فإنه يتصور الرجوع فيها فحرم ما يشبهه وهو الشراء (١).
قال ابن عبد البر في شرح هذا الحديث قوله: " لا تحل لغني إلا لخمسة: يريد الصدقة، وأما التطوع فغير محرمة على أحد غير من ذكرنا على حسب ما وصفنا في هذا الباب إلا أن التنزه عنها حسن، وقبولها من غير مسألة لا بأس به " (٢).
стр. 2203
٢ - ما جاء عن عبد الله بن عمر ﵄: " أنه لا يتفق له اشتراء شيء تصدق به، إلا اشتراه وجعله صدقة مرة أخرى ".
فهذا فعل ابن عمر، وهو راوي الحديث عن أبيه، مما يدل على أن النهي ليس للتحريم (١)، بل للكراهة.
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن العبرة بما رواه الراوي لا بما رآه، وفعل ابن عمر ﵄ لا يعارض به قول النبي ﷺ ونهيه.
الوجه الثاني: أن ابن عمر ﵄ -فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو لمن أراد أن يتملكها، لا لمن يريدها صدقة (٢).
قال الشوكاني: " فلو فهم منه التحريم لما فعله وتقرب بصدقة تستند إليه" (٣).
قالوا: وأما تشبيه النبي ﷺ العود في الهبة بعود الإنسان في قيئه، فالمراد به التنفير والاستقذار والعيافة لا التحريم بل للكراهة (٤).
وأجيب: بأن هذا حمل للحديث عن ظاهرة بلا دليل يعتمد عليه.
أدلة أصحاب القول الثالث: (الإباحة)
١ - عموم حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتقدم قريباً- الذي فيه " أو رجل اشتراها بماله " (٥).
وتقدم أن الحديث مرسل.
стр. 2204
وجه الدلالة: أن الحديث عام في جواز شراء الصدقة، سواء كانت ما تصدق به الإنسان أو غيره.
٢ - القياس على جواز رجوع الهبة إلى الواهب بالميراث (١).
فيجوز رجوعها بالميراث، فكذا الشراء.
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أنه قياس في مقابلة النص، فالنص قد جاء بالنهي عن شراء الصدقة، والأصل في النهي التحريم.
الوجه الثاني: وجود الفارق بين رجوع الهبة بالميراث، ورجوعها بالشراء فرجوعها بالميراث بغير اختيار الشخص، ورجوعها بالشراء باختياره، وبهذا الفرق يكون الشراء أشبه بالرجوع في الهبة بخلاف الميراث.
الترجيح:
يترجح لي القول الأول وهو تحريم شراء الإنسان هبته من الموهوب له؛ لتشبيه الراجع في هبته بالكلب في أقبح صورة، وأيضاً فإن التشبيه في الكتاب والسنة بالحيوان لم يرد إلا في مواضع الذم.
قال القرطبي: " والظاهر من ألفاظ الحديث ومساقه التحريم، فاجمع ألفاظه وتدبر معانيها، يلح ذلك إن شاء الله تعالى " (٢).
стр. 2205
المطلب الثاني: شراء الواهب هبته من غير الموهوب له
صورة ذلك: أن يبيع الموهوب له الهبة، أو يتصدق بها، أو يهبها فهل للواهب أن يشتريها ممن انتقلت إليه؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن النهي يتعلق بشرائها من الموهوب له دون غيره.
وهو قول الشافعية (١)، حيث نصوا على هذا في الصدقة، فالهبة من باب أولى.
القول الثاني: أنه لا فرق بين الموهوب له وغيره.
وهو قول المالكية (٢)، والحنابلة (٣).
حيث نصوا على هذا في الصدقة، والهبة من باب أولى.
وعند المالكية: أن النهي يتعلق بالهبة التي لا تعتصر.
بل الحنابلة ينصون على أن حكم الهبة في هذه المسألة حكم الصدقة.
الأدلة:
أدلة الرأي الأول: (الحكم متعلق بالموهوب له)
١ - قول عمر ﵁: " وظننت أنه يبيعه برخص "، وقال النبي ﷺ : "
стр. 2206
ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكها بدرهم " (١).
قال القرطبي: " قوله (فظننت أنه بائعه برخص) إنما ظن ذلك؛ لأنه هو الذي كان أعطاه إياه فتعلق خاطره بأنه يسامحه في ترك جزء من الثمن، وحينئذ يكون ذلك رجوعا في عين ما تصدق به في سبيل الله، ولما فهم النبي ﷺ هذا نهاه عن ابتياعه، وسمى ذلك عودا فقال: (لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك) " (٢).
فهذا التعليل يقتضي الفرق بين أن تشتريها ممن يسامحك في ثمنها فتكون راجعا في القدر الذي سومحت فيه، وبين أن تشتريها ممن لا يسامحك في شيء من ثمنها.
قال ابن مفلح: " ظاهر التعليل بأنه يسامحه يقتضي الفرق " (٣).
٢ - حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه " (٤).
