← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(٩٢) ٤ - وقال البخاري: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته»، قال سفيان: «عرضه» يقول: مطلتني، و «عقوبته» الحبس (١) (٢). وجه الدلالة: دل الحديث على أن المدين إذا امتنع من أداء الدين مع الإمكان، فإنها تحل عقوبته، وعقوبته المتعينة والواجبة هي الحبس؛ لاتفاقهم على أنه لم يرد غيره (٣). ونوقش الاستدلال بالحديث من وجهين: الوجه الأول: أن الجمهور يقولون به، ويرون أن الحبس وسيلة من وسائل التضييق على المدين ليقضي دينه، إلا أنهم يرون أن هذه الوسيلة غير متعينة، بدلالة الحديث، حيث أرشد إليها بتقرير الحل (يحل عرضه، وعقوبته) لا الإيجاب، ثم إن المصلحة قد تقتضي الحجر عليه، وبيع ماله إنصافا لغرمائه عملا بالأدلة المثبتة لهاتين الوسيلتين، فيتم العمل بالأدلة كلها.

стр. 317

الوجه الثاني: أن الحديث وارد في المدين الغني المماطل، وكثير من أهل العلم لا يقولون بالحجر عليه (١)، وكلامهم في المسألة وأدلتهم في الحجر على المدين المفلس، فيكون الحديث غير معارض لها. ٥ - أن في الحجر إهداراً لأهليته إلحاقاً له بالبهائم، وذلك ضرر عظيم، فلا يجوز لدفع ضرر خاص (٢). وإنما يجوز النظر لغرمائه بطريق لا يكون فيه إلحاق الضرر به إلا بقدر ما ورد الشرع به، وهو الحبس (٣)، والحبس بالدين مشروع بالإجماع (٤). ونوقش: أنه لا يسلم أنه يؤدي إلى المساس بآدميته وإنسانيته، ولا أن فيه هدرا لأهليته إلا بالقدر الذي يحقق المصلحة في نطاق الحق، وفي نطاق الأدلة التي جاءت بإثبات الحجر عليه. يدل على ذلك أن أهليته معتبرة في جميع التصرفات، إلا التصرفات المالية المضرة بالغرماء، وأيضا السجن نفسه -الذي يقول به أبو حنيفة- يمس حرية السجين، وإنسانيته. ٦ - أن بيع المال على المدين فيه نوع حجر، والبيع غير مستحق عليه ولا متعين لقضاء دينه؛ لأنه يتمكن من قضائه بالاستيهاب والاستقراض وسؤال الناس الصدقة (٥). ونوقش من ثلاثة أوجه: أولها: أن هذا مقابل النص، والنصوص لا تعارض بالنظر.

стр. 318

ثانيها: أن القدرة على قضاء الدين ببيع المال الموجود أظهر وأقرب من القدرة عليه بالاستقراض وغيره، فيكون المصير إليه أسرع في إبراء الذمة وأداء حق أهل الحق. ثالثها: أن حق الغرماء قد تعلّق بمال المدين الموجود حال الإفلاس، فتعّين أن يُقضى منه، بدليل أنه لا يجب عليه أكثر مما عنده، يدل على ذلك قوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك" (١). الترجيح: والذي يترجح لي -والله أعلم- قول جمهور الفقهاء، القائلين بأن المدين المفلس يحجر عليه، ويمنع من التصرف في ماله بما يضر بحق الغرماء كالوقف؛ وذلك لقوة أدلتهم، وصراحتها، وبعدها عن التأويلات المحتملة العارية عن مستند. المسألة الثانية: وقف المدين الذي لم يحجر عليه القاضي: إذا كان على شخص دين ولم يحجر عليه القاضي فهل يصح وقفه؟ اختلف العلماء ﵏ على قولين: القول الأول: أنه لا يصح وقفه إذا كان الدين مستغرقاً. وبه قال بعض الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، واختاره شيخ الإسلام (٤). وعند المالكية: أن العقد غير لازم، فإن أجازه صاحب الدين نفذ. وعندهم أيضا: إن جهل السابق من الدين أو الوقف، فإن كان الوقف

стр. 319

على محجوره بطل وإن حازه، وإن كان على غيره فلا بطلان إن حازه الموقوف عليه قبل حصول مانع من مرض أو موت. وحجته: ١ - ما تقدم من الأدلة على عدم صحة وقف المفلس (١). وجه الدلالة: أنه إذا لم يصح وقف المفلس -المدين الذي حجر عليه القاضي- لحظ صاحب الحق، فكذا المدين الذي لم يحجر عليه؛ لاتفاقهما في علة الحجر. ٢ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذه يريد إتلافها أتلفه الله " (٢)، ولا ريب أن هذا التبرع إتلاف لها، فكيف ينفذ تبرع من دعا رسول الله ﷺ على فاعله؟ (٣). ٣ - قال ابن القيم: " إن استغرقت الديون ماله لم يصح تبرعه بما يضر بأرباب الديون سواء حجر عليه الحاكم أو لم يحجر عليه، هذا مذهب مالك واختيار شيخنا، وعند الثلاثة يصح تصرفه في ماله قبل الحجر بأنواع التصرف، والصحيح هو القول الأول وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره، بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده؛ لأن حق الغرماء قد تعلق بماله، ولهذا يحجر عليها الحاكم ولو تعلق حق الغرماء بماله لم يسع الحاكم الحجر عليه، فصار كالمريض مرض الموت لما تعلق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرع بما زاد على الثلث، فإن في تمكينه من التبرع بماله إبطال حق الورثة منه، وفي تمكين هذا المدين من التبرع إبطال حقوق الغرماء، والشريعة

