← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

احتمالاً، وقال: هو لأبي الخطاب (١). وحجته: ١ - أن المريض آثر بعض ورثته بعين من أعيان ماله، وهو محجور عليه لحق سائر الورثة، فلا يجوز كما في الوصية له. ٢ - أن حق الورثة متعلق بعين المال، كما هو متعلق بماليتها فيما بينهم، فكما لو قصد إيثار البعض بشيء من المالية رد عليه قصده، فكذلك إذا قصد إيثاره بالعين (٢). ونوقش هذان الدليلان من وجهين: الوجه الأول: أن حق الورثة يتعلق بمالية التركة لا بعينها. الوجه الثاني: أن تصرفه بالبيع من الوارث بمثل القيمة ليس فيه إبطال لحق الورثة من شيء تعلق به حقهم؛ إذ قد انتقل حقهم هنا إلى الثمن (٣). سبب الخلاف: هو هل حق الورثة متعلق بعين التركة أو بماليتها؟ الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول: أنه ينفذ بيع المريض إذا لم يكن محاباة من رأس المال؛ وذلك لأن الحجر على المريض يكون فيما فيه ضرر على الورثة، وبيعه بثمن المثل ليس فيه ضرر على أحد، وحق الورثة يتعلق حينئذ بالثمن لقيامه مقام العين المبيعة، لكن إذا كان لهذه العين خصوصية فيتوجه التوقف على إذن الورثة، والله أعلم.

стр. 2277

الأمر الثاني: المعاوضة مع الوارث بمحاباة. المحاباة في اللغة: المسامحة (١). وفي الاصطلاح: أن يعاوض المريض ويسمح لمن عاوضه ببعض عوضة. وعند المالكية: البيع بأقل أو أكثر من القيمة بكثير، قصداً لنفع المشتري أو البائع (٢). صورة المسألة: أن يعاوض المريض مرض الموت أحد ورثته في البيع أو الشراء ويحابيه في المعاوضة، كأن يبيعه سلعة تساوي مئتين بمئة وخمسين، فالفقهاء -رحمهم الله تعالى-- اختلفوا في صحة هذه المعاوضة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن بيع المريض لوارثه بالمحاباة ينعقد موقوفاً على إجازة الورثة فإن أجازوه نفذ، وإن لم يجز الورثة فإن البيع يبطل في قدر المحاباة، ويصح فيما عداها. وهو قول الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وهو المشهور عند الحنابلة (٦). وعند الحنفية: يخير المحابى بين أن يدفع تمام القيمة - قدر المحاباة -

стр. 2278

فيسقط حق الورثة في الاعتراض عليه، وبين أن يفسخ البيع ويرد المبيع إلى التركة، ويأخذ الثمن. وعند المالكية: المحاباة كما تكون في الكمية تكون في الكيفية، كما لو باعه أفضل ما عنده مطلقا، فلا يجوز إلا بإذن، ونص المالكية على أن إجازة الورثة لقدر المحاباة ابتداء عطية منهم، فتفتقر إلى حوز، والمعتبر في قدر المحاباة يوم البيع، ولا عبرة بتغير ثمن السلعة المباعة بعد ذلك بزيادة أو نقص. وعند الشافعية: إذا باعه بثمن مثله جاز، وعندهم يجوز النقص عن ثمن المثل إذا كان مما يتغابن به الناس. ودليل هذا الرأي: ١ - ما تقدم من الأدلة على أن المريض مرض الموت ليس له أن يتبرع لوارث بشيء، إلا بإجازة الورثة. ٢ - أن المحاباة في مرض الموت بمنزلة الوصية، والوصية لوارث لا تنفذ إلا إذا أجازها الورثة (١). القول الثاني: أن المريض إذا حابى وارثه في البيع بطل البيع في قدر المحاباة، وصح فيما يقابل الثمن المسمى، وللمشتري الخيار بين الأخذ والفسخ. وهو وجه عند الحنابلة (٢)، وهو الصحيح من المذهب عندهم (٣). دليلهم: أولاً: استدلوا على صحة البيع فيما يقابل الثمن المسمى: بأن البطلان إنما جاء من المحاباة، فاختص بما قابلها، والأصل صحة العقود (٤).

стр. 2279

ثانياً: استدلوا على ثبوت الخيار للمشتري؛ لأن الصفقة تفرقت عليه، فشرع له الخيار دفعاً للضرر عنه (١). ونوقش هذا الاستدلال: تخصيص بطلان البيع بقدر المحاباة بأنه تفريق من غير دليل؛ لأن البيع انعقد على جميع المبيع، فكيف يبطل في جزء منه ويصح في الجزء الآخر؟. وأجيب: بأنه لا يمتنع صحة بعض المبيع وبطلان بعضه كتفريق مسائل الصفقة، كما لو باع ملكه وملك غيره، فيصح في ملكه، ولا يصح في ملك غيره. القول الثالث: أن المريض إذا حابى وارثه يبطل البيع، ومن باب أولى تبطل المحاباة. وهو قول بعض المالكية (٢)، ووجه ثالث عند الحنابلة (٣). واستدلوا بما يلي: ١ - أن المحاباة عطية لوارث، والعطية في المرض باطلة عند المالكية -على المشهور عندهم-؛ لأن حكمها حكم الوصية (٤). ونوقش هذا الدليل: بأن يقال: لا يسلم بطلان الوصية لوارث مطلقاً، بل الصحيح توقف نفاذها على إجازة الورثة. ٢ - أنه لا يمكن تصحيح البيع على الوجه الذي تواجبا عليه، فلم يصح، كتفريق الصفقة (٥).

