← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

الفصل الثاني: الهبة في مرض الموت وفيه مبحثان: المبحث الأول: تكييف حق الورثة المتعلق بمال مورثه وقت مرض الموت. المبحث الثاني: أقسام المرض، وحكم الهبة في كل قسم.

стр. 2242

المبحث الأول: تكييف حق الورثة المتعلق بمال مورثه وقت مرض الموت الفقهاء اختلفوا في تكييف حق الورثة الذي يتعلق بمال مورثهم وقت مرض الموت. فذهب بعضهم: إلى أنه حق ملكية كامل يثبت بمجرد المرض في ثلثي الباقي بعد الديون. وذهب آخرون: إلى أنه مجرد حق في الخلافة لا يثبت ملكا، وإنما تبتدئ الملكية فقط من وقت الوفاة. وقد استدل الفريق الأول: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم " (١). فإنه يدل على أن الملكية قد زالت عن المورث في الثلثين إلى وارثه ولم تبق له إلا في الثلث الذي تصدق به الله عليه. ٢ - بدلالة الإجماع على أن تصرفه في مرض الموت لا ينفذ إلا من الثلث، ولو كان ملكه في الثلثين باقيا لنفذ تبرعه بالأكثر من الثلث، ولكن هذه الملكية لا تظهر إلا بعد الموت، فعدم نفاذ تبرعه بالزيادة على الثلث

стр. 2243

دليل على زوال الملكية ولا تزول إلا إلى مالك، وهم الورثة؛ لأنهم خلفاؤه وأقرب الناس إليه. ونوقش هذا الاستدلال: بأن ما احتج به الفريق الأول من الحديث ومن عدم نفاذ تبرعه وكون الوارث خليفة الميت لا يدل على الملكية؛ لأن عدم جواز تصرفه في الثلثين، وعدم نفاذ تبرعه إنما كان لتعلق هذا الحق به، ولو كانت للوارث ملكية لكانت له ولاية معه حال حياته ولم يقل به أحد، وما ذلك إلا لأنه لا ملك له مع وجوده، وإنما هو مجرد حق في الخلافة. واستدل الفريق الثاني بالتالي: ١ - الإجماع على أن تبرع المريض في مرض موته لا ينقض في حياته، ولكن ينقض بعد موته، ولو كان لهم ملكية قبل الموت لكان لهم نقضه. ٢ - لأنه لو كان حق ملكية لمنع من الميراث من كان غير وارث وقت مرض الموت لمانع كالكفر مثلا ثم أسلم قبل موت المريض مباشرة، مع أنه يرث بالاتفاق، فلو كانت الملكية ثابتة للورثة من أول المرض لما ورث، ولأن باقي الورثة قد ملكوا الميراث وزالت ملكيته عن المورث الأصلي. ٣ - ولأنه لم يعهد في الشرع أن يكون الشيء الواحد ملكا لشخصين في وقت واحد ملكا خاصا لكل منهما. ٤ - ولأن ثبوت مجرد الحق في الخلافة إنما كان ضرورة لحفظ حق الوارث في الثلثين، وما كان للضرورة يقدر بقدرها لا يعدوها، فلا يكون ملكا. ٥ - ولأن مجرد الحق في الخلافة كاف لحفظ حقه في الثلثين، وفي نقضه لتصرفات مورثه بعد موته (١). ويظهر رجحان القول الثاني؛ لقوة دليله.

стр. 2244

المبحث الثاني: أقسام المرض، وحكم الهبة في كل قسم وفيه مطالب: المطلب الأول: القسم الأول: المرض غير المخوف وفيه أمران: الأمر الأول: ضابطه. المرض غير المخوف هو: ما يقابل المرض المخوف. وتقدم خلاف أهل العلم (١) في ضابط المرض المخوف. وعليه فالمرض غير المخوف: ما ليس سبباً صالحاً للموت بحكم أهل الخبرة. وذلك مثل: الزكام، ووجع الضرس، والحمى اليسيرة، ونحو ذلك. وهذا يختلف باختلاف الزمان، والمكان. الأمر الثاني: حكم الهبة في المرض غير المخوف. الهبة وسائر التبرعات حال المرض غير المخوف حكمها حكم المرض حال الصحة فتصح الهبة من جميع المال للوارث وغيره بإجماع العلماء (٢).

стр. 2245

والدليل على ذلك: ١ - أدلة الهبة (١)، وهذه تشمل حال الصحة والمرض غير المخوف. ٢ - أن الأصل صحة التصرف، وبقاء الأهلية. ٣ - أنه لا يخاف منه في العادة. المطلب الثاني: القسم الثاني: المرض المخوف (٢) وفيه مسائل: المسألة الأولى: هبة المريض مرض الموت من حيث القدر. اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في حكم هبة المريض مرض الموت لوارث، أو بأزيد من الثلث. القول الأول: أن هبة المريض، وعطيته لغير وارث من الثلث فأقل. ذهب إليه جمهور العلماء: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)،

стр. 2246

والحنابلة (١)، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢). القول الثاني: إنه لا يحجر عليه في شيء من ماله، فهو كالصحيح سواء. وهو قول طاووس، ومجاهد (٣)، وابن حزم (٤)، وداود الظاهري، إلا أنه استثنى العتق فجعله من الثلث (٥). أدلة الرأي الأول: (أن هبة المريض مرض الموت من الثلث لغير وارث) (٢٦٧) ١ - ما رواه ابن ماجه من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم " (٦).

стр. 2247

وجه الاستشهاد: أنه ﷺ أخبر ألا زيادة لهم على الثلث، فدل على الحجر على ما زاد عليه، ومنعهم من التصدق به (١). نوقش من وجهين: الوجه الأول: الحديث ضعيف، وقد روي من طرق كلها ضعيفة. أجيب عليه: أنها وإن كانت ضعيفة، لكن قد يقوي بعضها بعضاً (٢).

