← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (١). (٧٠) ٤ - قال البخاري: وقال الأعمش: عن تميم، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، فأنزل الله تعالى على النبي ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٢) (٣). وجه الدلالة من هذه الأدلة: أنَّ وجود الغضب في هذه الحوادث لم يمنع من اعتبار الأحكام بها، فدلَّ على مؤاخذة الغضبان، فإذا نَفَذَت أحكامُه نَفَذَت سائرُ أقواله، ومنها الوقف (٤). ونوقش: بأنَّ الغضب المتحقِّق في هذه الحوادث هو المتفق عليه بين الفقهاء ﵏ على نفاذه واعتبار أحكامه (٥). (٧١) ٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁ قال: كَتَبَ أبي وكتبت له إلى عبيد الله بن أبي بكرة وهو قاضٍ بسجستان (٦) أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحكم أحدٌ بين اثنين وهو غضبان " (٧).

стр. 282

وجه الدلالة: أنَّ نهي النبيِّ ﷺ للقاضي عن الحكم بين الخصمين وهو غضبان دليل على نفاذ حُكمه، لذلك ورَدَ النَّهيُ خشية أن يُخرجه غضبُه عن سداد النظر وعدالة القضاء فيقضي بغير الحق، فيهلك ويُهلك غيره (١). ونوقش: بأنَّ النَّهيَ يقتضي فساد القضاء، فإذا لم يصح قضاؤه في الغضب، فلا اعتبار لحكمه (٢). وأجُيب: بأنَّ النهي لا يقتضي الفساد مطلقاً، فقد ورد النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة، والبيع بعد النِّداء الثاني من يوم الجمعة مع صحَّة الصلاة والبيع، فالنهي إمَّا للتحريم أو للكراهة، لتفويت فضيلة أو دفع مضرَّة، أو للاحتياط؛ كالنَّهي عن القضاء حال الغَضَب، وإلاَّ فالقضاء صحيح، فقد قضى ﷺ في شراج الحرَّة مع غضبه في تلك الحالة (٣)، فدلَّ على نفوذ الأحكام في الغضب (٤). ورُدَّ عليه: بعدم التسليم بأنَّ النَّهيَ لا يقتضي الفساد إلاَّ ما قامَ الدَّليلُ على عدم اقتضائِهِ لذلك؛ لوجود قرينة تصرفه عن معناه الحقيقي، ففي هذه الحالة يُخصَّص النَّهي حسب ما اقتضاه الدَّليل (٥). (٧٢) ٦ - ما رواه البخاري من طريق أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصِني، قال: "لا تغضَب" فردَّدَ مراراً قال: "لا تغضَب" (٦).

стр. 283

وجه الدلالة: أنَّ وصيَّة النبي ﷺ للرجل بعدم الغضب، وتأكيده ذلك، دليل على مؤاخذة الإنسان على نتائج غَضَبه، وإلا لما أوجز الرسول ﷺ سؤال السَّائل بهذه الكلمة دون غيرها (١). يُمكن أن يُناقش من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بأنَّ النَّهي عن الغضب دليل على مؤاخذة صاحبه، وإنما لاعتبار الغضب جماع الشَّر؛ إذ إنه للأخلاق بمنزلة القلب للجَسَد، فاستُحبَّ التَّحرُّزُ منه. الوجه الثاني: لو سُلِّم جَدَلاً بمؤاخذة العبد على غَضَبه، فإنَّ هذا خاص بالغضب المُتَّفق على مؤاخذة صاحبه عليه (٢). ٧ - عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " .. لا تدعوا على أولادِكم، ولا تدعوا على أموالِكم، ولا تدعوا على خَدَمِكم، لا توافقوا من الله ساعةً لا يُسأل فيها شيئاً إلاَّ أعطاه " (٣). (٧٤) ٨ - ما رواه مسلم من طريق أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: "خذوا ما عليها ودَعوها فإنها ملعونة". قال عمران: فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحد (٤). وجه الدلالة من الدليلين: أنَّ نهي النبي ﷺ عن الدعاء في الحديث

стр. 284

الأول، وهجرِه للناقة الملعونة، دليلٌ على إجابة الدُّعاء وقت الغضب؛ إذ إنَّ الدُّعاء لا يصدُرُ في الغالب إلاَّ في حالة الغضب، فإذا أوخذ الغضبان على دعائه حُوسِبَ على طلاقه (١) ووقفه، ونحو ذلك. ونوقش: بعدم التسليم بأنَّ الدُّعاء لا يصدُر إلاَّ في حالة الغضب، وأنَّ هجر النبي ﷺ دليل إجابة الدُّعاء؛ إذ إنَّ الدُّعاء يندر في حالة الغَضَب وعَدَمِه، وعلى ذلك هَجَر النبي ﷺ النَّاقة الملعونة من باب التأديب والتربية لصحابته ﵃ بالترفُّع عن ما حرم من الأقوال، وخاصَّة ما عَظُمَ منها كاللَّعن (٢). (٧٥) ٩ - ما رواه الدارقطني من طريق سيف، عن مجاهد قال: جاء رجل من قريش إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس إني طلَّقت امرأتي ثلاثاً وأنا غضبان، فقال ابن عباس ﵄: " لا أستطيع أن أُحِلَّ لك ما حرَّم اللهُ عليك، عصيتَ ربَّك وحَرُمَت عليك امرأتك " (٣).