стр. 320

لا تأتي بمثل هذا، فإنها إنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق وسد الطرق المفضية إلى إضاعتها " (١). ٤ - أن وفاء الدين واجب والوقف تطوع، والواجب مقدم على التطوع. القول الثاني: يصح وقفه ما دام أنه لم يحجر عليه. وهو قول جمهور أهل العلم (٢). وحجته: ١ - أن الأصل صحة التصرف؛ لبقاء الأهلية. ونوقش: باستثناء المدين؛ لما تقدم من أدلة القول الأول. ٢ - أن الوقف صادف ملكه، وحق الدائنين تعلق بذمة المدين لا بالعين (٣). ونوقش: بعدم التسليم، بل تعلق بالعين؛ لإحاطة الدين بالمال. ٣ - أن سبب المنع من التصرف هو الحجر، فلا يتقدم المنع على سببه (٤). ونوقش: بعدم التسليم، بل سبب المنع هو استغراق الدين لجميع ماله، واستحقاق الغرماء ماله كله. الترجيح: الراجح -والله اعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، ومناقشة دليل القول الثاني.

стр. 321

فرع: مثل ديون الآدميين الديون لله من الزكوات، والكفارات والنذور. يستثنى وقف الأشياء اليسيرة؛ إذ قاعدة الشرع العفو عن الأشياء اليسيرة. المطلب الثالث: الشرط الثالث: أن يكون الواقف مالكاً للموقوف وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن يقف شيئاً لم يملكه: وصورة ذلك: أن يقول: إن ملكت دار فلان فهي وقف، فهل إذا ملكها تكون وقفاً دون عقد جديد، أو لا بد من إنشاء عقد جديد؟ للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: أنها تكون وقفاً بمجرد الملك، ولا حاجة إلى عقد جديد. وهو مذهب المالكية (١). القول الثاني: أنها لا تكون وقفاً إلا بعقد جديد. وهو قول جمهور أهل العلم (٢).

стр. 322

الأدلة: أدلة الرأي الأول: استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - عموم أدلة مشروعية الوقف (١). ٢ - القياس على العتق، فلو قال: إن ملكت زيداً فهو حر، عتق بملكه. أدلة الرأي الثاني: استدل لهذا الرأي: بما يأتي في المطلب الثاني من الأدلة على عدم جواز وقف ما لا يملك (٢). وتأتي مناقشته. المسألة الثانية: أن يقف ملك غيره. (وقف الفضولي) من شروط صحة الوقف أن يكون من مالك؛ لما يأتي من الأدلة على اشتراط الرضا لصحَّة الوقف وعدم صحَّة وقف المُكره، وعلى هذا إذا وقف ملكَ غيره لم يصح وقفه، لكن اختلف العلماء ﵏ فيما إذا أجاز المالكُ هذا الوقف هل يصحُّ وينفذ أو لا؟ على قولين: القول الأول: صحة وقف الفضولي بالإجازة. وهو مذهب الحنفيَّة، وبه قال بعض المالكيَّة، والشافعي في القديم، ورواية عند الحنابلة (٣).

стр. 323

القول الثاني: عدم صحة وقف الفضولي مطلقاً. وهو قول المالكيَّة، وبه قال الشافعي في الجديد، وهو مذهب الحنابلة (١). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢). وجه الدلالة: أن في وقف الفضولي إعانة لأخيه المسلم؛ لأنه يكفيه عنَتَ هذا التصرف إذا كان مختاراً له (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم، بل من الإثم والعدوان؛ لأنه تصرُّفٌ في ملك الغير بلا إذن (٤). وأُجيب: بعدم التسليم؛ إذ لا ضرر على المالك؛ إذ هو موقوفٌ على إجازته. (٩٣) ٢ - ما رواه البخاري من طريق شبيب بن غرقدة، عن عروة البارقي ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ " أعطاه ديناراً يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه " (٥).

стр. 324

ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أنَّ النبيَّ ﷺ وكَّل عروة وكالة مطلقة، وإذا كان كذلك فقد حصل البيع والشراء بإذن (١). وأُجيب: بأنَّ سياق الحديث يأبى ذلك؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أمره بشراء شاة ولم يوكّله ببيعها (٢). الوجه الثاني: أنَّ عروة اشترى لنفسه ووفَّى بدينار النبي ﷺ مستقرضاً له، فصار الدينارُ في ذمَّتِه، ثم باعَ شاته بدينار، فصرفه إلى النبي ﷺ ، كما لزمه وأهدى إليه الشاة الأخرى (٣). وأُجيب عنه بجوابين: الأول: أنَّه لا دليل على ذلك، بل الدليل دلَّ على خلافه؛ فإنَّ النبي ﷺ فرِحَ بفعل عروة، ودعا له، ولو كان الشراءُ لعروة لما استحقَّ ذلك. الثاني: أنَّه لو سُلِّمَ ذلك، وأنه استقرض دينار النبي ﷺ فقد ثبت جواز تصرُّف الفضولي؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يأذن لعروة باقتراض الدينار أولاً، وأقرَّه على ذلك. (٩٤) ٣ - ما رواه أبو داود من طريق أبي حصين، عن شيخ من أهل المدينة، عن حكيم بن حزام ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ " بعث معه بدينار يشتري له أضحية فاشتراها بدينار وباعها بدينارين، فرجع فاشترى له أضحية بدينار وجاء بدينار إلى النبي ﷺ ، فتصدَّقَ به النبيُّ ﷺ ، ودعا له أن يبارك له في تجارته" (٤).