стр. 2248

الوجه الثاني: على التسليم بصحة الحديث، فالحديث المراد به الوصية عند الموت، ونحن متفقون معكم على أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، ويدل على ذلك: أنه لم يأت في الحديث ذكر للمرض أصلاً، فما الذي حملكم أن جعلتموه في المرض المخوف (١). وأجيب: بأنه قال: " عند وفاتكم "ولم يقل: بعد وفاتكم، مما يدل على أن التبرع المقيد بالثلث إنما كان حال الحياة. (٢٦٨) ٢ - وروى البخاري ومسلم من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» فقلت: بالشطر؟ فقال: «لا»، ثم قال: الثلث والثلث كبير أو كثير (٢). وجه الاستشهاد: أنه ﷺ لم يأذن له في الصدقة بأكثر من الثلث، مما يدل على أنه ممنوع من التصرف في الباقي (٣). ونوقش: أن الحديث ليس في العطايا بل في الوصية، يدل على ذلك أمران: الأمر الأول: ما جاء في بعض روايات الحديث: " أريد أن أوصي (٤)، فقلت: أوصي بمالي كله " (٥)، ونحن معكم في أن الوصية لا تجوز بأكثر من

стр. 2249

الثلث، والقصة واحدة، وهذه الروايات في الصحيحين وغيرهما، فدل على أنه أراد الوصية (١). الأمر الثاني: أن رسول الله ﷺ علم أن سعدا سيبرأ وتكون له آثار في الإسلام، يدل لذلك قوله ﷺ : " ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون " (٢)، فالمرض ليس بمخوف، ومع هذا منعه الرسول ﷺ من التصرف فيما زاد عن الثلث (٣)، فدل على أن المراد الوصية. وأجيب عن هذا من وجوه: الأول: أن الحديث بلفظ " أتصدق "، وهي أصح من رواية " أوصي"؛ لاتفاق الشيخين على لفظ الصدقة. الثاني: أنه لا تنافي بين لفظ الصدقة والوصية، فسمى الصدقة في مرض الموت وصية؛ لأنها في حكم الوصية في الثلث لغير وارث، فيكون لفظ الوصية دليلا على أن هبة المريض مرض الموت في حكم الوصية. الثالث: أن أثر المنع لا يظهر إلا إذا كان في الصدقة؛ لأنها هي التي تكون لازمة والنبي ﷺ رجا أن يبقى، وأما الوصية فيمكن إبطالها؛ لأنها تبرع بعد الموت. الرابع: أن قولهم: " أن رسول الله ﷺ علم أن سعداً سيبرأ … فالمرض ليس بمخوف " غير مسلم، فالنبي ﷺ رجا أن يبقى، ولم يجزم بذلك هذا ما دل له ظاهر النص، فلا يترتب على ذلك أن الموت غير مخوف، وأن الأمر بالوصية. (٢٦٩) ٣ - ما رواه مسلم من طريق أبي المهلب، عن عمران بن

стр. 2250

الحصين ﵁: " أن رجلاً أعتق ستة مملوكين، ولم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثاً بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة " (١). وجه الاستشهاد: أن الرسول ﷺ جعل العتاق في المرض من الثلث، فكذلك الهبات والصدقات، وإذا لم ينفذ العتق مع سرايته فغيره أولى (٢). ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: هذا الحديث مما اعترض فيه على مسلم؛ ذلك أن محمد بن سيرين لم يسمعه من عمران بن الحصين مباشرة، وإنما سمعه من خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران، وقد اتفق العلماء على قبول صحيح مسلم إلا ما علل وهذا منها، حيث إن الحديث من الطبقة الثانية من صحيح مسلم التي يأتي بها على سبيل المتابعة والاستشهاد. أجيب عليه: بأن ذلك لا يقدح في صحة الحديث، وإنما ذكره مسلم في المتابعات بعد ذكر الطرق الصحيحة الواضحة (٣). الوجه الثاني: أن الحديث فيمن لم يبق للورثة مالاً بدليل قوله: " لا مال له غيرهم"، وهذا خارج عن محل النزاع، فنحن وإياكم متفقون أنه ليس له أن يتصدق بجميع ماله عند موته للإجماع على ذلك (٤)، ويدل على ذلك ما رواه جابر: أن رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر لم يكن مال غيره فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: " من يشتريه مني " فلما رده كاملاً دل على أنه فيمن لم يبق شيئاً لوارثه (٥).

стр. 2251

الوجه الثالث: أن الحديث يحمل على الوصية لا على التبرعات، بدليل ما ورد في بعض طرقه أنه أوصى (١)، فهو خاص بالوصية (٢). الوجه الرابع: أن هذا الحديث جاء فيه عند موته، وليس فيه أنه مريض، فالواجب أن يجعل هذا الحكم في من أعتق عند موته صحيحاً أو مريضاً فمات إثر ذلك (٣). وأجيب: أنه جاء في رواية: " أن رجلاً أعتق في مرضه "، فتحمل رواية: " عند موته " على رواية: " في مرضه "؛ إذ المرض المذكور في الحديث هو مرض الموت. الوجه الخامس: أن الحديث إنما ورد في العتق خاصة، فلا تلحق سائر التصرفات بالعتق. وأجيب: بأن العتق إذا لم ينفذ مع قوة سرايته، فمن باب أولى أن لا تنفذ سائر التصرفات، فهذا قياس أولوي. الوجه السادس: أن النبي ﷺ جزأهم بحسب العدد لا بحسب القيمة، مما يدل على أن النبي ﷺ لم يعتبر الثلث، وإلا لجزأهم بحسب القيمة. وأجيب: بأن الاثنين اللذين أعتقهم رسول الله ﷺ كانا يمثلان ثلث قيمة الستة، يفهم من قوله: فجزأهم ثلاثة أجزاء. (٢٧٠) ٤ - ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: قال رسول الله ﷺ فيما يحدث عن الله ﵎: " يا ابن آدم خصلتان أعطيتكهما لم تكن لغيرك واحدة منهما: جعلت لك طائفة من مالك

стр. 2252

عند موتك أرحمك به -أو قال: أطهرك به-، وصلاة عبادي عليك بعد موتك" (١). (مرسل) ٥ - عن عائشة ﵂ قالت: نحلني أبو بكر ﵁ جذاذ عشرين وسقاً (٢) من ماله بالعالية، فلما مرض قال لي: " إني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً من مالي بالعالية، فلو كنت جذذتيه وحزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث فاقتسموه بينكم على كتاب الله " (٣). وجه الاستشهاد من وجهين: الوجه الأول: أنه أخبر أنها لو قبضت ذلك في الصحة تم لها ملكه، وأنها لا تستطيع قبضه في المرض قبضاً تتم لها به ملكيته وجعل ذلك غير جائز، كما لا تجوز الوصية لها، ولم تنكر ذلك عائشة ولا سائر الصحابة، فكان ذلك إجماعاً منهم (٤). ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن عطيته كانت زمن الصحة لا زمن المرض، والذي منعها من تملكه أنها لم تقبضه فلو كانت قبضته لكان ملكاً لها كما أخبرها، وحيث إنها لم تقبض فلا زال في ملكه لم ينتقل إليها أصلاً (٥).