стр. 285

وجه الدلالة: أنَّ إمضاء ابن عباس ﵄ لطلاق الرجل بالرغم من صدوره في حالة الغضب دليل على صحَّة طلاق الغضبان (١)، وكذا وقفه. ونوقش: بأنَّه مع التسليم بصحَّة الأثر بلفظه، فإنَّ المراد به الغضب المُتَّفق على وقوعه. ١٠ - الإجماع على أنه لم يقُل أحدٌ بالتصريح بعدم الوقوع، فالقول بخلافه يُعدُّ خرقاً للإجماع (٢). ونوقش: بأنَّ القول بالإجماع مردود، فالمسألة محلُّ خلاف بين العلماء. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول القائل بعدم صحة الوقف في حالة الغَضَب الشَّديد الذي يفقد الإنسان سيطرته على نفسه ولا يستطيع إمساكها مع بقاء عقله؛ وذلك لقوَّة دليلهم، ومناقشة دليل القول الثاني، ولأنَّ الأصلَ براءةُ الذِّمَّة من الواقف، وبقاء الملك. الأمر السابع: وقف النائم، والمغمى عليه: النائم والمغمى عليه لا يصح وقفهما باتفاق الأئمة الأربعة. لما تقدم من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " رفع القلم عن ثلاثة: .. وعن النائم حتى يستيقظ .. " (٣)، والمغمى عليه ملحق بالنائم (٤).

стр. 286

المسألة الثالثة: وقف الرقيق (١): وفيها أمور: الأمر الأول: أن يكون مأذوناً له بالوقف من قبل السيِّد، فيصحُّ وقفه، وإن لم يُؤذن له بالتِّجارة؛ لأنَّه نائب عن سيِّده. الأمر الثاني: أن يكون مبعضاً، فيصح الوقف بقدر ما فيه من الحرية؛ إذ يملك بقدر ما فيه من الحرية. الأمر الثالث: أن يكون غير مأذون له، ولا مبعض، فلا يصح وقفه إلا بإذن سيده باتفاق الأئمة الأربعة (٢)؛ لأنه محجور عليه لحظ سيده. جاء في الشرح الكبير: " فأما العبد، فلا يجوز أن يهب إلا بإذن سيده؛ لأنه مال لسيده، وماله مال لسيده، فلا يجوز إزالة ملك سيده عنه بغير إذنه كالأجنبي " والوقف كالهبة بجامع التبرع. الأمر الرابع: وقف المكاتب. لا يصح وقف المكاتب؛ إذ هو رقيق، وعليه أكثر أهل العلم. وعند الظاهرية: يصح وقف الرقيق بناءً على أنه يملك ما يؤول إليه من تبرع (٣)، وسيأتي تحرير هذه المسألة (٤). قال ابن حزم: " العبد في جواز صدقته، وهبته، وبيعه، وشرائه كالحر" (٥).

стр. 287

وقال أيضا: " مال العبد له، وليس لسيده " (١). والدليل على عدم صحة وقف الرقيق ما يلي: (٧٦) ١ - ما رواه الإمام أحمد من طريق جابر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: " المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم" (٢). (لا بأس به).

стр. 288

٢ - ورود ذلك عن الصحابة ﵃: عمر، وعثمان، وزيد بن ثابت وعائشة ﵃. (٧٧) ما رواه الطحاوي من طريق معبد الجهني، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (١). (٧٨) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم، عن عثمان ﵁ قال: " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (٢) (منقطع).

стр. 289

(٧٩) ما رواه الإمام مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: "المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء " (١). (٨٠) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال: زيد بن ثابت ﵁: " المكاتب عبد ما بقي عليه درهم " (٢).

стр. 290

(٨١) ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا حفص بن غياث، عن عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار قال: استأذنت على عائشة فقالت: سليمان فقلت: سليمان، فقالت: أريت ما بقي من كتابتك وقاطعت عليها، قال: قلت: نعم إلا شيئاً يسيراً، قالت: "ادخل فإنك عبد ما بقي عليك شيء " (١). ٣ - أنه عبدٌ يجوز بيعه، فلم يصح وقفه (٢).

стр. 291

٤ - أن الرق في المكاتب كامل، فلم ينتقص بما أدَّى، فكان الرق باقياً من كل وجه، ولهذا تقبل كتابته الفسخ بخلاف المدبّر وأم الولد.

