← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وجاء في الإكليل (١) للمالكية: " أن المعتوه هو: ضعيف العقل " (٢). وقد ذكر صاحب كشاف اصطلاحات الفنون (٣): ما يؤيد هذا التفريق حيث قال: "والفرق بين السفه والعته ظاهر، فإن المعتوه يشابه المجنون في بعض أفعاله وأقواله، بخلاف السفيه فإنه لا يشابه المجنون، لكن تعتريه خفة فيتابع مقتضاها في الأمور من غير روية وفكر في عواقبها ". وجاء في تحرير التنبيه للشافعية (٤): " المعتوهُ نوعٌ من المجانين ". وجاء في المغني للحنابلة (٥): " المعتوه هو: الزائل العقل بجنون مطبق". وفي الدر النقي (٦): " المعتوه هو المجنون ". الفرع الثاني: وقف المعتوه: اختلف الفقهاء ﵏ في وقف المجنون على قولين: القول الأول: أن المعتوه كالمجنون في الأحكام، فلا يصح وقفه، ولا يجوز للولي أن يأذن له في ذلك. وهذا مذهب المالكية (٧)، والشافعية (٨)، والحنابلة (٩).

стр. 247

القول الثاني: أن المعتوه كالصبي العاقل في تصرفاته، لذا فما يصدره المعتوه من وقف يأخذ حكم وقف الصبي المميز، وقد تقدم حكمه (١). وبهذا قال الحنفية (٢). الأدلة: الذين يرون بطلان وقف المعتوه يلحقونه بالمجنون ويطبقون عليه أحكامه، وتقدمت الأدلة قريبا على عدم صحة وقف المجنون. أما الذين يرون إلحاق المعتوه بالصبي المميز في التصرفات القوليَّة وهم الحنفيَّة، فإنهم لما رأوا المعتوه -حسب اصطلاحهم- عنده نوع تمييز ألحقوه بالصبي المميز وقاسوه عليه. والذي يظهر لي في المسألة أن المعتوه ينقسم إلى قسمين: الأول: معتوه ليس معه إدراك فهذا في حكم المجنون، فلا يصح وقفه. الثاني: معتوه معه إدراك، فيأخذ حكم الصبي المميز، وقد تقدم حكم وقفه (٣). الأمر الخامس: وقف السكران (٤): السكران لا يخلو من حالتين: الحال الأولى: أن يكون معذوراً بسكره، كمن شرب مسكراً ظنه

стр. 248

عصيراً، أو كان مكرهاً على شربه، ونحو ذلك، فلا يصح وقفه باتفاق الفقهاء (١). لما يأتي من الأدلة على عدم صحة وقفه إذا كان السكران غير معذور، فالمعذور من باب أولى. الحال الثانية: أن لا يكون معذوراً بسكره بأن شرب المسكر عالماً مختاراً. إذا وقف السكران غير المعذور بسكره فهل يصح وقفه؟ خلاف بين الفقهاء على أقوال: القول الأول: عدم صحة وقف السكران. هو قول الكرخي، والطحاوي من الحنفية (٢)، وقول للشافعية (٣)، ورواية

стр. 249

عند الحنابلة، خرَّجها الأصحابُ على عدم وقوع طلاق السكران (١)، وهو قول الظاهرية (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم (٣). القول الثاني: صحة وقف السكران. وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية (٤)، وهو قول شاذ عند المالكية (٥)، وهو المذهب عند الشافعية (٦)، ورواية عند الحنابلة، خرَّجها الأصحابُ على وقوع طلاق السكران (٧)، وهي المذهب (٨). في تيسير التحرير: " وإن كان طريقه -أي السكر- محرما .... فلا يبطل التكليف فيلزم الأحكام، وتصح به عباراته من الطلاق، والعتاق، والبيع، والإقرار، والتزويج، والإقراض … ".

стр. 250

القول الثالث: أن وقف السكران صحيح، إلا أن العقد غير لازم. وبهذا قال الإمام مالك، وعامة أصحابه (١). القول الرابع: يصح وقف السكران، ولا يصح قبوله الوقف. وهذا قول للشافعية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: (عدم صحة وقف السكران) استدل من قال بعدم صحة هبة السكران بالأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٣). وجه الاستدلال من الآية: أن الله جعل قول السكران غير معتبر؛ لأنه لا يعلم ما يقول (٤)، وعليه فلا يصح وقفه. وأيضا فإن النهي عن قربان الصلاة مع السكر دليل على بطلان عبادته، فترتب على ذلك بطلان سائر عقوده لانعدام مناط التكليف (٥). (٥٢) ٢ - ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بريدة، عن أبيه ﵁ قال: جاء ماعز بن مالك للنبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله طهِّرني، … قال: " ممَّ أُطهِّرك؟ " قال: من الزنى. فسأل رسول الله ﷺ : " أَبِهِ جنون؟ " فأُخبر أنه ليس

стр. 251

بمجنون، فقال: " أَشَرِبَ خَمراً؟ " فقام رجلٌ فاستنكَهَه فلم يجد منه ريحَ خَمر، فقال النبي ﷺ : " أَزَنيتَ؟ " قال: نعم. فأَمَرَ به فَرُجِمَ (١). وجه الاستدلال من الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ أمر بشمّ ريح فم ماعز ليعلَمَ هل هو سكرانٌ أم لا؟ فإن كان سكران لم يصحّ إقراره، وإذا لم يصحّ إقرارُه عُلم أن أقواله باطلة كأقوال المجانين (٢)، فلا يصح وقفه. ونوقش هذا الاستدلال: بأن درء الحد عن ماعز لوجود الشبهة في إقراره، والحدود تدرأ بالشبهات (٣). وأجيب: بأن استنكاه ماعز خشية الشبهة في إقراره دليل على اعتبار العقل الذي هو مناط التكليف. (٥٣) ٣ - ما رواه البخاري من طريق علي بن الحسين أن الحسين بن علي ﵄ أخبره أنَّ عليَّاً أخبره قال: " كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يومَ بدر، .... فإذا شارفي قد جبّت أسنمتهما، وبُقرت خواصرُهُما (٤)، فقلت: يا رسول الله … عدا حمزة على ناقتي … وها هو في بيت معه شرب، فطَفِقَ النبيُّ ﷺ يلوم حمزة، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيدٌ لأبي؟ فعرف النبيُّ ﷺ أنه قد ثَمِلَ، فنَكَصَ رسولُ الله ﷺ على عقبيه وخَرَجنا مَعَهُ " (٥).

