← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(١٠٨) ولما رواه سعيد بن منصور في سننه من طريق عبد الرحمن بن حبيب، عن عطاء، عن ابن ماهك، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " ثلاثٌ جدهنَّ جدّ، وهزلهنَّ جدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة " (١).

стр. 352

فدل على أن ما عدا هذه الثلاثة ليس هزله جداً. المسألة الثالثة: وقف المخطئ. المخطئ هو: من خالف الصواب (١). لا يصح وقف المخطئ (٢)؛ لما تقدم من أدلة المسألة السابقة. المطلب السادس: الشرط السادس: أن لا يتضمن الوقف ترك واجب وفيه مسألتان: المسألة الأولى: وقف ما يجب من نفقة، ونحوها. من وقف ما يضر بمن تلزمه نفقته من الزوجات، والأقارب، كما لو وقف البيت الذي يسكنه مسجداً، أو رباطاً لطلاب العلم، فإنه يأثم لتقديمه النفل على الواجب، ولما يأتي من الأدلة: قال ابن عابدين: " الصدقة تستحب بفاضل عن كفايته، وكفاية من يمونه، وإن تصدق بما ينقص مؤنة من يمونه أثم " (٣)، والوقف من الصدقة.

стр. 353

ويقول الشيرازي: " لا يجوز أن يتصدق بصدقة التطوع وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته أو نفقه عياله " (١)، والوقف من الصدقة. ويقول: " ولا يجوز لمن عليه دين وهو محتاج إلى ما يتصدق به لقضاء دينه؛ لأنه حق واجب، فلم يجز تركه بصدقة التطوع كنفقة عياله " (٢). وقال الماوردي: " أما صدقة التطوع قبل أداء الواجبات من الزكوات والكفارات، وقبل الإنفاق على من تجب نفقتهم من الأقارب والزوجات، فغير مستحبة ولا مختارة " (٣). ويقول ابن قدامة: " فإن تصدق بما ينقص من كفاية من تلزمه مؤنته ولا كسب له، أثم " (٤). وقال ابن الرفعة: " إذا كان محتاجاً لما يتصدق به لنفسه، أو لنفقة عياله، أو لقضاء ديون عليه لا يرجو وفاءه فتصدق بالمال أو وهبه أو وقفه أو أعتقه، ففي صحة ذلك الوجهان في هبة المال في الوقت، والصحيح عدم الصحة، فإنه يريد أن يتحايل على أهل الديون، وأن يضيع من يعول، وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول " (٥).

стр. 354

ويقول المرداوي: " وإن تصدق بما ينقص مؤنة من تلزمه مؤنته أثم، وكذا لو أضر ذلك بنفسه أو بغريمه أو بكفايته، قاله الأصحاب " (١)، والوقف من الصدقة. أما إن كانت الصدقة تنقص من كفاية المتصدق نفسه، ولا صبر له على الضيق، فإنه يكره له الصدقة في هذه الحالة، فإن أضر بنفسه حرم عليه التصدق. صرح بهذا فقهاء الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وقال ابن حزم: " ولا تنفذ هبة ولا صدقة لأحد إلا فيما أبقى له ولعياله غنى، فإن أعطى ما لا يبقى لنفسه وعياله بعده فسخ كله " (٥). والدليل على ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (٦). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (٧). (١٠٩) ٣ - ما رواه مسلم من طريق خيثمة، عن عبد الله بن عمر ﵄ … قال: قال رسول الله ﷺ : "كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمّن يملك قوته" (٨).

стр. 355

(١١٠) ٤ - وما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: أعتق رجل من بني عذرة عبداً له عن دبر، فبلغ ذلك الرسول ﷺ ، فقال: " ألك مال غيره؟ " فقال: لا، فقال: "من يشتريه مني؟ "، فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمئة درهم، فجاء بها رسول الله ﷺ فدفعها إليه، ثم قال: " ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " (١). (١١١) ٥ - ما رواه البخاري من طريق أبي صالح قال: حدثني أبو هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول "، تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني؟ " فقالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة (٢). (١١٢) ٦ - ما رواه البخاري من طريق عروة ومسلم - واللفظ له - من طريق موسى بن طلحة أن حكيم بن حزام حدثه أن رسول الله ﷺ قال: " أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول " (٣). قال الخطابي: "وابدأ بمن تعول" أي: لا تضيع عيالك، وتفضل على غيرك".