стр. 292

المسألة الرابعة: وقف السفيه (١): باتفاق العلماء صحة وقف البالغ الرشيد، واختلف العلماء ﵏ في حكم وقف السفيه على قولين: القول الأول: عدم صحة وقف السفيه. بهذا قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢)، وهو مذهب

стр. 293

المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). لكن عند أبي يوسف: يصح وقفه ما لم يحجر عليه القاضي. وعند المالكية، والشافعية، والحنابلة: إن بلغ سفيهاً استمر الحجر عليه، وإن رشد ثم سفه حجر عليه القاضي. وعند الجمهور: لا يصح وقفه مطلقاً. واستثنى بعض الحنفية: صحة وقف السفيه إذا وقف على نفسه، ثم على جهة لا تنقطع (٤). واستثنى آخرون: أنه يصح وقفه بإذن القاضي على ولده (٥). القول الثاني: صحة وقف السفيه، وبه قال الإمام أبو حنيفة رحمة الله. جاء في بدائع الصنائع (٦): " أما السفيه فعند أبي حنيفة -عليه الرحمة - ليس بمحجور عن التصرفات أصلا، وحاله وحال الرشيد في التصرفات سواء .... " (٧).

стр. 294

الأدلة: استدل جمهور الفقهاء بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله علق دفع أموال اليتامى إليهم على شرطين -هما البلوغ والرشد- والحكم المعلق على شرطين لا يثبت بدونهما (٢)، فدلت على أن البالغ السفيه لا يدفع إليه ماله، بل يمنع من التصرف فيه حتى يرشد، ومن ذلك الوقف (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الآية تدل على منع المال من اليتيم إلى أن يؤنس منه الرشد بعد البلوغ، وليس في الآية ما يدل على الحجر عليه عن التصرف (٤). وأجيب عن هذه المناقشة: بأن منع المال منه لا يفيد شيئاً إذا كان تصرفه نافذاً؛ لأنه يتلف ماله بنفوذ تصرفه وإقراره، ثم لو كان تصرفه نافذاً لسلم إليه ماله كالرشيد، فإنه إنما يمنع ماله حفظاً له، فإذا لم يتحفظ بالمنع وجب تسليمه إليه بحكم الأصل (٥).

стр. 295

٢ - قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله جل وعلا أثبت الولاية على السفيه، وجعله مسلوب العبارة في الإقرار، وذلك لا يتصور إلا بالحجر عليه (٢). ونوقش الاستدلال بالآية من وجهين: الوجه الأول: أن صدر الآية وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣) يقتضي أنَّ السفيهَ يداين ويعامل، وهو مقتضٍ لنفاذ تصرفه وعدم الحجر عليه، فتكون الآية دليلاً على المستدل لا له (٤). الثاني: أن المراد بالسفيه في الآية هو المجنون والصبي، وعلى هذا كثير من أهل التأويل، لأن السفه انعدام العقل أو نقصانه (٥). وأجيب عن الوجه الأول من المناقشة: بأن الاستثناء في الآية أخرج السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل عن المداينة، وقد جمعهم الله ﵎ بحرف العطف، والعطف يقتضي التسوية، فاقتضى اشتراكهم في الحكم (٦) كما يقتضي كون العطف بـ (أو) المغايرة في المعنى (٧). وأجيب عن الوجه الثاني: بعدم التسليم بأن المراد بالسفيه: الصبي

стр. 296

والمجنون؛ لأنَّ السَّفَهَ يقابلُهُ الرُّشد، وليس البلوغ والعقل، فالبلوغ يقابل بالصبي، والعقل يقابل بالجنون، وعليه يراد بالسفيه في الآية: من ليس برشيد (١). وقالوا أيضا: لأنَّ السَّفهَ اسم ذم، ولا يذم الإنسان على ما لم يكتسبه، والقلم مرفوع عن غير البالغ العاقل، فالذم والحرج منفيان عنهما (٢). ٣ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٣). وجه الدلالة: أن المراد بقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أي: أموالهم فأضاف الأموال إلى الأولياء -مع كونها للسفهاء-؛ لأنهم القوامون عليها والمتصرفون فيها، فكانت الآية نصا في إثبات الحجر على السفيه والنظر له، فإن الولي هو الذي يباشر التصرف في مال السفيه على وجه النظر له (٤). والدليل على أنه خطاب للأولياء في أموال اليتامى: قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ (٥). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن المراد بالسفهاء في الآية الصبيان، أو المجانين (٦). الثاني: أن المراد نهي الأزواج عن دفع المال إلى النساء وجعل التصرف

стр. 297

إليهن كما كانت العرب تفعله بدليل أنه قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ وذلك يتناولوا أموال المخاطبين بهذا النهي لا أموال السفهاء (١). وأجيب عن الوجه الأول: بما تقدم من أنَّ السَّفَهَ يقابله الرشد لا البلوغ والعقل (٢). وأيضا يقال: على فرض إرادة الصبيان والمجانين في الآية، فإن لفظ السفهاء عام في كل سفيه، فيدخل فيه الصبيان والمجانين، وغيرهم من السفهاء. يقول الطبري: "والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه عم بقوله: ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فلم يخصص سفيهاً دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهاً ماله صبيَّاً صغيراً كان أو رجلاً كبيراً ذكراً كان أو أنثى". والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله هو المستحق الحجر بتضييعه ماله وفساده وإفساده، وسوء تدبيره ذلك (٣). أما الجواب عن الوجه الثاني: فيقول الطبري ﵀: " وأما قول من قال: عنى بالسفهاء النساء خاصة، فإنه جعل اللغة على غير وجهها؛ وذلك أن العرب لا تكاد تجمع فعيلا على فعلاء إلا في جمع الذكور، أو الذكور والإناث، وأما إذا أرادوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهم، جمعوه على فعائل، وفعيلات، مثل غريبة تجمع: غرائب، غريبات، فأما الغرباء فجمع غريب " (٤).