стр. 2253

ورد: بأنه غير مسلم، بل في بعض ألفاظ الأثر دليل على أنه في مرض الموت. الوجه الثاني: لو سلّم أنها عطية في مرض الموت المخوف، فهل كانت هذه العطية أكثر من الثلث حتى يمنعها الصديق من تملكها؟ ومعلوم أنه ﵁ من كبار تجار المدينة وأغنيائها، بل هي قطعاً أقل منه، فدل على أن سبب ردها أنها لم تقبضها فلم تنتقل لها بل لا زالت في ملكه، ثم قولكم: لو أنها حازته هل يصح ذلك أو لا؟ إن قلتم: لا، لم يكن لقول أبي بكر ﵁ فائدة، وإن قلتم: نعم، فقد أجزتموه إذاً (١). الوجه الثالث: قول أبي بكر ﵁: " إنما هو اليوم مال وارث " دل ذلك على أن المال انتقل إلى الورثة حكماً، وأن المريض مرض الموت محجور عليه فيما يتعلق بتبرعاته لحق الورثة، يبقى ما استثناه الشارع وهو الثلث. (٢٧١) ٥ - ما رواه ابن أبي شيبه من طريق مكحول، أن معاذ بن جبل ﵁ قال: " إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حياتكم يعني الوصية " (٢). ٦ - القياس على الوصية؛ لأن الحال الظاهر منها الموت فكانت عطيته فيها في حق الورثة لا تتجاوز الثلث؛ ذلك أن حصول سبب الموت بمنزلة حضور الموت (٣).

стр. 2254

٧ - أن المريض إذا أحس بدنو أجله يحتمل أنه يقصد مضارة الورثة، أو إيثار بعض الورثة على بعض. ونوقش من وجوه: الوجه الأول: أنه ظن، والظن أكذب الحديث. وأجيب: بأن الظن المذموم الذي لا يعتمد على دليل، وهنا وجد الدليل وهو قرب الموت. الوجه الثاني: أن مظنة الضرار كما توجد من المريض قد توجد من الصحيح. وأجيب: بأن هذا غير مسلم؛ إذ الضرار –هنا- لا مبرر له؛ إذ هو معافى لا يتوقع الموت. الوجه الثالث: أن مظنة الضرار كما توجد من المريض توجد من الشيخ الفاني. وأجيب: بأن الشيخوخة لا حد لها بخلاف المرض الذي يقترن به الموت. الوجه الرابع: أن مظنة الإضرار بالورثة تتضح، إذا كان الوارث غير ولد المريض. وأجيب: بأن تصرفات المريض مقيدة بنصوص شرعية ولم تفرق بين وارث وآخر، كما أن الخلاف بين الأولاد يكثر وخصوصاً إذا كانوا أولاد علات. ونوقش: بأن هذا قياس مع الفارق؛ ذلك أن الوصية تخالف العطايا في أمور منها (١):

стр. 2255

الأول: أن الوصية له الرجوع فيها، بخلاف العطية فلا يملك حق الرجوع فيها. الثاني: أن الوصية لا حكم لقبولها أو ردها إلا بعد الموت، بخلاف العطية فقبولها على الفور وكذا ردها، وغير ذلك. ثم إن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، الصحيح والمريض فيها سواء، فكذا العطية تقبل من الصحيح والمريض (١). أدلة القول الثاني: (جواز التبرعات مطلقا للمريض مرض الخوف) استدلوا بما يأتي: ١ - ما ورد في الكتاب والسنة من الحث على الإحسان، كقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ (٢)، وقوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾ (٥). وجه الاستشهاد: أن الله جل وعلا حث على التبرع والصدقة ولم يخص بالأمر على ذلك الصحيح دون المريض، بل الأمر شامل لهما، فدل على أن تبرع المريض صحيح ولو زاد عن الثلث، ولا يخرج من هذا العموم إلا ما ورد الدليل عليه كالوصية بأكثر من الثلث، أو التصدق بجميع المال حال المرض، والنهي عن نسيان الفضل يتضمن الأمر ببذل الفضل؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده، والفضل عام في القليل والكثير، وقوله: "

стр. 2256

إن المصدقين " جمع معرف بأل فيعم الصحيح والمريض، وحذف المعمول يؤذن بالعموم. فإذا اتفق على جواز هبته في الصحة، فيستصحب هذا الإجماع في حال المرض، إلا أن يدل دليل، ولا دليل على ما ذكر (١). (٢٧٢) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال: " أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر" (٢). (٢٧٣) ٣ - ما رواه أبو داود من طريق أبي إسحاق، عن أبي حبيبة الطائي، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يهدي إذا شبع " (٣).

стр. 2257

وجه الاستشهاد: في هذه الأحاديث تفاضل الصدقة، وكون صدقة الصحة خير من صدقة المرض، فدل على صحة صدقة المرض وقبولها، لكن صدقة الصحة أفضل، وقوله: " تصدق " دليل أنها تبرع لا وصية (١). قال ابن حجر -رحمة الله-: " تنجيز وفاء الدّين والتصدق في الحياة وفي الصحة أفضل منه بعد الموت وفي المرض" (٢). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن هذه العمومات خاصة بحال الصحة، أو المرض غير المخوف، أما حالة المرض المخوف فقد أخرجها عن هذه العمومات ما تقدم من أدلة الجمهور. الوجه الثاني: أن هذا محمول على المرض غير المخوف. أجيب عليه: أنه إذا أطلق المرض دل على العموم، وأيضا قوله: " عند موته " يدل على أنه مرض مخوف، ولهذا أعتق وتصدق.