стр. 356

وقال ابن حجر: " وابدأ بمن تعول " أي: بمن يجب عليك نفقته .. وهو أمر بتقديم ما يجب على ما لا يجب ". وقد بَوَّب البخاري على هذا الحديث وغيره: " باب لا صدقه إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج أو عليه دين، فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رد عليه (١)، ليس له أن يتلف أموال الناس " (٢). فرع: فإذا أمن الإنسان لمن يعوله كفايتهم، أو كان وحده ليس له من يعوله، فهل يشرع له وقف جميع ماله؟ اتفق الأئمة الأربعة في الجملة على جواز ذلك، ولكن بشرط أن يعلم من نفسه حسن التوكل واليقين، وأن يكون عنده القناعة والصبر على الفقر وعن المسألة، أو يكون ذا كسب. وقال ابن حزم: " ولا تنفذ هبة ولا صدقة لأحد إلا فيما أبقى له ولعياله غنى، فإن أعطى ما لا يبقى لنفسه وعياله بعده فسخ كله " (٣). وقد جاء عن بعض السلف، كعطاء بن أبي رباح (٤)، وسعيد بن المسيب، وابن شهاب الزهري (٥) أنهم رأوا الاقتصار على الثلث.

стр. 357

وقال ابن عابدين: " ومن أراد الصدقة بماله كله وهو يعلم من نفسه حسن التوكل، والصبر عن المسألة فله ذلك، وإلا فلا يجوز " (١). وقال ابن عبد البر: " وجائز أن يتصدق الرجل في صحته بماله كله في سبيل البر والخير " (٢). وقال الماوردي: " إن كان حسن اليقين قنوعا لا يقنطه الفقر، ولا يسأل عند العدم فالأولى أن يتصدق بجميع ماله " (٣). وقال ابن قدامه: " فإن كان الرجل وحده، أو كان لمن يمون كفايتهم، فأراد الصدقة بجميع ماله، وكان ذا مكسب، أو كان واثقاً من نفسه، ويحسن التوكل والصبر على الفقر، والتعفف عن المسألة، فحسن ". وقال القاضي عياض: "جوَّز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله". وجزم جمهور الشافعية، وهو الأصح في مذهبهم، وبعض الحنابلة باستحباب ذلك، وأفضليته عند تحقق الشرط المذكور. وفي وجه عند الشافعية، والحنابلة: بالجواز (٤). واستدل القائلون بالجواز والمانعون بما يلي: (١١٣) ١ - ما رواه أبو داود من طريق الفضل بن دكين، ثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: أمرنا رسول الله ﷺ يوماً أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : "

стр. 358

ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده، فقال له رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً " (١). (إسناده حسن)

стр. 359

وقال الماوردي -وهو من القائلين بالاستحباب-: " فرسول الله ﷺ إنما أقر أبا بكر ﵁ على ذلك واستحسنه؛ لما علم من قوه إيمانه وصحة يقينه " (١). (١١٤) ٢ - ما رواه عبد الله من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: " جهد المقل وابدأ بمن تعول " (٢).

стр. 360

فالجهد بالضم: الوسع والطاقة، والمقلّ: الفقير وقليل المال، والمعنى: أفضل الصدقة قدر ما يحتمله حال القليل المال. وقليل المال إذا تصدق بما يحتمله وسعه وطاقته بعد أن يبقي كفاية من يعوله يكون متصدقا بجميع ماله. قال الفقهاء: فإن لم يتوفر فيمن يريد الصدقة بجميع ماله، الشرط المذكور، كره له ذلك. (١١٥) ٣ - ما رواه أبو داود من طريق ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن سعد سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: دخل رجل المسجد فأمر النبي ﷺ الناس أن يطرحوا ثيابا فطرحوا، فأمر له منها بثوبين ثم حث على الصدقة، فجاء فطرح أحد الثوبين فصاح به، وقال: "خذ ثوبك" (١).