стр. 252

وجه الاستدلال من الحديث: أنَّ النبيَّ ﷺ لم يؤاخذ حمزة بما قال، مع أن هذا القول لو قاله غير سكران لكان ردة وكفراً (١). قال ابن حجر (٢) ﵀ -: "وهو من أقوى أدلة من لم يؤاخذ السكران بما يقع منه في حال سكره من طلاق وغيره ". ونوقش هذا الاستدلال من الحديث: بأن الخمر حينئذ كانت مباحة، فبذلك سقط عن حمزة ﵁ حكم ما نطق به في تلك الحال (٣). وأجيب عنه: بأن الاحتجاج من هذا الحديث إنما هو بعدم مؤاخذة السكران بما يصدر منه، ولا يفترق الحال بين أن يكون الشرب مباحاً أو لا (٤). ٤ - حديث عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (٥). وجه الدلالة: دل الحديث على أن فاقد العقل غير مؤاخذ، فكذا السكران؛ لانعدام مناط التكليف (٦). ونوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن انعدام مناط التكليف في المنصوص عليهم قهراً، بخلاف السكران فإنه باختياره وإرادته فيغلظ عليه. وأجيب: بأن العبرة انعدام مناط التكليف، لاشتراط القصد في العقود والأقوال المتحقق في العقل من غير تفريق بين مختار وغيره (٧).

стр. 253

(٥٤) ٥ - ما رواه الترمذي من طريق عطاء بن عجلان، عن عكرمة بن خالد المخزومي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كل الطلاق جائزٌ إلا طلاقَ المعتوه، والمغلوب على عقله " (١). والسكران داخل في المغلوب على عقله (٢). ونوقش: بضعف الحديث. (٥٥) ٦ - ما رواه أبو داود من طريق محمد بن عبيد، عن أبي صالح … قال: خرجت مع عدي بن عدي الكندي حتى قدمنا مكة فبعثني إلى صفية بنت شيبة … قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" (٣).

стр. 254

وجه الدلالة: أن المغلق عليه لا يقع طلاقه، وكذا وقفه، والسكران داخل في ذلك لزوال مناط التكليف (١). (٥٦) ٧ - قال البخاري: وقال عثمان بن عفان ﵁: "ليس لمجنون ولا سكران طلاق" (٢).

стр. 255

قال ابن المنذر: "هذا ثابتٌ عن عثمان، ولا نعرف أحداً من الصحابة خالفه" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): " وهذا ثابت عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ولم يثبت عن الصحابة خلافه فيما أعلم ". (٥٧) ٨ - قال البخاري: وقال ابن عباس ﵄: "طلاق السكران والمستكره ليس بجائز " (٣). أي: ليس بواقع (٤). فهذه الفتوى من الصحابة -رضوان الله عليهم- تدل على أن تلفظ

стр. 256

السكران بصيغة الطلاق لغو لا يترتب عليها حكم، ويقاس على صيغة الطلاق سائر صيغ العقود كالوقف؛ إذ لا فرق مؤثر في الحكم بينهما. ٩ - أن السكران زائل العقل مفقود الإرادة، وشرط التكليف العقل وهو مفقود، فأشبه المجنون والنائم والمكره (١). واعترض على هذا القياس من وجهين: أحدهما: أن مع المكره والمجنون علما ظاهرا يدل على فقد الإرادة هما فيه معذوران، بخلاف السكران (٢). الثاني: أن المكره والمجنون والنائم غير مؤاخذين بالإكراه والجنون والنوم، فلم يؤاخذوا بما أحدثوا فيها، كما أن من قطع يد سارق فسرت إلى نفسه لا يؤاخذ بالسراية؛ لأنه غير مؤاخذ بالقطع، ولو كان متعديا بالقطع لكان مؤاخذا بالسراية، كما كان مؤاخذا بالقطع (٣)، بخلاف السكران فإنه لما كان متعديا بالسكر كان مؤاخذا بما حدث فيه. وأجيب: بما أجيب به عن المناقشة الواردة على الدليل الرابع. ١٠ - أن عبادات السكران كالصلاة لا تصح بالنص والإجماع؛ لأنه لا يعلم ما يقول كما دل على ذلك القران الكريم. والقاعدة: أن كل من بطلت عبادته لعدم عقله فبطلان عقوده أولى وأحرى، كالنائم والمجنون ونحوهما، فإنه قد تصح عبادات من لا يصح تصرفه لنقص عقله كالصبي والمحجور عليه لسفه (٤).

стр. 257

١١ - أن جميع الأقوال والعقود مشروطة بوجود التمييز والعقل، فمن لا تمييز له ولا عقل ليس لكلامه في الشرع اعتبار أصلا، (٥٨) لما روى البخاري ومسلم من طريق الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب" (١). فإذا كان القلب قد زال عقله الذي به يتكلم ويتصرف فكيف يجوز أن يجعل له أمر ونهي أو إثبات، وهذا معلوم بالعقل مع تقرير الشارع له (٢). ١٢ - أن العقود وغيرها من التصرفات مشروطة بالمقصود؛ (٥٩) لما روى البخاري ومسلم من طريق علقمة بن وقَّاص اللَّيثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما الأعمال بالنيَّات " (٣). وجه الاستدلال: أن اللفظ وغيره من التصرفات مشروط بالقصد، فكل لفظ من المتكلم لسهو وسبق لسان وعدم عقل لا يترتب عليه حكم (٤). أدلة الرأي الثاني: (صحة وقف السكران) استدلوا بالآية الآتية:

стр. 258

١ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١). وجه الاستدلال من الآية: دلت الآية على أن السكران مكلف من وجهين: أحدهما: تسميتهم بالمؤمنين ونداؤهم بالإيمان، ولا ينادى به إلا مكلف. والوجه الثاني: نهيهم في حال السكر أن يقربوا الصلاة، ولا ينهى إلا مكلف (٢). ونوقش وجه الاستدلال من الآية من وجوه: الوجه الأول: بعدم التسليم بأنَّ الخطابَ في الآية موجه للسكران حال سكره؛ لأنَّ من لا عقلَ له ولا يفهم الخطاب لا يدري عن الشرع ولا غيره فكيف يؤمر وينهى، بل أدلة الشرع والعقل تنفي أن يخاطب مثل هذا (٣). وأجيب: بأن الخطاب إذا لم يكن موجها لسكران حال سكره، فهو موجه له قبل السكر، وهذا يستلزم أن يكون مخاطبا في حال سكره؛ لأنه لا يقال إذا جننت فلا تفعل كذا (٤)، وهذا المعنى فاسد. وبذلك تعين أن يكون الخطاب في الآية موجها للسكارى حال سكرهم، فلا يكون السكر منافياً للخطاب. ورد هذا الجواب: بأنه مبني على أن معنى الآية: إذا سكرتم فلا تقربوا الصلاة، وهذا المعنى غير صحيح، بل المعنى يكون إذا أردتم الصلاة فلا

