← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكها بدرهم " (١). قال القرطبي: " قوله (فظننت أنه بائعه برخص) إنما ظن ذلك؛ لأنه هو الذي كان أعطاه إياه فتعلق خاطره بأنه يسامحه في ترك جزء من الثمن، وحينئذ يكون ذلك رجوعا في عين ما تصدق به في سبيل الله، ولما فهم النبي ﷺ هذا نهاه عن ابتياعه، وسمى ذلك عودا فقال: (لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك) " (٢). فهذا التعليل يقتضي الفرق بين أن تشتريها ممن يسامحك في ثمنها فتكون راجعا في القدر الذي سومحت فيه، وبين أن تشتريها ممن لا يسامحك في شيء من ثمنها. قال ابن مفلح: " ظاهر التعليل بأنه يسامحه يقتضي الفرق " (٣). ٢ - حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه " (٤). وجه الدلالة: أن شراء الواهب للهبة من غير الموهوب له ليس فيه عود في الهبة؛ لأن الهبة تحولت عن أن تكون هبة بانتقال ملكيتها إلى غير الموهوب له. وبالتالي يكون اشتراؤه لها كأي سلعة أخرى. (٢٦٣) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق قتادة، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ أتي بلحم تصدق به على بريرة ﵂ فقال: " هو عليها صدقة وهو لنا هدية " (٥).

стр. 2207

قال ابن حجر: " أخبر النبي ﷺ أهله أن تلك الهدية بعينها خرجت عن كونها صدقة بتصرف المتصدق عليه فيها " (١). والهبة أولى من الصدقة. (٢٦٤) ٤ - ما روى ابن أبي شيبة من طريق الحسن قال: قال عمر ﵁: " إذا تحولت الصدقة إلى غير الذي تصدق عليه، فلا بأس أن يشتريها " (٢). (٢٦٥) وجاء عن الحسن البصري -وهو راوي الأثر عن عمر ﵁ ومحمد بن سيرين أنهما كرها أن يشتري الرجل شيئاً من صدقة ماله حتى يحول من عند المصدق (٣). ٥ - أن غير الموهوب له إذا باعها فإنه لن يسامح في ثمنها، فقد تكون انتقلت إليه بغلاء أو بثمن مثلها، أو يريد الكسب من ورائها، ولا مانع يمنعه من ذلك، بخلاف الموهوب له، فإنه سيسامح المتصدق في ثمنها حياءً منه. دليل القول الثاني: (أن النهي عن الشراء من الموهوب له وغيره) ١ - حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه " (٤). وإذا اشترى الواهب الهبة عادت إليه الهبة، فيشمله نهي الحديث. ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم؛ لما تقدم من الفرق بين شرائها من الموهوب له وغيره، كما في أدلة القول الأول.

стр. 2208

(٢٦٦) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق السائب بن يزيد، عن العلاء الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ : " يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا " (١). وجه الدلالة: أن ما أخرجه الإنسان لله تعالى وطلبا لمرضاته، فإنه لا يعود فيه، ولهذا منع المهاجر من الإقامة بمكة بعد الحج؛ لأنه تركها لله . ونوقش: بعدم التسليم بأن شراءها من غير الموهوب له رجوع في الهبة؛ لما تقدم في أدلة الرأي الأول. لذا يقول القرطبي: " لا يليق بمكارم الأخلاق أن يعود في شيء خرج عنه على وجه المعروف، ولا بأهل الدين أن يرجعوا في شيء خرجوا عنه لله تعالى بوجه، فكان مكروها من هذا الوجه " (٢). الترجيح: يظهر -والله أعلم- أن كلاً من القولين له قوة، لكن القول الأول أقوى من حيث الدليل، والثاني أحوط.

стр. 2209

المبحث الرابع: الرجوع بالإرث، أو الإهداء، ونحوه وفيه مطلبان: المطلب الأول: إذا رجعت إلى الواهب عن طريق الإرث اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن الهبة إذا رجعت إلى ملك الواهب بالميراث أنها تحل له (١). بل قال بهذا أكثر أهل العلم في الصدقة، كما قال الترمذي: " والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن الرجل إذا تصدق بصدقة ثم ورثها حلت له" (٢)، فالهبة من باب أولى. بل حكى العيني الإجماع على ذلك (٣) في الصدقة، والهبة من باب أولى. وهذا غير مسلم؛ فقد حكى الخلاف في هذه المسألة غيره من أهل