وجه الدلالة: أن شراء الواهب للهبة من غير الموهوب له ليس فيه عود في الهبة؛ لأن الهبة تحولت عن أن تكون هبة بانتقال ملكيتها إلى غير الموهوب له.
وبالتالي يكون اشتراؤه لها كأي سلعة أخرى.
(٢٦٣) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق قتادة، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ أتي بلحم تصدق به على بريرة ﵂ فقال: " هو عليها صدقة وهو لنا هدية " (٥).
стр. 2207
قال ابن حجر: " أخبر النبي ﷺ أهله أن تلك الهدية بعينها خرجت عن كونها صدقة بتصرف المتصدق عليه فيها " (١).
والهبة أولى من الصدقة.
(٢٦٤) ٤ - ما روى ابن أبي شيبة من طريق الحسن قال: قال عمر ﵁: " إذا تحولت الصدقة إلى غير الذي تصدق عليه، فلا بأس أن يشتريها " (٢).
(٢٦٥) وجاء عن الحسن البصري -وهو راوي الأثر عن عمر ﵁ ومحمد بن سيرين أنهما كرها أن يشتري الرجل شيئاً من صدقة ماله حتى يحول من عند المصدق (٣).
٥ - أن غير الموهوب له إذا باعها فإنه لن يسامح في ثمنها، فقد تكون انتقلت إليه بغلاء أو بثمن مثلها، أو يريد الكسب من ورائها، ولا مانع يمنعه من ذلك، بخلاف الموهوب له، فإنه سيسامح المتصدق في ثمنها حياءً منه.
دليل القول الثاني: (أن النهي عن الشراء من الموهوب له وغيره)
١ - حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه " (٤).
وإذا اشترى الواهب الهبة عادت إليه الهبة، فيشمله نهي الحديث.
ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم؛ لما تقدم من الفرق بين شرائها من الموهوب له وغيره، كما في أدلة القول الأول.
стр. 2208
(٢٦٦) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق السائب بن يزيد، عن العلاء الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ : " يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا " (١).
وجه الدلالة: أن ما أخرجه الإنسان لله تعالى وطلبا لمرضاته، فإنه لا يعود فيه، ولهذا منع المهاجر من الإقامة بمكة بعد الحج؛ لأنه تركها لله .
ونوقش: بعدم التسليم بأن شراءها من غير الموهوب له رجوع في الهبة؛ لما تقدم في أدلة الرأي الأول.
لذا يقول القرطبي: " لا يليق بمكارم الأخلاق أن يعود في شيء خرج عنه على وجه المعروف، ولا بأهل الدين أن يرجعوا في شيء خرجوا عنه لله تعالى بوجه، فكان مكروها من هذا الوجه " (٢).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- أن كلاً من القولين له قوة، لكن القول الأول أقوى من حيث الدليل، والثاني أحوط.
стр. 2209
المبحث الرابع: الرجوع بالإرث، أو الإهداء، ونحوه
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: إذا رجعت إلى الواهب عن طريق الإرث
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن الهبة إذا رجعت إلى ملك الواهب بالميراث أنها تحل له (١).
بل قال بهذا أكثر أهل العلم في الصدقة، كما قال الترمذي: " والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن الرجل إذا تصدق بصدقة ثم ورثها حلت له" (٢)، فالهبة من باب أولى.
بل حكى العيني الإجماع على ذلك (٣) في الصدقة، والهبة من باب أولى.
وهذا غير مسلم؛ فقد حكى الخلاف في هذه المسألة غيره من أهل
стр. 2210
العلم، كالترمذي حيث قال: (وقال بعضهم: الصدقة شيء لله جعلها لله، فإذا ورثها فيجب أن يصرفها في مثله)، وقال ابن العربي: (اختلفوا فيما إذا عادت الصدقة بالميراث إلى الرجل هل تحل له أم يلزمه أن يتصدق بها؟ والصحيح جواز أكلها للأثر والنظر)، والعيني نفسه نقل عن ابن التين أنه قال: (وشذت فرقة من أهل الظاهر فكرهت أخذها بالميراث ورأوه من باب الرجوع في الصدقة وهو سهو).
ودليل ذلك:
١ - حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه أنه قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: فقال: " وجب أجرك، وردها عليك الميراث " (١).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حكم للمرأة برجوع الجارية إلى ملكها بالميراث، وأوجب لها أجر الصدقة، ولم ينهها عن أخذها ولم يأمرها بالصدقة بها مرة ثانية، مما يدل على إباحتها لها، والهبة من باب أولى.
٢ - أن الملك إذا تغاير تغايرت الأحكام، كما لو وهب غيره طعاماً، فإنه يجوز للواهب أن يأكل عند الموهوب له من الهبة بالضيافة؛ لأن الملك لما انتقل غير الحكم (٢).
يدل على ذلك: حديث أنس ﵁، وفيه أكل النبي ﷺ من اللحم الذي تصدق به على بريرة؛ لتغاير الملك حيث قال: " هو عليها صدقة، وهو لنا هدية " (٣).