стр. 325

(٩٥) ٤ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، حدثني سالم بن عبد الله أنَّ عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " انطلق ثلاثةُ رهطٍ ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه … "، قال النبي ﷺ : "وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله أدِّ إليَّ أجري، فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل، والبقر، والغنم، والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كلّه فاستاقه، فلم يترك منه شيئاً، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنَّا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرةُ فخرجوا يمشون" (١). وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ ساق الحديثَ مساق المدح للمستأجر الذي تصرَّف في مال الأجير بغير إذنه فثمَّره له. ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أنه في شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا ليس بشرعٍ لنا (٢). وأُجيب: بأنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يخالفه شرعُنا، كيف وقد ساقه النبيُّ ﷺ مساق المدح لفاعله، مما يدلُّ على إقراره، فيكون شرعاً لنا. الوجه الثاني: أنه استأجره بشيءٍ في الذمَّة، وما كان في الذمَّة لا يتعيَّن

стр. 326

إلاَّ بالقبض، ثم إنَّ المالكَ تصرَّف فيه وهو في ملكِهِ، فصحَّ تصرُّفُهُ، سواء اعتقده لنفسه أو لأجيره (١). وأُجيب عنه بجوابين: الأول: عدم التسليم بأنه لم يُعيّن الأجر، بل الظاهر أنه عيَّنه ولم يُقبضه إيَّاه، وهذا ظاهر الحديث، وحينئذٍ يكون قد عَمِلَ في مال الغير. الثاني: أنه ورد ما يدل على أنه قبض الأجر، (٩٦) فقد روى الإمام أحمد من طريق عبد الصمد -يعنى ابن معقل-، قال: سمعت وهباً يقول: حدثني النعمان بن بشير أنه سمع رسول الله ﷺ يذكر الرقيم … " فقال: فقلت: يا عبد الله لم أبخسك شيئاً من شرطك وإنما هو مالي أحكم فيه ما شئت، قال: فغضب وذهب وترك أجره، قال: فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثم مرت بي بعد ذلك بقر، فاشتريت به فصيلة من البقر فبلغت ما شاء الله " (٢). الوجه الثالث: أنَّ المستأجر أعطاه أكثر من حقِّه، وأبرأه الأجير من عين حقِّه، وكلاهما متبرِّع بذلك من غير شرط، وهذا جائز. وأُجيب: بأنَّ سياقَ الحديث يدلُّ على أنه أعطاه حقه بعدما ثمَّره له لا أنه تبرُّع له.

стр. 327

(٩٧) ٤ - ما رواه البخاري من طريق عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: " وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة " (١). وجه الدلالة: أنَّ النبيَّ ﷺ أقرَّ تصرَّف أبي هريرة في تركه للشيطان بعد أخذه ما أخذه من الطعام، وقد وكل به. ٥ - أنَّ الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة. ٦ - أنه تصرف صدر من أهله لكون ممن يصح تصرفه في محلة ولا ضرر في انعقاده موقوفاً، فينعقد كما لو أذن المالك (٢). ٧ - أن الملتقط لو تصدق باللقطة صار تصرفه موقوفاً على الإجازة، فكذا غيره (٣). أدلة القول الثاني: (عدم صحة وقف الفضولي) ١ - ما تقدم من الأدلة على اشتراط رضا الواقف (٤). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٥). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مسلَّم مع عدم الإجازة، أما مع الإجازة فقد تحصَّل الرضا. (٩٨) ٣ - ما رواه الإمام أحمد من طريق أيوب، حدثني عمرو بن شعيب، حدثني أبي، عن أبيه قال: ذكر عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال

стр. 328

رسول الله ﷺ : " لا يحل سلفٌ وبيعٌ، ولا شرطان في بيعٍ، ولا ربحُ ما لم يُضمن، ولا بيعُ ما ليس عندك " (١) (حسن).

стр. 329

وجه الدلالة: أن تصرف الفضولي تصرف فيما لا يملك، وتصرف الإنسان فيما لا يملك منهي عنه شرعاً، والنهي يقتضي عدم مشروعية المنهي عنه. نوقش الاستدلال بهذا الحديث من وجوه: الوجه الأول: أن معنى الحديث: لا تبع ما ليس عندك مما لا تملكه لا أصالة ولا يداً، وليس معناه لا تبع ما لا تملكه أصالة وإن كان بيدك وكالة؛ وإلا لما صح بيع الوكيل، مع أن بيع الوكيل يصح بالإجماع. ولا فرق بين الوكيل وبين الفضولي في نفس البيع؛ لأن كل واحد منهما بائع ملك غيره، والفرق إنما هو في الإذن وعدمه وهو غير مؤثر (١).