стр. 2258

ورد: بما تقدم بأن حالة المرض المخوف خارجة عن هذا العموم، وأن قوله: " عند موته " يراد بها المرض غير المخوف. (٢٧٤) ٤ - ما رواه البخاري من طريق ابن أبي ذئب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ "أن رجلاً أعتق عبداً له لم يكن له مال غيره فرده رسول الله ﷺ " (١). وجه الاستشهاد: أن النبي ﷺ رد العبد ولم يخص العتق، فدل على أن سبب المنع أنه لم يبق لورثته شيء، ولو قيل بصحة تبرعه في الثلث لقسمه الرسول ﷺ أثلاثاً لكنه لم يفعل، فدل ذلك على أن التبرع في مرض الموت ليس كالوصية. ونوقش هذا الاستدلال: أنه لم يقسمه أثلاثا؛ لأن ما سيبقى لا يغني الورثة، فهذا سبب المنع. (٢٧٥) ٥ - ما رواه ابن حزم من طريق حماد بن سلمة، أنا يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين: " أن امرأة رأت فيما يرى النائم أنها تموت إلى ثلاثة أيام فأقبلت على ما بقي من القرآن عليها فتعلمته، وشذبت ما لها وهى صحيحة، فلما كان يوم الثالث دخلت على جاراتها، فجعلت تقول: يا فلانة أستودعك الله، وأقرأ عليك السلام، فجعلن يقلن لها: لا تموتين اليوم، لا تموتين اليوم إن شاء الله، فماتت، فسأل زوجها أبا موسى الأشعري عن ذلك؟ فقال له أبو موسى: أي امرأة كانت امرأتك؟ فقال: ما أعلم أحدا كان أحرى منها أن تدخل الجنة إلا الشهيد، ولكنها فعلت ما فعلت وهى

стр. 2259

صحيحة، فقال أبو موسى: هي كما تقول فعلت ما فعلت وهى صحيحة، فلم يرده أبو موسى" (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا الأثر دليل للجمهور، إذ قول أبي موسي: " فعلت ما فعلت وهي صحيحة " يدل على أن هذا هو أساس الحكم عنده، وأنه أجاز تصرفها لكونها صحيحة؛ إذ لو كانت مريضة لتغير الحكم، فدل على أن المرض له تأثير في تصرفات المريض. ٦ - أن المعتبر في الشخص صحيحاً كان أو مريضاً أهليته ببقاء عقله ورشده؛ لأن العقل مناط الأحكام، ولهذا صح عند الجميع نكاح المريض وإسلامه وبيعه وشراؤه، فكذلك هباته؛ إذ المعتبر بقاء العقل. يدل لذلك أن المريض مرضاً مخوفاً متصلاً بالموت إذا اختل عقله أنه لا حكم لكلامه ولا تبرعاته (٢)، فلم يكن للمرض اعتبار بل للعقل، فكذلك هنا، وهذا هو الأصل فلا يخرج عنه إلا بدليل، ولا دليل (٣). ونوقش هذا الاستدلال: أنه لا يسلم لكم ذلك، بل لكون المريض مرضاً مخوفاً متصلاً بالموت بمنزلة من حضره الموت فألحقت عطاياه بالوصية، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ (٤). وحضور الموت: ظهور الدلائل، ووجود الأسباب، والمرض المخوف المتصل بالموت من الدلائل (٥).

стр. 2260

وأجيب: أنه إذا كان المرض المخوف من دلائل حضور الموت، فلم لا تجعل تبرعاته ومحاباته من الوصية لا ملحقة بها. ورد: بأنه يختلف عن الوصية في أمور منها: ١ - أنه إذا برأ من مرضه فإنها تلزمه، وفي الوصية لا تلزمه. ٢ - وأن الوصية لا حكم لقبولها أو ردها إلا بعد الموت، بخلاف العطية فقبولها أو ردها على الفور (١). ونوقش: إذاً فالعطية في مرض الموت تخالف الوصية، فكيف تشبهها؟ أجيب عنه: أنها ملحقة بها في كون حال المريض مرضاً مخوفاً متصلاً بالموت الظاهر منه الموت (٢). ونوقش أيضا: فما تقولون في الشيخ الكبير الذي تجاوز التسعين أو المئة؟ أليس حاله قريبة من الموت لكبره؟ ومع هذا فحكمه حكم الصحيح عندكم (٣). وأجيب: أن الأصل صحة التبرع؛ لعموم أدلة الأمر بالهبة؛ إذ هي شاملة للصغير، والكبير، فيقتصر على مورد النص. ٧ - قياس ما يتقرب به من الهبات والعطايا على ما ينفقه من ماله على ملاذه ومنافعه، فتكون من رأس المال (٤). نوقش هذا الاستدلال: بأن ما اختص به المريض من مصالحه فهو أحق به من الورثة، وما عاد إلى غيره من العطية والهبة فورثته أحق به، فلذلك

стр. 2261

أمضيت نفقاته من رأس المال لتعلقها بمصالحه في حال حياته وجعلت هباته وعطاياه من ثلثه؛ لتعلقها بمصلحة غيره (١). وأجيب: أنه لا يسلم أن صدقته وعطيته لمصلحة غيره، بل هي لمصلحة نفسه، بل أعظم من مصلحة إنفاقه على ملاذه ومنافعه فهو أحوج ما يكون إليها. ونوقش: بالفرق؛ فما ينفقه على نفسه مصلحته مباشرة بالنسبة له فكانت أقوى، بخلاف ما ينفقه على غيره. ٨ - قياس صحة تبرعاته وهباته على صحة بيعه وشرائه ونكاحه في مرضه المخوف. ونوقش هذا الاستدلال: أن بيعه وشراءه ونكاحه بعوض، أما تبرعاته وصدقاته فبدون عوض (٢). أجيب عنه: لا يسلم أن عطيته في مرض الموت بلا عوض، بل بعوض في الدنيا وهو الدعاء له ومحبته، وعلو منزلته وقدره، وفي الآخرة بالأجر والمثوبة. ونوقش: بالفرق بين العوضين؛ إذ العوض المادي في البيع والشراء والاستمتاع في النكاح مقصود قصداً أصلياً في عرف الناس، ولذلك يتشاحون فيه، ولا يتنازلون عنه، بخلاف ما ذكر من المحبة والتقدير، ونحو ذلك. الترجيح: بعد ذكر أدلة كل قول وما ورد عليه من الاعتراضات والمناقشات يظهر أن القول الأول هو الراجح، وأنه يحجر على المريض في ثلث ماله إذا كان مرضه مخوفاً؛ لأن المريض مرض الموت في حكم الميت إذ هو في إدبار من