стр. 2280

ونوقش: هذا الدليل بعدم التسليم، بل إن تصحيح البيع ممكن، وذلك بجعله موقوفاً على إجازة الورثة. الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن بيع المريض بالمحاباة لوارثه ينعقد موقوفاً على إجازة الورثة؛ إذ فيه مصلحة المريض، ودفع الضرر عن الوارث. الأمر الثالث: معاوضة المريض مع أجنبي. المراد بالأجنبي هنا: من ليس بوارث. إذا حصلت المعاوضة مع من ليس بوارث، فتحت ذلك فروع: الفرع الأول: أن تكون المعاوضة بثمن المثل، فتصرفه صحيح بالاتفاق (١). الفرع الثاني: أن تكون المعاوضة بدون ثمن المثل بأقل من الثلث. إذا كانت المعاوضة مع أجنبي بدون ثمن المثل أي بمحاباة، بأقل من الثلث فإن العقد صحيح أيضا (٢). والدليل على ما سبق: أولاً: قول الله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣). وجه الاستدلال: أن الآية عامة في الأشخاص، وفي كل بيع سواء كان بمحاباة أو غير محاباة.

стр. 2281

ثانياً: أن عقد المريض عقد صدر من أهله في محله فنفذ، فأما كونه من أهله فلأن المريض كامل الأهلية، فالمرض لا يخل بأهلية المريض فله أهلية أداء كاملة ثبتت له بالبلوغ والعقل، وأما المحل فهو المال المتقوم (١). ثالثاً: أن المريض مرض الموت له حق التبرع بالثلث فأقل. وعلى هذا فالمحاباة تعتبر من الثلث باتفاق الفقهاء (٢)؛ لما تقدم من الدليل على أن للمريض مرض الموت حق التبرع بالثلث فأقل لغير وارث. الفرع الثالث: أن تكون المعاوضة بدون ثمن المثل بأزيد من الثلث. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنها موقوفة على إجازة الورثة، فإن أجازوها جازت ونفذ البيع ولزم. وهو قول الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). القول الثاني: تبطل المحاباة فيما زاد على الثلث، فإن أجازها الورثة فهي عطية منهم له ابتداء تفتقر للحوز على المشهور (٦). وهذا قول المالكية. فإن لم يجز الورثة ما زاد على الثلث، فقد اختلف الفقهاء في ذلك:

стр. 2282

على أربعة أقوال: القول الأول: أن على المشتري إكمال المقدار الذي لم يتسع له الثلث، وإذا لم يفعل انفسخ البيع. وهو قول الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد (١). القول الثاني: أن المشتري مخير بين الفسخ فيرد المبيع، ويأخذ الثمن لتقر الصفقة عليه وإمضاء البيع. وهو أحد قولي الشافعية، وقول الحنابلة، فإذا اختار الإمضاء فوجهان: أحدهما: يأخذ نصف المبيع بنصف الثمن ويفسخ البيع في الباقي. وهو رواية عن الإمام أحمد وصححه في المغني، والمحرر، وهو أحد الوجهين عند الشافعية (٢). والثاني: يأخذ ثلثي المبيع بالثمن كله. وهو الوجه الثاني للشافعية، وقول القاضي من الحنابلة. القول الثالث: أن البيع لازم له فيما يقابل الثمن، وما يحتمله الثلث من المحاباة، وما زاد على الثلث من المحاباة يبطل البيع. وهو مفهوم من كلام المالكية (٣). القول الرابع: أن البيع يبطل. وهو القول الآخر للشافعية بناءً على قولهم الآخر في تفريق الصفقة (٤). وما ذهب إليه الجمهور من القول بتوقف العقد على إجازة الورثة هو

стр. 2283

الراجح؛ وذلك لأن المقصود إزالة الضرر عنهم، فإذا أمضوا تصرف مورثهم فقد رضوا بإسقاط حقهم، وذلك لهم. أما قول الحنفية في الزائد على الثلث، وأن المشتري يجبر على إكمال المقدار الذي لم يتسع له الثلث فيؤخذ على هذا القول أن فيه إجبار المشتري على المعاوضة، والله يقول: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، والمشتري لم يرض به إلا بالثمن الأول. ولذا يظهر أن القول الثاني أقوى، أي إعطاء المشتري الخيار بين الفسخ أو الإمضاء؛ لأن في الأخذ بهذا القول نظراً للجانبين: جانب الورثة بإزالة الضرر عنهم، والضرر الحاصل على المشتري بتفريق الصفقة عليه، ثم إذا اختار الإمضاء أخذ ثلثي المبيع بالثمن كله ثلث بالثمن، وثلث بالمحاباة؛ وذلك لأن المريض لو تبرع له بالثلث ابتداءً صح، فيجعل الثمن الذي دفعه في مقابل ثلث المبيع، وثلث يكون له تبرعاً ويبقى للورثة الثلث وثمن الثلث، والله أعلم. المسألة الثامنة: تقديم تبرعات المريض بعضها على بعض. وفيها أمران: الأمر الأول: تقديم تبرعات المريض على الوصايا في الاستيفاء من الثلث. إذا تبرع المريض بهبة، أو صدقة، أو محاباة، فإنها تكون مقدمة في التنفيذ على الوصايا، فإن بقى بعد تنفذ تبرعات المريض شيء نفذت منه الوصايا. وذلك لأن تبرعات المريض تثبت في حال الحياة قبل الموت، بخلاف

стр. 2284

الوصايا، فإنها لا تثبت إلا بعد الموت؛ إذ هي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، فكانت تبرعات المريض أقوى منها فقدمت عليها (١). الأمر الثاني: تقديم تبرعات المريض بعضها على بعض. اختلف العلماء في تقديم تبرعات المريض بعضها على بعض إذا ضاق عنها الثلث على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن تبرعات المريض من هبة، أو صدقة، أو محاباة لأجنبي، إذا اجتمعت وضاق عنها الثلث يقدم الأول فالأول. وبه قال الجمهور: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢). وحجتهم: ١ - أن التصرف الأول لازم لا يفتقر إلى رضا الورثة (٣). ٢ - أن تبرع المريض في مرضه لازم في حقه لا يملك الرجوع عنه، فإذا أخرج من الثلث لزم في حق الورثة، فلو شاركه تبرع آخر لمنع ذلك لزومها في حق المريض (٤). القول الثاني: أن تبرعات المريض، إن كانت من جنس واحد كأن تكون هبات، أو محاباة فإنها تتساوى في الاستيفاء من الثلث، ولا أثر لتقدم بعضها على بعض في الذكر، وإن كانت من جنس واحد، فالمحاباة إذا