стр. 259

تسكروا، فهو نهي لهم أن يسكروا سكرا يفوتون به الصلاة، أو نهي لهم عن الشرب قريب الصلاة. الوجه الثاني: أنه يحتمل أن الخطاب موجه لمن يدب فيه أوائل النشوة، وأما حال السكر فلا يخاطب بحال (١). الوجه الثالث: أن تخصيصهم بالخطاب لانفرادهم بالصلاة عن غيرهم من اليهود ونحوهم، فإنهم لا يصلون سكارى ولا صحاة (٢). الوجه الرابع: أن الله وصفهم بالإيمان لكمال حكمته مع عباده، وليس من باب التوبيخ والمحاسبة (٣). ٢ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كل الطلاق جائزٌ إلا طلاقَ المعتوه، والمغلوب على عقله " (٤) (ضعيف جداً). وكذا الوقف. ونوقش هذا الاستدلال: بضعف الحديث، ولو صحَّ: فالمعنى في كليهما واحد، وهو تغطية العقل. ٣ - أن الصحابة -رضوان الله عليهم- أجمعوا على تكليف السكران؛ (٦٠) لما رواه الإمام مالك عن ثور بن زيد الديلي أنَّ عمرَ بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي ﵁: " نرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سَكَرَ، وإذا سَكَرَ هَذَى، وإذا هَذَى افتَرَى، فأرى أن يُحدَّ حدَّ المفتري ثمانين " (٥).

стр. 260

وجه الاستدلال: أن الزيادة على الأربعين لافترائه في سكره، ولو كان غير مكلف لما أوجبوا عليه حد المفتري، ولا كان مؤاخذا بافترائه، وفي مؤاخذته به دليل على تكليفه (١)، فإذا ثبت أنه مكلف وجب الاعتداد بأقواله وتصحيحها. ونوقش هذا الدليل من وجهين: أحدهما: أن هذا الخبر المنسوب لعلي ﵁ لا يصح البتَّة (٢). قال أبو محمد ابن حزم (٣): "هذا خبر مكذوب قد نزه الله عليا، وعبد الرحمن بن عوف عنه؛ لأنه لا يصح إسناده، ثم عظيم ما فيه من المناقضة؛ لأن فيه إيجاب الحد على من هذى، والهاذي لا حدَّ عليه ". الوجه الثاني: أنَّ الزيادةَ على الأربعين ليست من أجل الافتراء، ولكن

стр. 261

لما كان الإقدام على السكر -الذي هو مظنة الافتراء- يلحقه بالمقدم على الافتراء أعطي حكم المفتري؛ إقامة لمظنة الحكمة مقام الحقيقة؛ لأن الحكمة هنا خفية مستترة؛ لأنه قد لا يعلم افتراءه، ولا متى يفتري، ولا على من يفتري، كما أن المضطجع يحدث ولا يدري هل هو أحدث أو لا، فقام النوم مقام الحدث (١). وإذا تبين أن الزيادة ليست لأجل الافتراء، فلا يكون السكران مكلفاً. ٤ - أن في تصحيح وقف السكران وإنفاذ عقوده عقوبة له (٢). ونوقش هذا الدليل من وجهين: أحدهما: أن كون السكران معاقبا أو غير معاقب ليس له تعلق بصحة عقوده وفسادها؛ فإن العقود ليس من باب العبادات التي يثاب عليها، ولا الجنايات التي يعاقب عليها، بل هي من التصرفات التي يشترك فيها البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وهي من لوازم وجود الخلق؛ فإن العهود والوفاء بها لا تتم مصلحة الآدميين إلا بها، لاحتياج بعض الناس إلى بعض في جلب المنافع ودفع المضار، وإنما تصدر عن العقل، فمن لم يكن له عقل ولا تمييز لم يكن قد عاهد ولا حلف ولا باع ولا نكح ولا طلق ولا أعتق (٣). والوجه الثاني: أن الحد الشرعي للسكران كاف لعقوبته، ولا يعهد عن الشريعة العقوبة بتصحيح العقود وإنفاذها (٤)، ثم إن الأمر قد يعود بالنفع

стр. 262

للسكران، كما لو اشترى سلعة أثناء سكره فزاد ثمنها أضعافا مضاعفة بعد العقد. ٥ - أنه لا يعلم زوال عقل السكران إلا بقوله، وهو فاسق مردود الخبر بشربه المسكر، وربما تساكر تصنعاً، فلا يقبل قوله في عدم العقل والسكر، ويبقى الحكم على الأصل وهو صحة هبته ونفاذ العقد (١). ونوقش هذا الدليل: بأنه يفيد بطلان صيغ السكران في الباطن وصحتها في الظاهر؛ لأن السكران لما كان فاسقا سقطت دعواه بزوال عقله، فنفذ العقد لصحة الصيغة. ثم إنَّ من لازم هذا الدليل التفريق بين العقود التي ينفرد بها السكران، وبين العقود التي لا ينفرد بها؛ لأن من حضر صدور الصيغة من السكران قد يشهد بسكره وزوال عقله، وأصحاب هذا الدليل لا يقولون بالفرق (٢). ٦ - أن نفاذ وقف السكران من قبيل ربط الأحكام بالأسباب الذي هو خطاب الوضع (٣). ونوقش: بأن من لازمه صحة وقف من سكر مكرها أو جاهلا بأن ما شربه خمر، وصحة وقف المجنون والنائم، والمستدل لا يقول بهذا. ثم يقال: وهل ثبت أن صدور الوقف من السكران سبب حتى يربط الحكم به؟ وهل النزاع إلا في هذا؟ (٤).