стр. 298

وأما قوله تعالى: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ فتقدم في وجه الدلالة من الآية، وجه كون المراد به أموال السفهاء. وعلى فرض أن المراد بقوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أي أموال المخاطبين، فإن الآية لا تخرج عن أن تكون دليلاً للحجر على السفهاء، لأنهم يكونون محجوراً عليهم في أموال المخاطبين، فلا تُدفع إليهم؛ لأنهم لا يحسنون التصرف بها. (٨٢) ٤ - ما رواه البيهقي من طريق أحمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن الفضل البلخي، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: "خذوا على أيدي سفهائكم" (١) (٢). ٥ - إقرار النبي ﷺ لقرابة حبان بن منقذ على طلبهم الحجر عليه (٣). ولو كان الحجر على السفيه غير سائغ لما طلبوه، ولما أقرهم النبي ﷺ على طلبهم، بل إنه دعا حبان وطلب منه الامتناع عن البيع.

стр. 299

وأما عدم حجر النبي ﷺ عليه، فلا يبطل إقراره ﵊، ودلالته على مشروعية الحجر؛ لأنه يرد عليه عدة احتمالات منها: احتمال الخصوصية (١) (٢). (٨٣) ٦ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عمرو بن دينار، عن جابر ﵄ أنَّ رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دبر ولم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: "من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمئة درهم فدفعها إليه " (٣). وجه الاستدلال: ردَّ النبيُّ ﷺ عتق من أعتق عبداً له عن دبر، ولا مال له غيره، كما أشار إلى ذلك البخاري وترجم عليه: " باب من رد أمر السفيه والضعيف العقل وإن لم يكن حجر عليه الإمام " (٤). (٨٤) ٧ - ما رواه الإمام مالك: عن عمر بن عبد الرحمن بن دلاف المزني، عن أبيه: أنَّ رجلاً من جهينة كان يسبق الحاج، فيشتري الرواحل فيغلي بها، ثم يسرع السير فيسبق الحاج فأفلس فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب، فقال: " أما بعد: أيها الناس فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج، ألا وإنه قد دان معرضا فأصبح قد دين به، فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم، وإياكم والدين فإن أوَّلَه هَمٌّ، وآخره حرب" (٥).

стр. 300

(٨٥) ما رواه الشافعي من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ابتاع عبد الله بن جعفر بيعاً، فقال علي ﵁: " لآتينَّ عثمان فلأحجرنَّ عليك، فأعلم ذلك ابن جعفر للزبير فقال: أنا شريكك في

стр. 301

بيعك، فأتى علي عثمان فقال: احجر على هذا، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان: أحجر على رجل شريكه الزبير؟ " (١).

стр. 302

وجه الدلالة: فعلي سأل عثمان الحجر على عبد الله، فدل على أنهما يريانه. ونوقش: بأنه دليل لهم؛ لأنَّ عثمان ﵁ امتنع عن الحجر على عبد الله مع سؤال علي ﵁ له مما يدل على عدم جوازه، وسؤال علي لعثمان ﵄ لم يكن إلا على سبيل التخويف والتهديد (١). وأُجيب عن هذه المناقشة: بأن عبد الله بن جعفر والزبير لما اقتسما الغبن، صار نصيب كل واحد مما يغبن الرشيد في مثله عادة (٢). ٩ - القياس على الصبي، حيث إن السفيه مبذر في ماله، فيحجر عليه لحظ نفسه كالصبي بل أولى؛ لأن الصبي إنما يحجر عليه لتوهم التبذير واحتمال وجوده منه، وهو متحقق الوجود في السفيه، فكان أولى بالحجر عليه منه (٣).

стр. 303

ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياسٌ مع الفارق، فلا يصح؛ لأن الصبي عاجز عن النظر لنفسه والسفيه قادر عليه لكمال عقله، فلا يصح قياس القادر على العاجز، قالوا: وأما جري السفيه على خلاف العقل فهو لسوء اختياره لا لعجزه (١). وأجيب: بأن عجز الصبي عن النظر لنفسه وسوء اختيار السفيه كليهما سبب في جري تصرفهما على خلاف ما يقضيه العقل والشرع، فساغ قياس أحدهما على الآخر لتحقق الوصف المقتضي للحكم في المقيس. وحجة من قال: بجواز وقف السفيه على نفسه: قياسه على الوصية؛ إذ تصح منه، بجامع عدم الضرر في كل منهما، بل فيه مصلحة، وهي المحافظة على ماله لنفسه، وهو تثبيت المال. وحجة من قال: يصح وقف السفيه بحكم القاضي: أن حكم القاضي يرفع الخلاف. أدلة الرأي الثاني: (الجواز) ١ - قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الآيتين نص في وجوب دفع مال اليتيم إليه بعد البلوغ (٤)، فالمراد باليتامى في الآية الأولى: البالغون، وسموا يتامى لقرب عهدهم به (٥).