стр. 2285

تقدمت على العتق وضاق الثلث عنهما بدئ بالمحاباة قبل العتق، وإن تأخرت المحاباة تساويا في التنفيذ من الثلث. وبه قال أبو حنيفة (١). وحجته: أن المحاباة أقوى من العتق؛ لأنها تتم ضمن عقد المعاوضة، فكانت المحاباة تبرعاً بمعناها لا بصيغتها بخلاف العتق، فإنه تبرع معنى وصيغة (٢). القول الثالث: أن العتق مقدم على سائر التبرعات تقدم أو تأخر. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن (٣). وحجته: أن العتق أقوى؛ لأنه لا يلحقه الفسخ بخلاف المحاباة ونحوها (٤). ونوقش: أن احتمال عدم الفسخ ليس خاصاً بالعتق، فإن من باع ماله بالمحاباة في مرض موته لا يملك فسخه بمفرده فاستويا في عدم الفسخ من جهة المريض. وأجيب: أن المحاباة محتملة للفسخ في الجملة بخيار العيب والشرط والإقالة بخلاف العتق (٥). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لأن تبرعات المريض تثبت من حين التبرع، فالواجب البداءة بما ثبت أولاً.

стр. 2286

المسألة التاسعة: إقرار المريض مرض الموت. فيها أمور: الأمر الأول: الإقرار لوارث. الإقرار في اللغة: الاعتراف (١). وفي الاصطلاح: إخبار الإنسان عن حق عليه لآخر (٢). تحرير محل النزاع: أ- يقبل إقرار المريض لوارث إذا صدقه بقية الورثة. ب- يقبل إقرار المريض إذا كان الوارث يتمكن من أخذ حقه بغير الإقرار، كما لو كان للوارث وديعة، وقد ثبتت بالبينة ونحو ذلك (٣). اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى -على أقوال: القول الأول: الصحة مطلقاً، سواء أقر له في الصحة أو المرض، أقر لمن يتهم عليه، أو لغيره. وهو المعتمد عند الشافعية، ورواية عن أحمد، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وشريح، والأوزاعي، وطاووس، وعطاء، والحسن البصري، واختاره البخاري (٤). القول الثاني: المنع مطلقاً، إلا إقرار الزوج لزوجته بصداقها. وهو قول شريح، والحسن بن صالح.

стр. 2287

القول الثالث: الفرق بين الإقرار في الصحة، والإقرار في المرض، فما كان في الصحة فهو صحيح لازم، وما كان في المرض فهو موقوف على إجازة الورثة. وهو قول الحنفية، وأحد قولي الشافعي، والحنابلة، وبه قال الثوري، والقاسم (١). وللمالكية تفصيل في هذه المسألة ينبني على صحة الإقرار مع عدم التهمة، وعدم صحتها مع التهمة (٢). الأدلة: أدلة من قال بقبول إقراره لوارث: ١ - قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣) فقد سوى بين الوصية والدين في تقديمهما على الميراث ولم يفصل، فخرجت الوصية بدليل منفصل، وبقي الدين على إطلاقه الشامل للدين الثابت بالبينة والثابت بالإقرار للوارث وغيره (٤). ونوقش: بأن الآية تدل على تقديم الدين على الميراث، وهذا لا نزاع فيه، متى كان الدين ثابتا بغير الإقرار بالمرض، فإن كان ثابتا بالإقرار فلا بد من القرائن الدالة على صحته. ٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٥) فهذا أمر للجميع بالشهادة على النفس وهي

стр. 2288

الإقرار عليها بالحق، وهي عامة في الأشخاص والأحوال، وتشمل الصحيح والمريض؛ لقاعدة عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال. والأمر فيها للوجوب، وإذا وجب الإقرار للوارث بحقه كان إقراره صحيحا، ووجب العمل به وتنفيذه؛ أخذا بقاعدة: أن الأمر بالشيء يستلزم صحته عند الإتيان به على الوجه المأمور به، وإلا لم تكن فائدة في الأمر به والإتيان به. ٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١). وجه الاستدلال: أن لفظ الأمانات جمع معرف بأل فيعم جميع الأمانات، والدين أمانة بنص قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢) فيدخل في ذلك دين الوارث، فيجب أداؤه، وإذا لم يتأت أداؤه يجب الإقرار به؛ لأنه لا سبيل لأدائه إلا بالإقرار به، والمقدور الذي لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب كما يقول الأصوليون. وإذا وجب الإقرار وجب تنفيذه لما سبق. ٤ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " آيَة المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا اؤْتُمِن خان، وإذا وعد أخلف " (٣). وجه الاستدلال: أن فيه ذم الخيانة، والذم يقتضي التحريم، وكتمان الدين، وعدم الإقرار به نوع من الخيانة المحرمة، والمنهي عنها، والنهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده أو يتضمنه، كما يقول الأصوليون، فيكون الاعتراف للدائن بدينه واجبا؛ لأنه إذا كتمه يصير خائنا، والأمر يستلزم صحة