стр. 263

٧ - أنَّ السكرانَ مؤاخذٌ بسكره، فوجب أن يكون مؤاخذا بما حدث عن سكره، ومن ذلك صيغه التي يصدرها في البيع والإجارة والطلاق والوقف ونحوها، وهذا مثل سراية الجناية لما كان مؤاخذا بها كان مؤاخذاً بسراية الجناية. ونوقش هذا الدليل: بأنَّ السكرَ ليس من فعل السكران، وإنما هو من فعل الله تعالى فيه، فكيف صار منسوباً إليه، ومؤاخذاً به؟ (١). وأجيب: بأن السكران هو المتسبب بالسكر؛ حيث إن الشرب من فعله، فصار ما حدث عنه -وإن كان من فعل الله تعالى- منسوباً إلى فعله، كما أنَّ سراية الجناية لما حدثت عن فعله نسبت إليه، وكان مؤاخذاً بها، وإن كان من فعل الله تعالى فيه (٢). ٨ - قياس وقف السكران على سائر جناياته كالقتل والقذف ونحوها، فكما يؤاخذ السكران عليها يؤاخذ على عقد الوقف (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا قياس مع الفارق؛ لافتقار الأقوال للعقل، بخلاف الجنايات فإنها مبنية على الفعل المتسبب في إقامة الحد؛ لمخاطبته في صحوه بعدم السكر المؤدي إلى الجناية التي لا يعذر بفعلها (٤). الوجه الثاني: أن المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من قال بأن أقواله كأفعاله لا يترتب عليها حكم العمد لفقد القصد (٥).

стр. 264

٩ - القياس على إلزامه الصلاة الواجبة حال سكره، فوجب صحة وقفه (١). ونوقش من وجوه: الوجه الأول: أن إلزام السكران بقضاء الصلاة الفائتة حال سكره موضع خلاف بين أهل العلم (٢). الوجه الثاني: أن إلزامه بالقضاء حال سكره دليل على عدم صحة صلاته حال سكره مما يدل على عدم تكليفه لتغطية عقله (٣). الوجه الثالث: أن إلزامه بالقضاء حال سكره لا يلزم منه صحة وقفه بدليل النائم يجب عليه قضاء الصلاة، ولا يصح وقفه بالإجماع (٤). دليل القول الثالث: (صحة وقفه مع عدم لزوم العقد) استدل القائلون بصحة ما يصدره السكران من وقف مع عدم لزوم العقد: أن السكران بسكره يقصر تمييزه في معرفته بالمصالح عن السفيه، والسفيه لا يلزمه العقد، فالسكران من باب أولى؛ لنقصان عقله بالسكر (٥). ونوقش هذا الاستدلال: بالفرق بين السكران والسفيه؛ إذ السفيه عقله باق بخلاف السكران فعقله مغطى عليه. دليل القول الرابع: (صحة وقفه، ولا يصح قبوله الوقف) أنه يصح وقفه، ولا يصح الوقف عليه تغليظاً عليه؛ لتسببه في إزالة عقله

стр. 265

بمحرم قصداً (١). ونوقش: بأن العقوبة الشرعية تكفي عقاباً وتغليظاً على السكران، ولم يعهد عن الشريعة العقاب بهذا الجنس من تصحيح قوله في العقود التي عليه كوقفه، وبطلانها في العقود التي له. الترجيح: الراجح من أقوال العلماء هي هذه المسألة: هو القول الأول القاضي بعدم صحة وقف السكران؛ لقوة أدلته، وموافقتها لقواعد الشريعة التي تشترط العقل والتمييز لصحة العقود وترتب آثارها عليها. فرع: شروط صحة وقف السكران عند القائلين بصحتها. يشترط لصحة وقف السكران -عند القائلين بصحتها- توفر الشروط الآتية: الشرط الأول: أن يكون غير معذور في سكره، كأن يشرب الخمر ونحوها طائعاً مختاراً غير مضطر ولا مكره. أما إن كان معذوراً بسكره كسكر المكره بإكراه ملجئ، وسكر المضطر، وسكر من شرب دواء فسكر به. فالسكران في هذه الحالات معذور شرعا لا يقام عليه الحد، ولأجل هذا تلغى جميع أقواله التي نطق بها حال السكر، ولا يترتب عليها أي حكم شرعي فلا ينفذ وقفه، ويعد السكران في هذه الحالة كالنائم والمغمى عليه في أحكام التصرفات؛ لقيام عذره وانتفاء قصده باتفاق الأئمة الأربعة (٢).

стр. 266

الشرط الثاني: أن يكون السكران مميزاً، أي: معه بقية عقل، أما إذا ذهب عقله جملة، فلا يصح منه نطق؛ لأنه والحالة هذه كالمجنون. جاء في مواهب الجليل (١): " السكران قسمان: سكران لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فلا خلاف أنه كالمجنون في جميع أحواله وأقواله .... "، وتقدم في أول هذه المسألة بيان ضابط السكران الذي يؤاخذ بسكره. جاء في الأشباه والنظائر للسيوطي (٢): " الشارب له ثلاثة أحوال: أولها: هزة ونشاط يأخذه إذا دبت فيه ولم تستولِ عليه بعد، ولا يزال العقل في هذه الحالة، فهذا ينفذ طلاقه وتصرفاته؛ لبقاء عقله. الثانية: نهاية السكر: وهو أن يصير طافحاً ويسقط كالمغشي عليه لا يكاد يتكلم ولا يتحرك، فلا ينفذ طلاقه ولا غيره؛ لأنه لا عقل له. الثالثة: حالة متوسطة: وهو أن تختلط أحواله، ولا تنتظم أقواله وأفعاله، ويبقى تمييز وفهم وكلام، فهذه الثالثة سكر وفيها القولان … " (٣). الشرط الثالث: أن يكون الشراب المسكر مطرباً. وأما السكران بشرب دواء غير مطرب كشارب البنج وما في معناه (٤)، فلا يصح وقفه حتى ولو قصد بتناوله السكر.

стр. 267

وهذا الشرط وجه عند الشافعية (١). وعللوا: بأن الشرابَ المطربَ يدعو النفسَ إلى تناولِهِ، فغلظ حكمُهُ زجراً عنه بوقوع الطلاق ونحوه، كما غلظ بالحد. أما غير الطرب فالنفس منه نافرة، ولذلك لم يغلظ بالحد، فلم يغلظ بوقوع الطلاق ونفاذ العقود كالوقف وغيره (٢). الأمر السادس: وقف الغضبان: تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء ﵏ على أنَّ وقف من زال عقلُهُ لشدَّة غضبه لا يقع (٣)، كما اتفقوا على وقوع وقف مَن لم يؤثِّر غضبُهُ على قصدِهِ وشعورِهِ (٤). واختلفوا في وقف مَن اشتدَّ غضبه ولم يملك نفسَه، ونَدِمَ على فعلِهِ مع بقاءِ عقلِهِ، هل يقعُ أم لا؟ (٥) على قولين:

стр. 268

القول الأول: أنه لا يصح وقفه. وهو قول ابن عابدين من الحنفيَّة (١)، ورواية عند الحنابلة (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤). القول الثاني: أنه يصح وقفه. وهو المذهب عند الحنفيَّة (٥)، وقول المالكيَّة (٦)، والشافعيَّة (٧)، والمذهب عند الحنابلة (٨). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل القائلون بأنَّ وقف الغضبان لا يصح بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٩). وجه الدلالة: أنَّ اللَّغوَ في اليمين هو أن يحلف الرجُلُ وهو غضبان، فإذا كانت يمينُ الغضبان لا تنعقد، فكذلك وقفه (١٠).