стр. 304

ومعنى الآية الثانية: النهي عن أكل أموال اليتامى مخافة أن يكبروا، فلا يبقى لهم عليهم ولاية، ويلزمهم دفع أموالهم إليهم، والتنصيص على زوال الولاية عن اليتامى بعد الكبر يكون تنصيصا على زوال الحجر عنهم بالكبر (١). ونوقش الاستدلال بالآيتين: بالتسليم بدلالتهما على وجوب دفع المال إلى اليتيم بعد البلوغ؛ غير أنهما مخصوصتان بآية النساء التي استدل بها الجمهور، والتي تدل على اشتراط الرشد مع البلوغ. وأيضا هما مخصوصتان بما قبل الخمس والعشرين سنة لعلة السفه، وهو موجود بعد الخمس والعشرين فيجب أن تخصا به، كما أنهما مخصوصتان بالبالغ المجنون، فإنه يحجر عليه لأجل جنونه قبل الخمس والعشرين وبعده، فكذلك السفيه لورود ما يخصصه (٢). ٣ - آيات الكفارات من الظهار والقتل وغيرهما، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٤). ففي عموماتها بيان أن هذه الكفارات تجب على كل من يتحقق منه أسبابها شرعا، سفيها كان أو غير سفيه، وارتكاب هذه الأسباب اختيارا نوع من السفه، فدل على أنه مع السفه يتصور منه السبب الموجب لاستحقاق المال، ومن ضرورته أن لا يمنع من أداء ما لزمه شرعا، وبه يتبين أنَّ الحجر

стр. 305

عن التصرفات ليس منه كثير فائدة؛ لتمكنه من إتلاف جميع ماله بهذه الأسباب (١). ونوقش: بأنَّ عمومَ الآيات مخصوص بالصغير والمجنون، فيخص أيضا بالسفيه؛ للأدلة الدالة على الحجر عليه، على أن ما ذكروه من تمكن السفيه من إتلاف جميع ماله بهذه الأسباب - مجرد احتمال، فمن الذي يأتي على كل ماله بالظهار أو القتل الخطأ، فإن هو فعل ذلك مرة فالكفارة مؤدبة له ألا يفعل ذلك مرة أخرى (٢). ٤ - أن السفيه حر مخاطب عاقل، فيكون مطلق التصرف في ماله كالرشيد؛ لأن كونه مخاطباً يثبت له أهلية التصرف، فإن التصرف كلام ملزم، والمحلية تثبت بكونه خالص ملكه، والملكية تثبت بالحرية، وبعدما صدر التصرف من أهله في محله لا يمنع نفوذه إلا لمانع، والسفه لا يصلح أن يكون مانعا لنفوذ التصرف؛ لأنه بسبب السفه لا يظهر نقصان عقله، ولكن السفيه يكابر عقله ويتابع هواه في التبذير مع علمه بقبحه وفساد عاقبته. وهذا لا يكون معارضا في حق التصرف، كما لا يكون معارضا في توجه الخطاب عليه بحقوق الشرع (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس في مقابلة النصوص التي تدل على الحجر على السفيه، والقياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار. وأيضا: فإن العلة غير متحققة في الفرع، فإن علته في الأصل كونه مخاطبا بالغاً رشيداً، فالرشد جزء علة، ولم يوجد في السفيه (٤).

стр. 306

٥ - أن الحجر على السفيه وإبطال تصرفاته فيه ضرر عليه أشد من ضرر التبذير؛ لأن في حجره إلحاقه بالبهائم، وإهدار آدميته وهو أشد ضررا من التبذير، ولا يتحمل الأعلى لدفع الأدنى (١). ونوقش هذا الدليل: بعدم التسليم بأن الحجر على السفيه يقتضي إهدار كرامته وآدميته، فملكيته للمال محفوظة، غاية ما في الأمر أن يعين له ولي يرشده إلى التصرف الصحيح في المال، وفي هذا مصلحة للسفيه ومنعة له؛ إذ لو ترك وشأنه لبذر ماله وضيعه، وقضى عليه في وقت قصير، فيبقى بعد فقيراً عالة على الناس. الترجيح: ترجح لي -والله أعلم بالصواب- القول بعدم صحة هبة السفيه؛ وذلك لأن السفيه محجور عليه لمصلحته ومنفعته، وليس من المصلحة تصحيح هبته، لضرره، ومن المصالح الضرورية التي اتفقت عليها الشرائع حفظ المال، وما استثناه الحنفية من صحة الوقف على نفسه له وجه.