стр. 2210

العلم، كالترمذي حيث قال: (وقال بعضهم: الصدقة شيء لله جعلها لله، فإذا ورثها فيجب أن يصرفها في مثله)، وقال ابن العربي: (اختلفوا فيما إذا عادت الصدقة بالميراث إلى الرجل هل تحل له أم يلزمه أن يتصدق بها؟ والصحيح جواز أكلها للأثر والنظر)، والعيني نفسه نقل عن ابن التين أنه قال: (وشذت فرقة من أهل الظاهر فكرهت أخذها بالميراث ورأوه من باب الرجوع في الصدقة وهو سهو). ودليل ذلك: ١ - حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه أنه قال: بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: فقال: " وجب أجرك، وردها عليك الميراث " (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ حكم للمرأة برجوع الجارية إلى ملكها بالميراث، وأوجب لها أجر الصدقة، ولم ينهها عن أخذها ولم يأمرها بالصدقة بها مرة ثانية، مما يدل على إباحتها لها، والهبة من باب أولى. ٢ - أن الملك إذا تغاير تغايرت الأحكام، كما لو وهب غيره طعاماً، فإنه يجوز للواهب أن يأكل عند الموهوب له من الهبة بالضيافة؛ لأن الملك لما انتقل غير الحكم (٢). يدل على ذلك: حديث أنس ﵁، وفيه أكل النبي ﷺ من اللحم الذي تصدق به على بريرة؛ لتغاير الملك حيث قال: " هو عليها صدقة، وهو لنا هدية " (٣).

стр. 2211

٣ - أن رجوع الهبة إلى ملك الواهب بالميراث، لا خيار له فيه، تدخل إليه جبراً وقهراً، فلا تهمة في هذا، ولا مشابهة في الرجوع (١). قال القرطبي: " وهذا لأن ملك الميراث جبري بخلاف غيره من جميع التمليكات" (٢). المطلب الثاني: رجوع الهبة إلى الواهب بالهبة أو الهدية وأما رجوع الهبة إلى ملك الواهب بهبة أو بهدية، فمن الفقهاء من ألحقها بشراء الهبة، ومنهم من ألحقها بالميراث. فالمالكية (٣)، والشافعية (٤) يلحقونها بالشراء، فيرون كراهة تملك الإنسان لهبته بالهبة أو الهدية، لكن المالكية يخصون هذا كما تقدم بالهبة التي لا يدخلها الاعتصار. وكأنهم رأوا أن في رجوع الموهوب بالهبة أو الهدية شبهاً برجوعها بالشراء، من جهة أن كلاً منها يقع بخيار الإنسان ومن غير جبر، فالهبة من العقود الاختيارية التي لا تتم إلا عن رضا الواهب والموهوب له، والمهدي والمهدى إليه. لذا يستدل الشافعية على كراهة تملك الإنسان هبته بالمعاوضة أو بالهبة

стр. 2212

بحديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي فيه نهي النبي ﷺ له عن شراء فرسه الذي تصدق به (١). أما الحنابلة: فيلحقون رجوع الصدقة بالهبة والهدية برجوعها بالميراث فيرون جواز ذلك (٢). وكأنهم رأوا المشابهة بينها بكونها بلا عوض، بخلاف الشراء فإنه بعوض. والأقرب: أن الأقوى قول المالكية والشافعية؛ لأن رجوع الصدقة لصاحبها بالهبة أو الهدية، وإن كان بغير عوض إلا أنه إذا قبله فكأنه اختار إرجاع شيء أخرجه لله تعالى، مع أن في وسعه رفض ذلك مما يجعل فيه شبهاً بشراء الصدقة الذي نهى رسول الله ﷺ عنه. وأيضاً الهبة أو الهدية قد يقصد بها واهبها ومهديها العوض والثواب، فتكون فيها معاوضة، وبه يقوى شبهها بالشراء المنهي عنه -والله تعالي أعلم.

стр. 2213

المبحث الخامس: إرجاع وعاء الهبة قال الشربيني: " ولو بعث شخص لآخر " هدية في ظرف " وهو الوعاء " فإن لم تجر العادة برده كقوصرة تمر "، وهي بتشديد الراء على الأفصح وعاء التمر ولا تسمى بذلك إلا وفيها التمر، وإلا فهي زنبيل، فهو أي الظرف " هدية أيضا " تحكيما للعرف المطرد، ومثله علب الحلواء والفاكهة ونحوهما، وإلا بأن جرت العادة برد الظرف أو اضطربت كما هو قضية كلام ابن المقري " فلا " يكون هدية، بل أمانة في يده كالوديعة. قال الأذرعي: ويشبه أن تختلف العادة في رد الظروف باختلاف طبقات الناس وعادة البلاد وما يحمل منها إلى البلاد البعيدة دون مهاداة أهل البلد، وكذا الإهداء إلى الملوك ولا سيما ما يحمل إليهم من النواحي البعيدة، فإن العادة أن لا ترد ظروفه. والحاصل: أنه يعتبر في كل ناحية عرفها وفي كل قوم عرفهم باختلاف طبقاتهم. تنبيه: ألحق المتولي بذلك الكتاب الذي يكتبه الإنسان لصاحبه أي سواء كان غائبا أم حاضرا، فإن المكتوب إليه يملكه فإنه هدية إلا أن يكتب فيه أن اكتب لي الجواب على ظهره، فإنه لا يملكه ويلزمه رده إليه، وإذا لم يكن الظرف هدية " يحرم استعماله "؛ لأنه انتفاع بملك الغير بغير إذنه " إلا في أكل الهدية منه إن اقتضته العادة " عملا بها ويكون عارية حينئذ.