стр. 361

قال السندي: "عن ظهر غنى" أي: ما بقي خلفها غنى لصاحبه قلبيا كما كان للصديق، أو قالبيا فيصير الغنى للصدقة كالظهر للإنسان وراء الإنسان، فإضافة الظهر إلى الغني بيانية، لبيان أن الصدقة إذا كانت بحيث يبقى لصاحبها الغني بعدها إما لقوة قلبه، أو لوجود شيء بعدها إلى ما أعطى ويضطر إليه، فلا ينبغي لصاحبها التصدق به (١). ٤ - حديث عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك ﵁ يقول: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ قال: "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر (٢). (١١٦) ٥ - ما رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله

стр. 362

أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله ﷺ فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، فقال رسول الله ﷺ : " يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " (١). ٦ - ولأن الإنسان إذا خرج جميع ماله لا يأمن فتنة الفقر، وشدة نزاع النفس إلى ما خرج منه فيندم، فيذهب ماله ويبطل أجره، ويصير كلا على الناس. لكن عند توفر شرط الجواز، ما هو الأرجح: القول بالاستحباب أم القول بالجواز؟

стр. 363

يقوي القول بالاستحباب، قول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١) لا خلاف في أن المقصود بهذه الآية هم الأنصار. فقد أثنى الله ﵎ على الأنصار بأنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك، قاله ابن كثير. ويؤيد القول بالجواز دون الاستحباب: قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ (٢)، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ أي: لا تبسطها بالعطاء كل البسط فتعطي جميع ما عندك، فتقعد محسورا، أي: منقطعاً بك لا شيء عندك تنفقه يقول: .... دابة حسيرة إذا كانت كالة. ففي الآية نهي عن الإسراف في إنفاق المال في وجوه الخير (٣). ومن حده بالثلث استدل: (١١٧) بما رواه البخاري ومسلم من طريق عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص ﵁، وفيه: قوله ﷺ : " الثلث، والثلث كثير " (٤). المسألة الثانية: وقف المرهون: إذا لزم شخصاً حق من الحقوق المالية، وأعطى مقابل ذلك رهناً، فهل يصح وقف هذا الرهن من قبل الراهن؛ إذ هو المالك للرهن؟.

стр. 364

أما المرتهن فلا يصح وقفه بالاتفاق؛ إذ هو غير مالك، وإنما له حق الوثيقة فقط. أما الراهن، ففي وقفه ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن يكون ذلك بإذن المرتهن: إذا أذن المرتهن للراهن أن يقف الرهن صح هذا الوقف بالاتفاق؛ لأن الراهن إنما منع من التصرفات الناقلة للملك لحق المرتهن، فإذا أذن فقد أسقط حقه (١). الأمر الثاني: أن يكون ذلك بغير إذن المرتهن، وقبل القبض: إذا لم يأذن المرتهن للراهن في وقف العين المرهونة، ولم يكن المرتهن قبضها، فوقفها الراهن، فللعلماء في حكم هذا الرهن قولان ينبنيان على حكم لزوم الرهن قبل القبض، أو عدم لزومه: القول الأول: أن الرهن يلزم بمجرد العقد، وعليه فلا يصح وقف الراهن للرهن. وهو قول أكثر المالكية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد، قدمه في الفائق (٣). القول الثاني: أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض. وهو قول جمهور الفقهاء: الحنفية (٤)، وبعض المالكية (٥)،

стр. 365

والشافعية (١)، والحنابلة (٢)، والظاهرية (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: (لزوم الرهن بالعقد) استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٤). وجه الدلالة من وجهين: الوجه الأول: أنه سبحانه شرط فيه القبض بعد أن أثبتها رهناً، وذلك يفيد أنها قد تكون رهناً وإن لم تقبض (٥). الوجه الثاني: أنه لا يخلو أن يكون خبراً أو أمراً، ولا يجوز أن يكون خبراً؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز وجود رهن غير مقبوض … فثبت أنه أمر (٦). ونوقش من أمرين: الأول: أن الخلاف هنا هو في لزوم الرهن وليس في اسمه، وكونه يسمى رهناً قبل القبض مسلّم، لكن لا يكون لازماً إلا بقبضه. الثاني: أن سياق الآية دل على الأمر بقبض هذا الرهن ليحصل به التوثيق، وبدون هذا القبض لا يتم المقصود.