стр. 307

المطلب الثاني: الشرط الثاني: أن لا يكون الواقف مديناً وفيه مسألتان: المسألة الأولى: وقف المفلس: وفيها أمور: الأمر الأول: تعريف المفلس: تعريف المفلس في اللغة: المفلس مأخوذ من الفلس، وهو: شيء تافه من المال، قليل القيمة، وجمعه فلوس. قال ابن فارس: " الفلس، معروف، والجمع فلوس، يقولون: أفلس الرجل، معناه صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم " (١). وقال الجوهري: " وقد أفلس الرجل: صار مفلسا، كأنما صارت دراهمه فلوساً وزيوفاً .... ويجوز أن يراد به أنه صار إلى حال يقال فيها: ليس معه فلس .. وقد فلسه القاضي تفليسا: نادى عليه أنه مفلس " (٢). فالمفلس في اللغة هو: من لا مال له إلا الفلوس التي هي أدنى أنواع

стр. 308

المال قيمة، فهو معدوم لا مال له ولا ما يدفع به حاجته (١)، يدل على هذا المعنى. (٨٦) ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " أتدرون من المفلس؟ "، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ....... الحديث (٢). تعريف المفلس اصطلاحا: المفلس في اصطلاح الفقهاء: هو من عليه ديون حالة أكثر من ماله (٣). الأمر الثاني: حكم وقف المفلس: اختلف الفقهاء في صحة وقف المفلس إذا حجر عليه القاضي (٤) على قولين: القول الأول: عدم صحة وقف المفلس. وهذا قول الصاحبين من الحنفية (٥)، والمالكية (٦)، والشافعية (٧)، والحنابلة (٨).

стр. 309

القول الثاني: صحة وقف المفلس. وهو قول أبي حنيفة، وزفر (١). الأدلة: أدلة الرأي الأول: (٨٧) ١ - ما رواه الدارقطني من طريق أبي إسحاق إبراهيم بن معاوية بن الفرات، نا هشام بن يوسف، عن معمر، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ " حجر على معاذ ماله، وباعه في دين كان عليه " (٢).

стр. 310

ونوقش هذا الدليل من وجهين: الأول: أنه مرسل. الثاني: أن النبي ﷺ باع مال معاذ بسؤاله هو؛ لأنه لم يكن في ماله وفاء بدينه، فسأل النبي ﷺ أن يتولى بيع ماله لينال ماله بركة رسول الله ﷺ ، فيصير فيه وفاء بديونه. وقالوا: ولا يظن بمعاذ ﵁ أنه كان يأبى أمر رسول الله ﷺ إياه ببيع ماله حتى يبيعه عليه بغير رضاه، فإنه كان سمحا جوادا لا يمنع أحدا شيئا، ولأجله ركبته الديون، فكيف يمتنع من قضاء دينه بماله بعد أمر رسول الله ﷺ (١). وأجيب عن هذه المناقشة: بأنه قد جاء في بعض الروايات التصريح بالتماس غرماء معاذ الحجر عليه (٢)، وبيع ماله من قبل رسول الله ﷺ ، فلا يقال بعد ذلك أن بيع ماله كان بسؤاله هو (٣). ثم إذا كان بيع المال بطلبه هو، فما معنى النص على الحجر عليه في الحديث، وهل يكون الحجر عليه أيضا بطلبه هو؟ هذا لا يمكن. (٨٨) ٢ - ما رواه مسلم من طريق عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها فكثر

стр. 311

دينه، فقال رسول الله ﷺ : " تصدقوا عليه " فتصدق الناس عليه، ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: " خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك " (١) (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يزد على خلع ماله لهم، ولم يحبسه (٣)، وهذا التصرف من النبي ﷺ في مال الرجل لا يتحقق إلا بالحجر عليه، بل إن بيع المال على المدين نوع من الحجر، وعليه فلا يصح وقفه. ٣ - ما رواه الإمام مالك، عن عمر بن عبد الرحمن بن دلاف المزني، عن أبيه: " أنَّ رجلاً من جهينة كان يسبق الحاج، فيشتري الرواحل فيغلي بها، ثم يسرع السير فيسبق الحاج فأفلس فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب، فقال: " أما بعد، أيها الناس فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال سبق الحاج، ألا وإنه قد دان معرضا فأصبح قد دين به، فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة نقسم ماله بينهم، وإياكم والدين، فإن أوَّلَه هَمٌّ، وآخره حرب " (٤) (ضعيف). وجه الدلالة: أن عمر ﵁ قسم مال الرجل بين غرمائه، وهذا لا يكون إلا بعد الحجر عليه. ونوقش: بأن الأثر يحمل على أن مال الأسيفع من جنس الدين، وإن ثبت البيع فإنما هو برضاه، ولم ينقل أن الغرماء طالبوا وإنما ابتدأهم عمر، فدل على أنه برضاه (٥).

стр. 312

وأجيب: أما الدعوى بأن ماله من جنس الدين، فإنها دعوى عارية عن الدليل، فهي تأويل بلا مستند. وأما دعوى أن البيع إن ثبت إنما كان برضاه، فإن سياق الأثر يدل على أن البيع تم بغير رضاه لما رافقها من تأنيب وتشهير، ولا قرينة تدل على أن البيع وقع برضاه (١). وقولهم: إنه لم ينقل أن الغرماء طالبوه بذلك يقال جوابا عليه: أنه جاء في الأثر ما يدل على أن صنيع عمر ﵁ إنما كان بناء على طلب من الغرماء، حيث جاء في الأثر: (فرفع أمره إلى عمر) ولا بد أن يكون الرافع هم الغرماء؛ لأنهم هم الذين يعنيهم الأمر. ٤ - القياس على المريض مرض الموت، حيث ورد النص (٢) بالحجر عليه عن التصرف في ثلثي ماله لحق ورثته. قالوا: فكذلك يحجر على المدين المفلس لحق غرمائه، بل إنه أولى بالحجر عليه (٣). قال ابن القيم: " كالمريض مرض الموت لما تعلق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرع بما زاد على الثلث، فإن في تمكينه من التبرع بماله إبطال حق الورثة منه، وفي تمكين المدين من التبرع إبطال حقوق الغرماء، والشريعة