стр. 330

وأجيب: بأن الإذن للوكيل يجعل المعقود عليه مقدور التسليم، فلا يكون الفضولي مثله؛ لأنه لا يقدر على التسليم (١). ورد على هذا الجواب بأمرين (٢): الأول: أنا لا نسلم بأن الفضولي لا يقدر على التسليم، بل يقدر عليه، وإنما لا يقدر على تنفيذ العقد وتصحيحه، وليس في الحديث ما يدل على المنع من ذلك. الثاني: أن القدرة على التسليم ثابتة بعد الإجازة، والقدرة على التسليم تجب بحسب البيع، فإذا كان البيع باتاً فيجب أن تكون القدرة باتة، وإذا كان موقوفاً فالقدرة موقوفة، والقدرة الموقوفة موجودة فلم يصح الفرق. الوجه الثاني: أن الحديث محمول على البيع المطلق، وهو البيع البات النافذ، وحينئذ فلا يدخل في محل النزاع (٣). الوجه الثالث: أن الحديث محمول على بيع الشخص لنفسه لا لغيره؛ بدليل قصة الحديث، فإن حكيماً ﵁ كان يبيع شيئاً لا يملكه ثم يشتريه ويسلمه (٤). (٩٩) ٤ - ما رواه الإمام أحمد من طريق مطر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، عن النبي ﷺ : " ليس على رجل طلاق إلا فيما يملك، ولا عتاق إلا فيما يملك، ولا بيع إلا فيما يملك " (٥).

стр. 331

ونوقش الاستدلال بهذا الحديث من وجهين: الأول: أنه ضعيف. الثاني: أنه محمول على ما إذا لم يجز المالك. ٥ - أن المقصود بالأسباب الشرعية أحكامها لا مجرد السبب، فإذا لم تفد الحكم لا تعتبر وحكمها، وهو التمليك لا يتصور من غير مالك فيلغو (١). ونوقش: أنه غير مسلم بل تصرف الفضولي يفيد ملكا موقوفا؛ لأنه اللائق بالسبب الموقوف كما يفيد السبب البات الملك البات؛ لأنه اللائق به (٢). ٦ - أنَّ وقف الفضولي قد خرج من المالك بدون عِوَض بخلاف البيع. ونوقش: بأنه غير مسلم، بل وقف الفضولي لم يخرج من مالكه إلا بإذنه. الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة وقف الفضولي بالإجازة؛ لقوَّة دليله، ومناقشة القول الآخر.

стр. 332

المطلب الرابع: الشرط الرابع: أن يكون الواقف مسلماً وفيه مسألتان: المسألة الأولى: وقف المرتد: وقف المسلم مشروع بإجماع القائلين بشرعية الوقف. واختلف العلماء ﵏ في حكم وقف المرتد، وذلك بناءً على اختلافهم في حكم تصرفات المرتد المالية على أقوال: القول الأول: أن وقف المرتد موقوف إن أسلم بان نفوذه، وإلا بان فساده. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في القديم، وابن قدامة، وصاحب الشرح الكبير من الحنابلة (١). القول الثاني: أن وقفه باطل. وبه قال المالكية، والشافعي في الجديد، والحنابلة (٢). القول الثالث: أن وقفه نافذ. وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وبعض الحنابلة (٣).

стр. 333

الأدلة: أدلة القول الأول: (التفصيل) ١ - أن الصحابة ﵃ لم يبطلوا عقود المرتدين. ٢ - أن المرتد حربي مقهور تحت أيدينا، فصار كالحربي يدخل دارنا بغير أمان فنأسره فتتوقف تصرفاته لتوقف حاله، وفي الأهلية خلل لاستحقاق القتل لبطلان سبب العصمة (١). دليل القول الثاني: (بطلان وقفه) أن ملكه قد زال بردته، فلا تصح تصرفاته؛ لتًصرفه في ملك غيره. ونوقش: بعدم التسليم بزوال ملكه (٢). دليل القول الثالث: (نفوذ وقفه) أن الصحة تعتمد الأهلية، والنفاذ يعتمد الملك، والنفاذ والملكية موجودان (٣). الترجيح: الراجح -والله اعلم- هو القول الأول؛ لما فيه من الجمع بين الأدلة، وأيضا فإن ملكه تعلق بحق غيره مع بقاء ملكه، فكان تصرفه موقوفا كتبرع المريض. المسألة الثانية: وقف الحربي، والذمي. يصح وقف الكافر في الجملة؛ للعمومات، ولأنه من أهل التبرع والصدقة. (١٠٠) ولما رواه مسلم من طريق ابن شهاب قال: أخبرنى عروة بن

стр. 334

الزبير أن حكيم بن حزام أخبره أنه قال لرسول الله ﷺ : أي رسول الله أرأيت أموراً كنت أتحنث بها فى الجاهلية من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم، أفيها أجر؟ فقال رسول الله ﷺ : «أسلمت على ما أسلفت من خير» (١). فسمى النبي ﷺ صدقته خيراً. وفيها أمور: الأمر الأول: اشتراط القربة في صحة وقفهما. اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أن وقفه لا يصح، إلا إذا كان قربة في الشريعة الإسلامية فقط. وبه قال الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: أنه يشترط أن يكون قربة في الشريعة الإسلامية، وفي دين الواقف. وبه قال الحنفية (٤)، وكثير من المالكية (٥). الأدلة: دليل القول الأول: ١ - ما سيأتي من الأدلة في اشتراط القربة في الموقوف عليه (شروط الموقوف عليه).