стр. 2289

المأمور به والاعتداد به عند فعله على وجهه، وإلا لم تكن فائدة في الأمر به وإيجاره. (٢٧٧) ٥ - ما رواه البخاري من طريق همَّام بن مُنَبِّه، ومسلم من طريق الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إِيَّاكم والظنَّ، فإنَّ الظنَّ أكذب الحديث " (١). وجه الاستدلال: أن فيه تحذيرا من سوء الظن بالمسلم، وهو يقتضي النهي عنه، والأمر بتحسين الظن به، وهذا يدل على بطلان الاحتجاج على إقراره باتهامه فيه. ونوقشت هذه الأدلة بما نوقش به الدليل الأول. ٦ - قياس الإقرار لوارث على الإقرار بوارث، فإن المريض إذا أقر في مرضه بوارث صح إقراره اتفاقًا إذا كان على وجه الاستلحاق وعلى خلاف في غيره، والإقرار بوارث يتضمن الإقرار لوارث بمال؛ لأن إقراره بالنسب إقرار له بالمال تبعا. ونوقش من وجهين: الأول: أن إقرار المريض لوارث قبل؛ لأنه لم يقصد الإقرار بالمال، وإنما دخل المال تبعاً. الثاني: أن المريض إذا أقر بوارث، فإن هذا الوارث يستحق نصيبه من التركة بأمرين: النسب، والموت، فافترقا. ٧ - قياس الإقرار في المرض على الإقرار في الصحة، فكل من صح الإقرار له في الصحة يصح الإقرار له في المرض.

стр. 2290

٨ - قياس الوارث على الأجنبي. ٩ - أن الأحكام مدارها على الظاهر، والله يتولى السرائر فلا يجوز إبطال إقراره بدعوى احتمال كذبه في الواقع، وأنه أراد الوصية فجعلها إقرارًا خوفًا من اعتراض الورثة؛ لأنه حكم بباطن مشكوك. ١٠ - أن الغالب على المريض مرض الموت الصدق في إقراره، والتهمة في حقه ضعيفة وبعيدة، والمدار في الأحكام على الغالب، والحكم به واجب. أدلة عدم قبول إقراره لوارث: (٢٧٨) ١ - قوله ﷺ : " لا وصية لوارث، ولا إقرار له بالدين " (١). ونوقش الاستدلال بالحديث من وجهين: الأول: أن زيادة ولا إقرار له بالدين غير صحيحة؛ لأنها مرسلة، وفي سندها نوح بن دراج متهم بالوضع. الوجه الثاني: أن الأخذ بهذه الزيادة يقتضي منع الإقرار للوارث في الصحة والمرض؛ لعموم " ولا إقرار له بالدين"؛ لأنها نكرة في سياق النفي؛ لأن الوصية له ممنوعة في الصحة والمرض. (٢٧٩) ٢ - قول عمر ﵁: " إذا أقر المريض لوارثه لم يجز " (٢).

стр. 2291

ونوقش: بأنه معارض بما يأتي من أدلة الجواز فتقدم عليه. ٣ - قياس الإقرار في المرض على التبرع في المرض، بجامع أن كلاً إيصال المال إلى وارثه، فلا يجوز إلا بإجازة الورثة والقياس على الوصية أيضا. ونوقش: هذا قياس بوجود الفارق من وجوه: الأول: أن التبرع عطية خالصة من مال المتبرع بعد تعلق حق الورثة بماله، والإقرار إخبار بحق للمقر له في مال المقر، فليس فيه إعطاء مال. الثاني: أن الهبة لا تصح ولو شهدت البينة عليها، بخلاف الإقرار فإنه إذا شهدت بينة بصدق المقر يلزم تنفيذه من رأس المال. الثالث: أن الإقرار لا يجوز الرجوع عنه، والوصية يجوز الرجوع عنها، فلا يصح قياسه عليها. ٤ - أن المريض في حالة مرضه يتهم بأنه أراد الوصية لوارثه، فلما رأى نفسه ممنوعا منها تحول إلى الإقرار له حتى لا تعترض ورثته على تصرفه (١). ونوقش: بأن مقتضى هذا الدليل هو اعتبار التهمة دون رد إقراره مطلقاً. ٥ - أن كون الدين في ذمة المريض لا يعدو أن يكون أمراً ظنياً، وما يحصل لباقي الورثة من الضرر أمر محقق، فكيف يترك العمل بالمحقق ويعمل بالمظنون. ونوقش من وجهين: الأول: أن هذا الدليل يشمل الوارث وغيره، فهو يناقض قولهم بقبول إقرار الأجنبي.

стр. 2292

الثاني: أنه غير مسلم؛ لأن الضرر على الورثة في شيء تعلقت حقوقهم به، وهنا لم تتعلق حقوقهم بالمال المقر به. ٦ - أن المريض محجور عليه في حق الوارث، فلم يصح إقراره له كالصبي لما حجر عليه في حق الناس لم يصح إقراره لواحد منهم (١). ونوقش: بأن المريض ليس محجوراً عليه في حق الوارث مطلقاً، بل محجور عليه فيما تضمن تبرعاً، والإقرار لا يتضمن تبرعاً إذا دلت القرائن على صدقه، بخلاف الصبي فهو محجور عليه في حق جميع المعاوضات والتبرعات. دليل من رأى الاعتماد على التهمة: الاعتماد على قوة التهمة وضعفها، فحيث قويت التهمة يبطل الإقرار، وإذا ضعفت صح الإقرار، وقوة التهمة وضعفها يختلف باختلاف الأحوال والصور، كما سبق. الترجيح: يترجح -والله أعلم- أن إقرار المريض لوارث يقبل إذا لم يكن هناك تهمة، ولا يقبل مع وجود التهمة فهو وسط، ففيه مصلحة المريض والمقر له، وكذا الورثة. الأمر الثاني: إذا اختلف الورثة والمقر له، هل كان الإقرار في الصحة أو المرض؟ فعلى قولين: القول الأول: أن القول قول مدعي الصحة. وهو قول المالكية، والشافعية (٢). وحجته: أن الصحة هي الأصل والغالب، والقول لمدعي الأصل.