стр. 313

لا تأتي بمثل هذا فإنها إنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق، وسد الطرق المفضية إلى إضاعتها " (١). (٨٩) وما رواه البخاري من طريق أبي الغيث، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله " (٢)، ولا ريب أن هذا التبرع إتلاف لها، فكيف ينفذ تبرع من دعا رسول الله ﷺ على فاعله؟ (٣). ٥ - أن الحجر كما جاز على السفيه نظرا له، فكذلك يجوز على المدين نظرا للغرماء؛ لأن المدين قد يلحق الضرر بغرمائه بالإقرار والتلجئة، بأن يبيع ماله من إنسان عظيم القدر لا يمكن الانتزاع من يده أو يقر له، وذلك صوريا حتى يسلم له ماله (٤). ونوقش: بأن خوف التلجئة موهوم؛ لأنه احتمال مرجوح فلا تهدر به أهلية الإنسان، ويرتكب البيع بلا تراض (٥). ويمكن الجواب عن هذه المناقشة: بأن احتمال التلجئة واحد من احتمالات كثيرة لتصرف المدين في ماله بما يضر بالغرماء، فذكرها هنا إنما هو تمثيل للتصرفات المضرة بالغرماء إن أطلق له التصرف في ماله مع تعلق حق الغرماء به.

стр. 314

أدلة الرأي الثاني: (صحة وقفه) ١ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١). وجه الدلالة: أن بيع الحاكم مال المدين بغير رضاه تجارة عن غير تراض، فتكون باطلة، وإذا كان بيع المال على المدين نوع حجر كان الحجر باطلا أيضا (٢)، فيجوز وقفه؛ لعدم صحة الحجر عليه. ويمكن مناقشة الاستدلال بالآية: بأنها مخصوصة بالأدلة التي ساقها الجمهور لإثبات مشروعية الحجر على المدين المفلس. وإن كان أبو حنيفة لا يرى التخصيص بالحديث، بل يعتبره ناسخا، والناسخ ينبغي أن يكون في قوة المنسوخ. (٩٠) ٢ - ما رواه البخاري من طريق الزهري قال: حدثني ابن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله ﵄ أخبره أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين، فاشتد الغرماء في حقوقهم، فأتيت النبي ﷺ … فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم النبي ﷺ حائطي وقال: " سنغدو عليك "، فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة فجددتها فقضيتهم، وبقي لنا من ثمرها (٣) (٤). وجه الدلالة: أنه ليس في الحديث ذكر للحجر ولا لبيع مال جابر، فدل على أنه ليس طريقا متعينا للقضاء، وإلا لما عدل عنه رسول الله ﷺ (٥).

стр. 315

ونوقش: أن الحديث ليس فيه دليل على عدم جواز الحجر أو عدم جواز بيع المال جبرا على المدين؛ وذلك لأن الدين -في الحديث- إنما تعلق بشخص -وهو أبو جابر- والحجر لا يكون إلا على حي. (٩١) ٣ - ما رواه النسائي من طريق وبر بن أبي دليلة الطائفي، عن محمد بن ميمون بن مسيكة -وأثنى عليه خيراً- عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: " ليّ (١) الواِجدِ (٢) يحل عِرضهُ وعُقُوبته (٣) " (٤). (ضعيف)

стр. 316

(٩٢) ٤ - وقال البخاري: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته»، قال سفيان: «عرضه» يقول: مطلتني، و «عقوبته» الحبس (١) (٢). وجه الدلالة: دل الحديث على أن المدين إذا امتنع من أداء الدين مع الإمكان، فإنها تحل عقوبته، وعقوبته المتعينة والواجبة هي الحبس؛ لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره (٣). ونوقش الاستدلال بالحديث من وجهين: الوجه الأول: أن الجمهور يقولون به، ويرون أن الحبس وسيلة من وسائل التضييق على المدين ليقضي دينه، إلا أنهم يرون أن هذه الوسيلة غير متعينة، بدلالة الحديث، حيث أرشد إليها بتقرير الحل (يحل عرضه، وعقوبته) لا الإيجاب، ثم إن المصلحة قد تقتضي الحجر عليه، وبيع ماله إنصافا لغرمائه عملا بالأدلة المثبتة لهاتين الوسيلتين، فيتم العمل بالأدلة كلها.