стр. 366

٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١)، فالتصرف بالرهن بعد العقد بما ينقل الملك مخالف للإيفاء بالعقد. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾ (٢). ووجه الاستدلال كما سبق. ٤ - أن الرهن عقد من العقود، فلم يكن من شرط انعقاده قبض المعقود عليه (٣). ونوقش: بأن الخلاف في لزومه، وأنه لا يحصل إلا بالقبض وليس بانعقاده، ولهذا نظائر في العقود منها: عقد البيع لا يلزم إلا بالتفرق من مجلس العقد، وبيع الربوي بالربوي متحدي العلة يصح العقد فيه لكن شرط بقائه على الصحة التقابض قبل التفرق وإلا بطل. ٥ - أن الرهن عقد لازم، فوجب أن يلزم بنفس انعقاده كالبيع (٤). ونوقش هذا التعليل: بأن هذا استدلال في محل النزاع، وقياسه على البيع مناقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن البيع عقد معاوضة، والرهن عقد إرفاق (٥). أدلة القول الثاني: (لزوم الرهن بالقبض) استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٦).

стр. 367

والاستدلال بهذه الآية من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن الله وصف الرهن بالقبض، فوجب أن يكون شرطاً في صحته، كوصف الرقبة بالإيمان، والاعتكاف بالمسجد، والشهادة بالعدالة، ثم كانت هذه الأوصاف شروطاً، فكذا القبض (١). ونوقش: بالفرق، حيث إن ما ذكر صفات لأعيان، والرهن عقد، فيلزم بمجرده؛ إذ القبض صفة منفكة عنه. الوجه الثاني: أنه ذكر غير الرهن من العقود ولم يصفها بالقبض، وذكر الرهن ووصفه بالقبض، فلا يخلو أن يكون وصف الرهن بالقبض إما لاختصاصه به، أو ليكون تنبيهاً على غيره، وأيهما كان فهو دليل على لزومه فيه (٢). ونوقش: بأن وصفه بالقبض لا يدل على عدم لزومه بالعقد. الوجه الثالث: أن ذكر القبض يوجب فائدة شرعية لا تستفاد بحذف ذكره، ولا فائدة في ذكره إن لم يجعل القبض شرطاً في صحته (٣). ونوقش: بأنه لا يلزم أن يكون ذكره شرطاً للصحة، بل ذكر لتأكيد القبض، أو بناء على الغالب، بدليل أن العقد بدون قبض صحيح بالإجماع. (١١٨) ٢ - ما رواه البخاري من طريق عامر، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً " (٤). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أذن للمرتهن بركوب العين المرهونة مما يدل على القبض.

стр. 368

ونوقش هذا الاستدلال: بأن مجرد قبض المرتهن للعين المرهونة لا يلزم منه أن يكون شرطاً للزوم، بل قد يكون بناء على الغالب، أو لزيادة التوثق، ونحو ذلك. ٣ - أن الرهن عقد إرفاق يفتقر إلى القبول، فافتقر إلى القبض كالقرض (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: عدم المقيس عليه، فمن العلماء من يرى أن القبض يلزم بمجرد العقد. الوجه الثاني: أنه استدلال مع الفارق، فالقرض لا ينتفع إلا بقبضه، والرهن يكون وثيقة وإن لم يقبض. الترجيح: الراجح -والله أعلم- لزوم الرهن بمجرد العقد، وعلى هذا فلا يصح وقفه بعد العقد؛ لما يترتب عليه من إبطال حق المرتهن من الوثيقة. الأمر الثالث: أن يكون بدون إذن المرتهن، وبعد القبض: للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يصح وقف المرهون. وهو قول جمهور أهل العلم: المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢). القول الثاني: أنه يصح وقف الراهن إن فكها من الرهن ولو بعد مدة، وإن لم يفكها فلا يصح الوقف.

стр. 369

وهو قول الحنفية (١). القول الثالث: صحة وقف الراهن للمرهون مطلقاً. وهو قول عند الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: (عدم الصحة مطلقاً) استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٤). وجه الدلالة: دلت الآية على مشروعية الرهن، وفي تجويز وقف الرهن إبطال لحق المرتهن من الوثيقة، فلم يكن في مشروعيته فائدة. (١١٩) ٢ - ما رواه أحمد من طريق جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار " (٥).