стр. 269

ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنَّ القولَ بأنَّ اللَّغوَ في اليمين أن يحلف الرجل وهو غضبان محل خلاف، فمنهم من يرى انعقاد يمين الغضبان وعلى أثره وقفه (١). ويُمكن أن يُجاب: بأنّه مع التسليم بالخلاف إلا أنَّ هذا في الغَضَب المتفق على نفاذه. الوجه الثاني: أنَّ هذا قياس مع الفارق؛ إذ إنه مع التسليم بأنَّ اللَّغوَ في اليمين هو أن يحلف الرجل وهو غضبان، إلاَّ أنه رفع المؤاخذة عنه؛ لأنَّ يمينَه صادرة من غير قصد، بخلاف وقف الغضبان، فإنه متعمِّد الوقف قاصد له (٢). وأُجيب: بعدم التسليم بالفارق؛ إذ إن الوقف في الغضب الذي يذهل عقله ويفقد به إرادته يترتب عليه عدم قصده؛ إذ لو كان قاصداً لما نَدِمَ على فعله (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾ (٤). وجه الدلالة: أنَّ الشرَّ في هذه الآية هو قول الرجل لولده وماله إذا غَضِبَ عليه: " اللَّهمَّ لا تُبارك فيه والعنه " (٥)، فتجاوَزَ اللهُ عن الغضبان في هذه الآية دليلٌ على عدم مؤاخذته على أقوالِهِ، ومنها وقفه (٦).

стр. 270

ونوقش: بعدم التسليم بمعنى الآية، وهو أنَّ المرادَ به دعاء الرجل على ولدِهِ في حالة الغَضَب (١). والدليلُ على ذلك: أنه قد يُجاب الدُّعاء وهو في هذه الحالة؛ (٦١) لما رواه مسلم من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ .. ، وفيه: عن جابر ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: " .. لا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، ولا تدعوا على خَدَمِكم، لا توافقوا من الله ساعةً لا يُسأل فيها شيئاً إلاَّ أعطاه" (٢)، ومعلوم أنَّ الإنسان لا يدعو على خواصِّه إلاَّ في حالة الغضب، فلو كان لا يقع لما ورد التَّحذير من ذلك (٣). وأُجيب: بأنَّ هذا خاصٌّ في الغَضَب المتفق على نفاذه (٤). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ (٥). وجه الدلالة: أنَّ التَّعبير بـ"سَكَتَ" بَدَلاً من سَكَنَ فيه دلالة على أنَّ الغضب سلطان، فلا إرادة ولا اختيار للإنسان عند حضوره، فإذا كان هذا حال الغضب فلا يؤاخذ الغضبان في وقفه؟! فالأمر خارج عن إرادته ورضاه (٦). ونوقش: بعدم التسليم بأنَّ الغضب سُلطان تنعدم معه الإرادة والاختيار؛

стр. 271

إذ لو كان الأمر كذلك لعُدَّ أمر النبيِّ ﷺ بترك الغضب ووصيَّته بعدمه من التَّكليف بما لا يُطاق، وهذا مُنتف في شرع الله . وأُجيب من وجهين: الوجه الأول: عَدَم التسليم بأنَّ تفسير الغَضَب بأنه سلطان يُناقض نهي النبي ﷺ عن الغضب لما فيه من التكليف بما لا يُطاق؛ إذ إنَّ نهي النبي ﷺ عن هذا الغضب دفعٌ لهذا السُّلطان وما يُخلِّفُه من حسرة وندامة، فنهيه ﷺ قبل الغَضَب لا بعد تملُّكه على صاحبه (١). الوجه الثاني: لو سُلِّم جدلاً بأنَّ القول بأنَّه سلطان يُناقض نهي النبي ﷺ ، فإنَّ هذا خاصٌّ بالغضب المُتَّفق على نفاذه. ٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (٢). وجه الدلالة: أنَّ الغضب من نزغ الشيطان، فإنه يُلجئه إلى ما لا يُريدُهُ ولا يختارُهُ، والدليل على ذلك: (٦٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عدي بن ثابت، عن سليمان بن صرد ﵁ قال: استبَّ رجلان عند النبي ﷺ وأحدهما يَسُبُّ صاحبه مُغضباً قد احمرَّ وجهُه، فقال النبي ﷺ : " إنّي لأعلم كلمةً لو قالها لذَهَبَ عنه ما يَجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " (٣). فإذا كان الحال كذلك فيلزم عدم مؤاخذة العبد فيما يصدُرُ منه حال غَضَبِهِ، كالطَّلاق والظِّهار والوقف؛ لأنَّه في حكم المُجبر على ذلك (٤).

стр. 272

ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنَّ القول بعدم وقوع الوقف بحجَّة أنه من الشيطان يقتضي إسقاط الحدود والأحكام عن أصحابها؛ لأنَّ إتيانها بنزغ من الشيطان، وهذا لا يُقرُّهُ شرع ولا عقل (١). ويُمكن أن يُجاب: بأنَّه مع التَّسليم بهذا المُقتضى إلاَّ أنَّ تحقُّق هذا فيما لو أطلق القول بهذا في جميع الأحكام، فالقول به محصور في بعض المواضع. الوجه الثاني: أنَّ نسبة العمل للشيطان من باب التنفير من هذا الأمر؛ لما سيُخلِّفُهُ من آثار الحسرة والنَّدامةِ، لذلك أرشد الشَّارع إلى الوسائل المُحصِّنة من الشَّيطان، دون أن ينفي مؤاخذة العبد على ما تجنيه جوارحُهُ (٢). ونوقش: بما نوقش به الوجهُ الأوَّل. ٥ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرتُهُ إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبُها أو امرأة يتزوَّجها، فهجرته إلى ما هاجرَ إليه " (٣). وجه الدلالة: في هذا الحديث بيان أنَّ مدار قبول الأعمال وعدمه على النّيَّة بشروطها التي من بينها أن تكون صادرةً من عاقل مُختار، فبناءً على ذلك استَنبَطَ البخاري ﵀ من هذا الحديث عدم وقوع طلاق الغضبان وكذا وقفه؛ لخروج الأمر عن رضاه واختياره (٤).