стр. 335

٢ - ولأن ما لا يصح من المسلم الوقف عليه لا يصح من الذمي، كغير المعين (١). ودليل القول الثاني: استدل لهذا القول: أنه يشترط أن يكون قربة في دينه ليوافق ما يعتقده. ونوقش: بأن العبرة ما جاء في ديننا كما سبق. الترجيح: الراجح -والله أعلم- اشتراط القربة في دين الإسلام؛ لقوة دليله، فالعبرة كونه قربة، وهذا متحقق في دين الإسلام سواء وافقه غيره من الديانات أم لا؛ لأنه هو الدين الحق عند الله . الأمر الثاني: وقف الكافر على المساجد، والمصاحف. اختلف العلماء ﵏ في صحة وقف الكافر على المساجد والمصاحف على قولين: القول الأول: صحة وقف الكافر على المساجد والمصاحف. وبه قال بعض المالكية، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (٢). القول الثاني: عدم صحة وقف الكافر على المساجد، والمصاحف. وبه قال الحنفية، والمالكية، وقول عند الشافعية، واختاره شيخ الإسلام (٣).

стр. 336

الأدلة: دليل القول الأول: ١ - ما تقدم قريبا من حديث حكيم بن حزام، وفيه صدقته، وصلته للرحم، وعتقه حال كفره، وتسمية النبي ﷺ لذلك خيراً. (١٠١) ٢ - ما رواه البخاري، ومسلم من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ أَنَّ عمر سأل النبي ﷺ قال: "كنت نذرت في الجاهليَّة أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: "فأوف بنذرك" (١). ٣ - أن الوقف ليس قربة محضة، فيصح ممن يصح تبرعه، والكافر يصح تبرعه فيصح وقفه (٢). أدلة القول الثاني: ١ - أن الوقف على المساجد قربة، والقرب تصح من المسلم دون غيره (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم؛ إذ دل الدليل على صحة صدقة الكافر مع أن الصدقة قربة كما تقدم في أدلة القول الأول، والوقف صدقة من الصدقات. ٢ - أنه لا يصرف على المساجد والمصاحف إلا أطهر الأموال وأطيبها (٤).

стр. 337

ونوقش هذا الاستدلال: بأن المال المحرم لكسبه يصح وقفه كما حُرر في شرط كون الموقوف مالاً شرعياً. الترجيح: يترجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، ومناقشة دليل القول الآخر. الأمر الثالث: وقف الذمي على الكنائس، ونحوها. اختلف العلماء ﵏ في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: أنه لا يصح وقف الذمي على دور عبادته مطلقاً. وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). القول الثاني: صحة وقف الذمي إذا كان على ترميمها، ونحوه، وعدم صحته إذا كان على عبادتها. وبه قال ابن رشد من المالكية (٢). القول الثالث: صحته مطلقاً. وبه قال القاضي عياض من المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (٣). لكن عند القاضي عياض له أن يرجع متى شاء. الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - قوله :

стр. 338

﴿ياأيها الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ (١). ٢ - وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢). ووقف المال المحرم الذي يستعان به على المحرم من التعاون على الإثم والعدوان. ٣ - قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ (٣). فقد نهى الله رسوله ﷺ أن يقيم في مكان يحارب الله ورسوله فيه، بل وحرقه النبي ﷺ . (١٠٢) ٣ - ولما روى مسلم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً " (٤). (١٠٣) ٤ - وما رواه البخاري من طريق أبي صالح، ومسلم من طريق سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل " (٥).

стр. 339

(١٠٤) ٥ - وما رواه مسلم من طريق مصعب بن سعد، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" (١). وفي الشرح الكبير مع الإنصاف: " ولا يصح على الكنائس، وبيوت النار، والبيع، وكتب التوراة والإنجيل؛ لأن ذلك معصية، فإن هذه المواضع بنيت للكفر، وكتبهم مبدلة منسوخة ..... وحكم الوقف على قناديل البيعة وفرشها، ومن يخدمها ومن يعمرها كالوقف عليها؛ لأنه يراد لتعظيمها ..... قال شيخنا -ابن قدامة-: ولا نعلم فيه مخالفاً " (٢). ٦ - أن الوقف على معابد الكفار لا يصح من المسلم، فكذا الذمي، كالوقف على غير معين (٣). أدلة القول الثاني: أن ترميم معابد الكفار جائز للحاجة؛ إذ إنهم يقرون عليها، ومن لازم الإقرار الترميم. ونوقش هذا الاستدلال: أنه لا تلازم بين الإقرار والترميم، فلا يلزم من الإقرار جواز الترميم؛ لأنه محرم كشرب الخمر يقرون عليه، ولا يقال بأنه جائز ولا يجوز لهم إظهاره (٤). ولعل دليل القول الثالث: هو ما تقدم من دليل القول الثاني، وتقدمت مناقشته. الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم جواز الوقف عليها؛ إذ إنها بيوت الكفر والإشراك بالله .

стр. 340

المطلب الخامس: الشرط الخامس: شرط الاختيار وفيه مسائل: المسألة الأولى: وقف المكره. يشترط لصحة الوقف الاختيار والرضا ظاهرا وباطنا، وعلى هذا لو وقف حياء لم يصح وقفه؛ لما يأتي من الأدلة، فإن أكره على الوقف بإتلاف نفس، أو طرف، أو منفعة، أو ضرب، أو أخذ مال يشق عليه. فاختلف العلماء في حكم وقف المكره على ثلاثة أقوال: القول الأول: بطلان وقف المكره. وهو قول المالكية (١)، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤). في الشرح الصغير للدردير: " فأركانه أربعة: الأول: واقف إن كان أهلاً للتبرع، وهو البالغ الحر الرشيد المختار، فلا يصح من صبي ولا مجنون ولا عبد، ولا سفيه، ولا مكره " (٥).