стр. 2293

ولأن الأصل في العقود الصحة والقول لمدعي الصحة فيها، وإن أقام كل واحد بينة، فعند الشافعية تقدم بينة الصحة على المعتمد (١). القول الثاني: أن القول قول مدعي المرض، وإن أقام كل منهما بينة قدمت بينة المقر له، وإن لم تكن بينة وأراد استحلاف الورثة كان له ذلك. وبه قال الحنفية (٢). القول الثالث: أن القول لمدعي الصحة، وإن أقام كل منهما بينة قدمت بينة المرض. وهو قول للشافعية. لأنها ناقلة. الأمر الثالث: وقت اعتبار المقر له وارثاً. اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى - على أقوال: القول الأول: أن المعتبر وقت الموت. وبه قال الشافعية (٣). وحجته: القياس على الوصية، فإذا أقر لوارث فصار غير وارث صح إقراره، وإذا أقر لغير وارث فصار وارثاً عند الموت بطل إقراره. القول الثاني: أن المعتبر وقت الإقرار. وهو قول المالكية، والحنابلة (٤). فإذا أقر لغير وارث حين إقراره صح إقراره ولو صار وارثاً عند الموت،

стр. 2294

وإن أقر لوارث حين إقراره بطل إقراره، ولو صار غير وارث عند الموت، لوقوعه باطلاً. وحجته: أن الاعتبار بحال اللفظ كسائر العقود. القول الثالث: أن المعتبر وقت الإقرار والموت. فإذا أقر لوارث واستمر وارثاً حتى مات المقر بطل الإقرار، وإن أقر لغير وارث واستمر غير وارث حتى الموت صح الإقرار. وأما إن أقر لغير وارث ثم صار وارثا، فهنا تفصيل بين سبب الإرث الطارئ والسبب الموجود حين الإقرار، فيصح في الأول ويبطل في الثاني. فمن أقر لأجنبية ثم تزوجها أو أقرت له فتزوجها صح الإقرار؛ لأن سبب الإرث طارئ بعد الإقرار فلا يضر. بخلاف من أقر لأخيه وله ولد حين الإقرار ثم مات ولده، فإن الإقرار لا يصح؛ لأن سبب الإرث وهو النسب كان موجودا وقت الإقرار. وهو قول الحنفية (١). فرع: واختلف المالكية: فيمن أقر لوارث فصار غير وارث، ثم صار وارثاً. فقال ابن شعبان: الإقرار صحيح، كمن أقر لأخيه ولا ولد له ثم ولد له ولد فمات الولد، ثم مات المقر بعد ذلك فإن الإقرار صحيح؛ لأنه بولادة الولد صار الأخ غير وارث، وثبت الإقرار له، فإذا مات الابن بعد ذلك وصار الأخ وارثا لم يضر ذلك؛ لأن الحق إذا ثبت لا يبرأ منه إلا بأدائه. واختار ابن عرفه: أن الإقرار في هذه الحالة لا يصح، إلا إذا علم المقر بكون المقر له غير وارث، ولم يرجع عن إقراره كأن يعلم بوفاة ولده؛ لأن

стр. 2295

استمراره على إقراره بعد رجوعه غير وارث دليل على صدقه في إقراره، أما إذا لم يعلم برجوعه غير وارث فإن الإقرار لا يصح؛ لاحتمال أن يكون إقراره له وهو يعلم أنه وارث من باب الهزل، وعدم الجد، واحتمال أنه لو علم أنه رجع غير وارث لما أقر له، أو لرجع في إقراره (١). فرع آخر: ما يتعلق بشروط إجازة الوارث، ووقت الإجازة، وغير ذلك من مسائل بحثت في كتابي -أحكام الوصية- عند بحث مسائل الوصية لوارث. الأمر الرابع: الإقرار لأجنبي. إذا أقر المريض مرض الموت لغير وارث، فقد اختلف العلماء --رحمهم الله تعالى- -على أقوال: القول الأول: أن إقرار المريض لأجنبي لا يقبل إلا إذا دلت القرائن على صدقه. وبه قال المالكية (٢). وحجتهم: أن إبطال الإقرار مطلقاً تضييق على المريض وقبوله مطلقاً فيه حرج على الورثة، وعليه فيقبل عند عدم التهمة، ويرد عند وجودها. القول الثاني: صحة هذا الإقرار، سواء أجاز الورثة أو لم يجيزوا. وبه قال الحنفية، الشافعية، والحنابلة (٣).

стр. 2296

قال ابن المنذر: " أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن إقرار المريض في مرضه لغير الوارث جائز " (١). وحجتهم: ١ - ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " إذا أقر المريض بدين جاز ذلك عليه في جميع تركته " (٢). ٢ - أن قضاء الدين من الحوائج الأصلية؛ لأن فيه رفع الحائل بين المدين وبين الجنة، وإذا ثبت أنه من الحوائج الأصلية كان إقراره بالدين نافذا ومقدما على حقوق الورثة؛ لأن حقوقهم تتعلق بالتركة بشرط الفراغ من حاجات المريض. ونوقش: بأن هذا صحيح فيما ثبت أنه دين وهنا لم يثبت؛ لأنه متهم في إقراره. ٣ - أن الإنسان يحتاج إلى المعاملة، فلو أبطلنا إقراره في المرض لامتنع الناس من معاملته في الصحة (٣). ونوقش: بأن هذا غير مسلم ولا يظن أن أحداً امتنع من معاملة آخر خشية أن يمرض، وكما يعرض للناس المرض يعرض لهم الموت. القول الثالث: أنه لا يقبل. وهو رواية عن الإمام أحمد (٤). وحجته: ١ - إلحاقه بالإقرار لوارث.