стр. 2214

قال القاضي: ويستحب له رده حالا لخبر (استبقوا الهدايا برد الظروف). قال الأذرعي: والاستحباب المذكور حسن، وفي جواز حبسه بعد تفريغه نظر إلا أن يعلم رضا المهدي. وهل يكون إبقاؤها فيه مع إمكان تفريغه على العادة مضمونا؛ لأنه استعمال غير مأذون فيه لا لفظا ولا عرفا أم لا؟ في كلام القاضي ما يفهم الأول وهو محل نظر، وأما الخبر المذكور فلا أعرف له أصلا " (١).

стр. 2215

المبحث السادس: اختلاف الواهب والموهوب له وتحته مطالب: المطلب الأول: الاختلاف في أصل عقد الهبة إذا دفع شخص لآخر مبلغا من المال، فاختلف الدافع والقابض، فقال الدافع: أردت الهبة، قال القابض: أردت القرض أو الصدقة، ونحو ذلك: فإن كان لأحدهما بينة عمل بها، وإن لم يكن فللعلماء قولان: القول الأول: أن القول قول الدافع. وبه قال الحنفية، وبعض الشافعية، لكن اشترط الشافعية لتصديق الدافع اليمين (١). جاء في مجمع الأنهر: " ولو اختلف: فقال الواهب: كانت هبة، وقال الموهوب له: صدقة، فالقول للواهب ". القول الثاني: أنهما يتحالفان فيحلف كل واحد منهما على نفي دعوى الآخر، وإثبات دعواه، وإذا حلفا فسخ العقد بينهما.

стр. 2216

وبه قال بعض الشافعية (١). وحجته: أن كل واحد منهما مدع، ومدعى عليه، ولا بينة لواحد منهما تثبت دعواه، فلا بد من التحالف في هذه الحال. الترجيح: الراجح -والله أعلم- أنه يرجع إلى القرائن إن وجد ما يؤيد قول أحدهما، وإلا رجع للأصل، وهو عدم الهبة. المطلب الثاني: اختلاف الواهب والموهوب له في صفة العين الموهوبة مثال ذلك: أن يقول للواهب: وهبتك هذا الكتاب الذي تحقيقه كذا. فقال الموهوب له: بل ذلك الكتاب الذي تحقيقه كذا، فإن كان لأحدهما بينة، فالقول قوله، وإن لم يكن لأحدهما بينه، فقد نص الحنفية على أن القول قول الموهوب له بيمينه؛ لأن الواهب يدعي هبة شيء ينكره الموهوب له، ولا بينة للواهب، فيكون القول قول المنكر بيمينه (٢). والأقرب: إن كان هناك قرائن تؤيد قول أحدهما رجع إليها، وإلا رجع إلى الأصل، وهو قول الواهب؛ إذ الأصل عدم الهبة في غير ما ادعاه - والله أعلم -.

стр. 2217

المطلب الثالث: اختلاف الواهب والموهوب له في صحة الهبة وفسادها إذا اختلف الواهب والموهوب له في صحة عقد الهبة أو فساده، فإن كان لأحدهما بينة قدمت، فإن لم يكن بينة فالقول قول من يدعي الصحة بيمينه؛ لأن الأصل سلامة العقد. ولو أقام كل واحد منهما بينة قدمت بينة من يدعي الفساد؛ لأن معها زيادة العلم. نص على ذلك الشافعية، والحنابلة (١). ولو ادعى الوارث أن الهبة صدرت منه في مرض الموت، والموهوب له يدعي أنها صدرت منه في حال صحته، فإنه يقدم قول من يدعي صدور الهبة في حال المرض. وهذا عند الحنفية (٢). ولو أقاما البينة قدمت بينة من يدعي الهبة في الصحة عند الحنفية (٣).

стр. 2218

الباب السادس: الهبة في مرض الموت وفيه فصول: الفصل الأول: تعريف مرض الموت، وما يلحق به، وحكمة تقييد تبرعات المريض مرض الموت. الفصل الثاني: أقسام المرض، وحكم الهبة في كل قسم. الفصل الثالث: إثبات مرض الموت.

стр. 2219

الفصل الأول: تعريف مرض الموت، وما يلحق به، وحكمة تقييد تبرعات المريض مرض الموت وفيه مباحث: المبحث الأول: تعريف مرض الموت. المبحث الثاني: ما يلحق بمرض الموت. المبحث الثالث: حكمة تقييد تبرعات المريض مرض الموت.

стр. 2220

المبحث الأول: تعريف مرض الموت وفيه مطالب: المطلب الأول: تعريف المرض لغة المرض في اللغة: يطلق على معان منها: الشك والريبة (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٢) (٣). والنفاق كما في قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٤) (٥). والسقم، والفتور، والظلمة، والانحراف عن الصواب، وهو نقيض الصحة (٦).