стр. 341

ونص الشافعية: على أنه إذا كان الإكراه بحق صح الوقف، كما لو نذر أن يقف شيئاً من ماله ثم امتنع، فللحاكم أن يجبره. القول الثاني: أن وقف المكره فاسد، أي أن العقد انعقد صورة، ولكنه فاسد؛ لعدم الرضا، ويمكن أن يصح العقد إذا أجازه المكره ورضي به، ولكل من المُكَره والمُكِرِه حق الفسخ. وبه قال الحنفية (١). قال الكاساني: " والإنشاء نوعان: نوع لا يحتمل الفسخ … كالطلاق، والعتاق، والرجعة، والنكاح ..... فهذه التصرفات جائزة مع الإكراه .... ، وأما النوع الذي يحتمل الفسخ فالبيع والشراء والهبة، والإجارة ونحوها، فالإكراه يوجب فساد هذه التصرفات عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: يوجب توقفها على الإجارة كبيع الفضولي، وعند الشافعي: يوجب بطلانها أصلاً ". القول الثالث: أن عقد المكره صحيح غير لازم بالنسبة للمكره إن أجازه نفذ، وإلا فلا. وبه قال زفر، وهو احتمال لصاحب الفائق من الحنابلة (٢). الأدلة أدلة القول الأول: (البطلان) استدل القائلون ببطلان وقف المكره بالأدلة الآتية: ١ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣).

стр. 342

وجه الاستدلال: أن الآية دلت على أن البيع إذا لم يكن عن تراض، فالباطل لا يحل أكل المال به، ومثله الوقف. ٢ - قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (١). قال الإمام الشافعي ﵀: " وللكفر أحكام، كفراق الزوجة، وأن يقتل الكافر ويغنم ماله، فلما وضع الله عنه سقطت عنه أحكام الإكراه على القول كله؛ لأن الأعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه، وما يكون حكمه بثبوته عليه " (٢). ٣ - قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣). ويوجه الاستدلال من الآية بأمرين: أحدهما: أن الآية نهت عن الإكراه فيما لا يحل -وهو الزنى-، فيكون النهي عن الإكراه فيما يحل -كالوقف- من باب أولى (٤). الأمر الثاني: في الآية دلالة على رفع الإثم عن المكرهة على الزنى، فيلزم حينئذ عدم ترتب الحد عليها (٥)، وإذا كان الإكراه يؤثر في الزنى فلأن يؤثر في الوقف ونحوها من باب أولى. ٤ - قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٦).

стр. 343

وجه الاستدلال من هذه الآية: (١٠٥) بما روى البخاري من طريق عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في سبب نزول هذه الآية قال: " كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها " (١). فإذا كان النكاح كرها لا يحل كما صرحت بذلك الآية، فمعنى ذلك بطلان العقد، وذلك استنادا إلى القاعدة الأصولية: "أن النهي يقتضي الفساد" (٢). ٥ - أن النبي ﷺ نهى عن إجبار المرأة على النكاح بكرا كانت أو ثيبا، وألزم وليها أن يستأذنها، فإن زوجها مكرهة فنكاحها مردود، فمن هذه الأحاديث: (١٠٦) أ- ما رواه البخاري من طريق يزيد بن جارية، عن خنساء بنت خدام الأنصارية (٣) " أن أباها زوجها وهي ثيب، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها " (٤). (١٠٧) ب- ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي

стр. 344

هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن " قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: " أن تسكت" (١). (١٠٨) ٦ - ما رواه ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ اللهَ وضَعَ عن أمتي الخطَأَ والنسيانَ وما استُكرِهوا عليه" (٢). (أنكره أحمد، وأبو حاتم).

стр. 345

وجه الاستدلال من الحديث: الحديث يقتضي أن يكون حكم كل ما استكره عليه مرفوعا (١)؛ لأنه لما استحال رفع الخطأ نفسه -ومثله النسيان والإكراه- وجب أن يضمر في الجملة ما يصح أن يتعلق به الرفع، وتقدير "الحكم" أولى؛ لأنه يفيد العموم (٢). ونوقش وجه الاستدلال من الحديث بأمرين: أحدهما: أن الاستكراه لم يرفع؛ لأنه قد يوجد، فيكون المقصود رفع الإثم (٣). وأجيب عنه: بأن المراد به حكم الاستكراه، لا الاستكراه، كما أن المراد برفع الخطأ رفع حكمه لا رفع الخطأ عينه.