стр. 273

ونوقش: بأنَّ النّيَّة لا بدَّ أن تكون من عاقل مختار، وكلا الشرطين في الغضبان، فإنَّ اختيارَه وعقله باقيان في حالة غَضَبِهِ، فيلزمُ إدانتُهُ بما يصدُرُ عنه (١). وأُجيب: بأنه مع التسليم ببقاء عقله واختياره وقصده، إلاَّ أنَّ شدَّةَ غضبه قد أغلَقَ عليه، فيعذر في أقواله (٢). ٦ - عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " (٣). وجه الدلالة: نفى النَّص صراحة الطَّلاق والعتق في حال الغضب، وكذا وقفه (٤). اعتُرض عليه من وجوه: الوجه الأول: أنه ضعيف. الوجه الثاني: أنَّ تفسير "الإغلاق" بمعنى الغضب محلُّ خلاف بين العلماء، فقد فُسِّرَ بمعنى الإكراه (٥). وأُجيب: بأنه مع التسليم بالخلاف في معنى "الغلق" إلاَّ أنَّ هذا لا يمنع من إطلاقِهِ أيضا على الغَضَب؛ لتساويهما في علَّة القَهر والضِّيق والغَلَبة (٦).

стр. 274

الوجه الثالث: مع التَّسليم بأنَّ معناه "الغضب" إلاَّ أنَّ المقصود به الغضب المتَّفق على عدم نفوذ أحكامه؛ لزوال العقل وإغلاقه بإغماء ونحوه (١). وأُجيب: بأنَّه لو سُلِّمَ جَدَلاً بأنَّه خاصٌّ بالغَضَب المتَّفق على عدم نفاذ أحكامه، فإنَّ ذلك لا يمنع من إلحاق الغَضَب الأدنى منه مرتبةً به؛ وذلك لتساويهما في علَّة الضّيق والغلق وذهول العقل، كالإكراه (٢). (٦٤) ٧ - ما رواه الإمام أحمد من طريق محمد بن الزبير، عن الحسن، عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذرَ في غَضَب، وكفارته كفارة اليمين " (٣).

стр. 275

ونوقش من وجوه: الوجه الأول: أنَّ الحديث ضعيف، فلا تقوم به حجَّة (١). الوجه الثاني: أنَّ عدم انعقاد نذر اللجاج والغضب محلُّ خلاف بين العلماء، فلا يُحتجُّ به (٢). الوجه الثالث: أنَّ عدمَ إلزام الغضبان بنذره لعدم قصده النَّذر، فيكون حكمُهُ حكم اليمين، والدليلُ على ذلك إلزامُهُ بالكفَّارة، فلولا مؤاخذتُهُ على لفظِهِ لما أُلزِمَ بها (٣). وأُجيب: بأنَّ إيجاب الكفَّارة لا يقتضي ترتُّب موجب النَّذر، فالكفَّارة لا تستلزم التكليف، والدليل: وجوبُها في مال مَن عفا الشارع عنهم كالصغير، والمجنون، والناسي، والمخطئ، فمن باب أولى إيجابُها في النَّذر؛ وذلك لدفع الضَّرر الحاصل من عدم تنفيذ النَّذر. (٦٥) ٨ - ما رواه البخاري من طريق سعيد بن المسيب، ومسلم من طريق سالم مولى النصريين قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهداً لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيتُهُ، أو سَبَبتُهُ، أو جَلَدتُهُ، فاجعلها له كفارةً وقربةً تُقَرِّبُهُ بها إليك يوم القيامة" (٤). وجه الدلالة: أنَّ تأثير الغضب على رسول الله ﷺ وهو المعصوم

стр. 276

والمالك للفظه وتصّرُفِهِ في حالة الرِّضا والغضب يدلُّ على أنَّ الغضب سلطان، فإذا كان هذا حال رسول الله ﷺ وطلبه من ربِّه أن لا يؤاخذه ويكون ما قاله كفَّارةٌ لأمَّتِهِ، فمن باب أولى غير المعصوم من الغَضَب؛ وذلك لأنَّ غضَبَه قد يُلجئه إلى أُمورٍ عِظامٍ كالطلاق، والوقف، فمن الحكمةِ عدَمُ مؤاخذته في هذه الحالة؛ لأنَّه في حكم المُكرَه (١). ونوقش: بأنَّ الرَّسول ﷺ أخذ من ربِّه العهد أن لا يؤاخذه، وأن يجعلها كفَّارة لأمّته، ولعلَّ الحكمة من دعاء الرسول ﷺ رحمةً بأمَّته للتكفير عنها (٢)، بخلاف الواقف في حالة الغضب فإنَّه لم يُعطَ وعداً بعدم المؤاخذة، بل الخلاف جار في ذلك. ويُمكن أن يُجاب: بأنَّه مع التَّسليم بالحكمة، إلاَّ أنَّ هذا لا يتعارض مع القولِ بعدم مؤاخذةِ الغَضبان، بل يُؤيّده؛ وذلك أنَّ التَّكفير والتَّجاوز عمَّن سبَّه وشَتَمَه رسول الله ﷺ مع إغضابه لرسول الله ﷺ وعِظَمِ فعلِهِ، ومع ذلك يُكفر عنه، فمن باب أولى التَّجاوز عن غيره، وخاصَّةً أنه غالباً لم يتجرَّأ على إغضاب رسول الله ﷺ إلاَّ لغَضَبهِ في هذه الحالة. (٦٦) ٩ - وقال البخاري: عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "الطَّلاقُ عن وَطَر (٣)، والعتق ما يبتغى به وجه الله" (٤). وجه الدلالة: في هذا الأثر دلالة على عدم وقوع طلاق الغضبان؛ لأنه