стр. 370

وفي وقف المرهون ضرر بالمرتهن. ٣ - القاعدة الفقهية: (أن المشغول لا يشغّل). ٤ - أن في وقف الراهن للمرهون إبطالاً لحق المرتهن، فيحرم، والوقف قربة، ولا يتقرب بالمحرمات وإسقاط الحقوق (١).

стр. 371

دليل القول الثاني: (الصحة إن كان الرهن موسراً) أن الرهن مجرد وثيقة، ووقفه لا يضيع حق المرتهن مع الاحتياط له بما ذكر من شرط إمكان الرجوع على الموسر. ونوقش: بأنه لا يسلّم أن حق المرتهن لا يضيع، بل يضيع حقه من الوثيقة؛ إذ الموسر قد يعسر، وقد يماطل. أدلة القول الثالث: (الصحة مطلقاً) استدل للقول بصحة وقف المرهون بما يلي: ١ - أن الوقف صدر من مالك، فيصح؛ لصدوره من أهله. ونوقش: بالتسليم، لكن هذا الملك غير متمحض؛ لتعلق حق المرتهن. ٢ - القياس على العتق، فكما يصح عتق الراهن كذا وقفه؛ لبناء العتق على السراية والتغليب (١). ونوقش: بعدم تسليم عتق المرهون؛ لتعلق حق المرتهن، فلا يتقرب إلى الله بإسقاط الحق. الترجيح: الراجح -والله أعلم- عدم صحة وقف المرهون من قبل الراهن؛ لقوة دليله، وضعف القولين الآخرين بمناقشتهما.

стр. 372

المطلب السابع: الشرط السابع: أن لا يقف على نفسه وفيه مسائل: المسألة الأولى: حكم الوقف على النفس: صورة المسألة: أن يقول: هذا البيت وقف علي، فهل يصح هذا؟ للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: صحة الوقف على النفس. وهو المعتمد عند الحنفية (١)، ووجه عند الشافعية (٢)، ورواية عند الحنابلة (٣)، وإليه ذهب الظاهرية (٤)، واختاره شيخ الإسلام (٥)، وابن القيم (٦). القول الثاني: عدم صحة الوقف على النفس. وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية (٧)، وهو قول جمهور أهل العلم:

стр. 373

المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وفي المغني: "سئل الإمام أحمد عن ذلك؟ فقال: لا أعرف الوقف إلا ما أخرجه لله، وفي سبيل الله، فإذا وقفه عليه حتى يموت فلا أعرفه ". الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - عمومات أدلة مشروعية الوقف، فيدخل فيها الوقف على النفس (٤). ٢ - عمومات أدلة صحة الشرط في الوقف، ويدخل في ذلك شرط كون الوقف على النفس (٥). ٣ - عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال لرجل: " ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا " (٦). (١٢٠) ٤ - ما رواه أبو داود من طريق محمد بن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: أمر النبي ﷺ بالصدقة، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك أو قال زوجك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر" (٧).

стр. 374

وجه الاستدلال: أن الوقف نوع من الصدقة، والصدقة مأمور بها، فإذا جازت الصدقة على النفس فكذلك الوقف عليها. ٥ - حديث وقف عثمان ﵁ لبئر رومة (١). وجه الاستدلال: أن عثمان ﵁ وقف بئر رومة، وجعل لنفسه حق الانتفاع منها. ونوقش: بأن الوقف هنا ليس وقفاً على النفس استقلالاً، وإنما هو

стр. 375

دخول الواقف كغيره في الانتفاع من الوقف العام، كصلاته في المسجد الذي أوقفه (١). (١٢١) ٦ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: " اركبها "، قال: يا رسول الله إنها بدنة، قال: " اركبها ويلك " في الثالثة، أو في الثانية (٢). وجه الاستدلال: أن البدنة المهداة قد خرجت عن ملك صاحبها، ومع ذلك أجاز النبي ﷺ لصاحبها الانتفاع بها، فكذلك الوقف على النفس. (١٢٢) ٧ - وقال البخاري: "وأوقف أنس داراً فكان إذا قدمها نزلها" (٣). (١٢٣) ٨ - وقال البخاري: " وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذي الحاجة من آل عبد الله " (٤). ٩ - أنه لو وقف على جهة عامة جاز أن يكون كواحد من تلك الجهة، فيصلي في المسجد الذي وقفه، ويدفن في المقبرة التي سبلها، ونحو ذلك،