стр. 346

الأمر الثاني: أن المراد بالإكراه في الحديث الإكراه على الكفر؛ لأن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، وكان الإكراه على الكفر ظاهرا يومئذ، وكان يجري على ألسنتهم كلمات الكفر خطأً وسهواً، فعفا الله ﷻ عن ذلك على لسان رسوله (١). ويجاب عن هذا: بأنه على فرض التسليم به، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فقوله ﷺ : "وما استكرهوا عليه" لفظ عام يشمل كل نوع من أنواع الإكراه، سواء أكان إكراها على كفر أو عقد نكاح أو طلاق، والقول بأنه خاص بالإكراه على الكفر تخصيص لا دليل عليه. الأمر الثالث: عدم التسليم بأن الهبة والعتاق والوقف وكل تصرف قولي مستكره عليه يقع؛ لأن الإكراه لا يعمل على الأقوال كما لا يعمل على الاعتقادات؛ لأن أحدا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما يعتقده بقلبه جبرا، فكان كل متكلم مختارا فيما يتكلم به، فلا يكون مستكرها عليه حقيقة، فلا يتناوله الحديث (٢). ويجاب عن هذا: بعدم التسليم به؛ فالإكراه يشمل التصرفات القولية والفعلية، بدليل أن الإكراه بالتهديد بالقتل أو إتلاف عضو إن كان يؤدي بالمكره إلى فعل ما لا يرضاه، فإنه أيضا يؤدي به إلى قول ما لا يرضاه. ويجاب عن هذه المناقشة: بما سبق ذكره من الفرق بين طلاق الهازل وطلاق المكره (٣).

стр. 347

٧ - حديث ابن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: " لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه " (١). دلّ الحديث على أنه لا بد لحل مال المسلم من الرضا، وهذا منتف مع الإكراه فلا يصح العقد. ٨– حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " (٢). وقد وجه ابن حزم (٣) الاستدلال من هذا الحديث قائلا: " فصح أن كل عمل بلا نية فهو باطل لا يعتد به ". وعقد المكره عمل بلا نية فهو باطل؛ لأن المكره إنما هو حاكٍ لما أمر أن يقوله فقط (٤). ٩ - قياس بطلان عقود المكره على إسقاط حكم الكفر على من تلفظ به مكرها بجامع أنها من التصرفات القولية. جاء في المهذب (٥) في معرض الاستدلال لبطلان عقد المكره على البيع ما نصه: " ولأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح ككلمة الكفر إذا أكره عليها المسلم ". ١٠ - أن القصد إلى ما وضع له الشيء شرط لجوازه، ولهذا لا يصح تصرف الصبي والمجنون، وهذا الشرط يفوت بالإكراه؛ لأن المكره لا يقصد بالتصرف ما وضع له، وإنما يقصد دفع مضرة الإكراه عن نفسه.

стр. 348

ونوقش: بأن هذا باطل بطلاق الهازل، ثم إن كان شرطا فهو موجود ههنا؛ لأنه قاصد دفع الهلاك عن نفسه، ولا يندفع عنه إلا بالقصد إلى ما وضع له فكان قاصداً إليه ضرورة (١). دليل القول الثاني: (فساد العقد) استدل القائلون بفساد هبة المكره: أن ركن العقد -وهو الإيجاب والقبول- قائم لا خلل فيه؛ لأنه صدر من أهله مضافا إلى محله، وإنما كان فاسدا لفقدان شرطه -وهو الرضا- وفوات الشرط إنما يؤثر في فساد العقد لا بطلانه. بيان ذلك: أن الرضا أمر يتعلق بالعاقد المكره، فإذا وجد الرضا بعد زوال الإكراه فحينئذ يزول سبب النهي ويصير العقد صحيحا (٢). ويناقش هذا الدليل من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: عدم التسليم بأن الرضا شرط الصحة، بل هو ركن كالإيجاب والقبول، وما دام أنه ركن فيبطل العقد عند فقده. الوجه الثاني: عدم التسليم بأن الإيجاب والقبول قائم في عقد المكره بدون خلل، فالإكراه خلل يؤثر في الإيجاب والقبول. الوجه الثالث: أن العقد مع الإكراه لو كان فاسدا ما ارتفع الفساد بالإجازة؛ لأن الفاسد لا تجعله الإجازة صحيحا (٣). وأجاب الكاساني (٤) عنه بقوله: " البياعات الفاسدة لا تلحقها الإجازة؛ لأن فسادها لحق الشرع من حرمة الربا ونحو ذلك، فلا يزول برضا العبد،

стр. 349

أي في عقد المكره الفساد لحق العبد وهو عدم رضاه فيزول بإجازته ورضاه ". دليل القول الثالث: (صحيح غير لازم) استدل القائلون بوقف عقد المكره: بالقياس على عقد الفضولي، بجامع أنهما عقدان تلحقهما الإجازة، وعقد الفضولي موقوف على إجازة المالك، فيكون عقد المكره موقوفا على رضا المكره وإجازته (١). ويناقش هذا الدليل: بأنه قياس مع الفارق؛ لأن رضا المالك في عقد الفضولي مجهول، فيحتمل أن يرضى بالعقد بعد علمه به، ويحتمل أن لا يرضى، لذا كان العقد موقوفا على رضاه بعد علمه. أما في عقد المكره فعدم الرضا متحقق لا شك فيه، وإلا سمي العقد بعقد المكره. الترجيح: ترجح لي القول ببطلان وقف المكره؛ وذلك لقوة أدلة هذا القول، وضعف أدلة الأقوال الأخرى؛ حيث لم تسلم من المناقشة. لكن تتوجه صحة وقف المكره بالإجازة إذا زال الإكراه؛ لما سبق من صحة وقف الفضولي بالإجازة (٢). فرع: شروط الإكراه. يُشترط لصحَّة الإكراه شروط: ١ - أن يكون المُكرِه قادراً على تنفيذ ما هدَّدَ به.