стр. 2262

الدنيا وإقبال من الآخرة، والشخص بعد موته له التبرع بالثلث صدقة من الله ، ولما في ذلك من المحافظة على حقوق الورثة. المسألة الثانية: حكم هبته لوارث، أو بأكثر من الثلث من حيث إجازة الوارث. تقدم لنا في المسألة الأولى حكم تبرعات المريض مرض الموت هل هي من الثلث أو من رأس المال؛ وأن الراجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم: أنها من الثلث لغير وارث. لكن إذا تبرع المريض مرض الموت لوارث بهبة أو عطية ونحوهما، أو بأزيد من الثلث، فللعلماء من حيث إجازة الوارث قولان: القول الأول: أن تبرع المريض مرض الموت لوارثه بشيء، أو بأزيد من الثلث لغير وارث وإن قل موقوف على إجازة بقية الورثة، فإن أجازوه نفذ، وعليه تعتبر تنفيذاً لهبة مورثهم، وإن ردوه بطل. وهو قول الحنفية، وقول للمالكية (١)، وأحد قولي الشافعية وهو الأظهر (٢)، وقول الحنابلة (٣). القول الثاني: أن تبرع المريض لوارثه بشيء بأزيد من الثلث لغير وارث باطل. وهو قول المالكية (٤)، والقول الآخر للشافعية (٥)، وعليه فتكون ابتداء عطية منهم.

стр. 2263

الأدلة: دليل القول الأول: ١ - ما تقدم من الأدلة على عدم جواز هبة المريض مرض الموت أكثر من الثلث. وجه الدلالة: أن حق الورثة تعلق بما زاد عن الثلث، فكان لهم الرد والإجازة، وعلى هذا فالإجازة تعتبر تنفيذا. ٢ - ما روته عائشة ﵂ أنها قالت: " نحلني أبو بكر جداد عشرين وسقا من ماله بالعالية، فلما مرض قال لي: " إني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا من مالي بالعالية فلو كنت جذذتيه وحزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال الوارث، فاقتسموه بينكم على كتاب الله تعالى " (١). قال الطحاوي: " فأخبر أبو بكر الصديق أنها لو قبضت ذلك من ماله في ملكه ملكته، وجعل ذلك غير جائز؛ لأنها لم تقبضه، كما لا تجوز الوصية لها، ولم تنكر ذلك عائشة ولا سائر أصحاب رسول الله ﷺ ، فدل ذلك أن مذهبهم جميعا فيه مثل مذهبه، فلو لم يكن لمن ذهب إلى ما ذكرنا من الحجة لقولهم الذي ذهبوا إليه إلا ما في هذا الحديث، وما ترك أصحاب رسول الله ﷺ من الإنكار في ذلك على أبي بكر لكان فيه أعظم حجة " (٢). ٣ - أن تبرعات المريض مرض الموت وصية معنى، والوصية للوارث لا تصح إلا بإجازة الورثة. دليل القول الثاني: القياس على الوصية، فتبطل لوارث، وبأزيد من الثلث لأجنبي. ونوقش: بأن البطلان حق الورثة، فإذا أجازوه نفذ.

стр. 2264

الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول قياساً على الوصية للوارث، وقد ورد النص بجوازها إذا أجازها الورثة؛ ولأن المنع حق الورثة، فإذا أجازوا جاز، والله أعلم. ثمرة الخلاف: إن قلنا بالرأي الأول لم يشترط لهذه الهبة ما يشترط للهبات من أحكام كالقبض ونحوه حسب ما مر تفصيله. وإن قلنا بالرأي الثاني، أنها هبة مبتدأه اشترط لها ما يشترط لسائر الهبات من أحكام، والله أعلم. المسألة الثالثة: حكم هبة المريض مرض الموت إذا صح من مرضه. إن صح المريض المرض المخوف من مرضه نفذت من رأس ماله باتفاق الأئمة (١). والدليل على ذلك: ١ - عموم أدلة الهبة السابقة. ٢ - أنه تبين أن مرضه لم يكن مخوفاً، والمنع إنما يكون في المرض المخوف، وهو الذي يعقبه الموت، فإذا صح تبين أن تبرعه كان في الصحة فكان من رأس المال (٢).

стр. 2265

المسألة الرابعة: هبة المريض مرض الموت فيما زاد عن الثلث إذا لم يكن له وارث. إذا تبرع المريض مرض الموت بأزيد من الثلث، ولم يكن له وارث، فللفقهاء في ذلك قولان: القول الأول: أنها صحيحة من رأس المال، ولا اعتراض لبيت المال ولا لغيره. وهو قول الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، ذكروه في الوصية، والعطايا في مرض الموت كالوصايا، وهو قول عند المالكية (٣) وأفتى به المتأخرون من الشافعية، وبعض متقدميهم كالماوردي، والقاضي حسين، والمتولي،، وذلك لعدم انتظام بيت المال، قال سبط المارديني: " وقد أيسنا من انتظامه إلى أن ينزل السيد المسيح ﷺ وعلى سائر النبيين " (٤)، وبه قال عبيدة السلماني، وإسحاق، وشريك (٥). وحجته: ١ - حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وفيه قوله ﷺ : " إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " (٦) الحديث. وجه الدلالة: أن المنع من الزيادة على الثلث من أجل الورثة؛ لقوله ﷺ : " إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس ".