стр. 376

بل الجواز هنا أولى من حيث إنه موقوف عليه بالتعيين، وهناك دخل في الوقف؛ لشموله الاسم (١). ويأتي أنه إذا وقف على الفقراء أو العلماء دخل معهم إذا اتصف بصفتهم. ١٠ - قال ابن القيم: " … فإن الواقف أخرج رقبة الوقف لله، وجعل نفسه أحد المستحقين للمنفعة مدة حياته، فإن لم يكن أولى من البطون المرتبة فلا يكون دون بعضهم، وهذا محض القياس، وإن قلنا الوقف ينتقل إلى الموقوف عليهم بطناً بعد بطن يتلقونه من الواقف، فالطبقة أحد الموقوف عليهم، ومعلوم أن أحد الشريكين إذا اشترى لنفسه، أو باع من الشركة جاز على المختار لاختلاف حكم الملكين، فلأن يجوز أن ينقل ملكه المختص إلى طبقات موقوف عليها هو أحدها أولى " (٢). ١١ - أن المقصود من الوقف القربة، وهي حاصلة بالوقف على النفس (٣). أدلة القول الثاني: (عدم صحة الوقف على النفس) استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - عن ابن عمر ﵄ في قصة وقف عمر ﵁، وفيه قال النبي ﷺ : "حبس الأصل وسبل الثمرة" (٤). وجه الاستدلال: أن تسبيل الثمرة تمليكها للغير، ولا يتصور أن يملك

стр. 377

الشخص من نفسه لنفسه، وحقيقة الوقف على النفس تمليك للنفس على النفس (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بأن الوقف على النفس تمليك من النفس للنفس، بل هو إخراج الملك إلى الله تعالى على وجه القربة، فإذا شرط البعض أو الكل لنفسه فقد جعل ما صار مملوكاً لله تعالى لنفسه لا أن يجعل ملك نفسه لنفسه (٢). الوجه الثاني: أن امتناع تمليك الشخص نفسه لعدم الفائدة، فإذا وجدت الفائدة كما هنا فلا دليل على المنع (٣). ٢ - أن التقرب بإزالة الملك، واشتراط كامل الانتفاع أو بعضه لنفسه يمنع زوال ملكه فيبطل الوقف (٤). ونوقش: بعدم التسليم؛ فالوقف خرج من ملك الواقف إلى ملك الله تعالى. ٣ - أن في الوقف على النفس منع الواقف نفسه من التصرف في رقبة الملك، والوقف لم يوضع لمنع التصرف فقط (٥). ونوقش: بعدم التسليم؛ فالوقف على النفس فيه حبس الأصل عن التصرف، وتسبيل المنفعة للواقف، ثم لمن بعده، وهذه حقيقة الوقف.

стр. 378

٤ - أنه لا يصح الوقف على النفس قياساً على العتق، فلو استثنى المعتق بعض أحكام الرق لنفسه لم يجز ذلك، فكذا الوقف (١). ونوقش: بعدم التسليم، فيصح أن يعتق السيد ويستثني منافع العبد مدة حياته، ونحو ذلك. ٥ - أن الوقف تمليك إما للرقبة أو المنفعة، ولا يجوز له أن يملك نفسه من نفسه كما لا يجوز أن يبيع ماله من نفسه (٢). ونوقش: بالفرق بين البيع والوقف؛ إذ البيع من النفس لا تظهر فيه مصلحة، بخلاف الوقف. الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة الوقف على النفس؛ لقوة دليله، ويؤيده أيضا: أن كثيراً من المانعين جوزوا أن يستثنى الواقف كل الغلة أو بعضها مدة حياته كما سيأتي، وهذا نوع من الوقف على النفس. وأيضا ما فيه من مصلحة الواقف؛ إذ يحتاج إليه الشخص لمنع نفسه من التصرف الناقل للملك مع حاجته إلى الإفادة منه مدة حياته. المسألة الثانية: حكم الوقف عند من قال: بعدم صحة الوقف على النفس: تقدم في المطلب الأول أن المالكية، والشافعية، والحنابلة قالوا: بعدم صحة الوقف على النفس، واختلفوا في مصير هذا الوقف: فالشافعية، والحنابلة: أنه يبطل الوقف، ويعود إلى الواقف؛ لتخلف شرط من شروط صحة الوقف (٣).