стр. 277

اشترط أن يكون الطَّلاق عن قصد من المُطَلِّق وتصوُّر لما يقصدُه، فإن تخلَّف أحدهما لم يقع طلاقه، فشدَّة الغضب تمنعُهُ من التَّثبُّت والتَّروّي وتُخرجه من حال اعتداله فتُلجئُه إلى ما لا يرغبه ولا يرضاه فلا يقع طلاقُه؛ لعدم خالص قصده وأمره، وكذا الوقف (١). ١٠ - قياسُ الغضبان على السَّكران والمُكره؛ لتساويهما في علَّة عَدَمِ القَصدِ والإرادةِ (٢)، حيث إن شدة الغضب تحول بينه وبين إرادته ونيته، فيصدُر منه ما لا يُريدُه ولا يقصدُهُ حقيقةً (٣)، فيسقُطُ عنه حكمُهُ للعلَّة ذاتِها. ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن القياس على المكره والسكران قياس مع الفارق؛ إذ الغضبان عقله باق بخلاف السكران، والمكره قد ضيق عليه الغير بخلاف السكران (٤). وأُجيب: بعدم التَّسليم بالفارق بينهما؛ إذ إنَّ كليهما مكره، فالمُكرَه مُكرَهٌ على عقده، والغضبانُ مُكرهٌ على قصدِهِ وإرادتِهِ ليَستريح من حرارةِ الغَضَب، يدلُّ على ذلك نَدَمُهُ وحسرتُهُ على فعلِهِ عند سكون غَضَبِه، بل إنه أولى بعدم وقوع طلاقِهِ وظهاره ووقفه من المُكرَه؛ لانعدام حقيقة قصدِهِ ومُراده (٥). الوجه الثاني: أنَّ الغضبان كالسكران؛ إذ إن كليهما حال دون النية. ١١ - أنَّ العبرة بالمقاصد وما تكسبُهُ القلوب وتُريده، فالواقف في الغَضَب الشَّديد الحامل له التَّشفّي وفضّ الغيظ وليس الرّضا والقصد، بدليل

стр. 278

نَدَمه بعد ذهاب غضبه (١). ١٢ - أنَّ العوارض النَّفسيَّة من الأمور المُعتبرة في الشرع؛ لما لها من أَثَر على تصرُّفات صاحبها وأقوالِهِ، كعارض النِّسيان والخَطَأ، والخوف، والغَضَب، فيتكلَّم بما لا يقصد ولا يُريد حقيقةً أو حُكماً فيُعذر دون غيره؛ لعَدَم مَحضِ قصده وإرادته، بل إنَّ الغضبان أولى من غيره في اعتباره هذه العوارض لعدّه من أبرز الأسباب في تفكُّك الأُسرة، وزوال وحدتها (٢). ١٣ - أنَّ ما ثبت بالإجماع لا يزول إلاَّ بالإجماع، فالملك ثابتٌ بالإجماع، فالأصل بقاؤه حتى يثبت ما يرفعُهُ كلياً أو جزئياً (٣). ونوقش: بأنَّه مع التَّسليم بأنَّ ما ثبت بالإجماع لا يزول إلا بالإجماع، إلا أنَّ القول بالصحة، قال به جمهور العلماء ﵏ (٤)، فإجماع الجمهور يُعدُّ إجماعاً، ولا يضُرُّ مخالفة الأقل من المُجتهدين، والدَّليل على ذلك أنَّ الصَّحابة ﵃ لمَّا استخلفوا أبا بكر ﵁ انعَقَدَت خلافتُهُ بإجماع الحاضرين، مع غياب عدد من الصَّحابةِ ﵃ في بعض الأمصار (٥). وأُجيب: بعدم التَّسليم بأنَّ إجماع الجمهور يُعدُّ إجماعاً، فإذا خالف الجمهورَ واحدٌ من المجتهدين لم ينعقد الإجماع؛ إذ إن المعتبر في الإجماع قول جميع الفقهاء، فإذا تحقَّق وإلاَّ انعدم الإجماع (٦).

стр. 279

ورُدَّ عليه: بعدم التَّسليم بأنَّ الإجماع قول جميع الفقهاء؛ إذ إنَّ مخالفة الأقل أو الواحد شذوذٌ، والشَّاذ لا حكم له عند وجود من هو أقوى منه (١). وأُجيب: بأن الإجماع المعتبر عند الأصوليين هو اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ . أدلة القول الثاني: (صحة الوقف) استدلَّ القائلون بصحة وقف الغضبان بما يلي: (٦٧) ١ - ما رواه مسلم من طريق أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله ﷺ أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة (وهي غزوة تبوك)، فقلت: يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال: "والله لا أحملكم على شيء"، ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزيناً من منع رسول الله ﷺ ومن مخافة أن يكون رسول الله ﷺ قد وَجَدَ في نفسه عليَّ، فرجعت إلى أصحابي، فأخبرتهم الذي قال رسول الله ﷺ ، فلم ألبث إلا سويعة، إذ سمعت بلالاً يُنادي: أي عبد الله بن قيس! فأجبته، فقال: أجب رسول الله ﷺ يدعوك، فلما أتيت رسول الله ﷺ قال: " خذ هذين القرينين (٢)، وهذين القرينين، وهذين القرينين، لستَّةِ أبعرةٍ ابتاعهنَّ حينئذٍ من سعد فانطلق بهنَّ إلى أصحابك، فقل: إنَّ اللهَ (أو قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ يحملكم على هؤلاء فاركبوهنَّ " (٣). (٦٨) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنَّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال: "

стр. 280

عَرِّفها سَنَة (١)، ثم اعرف وكاءَهَا (٢) وعفاصَهَا (٣)، ثم استنفق بها (٤)، فإن جاء ربُّها فأدِّها إليه "، فقال: يا رسول الله فضالَّة الغنم؟ قال: "خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب"، قال: يا رسول الله فضالَّة الإبل؟ قال: فغضِبَ رسولُ الله ﷺ حتى احمرَّت وَجنَتاه أو احمرَّ وجهُهُ، ثم قال: " ما لَكَ ولها؟! مَعَها حذاؤها، وسقاؤها، حتى يلقاها ربُّها " (٥). (٦٩) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أنَّه حدَّثه أنَّ رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج من الحرَّة (٦)، يسقي بها النخل، فقال رسول الله ﷺ : " اسق يا زبير -فأمره بالمعروف- ثم أرسل إلى جارك "، فقال الأنصاري: أن كان ابن عَمَّتك؟! فتلوَّن وجه رسول اللهِ ﷺ ، ثمَّ قال: " اسق ثم احبس، حتى يرجع الماءُ إلى الجدر، واستَوعَى له حَقَّه " (٧) فقال الزبير: والله إنَّ هذه الآية أنزلت في ذلك:

стр. 281

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (١). (٧٠) ٤ - قال البخاري: وقال الأعمش: عن تميم، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٢) (٣). وجه الدلالة من هذه الأدلة: أنَّ وجود الغضب في هذه الحوادث لم يمنع من اعتبار الأحكام بها، فدلَّ على مؤاخذة الغضبان، فإذا نَفَذَت أحكامُه نَفَذَت سائرُ أقواله، ومنها الوقف (٤). ونوقش: بأنَّ الغضب المتحقِّق في هذه الحوادث هو المتفق عليه بين الفقهاء ﵏ على نفاذه واعتبار أحكامه (٥). (٧١) ٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁ قال: كَتَبَ أبي وكتبت له إلى عبيد الله بن أبي بكرة وهو قاضٍ بسجستان (٦) أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان " (٧).