стр. 2297

ونوقش: بأن هذا قياس غير صحيح؛ لأن الأصل المقيس عليه موضع خلاف كما تقدم ولوجود الفارق، فإن الوصية بالثلث تجوز لأجنبي ولا تجوز لوارث. ٢ - أن حقوق الورثة والغرماء قد تعلقت بمال المريض من حين مرضه، فلا يقبل إقراره كالمفلس؛ لما تعلقت حقوق الغرماء بماله لإفلاسه لم يقبل إقراره في ماله. ونوقش: بأن عدم قبول إقرار المفلس غير مسلم، بل إقراره صحيح ويثبت المبلغ المقر به في ذمته بعد فك الحجر عنه (١). القول الثالث: أن إقرار الأجنبي يصح إذا كان يخرج من الثلث، فإن زاد على الثلث لم يصح الإقرار بالزائد. وهو رواية عن الإمام أحمد (٢). وحجته: أن المريض ممنوع من الزيادة على الثلث في العطية، فلا يصح إقرار بما لا يملك أن يعطيه. ونوقش: بأن الإقرار ليس كالعطية، فالإقرار إخبار، والعطية ابتداء تمليك في المال على وجه تبرع في حدود للأجنبي افترقا. الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه المالكية؛ لما فيه من التوفيق بين مصالح الورثة، والغرماء، ومصالح المريض. المسألة العاشرة: قتل الموهوب له الواهب في مرض الموت. أنه إذا وهب مريض هبة، أو أعطى عطية في مرضه فقتله الموهوب له عمدا أو خطأ مباشرة أو تسبباً، فإن العطية لا تبطل، وتكون من الثلث.

стр. 2298

وبه قال أكثر العلماء (١). وحجته: انتفاء تهمة استعجال الشيء قبل أوانه؛ لأنه لو لم يقتله لعاش، وكانت الهبة له من رأس المال، وفي حالة القتل يأخذها من الثلث، فالقتل أضر به، ولم يستفد منه. والقول الثاني: بطلان الهبة ورجوعها لورثة الواهب، سواء كان القتل عمدا أو خطأ. وبه قال الحنفية (٢). وحجته: (٢٨٠) ما رواه أبو داود من طريق محمد بن راشد، عن سليمان -يعنى ابن موسى- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس للقاتل شيء" (٣).

стр. 2299

فلفظ " شيء " في الحديث نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء: الهبة، والوصية، والإرث. وهذا الحديث ضعيف، وعلى هذا يكون الراجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم. المطلب الثالث: القسم الثالث: الأمراض الممتدة الأمراض المزمنة، أو الممتدة: هي التي تطول وتستمر زمناً طويلاً، فإذا وقع الشخص في مرض من ذلك، فاختلف العلماء ﵏ -في حكم هباته على قولين: القول الأول: أن حكمه حكم الصحيح في جميع تبرعاته، إلا أن أصبح مخوفاً كالقسم الثاني. وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية (١). قال الكاساني: " وكذلك صاحب الفالج ونحوه إذا طال به ذلك، فهو في حكم الصحيح؛ لأن ذلك إذا طال لا يخاف منه الموت غالباً، فلم يكن مرض الموت، إلا إذا تغير حاله من ذلك ومات من ذلك التغير، فيكون

стр. 2300

حال التغير مرض الموت؛ لأنه إذا تغير يخشى منه الموت غالباً، فيكون مرض الموت، وكذا الزمن والمقعد " (١). وجاء في فتاوى عليش: " قال ابن سلمون: ولا يعتبر في المرض العلل المزمنة التي لا يخاف على المريض منها كالجذام والهرم، وأفعال أصحاب ذلك أفعال الأصحاء بلا خلاف. أهـ، قال عبد الباقي: " وفي المدونة، كون المفلوج والأبرص والأجذم وذي القروح من الخفيف ما لم يقعده ويضنه، فإن أقعده وأضناه وبلغ به حد الخوف عليه، فله حكم المرض المخوف " (٢). ويرجع في معرفة كون التغير مخوفا إلى الأطباء العارفين بالإمراض (٣). القول الثاني: إن صار صاحبها صاحب فراش فهي مخوفة، وإن لم يصر صاحب فراش فعطاياه كصحيح (٤). وهو مذهب الحنابلة. الأدلة: وحجة الجمهور: ١ - عموم أدلة الهبة، وهذا يشمل المريض مرضاً ممتداً.

стр. 2301

٢ - أن الأصل صحة التبرعات؛ لبقاء الأهلية، إلا لدليل. ٣ - أنه لا يخاف تعجيل الموت فيه، وإن كان لا يبرأ منه فهو كالهرم (١). حجة الحنابلة: أنه مريض صاحب فراش يخشى التلف أشبه صاحب الحمى الدائمة (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- قول جمهور أهل العلم أن صاحب المرض الممتد عطاياه كالصحيح، إلا إن صار مرضه مخوفاً؛ إذ الدليل ورد في المرض المخوف.

стр. 2302

المبحث الخامس: إثبات مرض الموت إذا اختلف الورثة والموهوب له هل مرض الواهب مرضاً مخوفاً لا ينفذ إلا في الثلث فأقل لغير وارث، أو غير مخوف ينفذ من رأس المال مطلقاً، فللعلماء في ذلك تفصيل، تحت ذلك مطالب: المطلب الأول: شروط من يثبت بقوله إن المرض مخوف وفيه مسائل: المسألة الأولى: التكليف. يشترط في الطبيب المعتبر قوله في كون المرض مخوفاً أن يكون مكلفاً -أي بالغاً عاقلاً- باتفاق الفقهاء (١). ودليل ذلك: ١ - أن غير المكلف لا يوثق بقوله. ٢ - أنه لا ينظر لنفسه، فلا ينظر لغيره. المسألة الثانية: التعدد. اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى - في هذه المسألة على قولين:

стр. 2303

القول الأول: أنه يثبت بقول طبيب عارف، والاثنان أولى. وبه قال المالكية (١). وحجته: (٢٨١) ١ - ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عروة بن الزبَير، عن عائشة ﵂: " استأجر النبي ﷺ ، وأبو بكر رجلا من بني الديل، ثم من بني عبد بن عدي هاديا خريتا - الخريت: الماهر بالهداية " (٢). ٢ - أن عمر ﵁ أوصى حين جُرح فسقاه الطبيب لبناً فخرج من جرحه، فقال له الطبيب: اعهد إلى الناس، فعهد إليهم ووصى، فاتفق الصحابة على قبول عهده ووصيته. وكذلك أبو بكر ﵁ عهد إلى عمر حين اشتد مرضه، فنفذ عهده. (٢٨٢) فقد روى البخاري من طريق عمرو بن ميمون قال: " رَأَيْتُ عُمَرَ بن الخطاب ﵁ فما هو إلا أن كبَّر فسمعته يقول: " قتلنِي -أو أكلني - الكلب حين طعنه، وأُتى بِنَبِيذ فشربه فخرج من جوفه، ثُمَّ أُتى بلبن فشربه فخرج من جُرحه، فَعَلِمُوا أنَّه مَيِّتٌ، وقال: يا عبد الله بن عمر انظر ما عَلَىَّ من الدين، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين استخلف. قال: ما أجد أحقَّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين تُوُفِّى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض " (٣). ٣ - أن هذا من قبيل الخبر فيكتفى فيه بالواحد. القول الثاني: أنه لا بد من قول طبيبين.

стр. 2304

وبه قال الشافعية، والحنابلة (١). وقياس قول الخرقي: إذا لم يقدر على طبيبين يكتفى بطبيب واحد. وحجته: إلحاقه بالشهادة، ولتعلق حق الورثة بالمال. والراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله. المسألة الثالثة: الإسلام. اختلف العلماء في اشتراط إسلام الطبيب على قولين: القول الأول: أنه لا يشترط إذا تعذر المسلم. وبه قال المالكية (٢). وحجته: ما تقدم من الدليل في المسألة الأولى. القول الثاني: أنه يشترط الإسلام. وهو قول الشافعية، والحنابلة (٣). وحجته: أنه يشترط العدالة، وغير المسلم ليس عدلاً. ونوقش: بعدم التسليم، كما سيأتي. وعليه يترجح القول الأول. المسألة الرابعة: العدالة. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا تشترط العدالة إذا تعذر العدل. وبه قال المالكية (٤).

стр. 2305

وحجته: أن هذا من قبيل الخبر، والخبر لا تشترط فيه العدالة. القول الثاني: أنه تشترط العدالة. وبه قال الشافعية، والحنابلة (١). وحجته: إلحاقه بالشهادة. ونوقش: بعدم التسليم، كما سبق. والذي يظهر -والله أعلم- أنه لا تشترط العدالة، وإنما تشترط الأمانة؛ لأن الأمانة هي التي اشترطها الله في العمل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾ (٣). المسألة الخامسة: الذكورة. واختلف العلماء في اشتراط الذكورة على قولين: القول الأول: أنها لا تشترط. وبه قال المالكية (٤). وحجته: كما سبق في المسألة السابقة. (٢٨٣) ولما روى البخاري ومسلم من طريق ابن جريج قال: سمعت ابن أبي مليكة، قال: حدثني عقبة بن الحارث، أو سمعته منه أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، قال: فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت

стр. 2306

ذلك للنبي ﷺ ، فأعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له، قال: «وكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما» فنهاه عنها (١). القول الثاني: أنها تشترط. وبه قال الشافعية، والحنابلة (٢). لكن عند الشافعية: إن كان المرض علة باطنة بامرأة فتقبل فيه شهادة النساء. وحجته: كما في المسألة السابقة. والراجح: عدم الاشتراط. وسبب الخلاف في المسائل السابقة: تردد خبر الطبيب بين الشهادة والرواية، فهو من حيث كونه حكماً لشخص على آخر شهادة، ومن حيث كونه خبرًا عن مرض فهو رواية. المسألة السادسة: الخبرة. وهذا متفق عليه بين الفقهاء، فيشترط أن يكون الطبيب ذا معرفة بمهنته. ودليل هذا: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾ (٤). وإن اختلف الأطباء في كونه مخوفاً، أو غير مخوف، أخذ برأي الأعلم صاحب الاختصاص، فإن كانوا سواء أخذ برأي الأكثر، وإن استووا في الخبرة والعدد أخذ برأي من يقول إنه مخوف؛ لأنه علم ما لم يعلمه الآخر.

стр. 2307

المطلب الثاني: الخلاف في وقوع الهبة حال الصحة أو المرض وفيه مسائل: المسألة الأولى: إذا خلت دعوى كل منهما عن البينة. فاختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: القول قول مدعي صدورها في المرض. وبه قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣). وحجته: (٢٨٤) ١ - ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن

стр. 2308

ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه " (١). ٢ - أن حال المرض أدنى من حال الصحة، فما لم يتيقن حال الصحة يحمل على الأدنى. ٣ - ولأن هذه التصرفات من الصفات العارضة، فهي حادثة، والحادث يضاف إلى أقرب وقت من الحكم الذي يترتب عليه، والأقرب هنا هو المرض المتأخر زمانه عن زمان الصحة، فكان القول قول من يدعي حدوثها في المرض؛ إذ هو الأصل. وإذا أراد مدعي الصحة استحلاف مدعي المرض كان له ذلك. ٤ - أن الأصل الصحة، والمرض طارئ، والقول قول مدعي الأصل. ٥ - أن الأصل في العقود الصحة فتحمل على ذلك. القول الثاني: أن القول قول مدعي صدورها في الصحة. وهو قول الشافعية (٢). وحجته: لأن الأصل في التصرف السابق من المتوفى أن يعتبر صادرا في حال صحته، وعلى من يتمسك بصدوره في مرض الموت يقع عبء الإثبات. المسألة الثانية: إذا اقترنت دعوى كل منهما بالبينة. إذا اختلف شخصان في هبة المريض هل هو في حال الصحة أو المرض، ولكل بينه فللعلماء في ذلك قولان:

стр. 2309

القول الأول: ترجح بينة وقوعها في حال الصحة على بينة وقوعها في المرض. وهو قول الحنفية (١). وحجته: ١ - أن الأصل اعتبار حالة المرض؛ لأنه حادث، والأصل إضافة الحادث إلى أقرب وقت من الحكم الذي يترتب عليه، والأقرب هو المرض المتأخر زمانه عن الصحة، فلهذا كانت البينة الراجحة بينة من يدعي حدوثها في زمان الصحة؛ إذ البينات شرعت لإثبات خلاف الأصل (٢). جاء في المادة (١٧٦٦) من المجلة: " ترجح بينة الصحة على بينة المرض، مثلا: إذا وهب أحد ورثته ثم مات، وادعى باقي الورثة أنه وهبه في مرض موته، وادعى الموهوب له أنه وهبه في حال صحته، ترجح بينة الموهوب له". القول الثاني: ترجح بينة وقوعها في مرضه على بينة وقوعها في صحته. وهو قول الشافعية (٣).

стр. 2310

وحجته: ١ - أن الأصل عدم الغرم. ٢ - أنها ناقلة عن الأصل، وأنها علمت ما لم تعلمه بينة الصحة. القول الثالث: أنه ينظر إلى أعدل البينتين، فإن استوتا في العدالة سقطتا. وبه قال بعض المالكية (١). وحجته: أن زيادة العدالة مرجح، ومع التساوي ينتفي هذا المرجح. وسبب الخلاف: تعارض المرجحات، فبينة الصحة يرجحها موافقتها للأصل والغالب، وبينة المرض يرجحها أنها ناقلة عن الأصل، وأنها علمت ما لم تعلمه بينة الصحة، فمن رجح بينة الصحة غلب الترجيح بموافقة الأصل، ومن رجح بينة المرض غلب الترجيح بالنقل عن الأصل، ومن قال بسقوطهما معاً رأى تعادلهما في العدالة والمرجحات فتسقطان، ولهذا إذا كانت إحداهما أعدل فإنها تقدم. المسألة الثالثة: إذا اقترنت دعوى إحداهما بالبينة دون الآخر. فلا خلاف بين الفقهاء في هذه الحالة في تقديم قول المدعي صاحب البينة على قول الآخر الذي خلت دعواه عن البينة، سواء أقام صاحب البينة بينة على صدور التصرف في الصحة أو في المرض. (٢٨٥) لما روى البخاري ومسلم من طريق أبي وائل، عن الأشعث بن قيس: كان بيني وبين رجل خصومة، فاختصما إلى رسول الله ﷺ فقال: " شاهداك، أو يمينه " (٢).

стр. 2311

الباب السابع: الإبراء من الدين وفيه فصلان: الفصل الأول: معنى الإبراء من الدين، وبيان صيغه، وأقسامه. الفصل الثاني: شروط صحته، وبيان أثره.

стр. 2312

الفصل الأول: تعريف الإبراء، وبيان صيغه، وأقسامه وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريفه، وبيان صيغته المبحث الثاني: في بيان أقسام الإبراء بالنظر إلى صيغته.

стр. 2313

المبحث الأول: تعريفه، وبيان صيغته وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعريفه في اللغة. يطلق الإبراء لغة ويراد منه عدة معان: منها التنزه عن شيء ما، والتباعد عنه، كما يراد منه النقاهة من المرض، والتخلص من الدين وهو ما يخص موضوعنا (١). المسألة الثانية: تعريفه في الاصطلاح. واصطلاحاً: الإبراء والإسقاط: إسقاط دينه عن ذمة مدينه، وتفريغها منه (٢). المسألة الثالثة: صيغ الإبراء: تنقسم الصيغ المستعملة في الإبراء إلى قسمين: القسم الأول: صيغ إسقاط. والقسم الثاني: صيغ تمليك. أما صيغ الإسقاط فكثيرة منها: أبرأت، وأسقطت، وعفوت، وحططت، وتركت، ووضعت، ونحوها. وأما صيغ التمليك فنحو: ملكتك، ووهبتك، وأعطيتك، ونحوها.

стр. 2314

أما الإبراء بالألفاظ الدالة على الإسقاط فهي حقيقة فيه، وتدل عليه ويصح فيها الإبراء باتفاق الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة ﵏. وأما الإبراء بألفاظ التمليك، فاختلف العلماء في صحة الإبراء بها على قولين: القول الأول: صحة الإبراء بها. وهو قول جمهور أهل العلم (١). القول الثاني: عدم صحة الإبراء بألفاظ التمليك، كالهبة، والعطية، ونحوها. وهو قول الظاهرية (٢). الأدلة: أدلة الرأي الأول: استدل الجمهور بصحة الإبراء بألفاظ التمليك بما يلي: ١ - قال تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (٣). وجه الدلالة: أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ معناه إبراء القاتل من الدية؛ لأن المراد بالصدقة الإبراء، وعليه فمجيء لفظ الصدقة التي هي من ألفاظ التمليك مرادا به الإبراء دليل على أن الإبراء يصح بألفاظ التمليك كما يصح بألفاظ الإبراء. ٢ - أن الشريعة تتشوف إلى براءة الذمم، وعدم إشغالها، ومنع ذلك إلا بلفظ معين يضيق دائرة العفو، والتسامح، والمعروف بين الناس.

стр. 2315

واستدل الظاهرية: بأن ألفاظ التمليك تقتضي وجود معين معلوم مكانه، والدين غير موجود، ولا معلوم المكان. ونوقش هذا الاستدلال: بأن المقصود هو المعنى، وهو إسقاط الدين، فلا يؤثر اختلاف اللفظ. والذي يترجح لي: صحة الإبراء بألفاظ التمليك؛ لقوة دليله ومناقشة دليل القول الآخر، والله أعلم.
следующие страницы →