стр. 2221

المطلب الثاني: تعريف المرض في الاصطلاح المرض في الاصطلاح: حالة للبدن يزول بها اعتدال الطبيعة. والمقصود هنا مرض الموت. وقيل في تعريفه: هو المرض الذي يحكم أهل الخبرة بكثرة الموت من مثله، وإن لم يكن غالباً. وهو المشهور عند المالكية، وقول عند الشافعية (١). والمراد بالكثرة: أن لا يتعجب من صدور الموت منه، ولو لم يكن غالباً منه. ويحترز بذلك من نحو وجع الضرس، والرمد، ونحو ذلك، فإنه يتعجب من صدور الموت عن مثل ذلك. وعن الإمام مالك: "أنه كل مرض أقعد صاحبة عن الدخول والخروج" (٢). وقيل: هو الذي يخاف منه الموت غالباً. وهو قول الحنفية، وبعض المالكية، وبه قال الشافعي (٣).

стр. 2222

وقيل: هو الذي أضناه المرض، وصار صاحب فراش. وهو قول الحنفية (١). وقيل: " ما لا يقدر صاحبة أن يقوم إلا أن يقام ". وقيل: " إذا كان يخطو ثلاث خطوات من غير أن يستعين بغيره فصحيح، وإلا فمريض ". وقيل: " أن لا يقدر على الصلاة إلا جالساً ". وهذه أقوال للحنفية (٢). وقيل: هو كل ما يستعد الإنسان بسببه لما بعد الموت من العمل الصالح كالقولينج (٣)، وذات الجنب (٤)، والرعاف الدائم (٥)، والإسهال المتواتر مع قيام الدم (٦)، والسل (٧) في انتهائه، والفالج (٨) في ابتدائه، والحمى

стр. 2223

المطبقة (١) (٢). وهو قول عند الشافعية. وقال شيخ الإسلام: " ليس معنى المرض المخوف الذي يغلب على الظن الموت منه، أو يتساوي في الظن جانب البقاء والموت … وإنما الغرض أن يكون سبباً صالحاً للموت فيضاف إليه، ويجوز حدوثه عنده ". وأقرب ما يقال: ما يكثر حصول الموت منه، فلا عبرة بما يندر وجود الموت منه. وهناك أمراض شاعت في زماننا أشد خطورة من هذه كالسرطان، والإيدز نسأل الله العافية، وعلى أية حال فإن الفقهاء متفقون على أنه لا بد فيه من تحقيق شرطين: الأول: أن يتصل به الموت. الثاني: أن يكون المرض مخوفاً (٣). والأقرب: أن يقال: إن المرجع في معرفة كونه مخوفاً أو غير مخوف إلى أهل الخبرة وأهل العلم به، فإن قالوا: بأن هذا المرض مخوف، فتصرف صاحبه تصرف المريض، وإن قالوا: غير مخوف، فتصرفه تصرف الصحيح (٤).

стр. 2224

فرع: إذا مات المريض بسبب آخر. اتفق الفقهاء على أن المرض لا أثر له في التبرع إلا إذا اتصل به الموت، أما لو برئ المريض من مرضه فإن جميع تبرعاته تصبح نافذة وتعتبر صحيحة؛ لأنها صدرت من الأهل في المحل ولا مانع من نفاذها. ولو مات المريض بسبب آخر في أثناء المرض، كما لو مات بسبب غرق ونحو ذلك، فإن تبرعاته تعتبر صادرة من مريض مرض الموت فيضاف الموت من حيث الحكم إلى المريض الأصلي بقطع النظر عن السبب الطارئ. وإلى هذا ذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة. ويرى عيسى بن أبان -الحنفى- أن المريض لو مات بسبب آخر كما مثلنا، فإن تبرعاته تكون نافذة كالصحيح. ووجهة نظره: أن مرض الموت ما يكون سبباً للموت، ولما مات بسبب آخر علمنا أن مرضه لم يكن مرض الموت. وأجيب: بأن الموت اتصل بمرضه حيث لم يصح حتى مات، فكان مرضه مرض الموت، وقد يكون للموت سببان المرض والحادث الطارئ.

стр. 2225

المطلب الثالث: إذا شك في المرض إذا شك في المرض هل هو مخوف أو لا؟ يرجع في ذلك إلى أهل الطب قال الشافعي: " وما أشكل من هذا أن يخلص بين مخوفه وغير مخوفه سئل عنه أهل العلم به (١). وقال ابن قدامه: " وما أشكل أمره من الأمراض رجع فيه إلى قول أهل المعرفة، وهم الأطباء؛ لأنهم أهل الخبرة بذلك والتجربة والمعرفة " (٢).

стр. 2226

المبحث الثاني: ما يلحق بمرض الموت وفيه مطالب: هناك حالات ألحق الفقهاء صاحبها بالمريض مرض الموت مع أنه ليس بمريض لكن لما يخشى من هلاكه، وهذه الحالات هي: المطلب الأول: الحامل واختلف في الوقت الذي تلحق فيه بمرض الموت على قولين: القول الأول: أنه لا يكون مخوفاً إلا إذا كانت في المخاض. وبه قال الحنفية (١)، والشافعية (٢)، وصححه ابن قدامة من الحنابلة، قال المرداوي: هي المذهب، وبه قال النخعي (٣). وحجته: أنه ألم شديد يخاف منه التلف فأشبهت سائر الأمراض المخوفة، وأما قبل ذلك فلا ألم بها، واحتمال وجوده خلاف العادة، فلا يثبت الحكم باحتماله البعيد مع عدمه كالصحيح (٤).