стр. 282

وجه الدلالة: أنَّ نهي النبيِّ ﷺ للقاضي عن الحكم بين الخصمين وهو غضبان دليل على نفاذ حُكمه، لذلك ورَدَ النَّهيُ خشية أن يُخرجه غضبُه عن سداد النظر وعدالة القضاء فيقضي بغير الحق، فيهلك ويُهلك غيره (١). ونوقش: بأنَّ النَّهيَ يقتضي فساد القضاء، فإذا لم يصح قضاؤه في الغضب، فلا اعتبار لحكمه (٢). وأجُيب: بأنَّ النهي لا يقتضي الفساد مطلقاً، فقد ورد النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة، والبيع بعد النِّداء الثاني من يوم الجمعة مع صحَّة الصلاة والبيع، فالنهي إمَّا للتحريم أو للكراهة، لتفويت فضيلة أو دفع مضرَّة، أو للاحتياط؛ كالنَّهي عن القضاء حال الغَضَب، وإلاَّ فالقضاء صحيح، فقد قضى ﷺ في شراج الحرَّة مع غضبه في تلك الحالة (٣)، فدلَّ على نفوذ الأحكام في الغضب (٤). ورُدَّ عليه: بعدم التسليم بأنَّ النَّهيَ لا يقتضي الفساد إلاَّ ما قامَ الدَّليلُ على عدم اقتضائِهِ لذلك؛ لوجود قرينة تصرفه عن معناه الحقيقي، ففي هذه الحالة يُخصَّص النَّهي حسب ما اقتضاه الدَّليل (٥). (٧٢) ٦ - ما رواه البخاري من طريق أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصِني، قال: "لا تغضَب" فردَّدَ مراراً قال: "لا تغضَب" (٦).

стр. 283

وجه الدلالة: أنَّ وصيَّة النبي ﷺ للرجل بعدم الغضب، وتأكيده ذلك، دليل على مؤاخذة الإنسان على نتائج غَضَبه، وإلا لما أوجز الرسول ﷺ سؤال السَّائل بهذه الكلمة دون غيرها (١). يُمكن أن يُناقش من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بأنَّ النَّهي عن الغضب دليل على مؤاخذة صاحبه، وإنما لاعتبار الغضب جماع الشَّر؛ إذ إنه للأخلاق بمنزلة القلب للجَسَد، فاستُحبَّ التَّحرُّزُ منه. الوجه الثاني: لو سُلِّم جَدَلاً بمؤاخذة العبد على غَضَبه، فإنَّ هذا خاص بالغضب المُتَّفق على مؤاخذة صاحبه عليه (٢). ٧ - عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " .. لا تدعوا على أولادِكم، ولا تدعوا على أموالِكم، ولا تدعوا على خَدَمِكم، لا توافقوا من الله ساعةً لا يُسأل فيها شيئاً إلاَّ أعطاه " (٣). (٧٤) ٨ - ما رواه مسلم من طريق أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: "خذوا ما عليها ودَعوها فإنها ملعونة". قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد (٤). وجه الدلالة من الدليلين: أنَّ نهي النبي ﷺ عن الدعاء في الحديث

стр. 284

الأول، وهجرِه للناقة الملعونة، دليلٌ على إجابة الدُّعاء وقت الغضب؛ إذ إنَّ الدُّعاء لا يصدُرُ في الغالب إلاَّ في حالة الغضب، فإذا أوخذ الغضبان على دعائه حُوسِبَ على طلاقه (١) ووقفه، ونحو ذلك. ونوقش: بعدم التسليم بأنَّ الدُّعاء لا يصدُر إلاَّ في حالة الغضب، وأنَّ هجر النبي ﷺ دليل إجابة الدُّعاء؛ إذ إنَّ الدُّعاء يندر في حالة الغَضَب وعَدَمِه، وعلى ذلك هَجَر النبي ﷺ النَّاقة الملعونة من باب التأديب والتربية لصحابته ﵃ بالترفُّع عن ما حرم من الأقوال، وخاصَّة ما عَظُمَ منها كاللَّعن (٢). (٧٥) ٩ - ما رواه الدارقطني من طريق سيف، عن مجاهد قال: جاء رجل من قريش إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس إني طلَّقت امرأتي ثلاثاً وأنا غضبان، فقال ابن عباس ﵄: " لا أستطيع أن أُحِلَّ لك ما حرَّم اللهُ عليك، عصيتَ ربَّك وحَرُمَت عليك امرأتك " (٣).

стр. 285

وجه الدلالة: أنَّ إمضاء ابن عباس ﵄ لطلاق الرجل بالرغم من صدوره في حالة الغضب دليل على صحَّة طلاق الغضبان (١)، وكذا وقفه. ونوقش: بأنَّه مع التسليم بصحَّة الأثر بلفظه، فإنَّ المراد به الغضب المُتَّفق على وقوعه. ١٠ - الإجماع على أنه لم يقُل أحدٌ بالتصريح بعدم الوقوع، فالقول بخلافه يُعدُّ خرقاً للإجماع (٢). ونوقش: بأنَّ القول بالإجماع مردود، فالمسألة محلُّ خلاف بين العلماء. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بعدم صحة الوقف في حالة الغَضَب الشَّديد الذي يفقد الإنسان سيطرته على نفسه ولا يستطيع إمساكها مع بقاء عقله؛ وذلك لقوَّة دليلهم، ومناقشة دليل القول الثاني، ولأنَّ الأصلَ براءةُ الذِّمَّة من الواقف، وبقاء الملك. الأمر السابع: وقف النائم، والمغمى عليه: النائم والمغمى عليه لا يصح وقفهما باتفاق الأئمة الأربعة. لما تقدم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " رفع القلم عن ثلاثة: .. وعن النائم حتى يستيقظ .. " (٣)، والمغمى عليه ملحق بالنائم (٤).
следующие страницы →