стр. 2266

وأيضا: فإن كلمة "إن " نص ظاهر في التعليل. كما أنه ظاهر في أن المقصود بالورثة الورثة الخاصة غير بيت المال ألا ترى إلى قول سعد ﵁: "لا يرثني إلا ابنة لي"، وإلى قوله ﷺ : "ورثتك" بالإضافة للمخاطب وإلى قوله: "يتكففون الناس"، فإن ذلك كله يدل على أن المقصود بالورثة غير بيت المال، وأن بيت المال غير وارث؛ لأن بيت المال لا يتكفف. (٢٧٦) ٢ - ما رواه عبد الرزاق من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال لبعض أهل الكوفة: " إنكم من أحرى حي بالكوفة أن يموت أحدكم فلا يدع عصبة ولا رحما، فلا يمنعه إذا كان كذلك أن يضع ماله في الفقراء والمساكين " (١).

стр. 2267

وجه الدلالة: أن ابن مسعود ﵁ يرى المنع لحق الوارث، فإذا لم يكن له وارث كان له الحق في أن يتبرع ولو بماله كله في وجوه البر والخير. ٣ - أن حق الورثة تعلق بماله لانعقاد سبب الزوال إليهم وهو استغناؤه عن المال، إلا أن الشرع لم يظهر ذلك في حق الأجانب بقدر الثلث ليتدارك تقصيره (١). ٤ - أن المنع من الزيادة على الثلث، إنما هو لحق الورثة، فإذا لم يكن وارث ارتفع المنع (٢). القول الثاني: أنها لا تنفذ فيما زاد على الثلث.

стр. 2268

وهو مذهب المالكية (١)، وهو مذهب الشافعية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد، وبه قال الأوزاعي، وابن شبرمة، والعنبري (٣). وحجته: ١ - حديث عمران بن حصين ﵁ " أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عن موته، ولم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثاً بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولاً شديدا " (٤). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يجز تبرعه بما زاد عن الثلث، ولم ينقل أنه راجع الورثة، فدل على منعه مطلقاً (٥). ويمكن مناقشته: بأنه يحتمل أنه لم يكن له وارث، فرده النبي ﷺ نظرا لبيت مال المسلمين، أو أن الوارث لا يجيز ذلك ولا يرضاه، وهذا في الغالب. ٢ - حديث سعد ﵁، وفيه قول النبي ﷺ : "الثلث والثلث كثير" (٦). ونوقش: بأن حديث سعد ﵁ لا يقتضي بطلان ما زاد على الثلث؛ لأنه ﷺ بين علة النهي وهو أن المنع لحق الورثة حتى يستعينوا بما يتركه من مال عن سؤال الناس، وهذا استدعي عدم جواز التصرف في هذا الحق مادام صاحبه متمسكا به، فإذا لم يوجد زالت العلة.

стр. 2269

٣ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم " (١). وجه الدلالة: قوله ﷺ : "بثلث أموالكم" يدل على أنه لا حق لنا في الزائد عليه. ونوقش: بعدم ثبوت الحديث. ٤ - أن المنع من التبرع بما زاد على الثلث أمر تعبدنا الله به على لسان رسوله ﷺ ، وليس للورثة أن يجيزوا ما أبطلة الله ورسوله. ﷺ ونوقش: بأنه غير مسلم، فلا يسلم من أن المنع من الوصية للوارث أمر تعبدي؛ إذ إن أحكم المعاملات شرعها الله لمصالح ومقاصد تعود بالخير والنفع على العباد. ٥ - أن له من يعقل عنه -وهو بيت مال المسلمين-، فلم تنفذ هبته في أكثر من الثلث (٢)؛ إذ لا مجيز له منهم. ونوقش: بعدم التسليم. القول الثالث: إن كان السلطان مثل عمر بن عبد العزيز ﵀، فلا يزيد على الثلث، وإلا فله الزيادة. وبه قال بعض المالكية (٣). وحجته: أن السلطان إذا كان عادلاً، فإن بيت المال يكون منتظماً يصرف في مصارفه الشرعية. والقول الأول هو الراجح؛ لأن المنع من الزيادة عن الثلث إنما هو لحق الورثة، فإذا لم يكن وارث كان له أن يؤثر بماله من شاء من المسلمين، وبيت

стр. 2270

المال ليس وارثاً، وإنما هو مرد للأموال التي لا يعلم لها وارث، ولأن هذا هو فهم السلف، كما تقدم عن ابن مسعود ﵁، ولما روى ابن سيرين عن عبيدة السليمان قال: " إذا مات الشخص وليس عليه عقد ولا حد ولا عصبة يرثونه فإنه يوصي بماله كله حيث شاء "، والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: توقف نفاذ الثلث على الموت. تقدم أن المريض مرض الموت له أن يتبرع بالثلث فأقل لغير وارث. فإذا تبرع بما أذن له من الثلث فهل ينفذ فوراً، أو يتوقف نفاذه على الموت؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: يثبت الملك في العطية من حينها، لكنه ملك مراعى لعدم العلم هل يموت من مرضه، أو يصح، وهل يستفيد مالاً، أو يتلف شيء من ماله، وعلى هذا فلا يسلم الموهوب إلى الموهوب له يتصرف فيه كيف شاء، ولا يرسل العبد المعتق أو المحابى يذهب حيث شاء، بل يوقف أمر التبرعات على وجه يتمكن الوارث من ردها بعد الموت إذا شاء. وبه قال الشافعية، والحنابلة (١). وحجته: ١ - حديث سعد ﵁، وفيه قوله ﷺ : " إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " (٢). وجه الدلالة: أن ملك الهبة إذا كان مراعى كما ذكر، فإن الواهب يترك ورثته أغنياء، بحيث لو هلك ماله كله إلا الهبة لم ينفذ من هذه الهبة إلا

стр. 2271

ثلثها، وثلثاها للورثة فيكون ترك ورثته أغنياء، بخلاف ما إذا نفذت فوراً وهلك ماله فلا يبقى لورثته شيء، فلم يتركهم أغنياء. ٢ - أن المعتبر في الثلث وقت الموت فقد يكتسب مالاً قبله، أو يذهب شيئاً من ماله، والثلث يزيد بما كسب وينقص بما خرج من ماله، فيوقف أمر تبرعاته إلى موته (١). القول الثاني: التفريق بين أن يكون ماله مأموناً وهو الأرض، وما اتصل بها من بناء وشجر، أو غير مأمون كالحيوان والعروض، فإن كان مأموناً فأعتق أو تصدق، أو نحو ذلك لم يوقف ونفذ ما حمله على الثلث عاجلاً ووقف منه ما زاد، فإن صح نفذ الجميع، وإن مات لم يمض غير ما نفذ. وإن كان غير مأمون وقف كله، فإن مات قوم بعد موته ويخرج كله من ثلثه إن وسعه كله، وإلا أخرج ما وسعه الثلث فقط، وإن صح ولم يمت مضى جميع تبرعه (٢). وهو مذهب المالكية. وحجته: الاحتياط للوارث. ونوقش: بعدم التسليم؛ لما يلي: أولاً: أنه ليس فيه احتياط للوارث إذا كان المال غير مأمون. ثانياً: أنه ليس فيه احتياط للموهوب له. ثالثاً: أنه لا دليل على هذا التقسيم. القول الثالث: أنه ينفذ فوراً، وتسلم العين للمتبرع له، وإذا توفي