стр. 2227

ولقاعدة: الأمور بخواتيمها. وعند الشافعية: بعد الولادة، فإن بقيت المشيمة معها فهو مخوف، وإن مات الولد في بطنها فهو مخوف؛ لأنه يصعب خروجه، وإن وضعت الولد وخرجت المشيمة وحصل ثم ورم، أو ضربان شديد فهو مخوف (١). القول الثاني: أنه إذا أكملت ستة أشهر ودخلت في الشهر السابع. وهو قول المالكية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، قال الحارثي: هي المذهب. وحجته: قول الله : ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ (٥). وجه الدلالة: أن الله تعالى جعل أول الحمل بشارة، وجعل آخره ثقيلاً، وسبب الخوف من وقت الوضع؛ لذلك دعوا الله ربهما لئن أتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين، فوقت الإثقال هو وقت الوضع. وهذا الذي ذكره الفقهاء ﵏ -قبل ترقي الطب، أما في زماننا هذا بعد ترقي الطب فيمكن أن تكون مثل هذه الحالات ليست مخوفة، وعلى هذا يرجع إلى ثقات الأطباء في تحديد كونه مخوفاً، أو غير مخوف. وعند الظاهرية، وهو قول الحسن البصري، والقاسم بن محمد، ومكحول: أن تبرعاتها من رأس المال.

стр. 2228

وتقدم قول الظاهرية: إن المريض مرضا مخوفا تبرعاته من رأس المال، وتقدم دليله والجواب عليه (١). المطلب الثاني: حضور القتال وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الحجر عليه. اختلف العلماء ﵏ فيمن حضر القتال هل يحجر عليه أو لا؟ القول الأول: أنه يحجر عليه. وهو قول جمهور أهل العلم (٢). القول الثاني: أنه لا يحجر عليه، وأن تبرعاته كالصحيح من رأس المال. وهو قول الظاهرية (٣). الأدلة: أدلة الجمهور: (الحجر عليه) ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ (٤).

стр. 2229

وجه الدلالة: أن الله جعل رؤية القتال كرؤية الموت، ومن حضره الموت حجر عليه (١). ٢ - الأدلة على أنه يحجر على المريض مرض الموت (٢). أدلة القول الثاني: (عدم الحجر عليه) ١ - الأدلة على أن المريض مرض الموت لا يحجر عليه (٣). وقد سبقت مناقشته. ٢ - أنه ليس مريضاً، والحجر إنما ورد في المريض. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه في معنى المريض؛ إذ الشريعة لا تفرق بين المتماثلات. المسألة الثانية: وقت الحجر عليه. وفيها أمور: الأمر الأول: أن يكون ضمن الطائفة القاهرة، فإذا حضر صف القتال، وكان ضمن الطائفة القاهرة بعد ظهورها، فحكمه حكم الصحيح لعدم الخوف. الأمر الثاني: إذا حضر صف القتال مع تكافؤ الطائفتين، أو كان في الطائفة المقهورة فحكمه حكم مريض الموت. وهذا مذهب الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعي (٦) في أحد قوليه، وهو

стр. 2230

قول الحنابلة (١). وحجته: أن توقع التلف ههنا، كتوقع المريض أو أكثر، فوجب أن يلحق به. وللشافعي قول آخر: أنه كالصحيح ما لم يجرح (٢). وحجته: أنه ليس بمريض. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو قول الجمهور؛ لأن توقع العطب في هذه الحالة هو الغالب، فأصبح كالمريض مرض الموت. الأمر الثالث: إذا لم تختلط الطائفتان، وكانت كل واحدة منهما متميزة سواء كان بينهما رمي سهام أو لم يكن فليست حالة خوف (٣) باتفاق الأئمة؛ لعدم الخوف. المطلب الثالث: من قدم ليقتل فهي حالة خوف عند الحنفية (٤)، والشافعية في أظهر القولين (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 2231

واعتبر المالكية حبسه لأجل القتل الثابت عليه ببينة أو اعتراف حالة خوف يكون حكمه حكم مريض الموت بخلاف المحبوس لمجرد الدعوى (١)، فهذا أولى. وللشافعي ﵀ قول آخر: أنه لا يصير كالمريض مرض الموت حتى يشرع في تنفيذ القتل ويجرح (٢). وحجته: أنه صحيح البدن، ويحتمل أن يعفى عنه. ونوقش من وجهين: الأول: أن علة الحجر على المريض ليست هي المرض حتى ينتفي الحكم بانتفاء المرض، بل العلة هي الخوف من الموت، وهي موجودة في المحبوس للقتل. الثاني: أن احتمال العفو لا يطرد في الرجم، والقتلة غيلة؛ لامتناع العفو فيهما. المطلب الرابع: الأسير والمحبوس اختلف العلماء في الأسير في أيدي المشركين على أقوال: القول الأول: أنه إن كان من عادتهم قتل الأسير، فعطيته من الثلث، وإلا من رأس المال.