стр. 317

الوجه الثاني: أن الحديث وارد في المدين الغني المماطل، وكثير من أهل العلم لا يقولون بالحجر عليه (١)، وكلامهم في المسألة وأدلتهم في الحجر على المدين المفلس، فيكون الحديث غير معارض لها. ٥ - أن في الحجر إهداراً لأهليته إلحاقاً له بالبهائم، وذلك ضرر عظيم، فلا يجوز لدفع ضرر خاص (٢). وإنما يجوز النظر لغرمائه بطريق لا يكون فيه إلحاق الضرر به إلا بقدر ما ورد الشرع به، وهو الحبس (٣)، والحبس بالدين مشروع بالإجماع (٤). ونوقش: أنه لا يسلم أنه يؤدي إلى المساس بآدميته وإنسانيته، ولا أن فيه هدرا لأهليته إلا بالقدر الذي يحقق المصلحة في نطاق الحق، وفي نطاق الأدلة التي جاءت بإثبات الحجر عليه. يدل على ذلك أن أهليته معتبرة في جميع التصرفات، إلا التصرفات المالية المضرة بالغرماء، وأيضا السجن نفسه -الذي يقول به أبو حنيفة- يمس حرية السجين، وإنسانيته. ٦ - أن بيع المال على المدين فيه نوع حجر، والبيع غير مستحق عليه ولا متعين لقضاء دينه؛ لأنه يتمكن من قضائه بالاستيهاب والاستقراض وسؤال الناس الصدقة (٥). ونوقش من ثلاثة أوجه: أولها: أن هذا مقابل النص، والنصوص لا تعارض بالنظر.

стр. 318

ثانيها: أن القدرة على قضاء الدين ببيع المال الموجود أظهر وأقرب من القدرة عليه بالاستقراض وغيره، فيكون المصير إليه أسرع في إبراء الذمة وأداء حق أهل الحق. ثالثها: أن حق الغرماء قد تعلّق بمال المدين الموجود حال الإفلاس، فتعّين أن يُقضى منه، بدليل أنه لا يجب عليه أكثر مما عنده، يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك" (١). الترجيح: والذي يترجح لي -والله أعلم- قول جمهور الفقهاء، القائلين بأن المدين المفلس يحجر عليه، ويمنع من التصرف في ماله بما يضر بحق الغرماء كالوقف؛ وذلك لقوة أدلتهم، وصراحتها، وبعدها عن التأويلات المحتملة العارية عن مستند. المسألة الثانية: وقف المدين الذي لم يحجر عليه القاضي: إذا كان على شخص دين ولم يحجر عليه القاضي فهل يصح وقفه؟ اختلف العلماء ﵏ على قولين: القول الأول: أنه لا يصح وقفه إذا كان الدين مستغرقاً. وبه قال بعض الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، واختاره شيخ الإسلام (٤). وعند المالكية: أن العقد غير لازم، فإن أجازه صاحب الدين نفذ. وعندهم أيضا: إن جهل السابق من الدين أو الوقف، فإن كان الوقف

стр. 319

على محجوره بطل وإن حازه، وإن كان على غيره فلا بطلان إن حازه الموقوف عليه قبل حصول مانع من مرض أو موت. وحجته: ١ - ما تقدم من الأدلة على عدم صحة وقف المفلس (١). وجه الدلالة: أنه إذا لم يصح وقف المفلس -المدين الذي حجر عليه القاضي- لحظ صاحب الحق، فكذا المدين الذي لم يحجر عليه؛ لاتفاقهما في علة الحجر. ٢ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذه يريد إتلافها أتلفه الله " (٢)، ولا ريب أن هذا التبرع إتلاف لها، فكيف ينفذ تبرع من دعا رسول الله ﷺ على فاعله؟ (٣). ٣ - قال ابن القيم: " إن استغرقت الديون ماله لم يصح تبرعه بما يضر بأرباب الديون سواء حجر عليه الحاكم أو لم يحجر عليه، هذا مذهب مالك واختيار شيخنا، وعند الثلاثة يصح تصرفه في ماله قبل الحجر بأنواع التصرف، والصحيح هو القول الأول وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره، بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده؛ لأن حق الغرماء قد تعلق بماله، ولهذا يحجر عليها الحاكم ولو تعلق حق الغرماء بماله لم يسع الحاكم الحجر عليه، فصار كالمريض مرض الموت لما تعلق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرع بما زاد على الثلث، فإن في تمكينه من التبرع بماله إبطال حق الورثة منه، وفي تمكين هذا المدين من التبرع إبطال حقوق الغرماء، والشريعة

стр. 320

لا تأتي بمثل هذا، فإنها إنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق وسد الطرق المفضية إلى إضاعتها " (١). ٤ - أن وفاء الدين واجب والوقف تطوع، والواجب مقدم على التطوع. القول الثاني: يصح وقفه ما دام أنه لم يحجر عليه. وهو قول جمهور أهل العلم (٢). وحجته: ١ - أن الأصل صحة التصرف؛ لبقاء الأهلية. ونوقش: باستثناء المدين؛ لما تقدم من أدلة القول الأول. ٢ - أن الوقف صادف ملكه، وحق الدائنين تعلق بذمة المدين لا بالعين (٣). ونوقش: بعدم التسليم، بل تعلق بالعين؛ لإحاطة الدين بالمال. ٣ - أن سبب المنع من التصرف هو الحجر، فلا يتقدم المنع على سببه (٤). ونوقش: بعدم التسليم، بل سبب المنع هو استغراق الدين لجميع ماله، واستحقاق الغرماء ماله كله. الترجيح: الراجح -والله اعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، ومناقشة دليل القول الثاني.
следующие страницы →