стр. 2272

المريض وتبين أن الموهوب له لا يستحق الهبة، فإن التصرف ينقض، وترد العين إلى من يستحقها من ورثة أو غرماء. وبه قال الحنفية (١)، وأبو يعلى (٢). واستثنى الحنفية التصرف الذي لا يقبل الفسخ، فإنه يجعل في حكم المعلق في الموت، وذلك كالعتق. وحجته: ١ - أن اتصال المرض بالموت أمر مشكوك فيه، وإثبات الحجر لا يكون بأمر مشكوك فيه؛ لأن الشك لا يقوى على رفع الأصل. ٢ - أن الأصل فورية التسليم؛ لثبوت الملك بالعقد. ونوقش: باستثناء مسألتنا ونحوها. الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه أهل القول الأول؛ لقوة دليلهم في مقابلة مناقشة دليل القولين الآخرين، ولما فيه من الاحتياط للوارث والموهوب له. المسألة السادسة: وقت اعتبار الثلث. تقدم أن المريض مرض الموت لا ينفذ تبرعه لوارث بشيء، ولا لغيره بأزيد من الثلث. لكن اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى -في وقت اعتبار الثلث على أقوال: القول الأول: أنه وقت الموت مطلقا.

стр. 2273

وهو قول أكثر الفقهاء (١). وحجته: ١ - ما تقدم من دليلهم في المسألة السابقة (٢). ٢ - ولأنه وقت لزوم الوصية واستحقاقها، وتثبت له ولاية القبول والرد. القول الثاني: أنه وقت الموت إذا كان غير مأمون -أي التلف- كالحيوان والعروض، ووقت العطية: إن كان مأموناً كالأرض وما تبعها من نماء أو شجر. وهو قول المالكية (٣). ودليله: ما تقدم في المسألة السابقة. القول الثالث: أنه وقت العطية. وهو ظاهر قول القاضي من الحنابلة (٤). دليله: ما تقدم من دليل القول الثالث في المسألة التي قبلها. الترجيح: الترجيح في هذه المسألة كالذي قبلها. ويترتب على هذا: أنه لو وهبه معينا كسيارة مثلا، وهي أكثر من الثلث. ثم ملك مالا فساوت الثلث فأقل نفذت الهبة، ولو أنه وهبه سيارة مثلا وهي تساوي ثلث ماله فأقل، ثم هلك ماله فلم يملك عند موته إلا هذه السيارة لم ينفذ إلا ثلثها.

стр. 2274

المسألة السابعة: معاوضة المريض مرض الموت. المريض غير ممنوع عن المعاوضة؛ لأنه كامل الأهلية، ومن حقه أن يبيع ويشتري ويعقد الصفقات، قال الباجي: " وله أن يتصرف في ماله بالبيع والشراء؛ لأن حق الورثة لم يتعلق بعين المال، وإنما تعلق بمقداره ". وقال: " إذا ثبت أن حكم الحجر يلحق المريض في ثلثي ماله لحق الورثة، فقد قال القاضي أبو محمد في معونته: إنه يتعلق به حكم الحجر فيما زاد على قدر حاجته من الإنفاق في الأكل والكسوة والتداوي والعلاج، وشراء ما يحتاج إلية من الأشربة والأدوية وأجرة الطبيب، ومنع السرف وما خرج عن العادة" (١). وفيها أمور: الأمر الأول: المعاوضة مع الوارث بثمن المثل. إذا باع المريض مرض الموت عيناً من أعيان ماله لوارث بثمن المثل، ونحو ذلك، فللعلماء قولان في حكم تصرفه: القول الأول: ينفذ بيع المريض لوارث إذا لم يكن فيه محاباة من رأس المال، ولا يتوقف على إجازة الورثة. وهو قول أبي يوسف، ومحمد (٢)، وهو قول المالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد، وهي الصحيح من المذهب (٥).

стр. 2275

وحجته: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١). وهذا يشمل بيع المريض لوارث إذا لم تكن محاباة. ٢ - أن الأصل في العقود الصحة. ٣ - أنه ليس في تصرفه إبطال حق الورثة عن شيء مما يتعلق حقهم به وهو المالية، فكان الوارث والأجنبي فيه سواء (٢). ٤ - أن هذا التصرف لا تبرع فيه ولا تهمة؛ لأنه بيع بثمن المثل (٣). القول الثاني: أنه موقوف على رضا الورثة. وهو قول لأبي حنيفة (٤)، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ (٥). وحجته: ١ - تعلق حق الورثة بمال المريض. ٢ - أن للناس في الأعيان أغراضا خاصة، فالمحاباة كما تكون بالتنازل عن بعض المال تكون بتخصيص الوارث بعين من الأعيان (٦). القول الثالث: لا يجوز بيعه لوارث، وإن كان بثمن المثل. وبه قال أبو حنيفة ﵀ (٧)، وذكره صاحب الإنصاف من الحنابلة

стр. 2276

احتمالاً، وقال: هو لأبي الخطاب (١). وحجته: ١ - أن المريض آثر بعض ورثته بعين من أعيان ماله، وهو محجور عليه لحق سائر الورثة، فلا يجوز كما في الوصية له. ٢ - أن حق الورثة متعلق بعين المال، كما هو متعلق بماليتها فيما بينهم، فكما لو قصد إيثار البعض بشيء من المالية رد عليه قصده، فكذلك إذا قصد إيثاره بالعين (٢). ونوقش هذان الدليلان من وجهين: الوجه الأول: أن حق الورثة يتعلق بمالية التركة لا بعينها. الوجه الثاني: أن تصرفه بالبيع من الوارث بمثل القيمة ليس فيه إبطال لحق الورثة من شيء تعلق به حقهم؛ إذ قد انتقل حقهم هنا إلى الثمن (٣). سبب الخلاف: هو هل حق الورثة متعلق بعين التركة أو بماليتها؟ الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول: أنه ينفذ بيع المريض إذا لم يكن محاباة من رأس المال؛ وذلك لأن الحجر على المريض يكون فيما فيه ضرر على الورثة، وبيعه بثمن المثل ليس فيه ضرر على أحد، وحق الورثة يتعلق حينئذ بالثمن لقيامه مقام العين المبيعة، لكن إذا كان لهذه العين خصوصية فيتوجه التوقف على إذن الورثة، والله أعلم.