стр. 2232

وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وأحد قولي الشافعي (١). وحجته: ١ - أن مجرد الأسر من غير خوف القتل ليس بمرض ولا في معنى المرض، فلا يصح إلحاقه به. ٢ - ولأن المريض الذي يخاف الموت تصح عطيته من رأس المال، فغيره أولى. القول الثاني: إن كان في أيدي المسلمين فعطيته عطية صحيح، وإن كان في أيدي مشركين لا يقتلون أسيراً فكذلك، وإن كانوا يقتلون الأسرى ويدعونهم فعطيته عطية مريض، وإن كانوا يوفون بالعهد فأعطوه عهداً فعطيته عطية صحيح. وبه قال الشافعي (٢). وحجته: أنه إذا كان من عادتهم قتل الأسير وتركه فيخشى عليه الهلاك، وإن كانوا لا يقتلون الأسير، أو يوفون بالعهد فلا يخشى عليه الهلاك. القول الثالث: أن عطيته من رأس الثلث. وهو قول الثوري، والزهري، وإسحاق. ولعل دليلهم عدم إلحاق من هذه حاله بالمريض مرض الموت، وفيه نظر. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول بالتفصيل إن كان من عادتهم قتل الأسير فعطيته من الثلث، وإلا من رأس المال.

стр. 2233

المطلب الخامس: راكب البحر حال تموجه واضطرابه، وهبوب الريح العاصف قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾ (١). وإلى اعتبار كونها حالة خوف ذهب الحنفية (٢)، والمالكية في قول (٣)، واستظهره ابن رشد، وهو قول الشافعية (٤)، والحنابلة (٥). والقول الآخر للمالكية: أنه لا يحجر عليه ولو حصل الهول، وهو المشهور عند المالكية، إلا إن تحطمت سفينته، أو لا سفينة له ولا يحسن العوم (٦).

стр. 2234

المطلب السادس: من قرب لقطع ثبت عليه في سرقة أو غيرها كيد أو رجل، إذا خيف عليه الموت من القطع فحكمه حكم مريض الموت عند المالكية دون المحبوس له (١). وحجته: قياس المحبوس للقتل على المريض مرض الموت. المطلب السابع: إذا وقع الطاعون في البلد فللعلماء قولان: القول الأول: أنه مخوف. وبه قال الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (٢). وحجته: أن توقع التلف هنا كتوقع التلف من المرض، فألحق به. القول الثاني: أنه ليس بمخوف.

стр. 2235

وهو رواية عن أحمد (١). وحجته: أنه ليس بمرض.

стр. 2236

المبحث الثالث: الحكمة في تقييد تبرعات المريض مرض الموت مرض الموت لا ينافي أهلية ثبوت الواجبات، سواء أكانت من حقوق الله كالصلاة والصيام، أو من حقوق العباد كالقصاص ونفقة الأزواج والأولاد؛ لعدم منافاة المرض لفهم الخطاب التشريعي، كما أنها ترتكز على أنه لا ينافي أهلية العبارة، أي التصرفات المتعلقة بالحكم لبقاء ذمة المريض وعقله اللذين هما مناط الأحكام. لهذا صح نكاح المريض عند جمهور الفقهاء، وطلاقه وإسلامه، وانعقدت تصرفاته وعقوده، وقد كان ينبغي أن تجب على المريض العبادات كاملة كما تجب على الصحيح، وأن لا يتعلق بماله حق للغير، وأن لا يرد عليه في تصرفاته أي تقييد (١). لكن المرض لما كان نوعا من العجز لضعف القوى وترادف الآلام شرعت العبادات البدنية فيه على حسب المكنة والطاقة، فجاز له أن يصلي قاعدا إن عجز عن القيام، أو مضطجعا إن عجز عنهما. ولما كان المرض أيضا سببا للموت، والموت هو علة الخلافة للوارث والغريم في مال الميت؛ لأن أهلية الملك تبطل بالموت، فيخلفه أقرب الناس