стр. 350

٢ - أن يغلب على ظنّ المُكرَه أنَّ المُكرِه يفعل ما هدَّده به، وكذا لو تساوى الأمران. ٣ - أن يكون المُكره به مما يشق على المُكرَه. ٤ - أن يكون الإكراه بغير حق. ٥ - أن يكون المُهدَّد به عاجلاً غير معلَّق. ٦ - أن يفعل ما أكره عليه لرفع الإكراه، لا لقصده مجرداً عن قصد رفع الإكراه (١) مطلقا. المسألة الثانية: وقف الهازل. الهازل: هو من قصد اللفظ في الظاهر دون الباطن. وهذا لا يصح وقفه، قال في مطالب أولي النهى: " (تنبيه: يصح عد شروط هبة أحد عشر: كونها من جائز تصرف) فلا تصح من محجور عليه (مختار) فلا تصح من مكره (جاد) فلا تصح من هازل (بمال) معلوم أو مجهول تعذر علمه" (٢). والوقف ملحق بالهبة بجامع التبرع؛ لما تقدم من الأدلة على اشتراط الرضا والاختيار لصحة الوقف (٣)، وهذا لم يرض بالوقف باطناً وإن رضي به ظاهراً. ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ (٤) فدل ذلك على اعتبار الرضا في الظاهر والباطن.

стр. 351

(١٠٨) ولما رواه سعيد بن منصور في سننه من طريق عبد الرحمن بن حبيب، عن عطاء، عن ابن ماهك، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " ثلاثٌ جدهنَّ جدّ، وهزلهنَّ جدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة " (١).

стр. 352

فدل على أن ما عدا هذه الثلاثة ليس هزله جداً. المسألة الثالثة: وقف المخطئ. المخطئ هو: من خالف الصواب (١). لا يصح وقف المخطئ (٢)؛ لما تقدم من أدلة المسألة السابقة. المطلب السادس: الشرط السادس: أن لا يتضمن الوقف ترك واجب وفيه مسألتان: المسألة الأولى: وقف ما يجب من نفقة، ونحوها. من وقف ما يضر بمن تلزمه نفقته من الزوجات، والأقارب، كما لو وقف البيت الذي يسكنه مسجداً، أو رباطاً لطلاب العلم، فإنه يأثم لتقديمه النفل على الواجب، ولما يأتي من الأدلة: قال ابن عابدين: " الصدقة تستحب بفاضل عن كفايته، وكفاية من يمونه، وإن تصدق بما ينقص مؤنة من يمونه أثم " (٣)، والوقف من الصدقة.

стр. 353

ويقول الشيرازي: " لا يجوز أن يتصدق بصدقة التطوع وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته أو نفقه عياله " (١)، والوقف من الصدقة. ويقول: " ولا يجوز لمن عليه دين وهو محتاج إلى ما يتصدق به لقضاء دينه؛ لأنه حق واجب، فلم يجز تركه بصدقة التطوع كنفقة عياله " (٢). وقال الماوردي: " أما صدقة التطوع قبل أداء الواجبات من الزكوات والكفارات، وقبل الإنفاق على من تجب نفقتهم من الأقارب والزوجات، فغير مستحبة ولا مختارة " (٣). ويقول ابن قدامة: " فإن تصدق بما ينقص من كفاية من تلزمه مؤنته ولا كسب له، أثم " (٤). وقال ابن الرفعة: " إذا كان محتاجاً لما يتصدق به لنفسه، أو لنفقة عياله، أو لقضاء ديون عليه لا يرجو وفاءه فتصدق بالمال أو وهبه أو وقفه أو أعتقه، ففي صحة ذلك الوجهان في هبة المال في الوقت، والصحيح عدم الصحة، فإنه يريد أن يتحايل على أهل الديون، وأن يضيع من يعول، وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول " (٥).

стр. 354

ويقول المرداوي: " وإن تصدق بما ينقص مؤنة من تلزمه مؤنته أثم، وكذا لو أضر ذلك بنفسه أو بغريمه أو بكفايته، قاله الأصحاب " (١)، والوقف من الصدقة. أما إن كانت الصدقة تنقص من كفاية المتصدق نفسه، ولا صبر له على الضيق، فإنه يكره له الصدقة في هذه الحالة، فإن أضر بنفسه حرم عليه التصدق. صرح بهذا فقهاء الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وقال ابن حزم: " ولا تنفذ هبة ولا صدقة لأحد إلا فيما أبقى له ولعياله غنى، فإن أعطى ما لا يبقى لنفسه وعياله بعده فسخ كله " (٥). والدليل على ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (٦). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (٧). (١٠٩) ٣ - ما رواه مسلم من طريق خيثمة، عن عبد الله بن عمر ﵄ … قال: قال رسول الله ﷺ : "كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمّن يملك قوته" (٨).

стр. 355

(١١٠) ٤ - وما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: أعتق رجل من بني عذرة عبداً له عن دبر، فبلغ ذلك الرسول ﷺ ، فقال: " ألك مال غيره؟ " فقال: لا، فقال: "من يشتريه مني؟ "، فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمئة درهم، فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: " ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " (١). (١١١) ٥ - ما رواه البخاري من طريق أبي صالح قال: حدثني أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول "، تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني؟ " فقالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة (٢). (١١٢) ٦ - ما رواه البخاري من طريق عروة ومسلم - واللفظ له - من طريق موسى بن طلحة أن حكيم بن حزام حدثه أن رسول الله ﷺ قال: " أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول " (٣). قال الخطابي: "وابدأ بمن تعول" أي: لا تضيع عيالك، وتفضل على غيرك".
следующие страницы →