стр. 2277

الأمر الثاني: المعاوضة مع الوارث بمحاباة. المحاباة في اللغة: المسامحة (١). وفي الاصطلاح: أن يعاوض المريض ويسمح لمن عاوضه ببعض عوضة. وعند المالكية: البيع بأقل أو أكثر من القيمة بكثير، قصداً لنفع المشتري أو البائع (٢). صورة المسألة: أن يعاوض المريض مرض الموت أحد ورثته في البيع أو الشراء ويحابيه في المعاوضة، كأن يبيعه سلعة تساوي مئتين بمئة وخمسين، فالفقهاء -رحمهم الله تعالى-- اختلفوا في صحة هذه المعاوضة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن بيع المريض لوارثه بالمحاباة ينعقد موقوفاً على إجازة الورثة فإن أجازوه نفذ، وإن لم يجز الورثة فإن البيع يبطل في قدر المحاباة، ويصح فيما عداها. وهو قول الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وهو المشهور عند الحنابلة (٦). وعند الحنفية: يخير المحابى بين أن يدفع تمام القيمة - قدر المحاباة -

стр. 2278

فيسقط حق الورثة في الاعتراض عليه، وبين أن يفسخ البيع ويرد المبيع إلى التركة، ويأخذ الثمن. وعند المالكية: المحاباة كما تكون في الكمية تكون في الكيفية، كما لو باعه أفضل ما عنده مطلقا، فلا يجوز إلا بإذن، ونص المالكية على أن إجازة الورثة لقدر المحاباة ابتداء عطية منهم، فتفتقر إلى حوز، والمعتبر في قدر المحاباة يوم البيع، ولا عبرة بتغير ثمن السلعة المباعة بعد ذلك بزيادة أو نقص. وعند الشافعية: إذا باعه بثمن مثله جاز، وعندهم يجوز النقص عن ثمن المثل إذا كان مما يتغابن به الناس. ودليل هذا الرأي: ١ - ما تقدم من الأدلة على أن المريض مرض الموت ليس له أن يتبرع لوارث بشيء، إلا بإجازة الورثة. ٢ - أن المحاباة في مرض الموت بمنزلة الوصية، والوصية لوارث لا تنفذ إلا إذا أجازها الورثة (١). القول الثاني: أن المريض إذا حابى وارثه في البيع بطل البيع في قدر المحاباة، وصح فيما يقابل الثمن المسمى، وللمشتري الخيار بين الأخذ والفسخ. وهو وجه عند الحنابلة (٢)، وهو الصحيح من المذهب عندهم (٣). دليلهم: أولاً: استدلوا على صحة البيع فيما يقابل الثمن المسمى: بأن البطلان إنما جاء من المحاباة، فاختص بما قابلها، والأصل صحة العقود (٤).

стр. 2279

ثانياً: استدلوا على ثبوت الخيار للمشتري؛ لأن الصفقة تفرقت عليه، فشرع له الخيار دفعاً للضرر عنه (١). ونوقش هذا الاستدلال: تخصيص بطلان البيع بقدر المحاباة بأنه تفريق من غير دليل؛ لأن البيع انعقد على جميع المبيع، فكيف يبطل في جزء منه ويصح في الجزء الآخر؟. وأجيب: بأنه لا يمتنع صحة بعض المبيع وبطلان بعضه كتفريق مسائل الصفقة، كما لو باع ملكه وملك غيره، فيصح في ملكه، ولا يصح في ملك غيره. القول الثالث: أن المريض إذا حابى وارثه يبطل البيع، ومن باب أولى تبطل المحاباة. وهو قول بعض المالكية (٢)، ووجه ثالث عند الحنابلة (٣). واستدلوا بما يلي: ١ - أن المحاباة عطية لوارث، والعطية في المرض باطلة عند المالكية -على المشهور عندهم-؛ لأن حكمها حكم الوصية (٤). ونوقش هذا الدليل: بأن يقال: لا يسلم بطلان الوصية لوارث مطلقاً، بل الصحيح توقف نفاذها على إجازة الورثة. ٢ - أنه لا يمكن تصحيح البيع على الوجه الذي تواجبا عليه، فلم يصح، كتفريق الصفقة (٥).

стр. 2280

ونوقش: هذا الدليل بعدم التسليم، بل إن تصحيح البيع ممكن، وذلك بجعله موقوفاً على إجازة الورثة. الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن بيع المريض بالمحاباة لوارثه ينعقد موقوفاً على إجازة الورثة؛ إذ فيه مصلحة المريض، ودفع الضرر عن الوارث. الأمر الثالث: معاوضة المريض مع أجنبي. المراد بالأجنبي هنا: من ليس بوارث. إذا حصلت المعاوضة مع من ليس بوارث، فتحت ذلك فروع: الفرع الأول: أن تكون المعاوضة بثمن المثل، فتصرفه صحيح بالاتفاق (١). الفرع الثاني: أن تكون المعاوضة بدون ثمن المثل بأقل من الثلث. إذا كانت المعاوضة مع أجنبي بدون ثمن المثل أي بمحاباة، بأقل من الثلث فإن العقد صحيح أيضا (٢). والدليل على ما سبق: أولاً: قول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣). وجه الاستدلال: أن الآية عامة في الأشخاص، وفي كل بيع سواء كان بمحاباة أو غير محاباة.
следующие страницы →