стр. 2237

إليه وهم الورثة، والذمة تخرب بالموت، فيصير المال الذي هو محل قضاء الدين مشغولا بالدين، فيخلفه الغريم في المال، لهذا كله فإن حق الوارث والغريم يتعلق بمال المريض بالموت مستندا إلى أول المرض؛ إذ الحكم يستند إلى أول السبب (١). ولكون مرض الموت سببا لتعلق حق الوارث والغريم بالمال كان من أسباب حجر المريض عن التبرعات بأي صورة كانت بقدر ما يقع به صيانة حق الوارث والغريم، وهو مقدار الثلثين في حق الوارث؛ لتعلق حقه بهذا القدر، وجميع المال في حق الغريم إن كان الدين مستغرقا، وبما يفي بالدين من ماله إن كان الدين غير مستغرق، ولا يؤثر المرض في الحجر فيما لا يتعلق به حق الوارث والغريم كمعاوضته بثمن المثل، وكتبرعه أو محاباته في حدود ثلث ماله بعد الدين، أو تصرفه في ماله فيما يتعلق به حاجة أصلية للمريض، كالنفقة وأجرة الطبيب، وأجرة المسكن والنكاح بمهر المثل على الراجح من أقوال الفقهاء وما أشبهها (٢). وإنما يثبت بالمرض الحجر إذا اتصل بالموت مستندا إلى أول المرض؛ لأن علة الحجر مرض مميت لا نفس المرض، فقبل وجود الموت لا يثبت الحجر لعدم تمام وصفه؛ إذ الأصل هو الإطلاق، ولا يمكن إثبات الحجر بالشك، فإذا اتصل بالموت، صار أصل المرض موصوفا بالإماتة والسراية إلى الموت، فيستند حكمه وهو الحجر إلى أول المرض، فكل تصرف وجد بعد ابتداء هذا المرض يضر بحقوق الورثة أو الغرماء يعتبر محجورا عليه فيه (٣)، أيا كانت صورة ذلك التصرف، وتعتبر تبرعاته ومحاباته في

стр. 2238

المعاوضات موقوفة على إجازة الدائنين إن كان ماله مستغرقا بالدين، فإن لم يكن مستغرقا أو كان غير مدين، فيعتبر القدر الزائد من التبرع أو المحاباة على ثلث الباقي بعد وفاء الدين موقوفا على إجازة الورثة، فإن أجاز من له حق الإجازة بعد موته وهو من أهل التبرع نفذ، وإلا بطل (١). وما ذكرناه من أن المريض مرض الموت يعتبر محجورا عليه حجرا جزئيا يمنع نفاذ تصرفاته الضارة بحقوق دائنه أو ورثته هو مذهب الأئمة (٢).

стр. 2239

خلافا لابن حزم الذي اعتبر المريض كالصحيح في تصرفاته كلها دون أي فرق (١). ومنشأ قول الجمهور: هو أن مرض الموت مرحلة تتهيأ فيها شخصية الإنسان وأهليته للزوال، فهو مقدمة لزوال شخصية المريض وانسلاخ أهليته وملكيته، كما أنه مقدمة لثبوت الحقوق في أموال المريض لمن ستنتقل إليهم هذه الأموال بعد موته من دائنين أو ورثة. فينتج عن ذلك أن تصبح الديون متعلقة بمال المريض بعد أن كانت متعلقة بذمته قبل المرض؛ لأن الذمة تضعف بالمرض لعجز صاحبها عن السعي والاكتساب، فيتحول التعلق من ذمته -مع بقائها- إلى ماله توثيقا لدينه، وتتقيد تصرفاته بما لا يضر بحقوق الدائنين (٢). قال الكاساني: " أما وقت التعلق فهو مرض الموت، فما دام المديون صحيحا فالدين في ذمته، فإذا مرض مرض الموت يتعلق بتركته أي يتعين فيها، ويتحول من الذمة إليها، إلا أنه لا يعرف كون المرض مرض الموت

стр. 2240

إلا بالموت، فإذا اتصل به الموت تبين أن المرض كان مرض الموت من وقت وجوده، فتبين أن التعلق يثبت من ذلك الوقت " (١). كما ينشأ عن ذلك تعلق حق الورثة بماله ليخلص لهم بعد وفاته تملك الثلثين مما يبقى بعد سداد الديون إن كانت هناك ديون، سواء أكان حقهم المعلق بمال المريض حق ملكية أم مجرد حق في الخلافة، فتتقيد تصرفاته أيضا بما لا يضر بحقوق الورثة، أما الثلث فقد جعله الشارع حقا للمريض ينفقه فيما يرى من سبل الخير، سواء بالتبرع المنجز حال المرض أو بالوصية أو غير ذلك، فإن لم ينفقه كله أو لم ينفق منه كان الباقي للورثة (٢). غير أن تعلق حقوق هؤلاء بسبب المرض لا يمنع أن يكون للمريض حق في ماله، لذلك اعتبر حق المريض في حاجاته الأصلية ومصالحه الضرورية مقدما في ماله على حقوق غيره من دائنين وورثة، فله أن ينفق من ماله أثناء مرضه على نفسه وعلى من تجب عليه نفقتهم بالمعروف من طعام وشراب، وملبس ومسكن، وأجرة طبيب وثمن دواء وما أشبهه؛ لأن نفقة الإنسان حال حياته مقدمة في ماله على سداد ديونه دفعا لهلاكه وحفظا لكرامته، كما حق له أن يعقد العقود ويجري التصرفات المالية، وتكون صحيحة ونافذة إن لم تمس حقوق الدائنين أو الورثة وليس لأحد منهم حق الاعتراض عليه أو منعه. لأن من حق المريض تنمية ماله وتكثيره، قال الدسوقي: " والحاصل: أن المريض لا يحجر عليه في تداويه، ومؤنته، ولا في المعاوضات المالية ولو بكل ماله، وأما التبرعات فيحجر عليه إذا كانت بزائدة على الثلث " (٣).

стр. 2241

الفصل الثاني: الهبة في مرض الموت وفيه مبحثان: المبحث الأول: تكييف حق الورثة المتعلق بمال مورثه وقت مرض الموت. المبحث الثاني: أقسام المرض، وحكم الهبة في كل قسم.

стр. 2242

المبحث الأول: تكييف حق الورثة المتعلق بمال مورثه وقت مرض الموت الفقهاء اختلفوا في تكييف حق الورثة الذي يتعلق بمال مورثهم وقت مرض الموت. فذهب بعضهم: إلى أنه حق ملكية كامل يثبت بمجرد المرض في ثلثي الباقي بعد الديون. وذهب آخرون: إلى أنه مجرد حق في الخلافة لا يثبت ملكا، وإنما تبتدئ الملكية فقط من وقت الوفاة. وقد استدل الفريق الأول: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم " (١). فإنه يدل على أن الملكية قد زالت عن المورث في الثلثين إلى وارثه ولم تبق له إلا في الثلث الذي تصدق به الله عليه. ٢ - بدلالة الإجماع على أن تصرفه في مرض الموت لا ينفذ إلا من الثلث، ولو كان ملكه في الثلثين باقيا لنفذ تبرعه بالأكثر من الثلث، ولكن هذه الملكية لا تظهر إلا بعد الموت، فعدم نفاذ تبرعه بالزيادة على الثلث

стр. 2243

دليل على زوال الملكية ولا تزول إلا إلى مالك، وهم الورثة؛ لأنهم خلفاؤه وأقرب الناس إليه. ونوقش هذا الاستدلال: بأن ما احتج به الفريق الأول من الحديث ومن عدم نفاذ تبرعه وكون الوارث خليفة الميت لا يدل على الملكية؛ لأن عدم جواز تصرفه في الثلثين، وعدم نفاذ تبرعه إنما كان لتعلق هذا الحق به، ولو كانت للوارث ملكية لكانت له ولاية معه حال حياته ولم يقل به أحد، وما ذلك إلا لأنه لا ملك له مع وجوده، وإنما هو مجرد حق في الخلافة. واستدل الفريق الثاني بالتالي: ١ - الإجماع على أن تبرع المريض في مرض موته لا ينقض في حياته، ولكن ينقض بعد موته، ولو كان لهم ملكية قبل الموت لكان لهم نقضه. ٢ - لأنه لو كان حق ملكية لمنع من الميراث من كان غير وارث وقت مرض الموت لمانع كالكفر مثلا ثم أسلم قبل موت المريض مباشرة، مع أنه يرث بالاتفاق، فلو كانت الملكية ثابتة للورثة من أول المرض لما ورث، ولأن باقي الورثة قد ملكوا الميراث وزالت ملكيته عن المورث الأصلي. ٣ - ولأنه لم يعهد في الشرع أن يكون الشيء الواحد ملكا لشخصين في وقت واحد ملكا خاصا لكل منهما. ٤ - ولأن ثبوت مجرد الحق في الخلافة إنما كان ضرورة لحفظ حق الوارث في الثلثين، وما كان للضرورة يقدر بقدرها لا يعدوها، فلا يكون ملكا. ٥ - ولأن مجرد الحق في الخلافة كاف لحفظ حقه في الثلثين، وفي نقضه لتصرفات مورثه بعد موته (١). ويظهر رجحان القول الثاني؛ لقوة دليله.

стр. 2244

المبحث الثاني: أقسام المرض، وحكم الهبة في كل قسم وفيه مطالب: المطلب الأول: القسم الأول: المرض غير المخوف وفيه أمران: الأمر الأول: ضابطه. المرض غير المخوف هو: ما يقابل المرض المخوف. وتقدم خلاف أهل العلم (١) في ضابط المرض المخوف. وعليه فالمرض غير المخوف: ما ليس سبباً صالحاً للموت بحكم أهل الخبرة. وذلك مثل: الزكام، ووجع الضرس، والحمى اليسيرة، ونحو ذلك. وهذا يختلف باختلاف الزمان، والمكان. الأمر الثاني: حكم الهبة في المرض غير المخوف. الهبة وسائر التبرعات حال المرض غير المخوف حكمها حكم المرض حال الصحة فتصح الهبة من جميع المال للوارث وغيره بإجماع العلماء (٢).

стр. 2245

والدليل على ذلك: ١ - أدلة الهبة (١)، وهذه تشمل حال الصحة والمرض غير المخوف. ٢ - أن الأصل صحة التصرف، وبقاء الأهلية. ٣ - أنه لا يخاف منه في العادة. المطلب الثاني: القسم الثاني: المرض المخوف (٢) وفيه مسائل: المسألة الأولى: هبة المريض مرض الموت من حيث القدر. اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في حكم هبة المريض مرض الموت لوارث، أو بأزيد من الثلث. القول الأول: أن هبة المريض، وعطيته لغير وارث من الثلث فأقل. ذهب إليه جمهور العلماء: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)،
следующие страницы →