стр. 379

وعند المالكية، ووجه للحنابلة: أنه ينتقل إلى من بعده إلحاقا له بمنقطع الابتداء (١). لكن عند المالكية: لا بد أن يحوزه من بعد الواقف قبل المانع من موت أو جنون أو فلس (٢). وقال المرداوي: " فعلى المذهب هل يصح على من بعده؟ على وجهين بناء على المنقطع الابتداء على ما يأتي إن شاء الله تعالى، قال الحارثي: ويحسن بناؤه على الوقف المعلق " (٣). المسألة الثالثة: استثناء الغلة، أو بعضها. وصورة ذلك: أن يقول الواقف هذا البيت، أو الدكان وقف على طلبة العلم، ولي نصف الريع مدة حياتي، أو مدة سنة أو سنتين، ونحو ذلك. فللعلماء في ذلك أقوال: القول الأول: صحة الوقف، والشرط. وهو قول الحنفية (٤)، وقول عند الشافعية (٥)، وهو مذهب الحنابلة (٦). القول الثاني: عدم صحة الوقف. وهو مذهب المالكية (٧)، والشافعية (٨).

стр. 380

قالوا: إن جعل الغلة كلها لنفسه من غير أن يعين من بعده فالوقف باطل بذلك. فإن جعل جزءاً للمساكين فلا شيء له والوقف صحيح وإن وقف على نفسه ثم على المساكين صار إلى المساكين ويكون منقطع الابتداء (١). القول الثالث: صحة الوقف دون الشرط. وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). الأدلة: أدلة الرأي الأول: ١ - الأدلة الدالة على اشتراط الرضا في العقود (٣). وجه الدلالة: أن الواقف لم يرض بهذا الوقف إلا على هذا الوجه. ٢ - الأدلة الدالة على صحة الشرط في عقد الوقف (٤). ويدخل في ذلك اشتراط الواقف لنفسه الغلة أو بعضها. ٣ - الأدلة الدالة على صحة الوقف على النفس (٥). فإذا صح جعل جميع الوقف على النفس، فبعضه من باب أولى (٦). (١٢٤) ٤ - قال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: " ألم تر أن حجر المدنيين أخبرني أن في صدقة رسول الله ﷺ : يأكله أهله بالمعروف غير المنكر " (٧).

стр. 381

(١٢٥) ٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عامر يقول: حدَّثني جابر ﵁ " أنّه كان يسير على جمل له قد أعيا، فمرّ النبي ﷺ ، فضربه فدعا له فسار بسير ليس يسير مثله، ثم قال: بعنيه بوقِيَّة، قلت: لا، ثم قال: بِعْنِيه بِوَقِيَّة، فبعته فاسْتَثْنَيت حُمْلانه إلى أهلي" (١). ففيه استثناء المنفعة في البيع، فكذا الوقف. ٦ - عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ : "أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها" (٢). (١٢٦) ٧ - ما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن سعيد بن جُمْهَان، عن سفينة مولى أم سلمة " قال: أعتقتني أم سلمة واشترطت علي أن أخدم النبي ﷺ ما عاش " (٣).

стр. 382

ففيه استثناء المنفعة في العتق، فكذا الوقف. ٨ - ما جاء في حديث عمر ﵁: " لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمول فيه " (١). فاشترط عمر لمن يلي صدقته أن يأكل منها بالمعروف، وكان الوقف في يده إلى أن مات. قال البخاري -﵀ -: " وقد اشترط عمر ﵁: لا جناح على من وليه أن يأكل منها، وقد يلي الواقف وغيره " (٢). (١٢٦) ٩ - ما علقه البخاري بصيغة الجزم: "وتصدق الزبير بدوره، وقال: للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حق" (٣).

стр. 383

وجه الدلالة: أنه إذا أجاز شرط بعض الغلة للموقوف عليه، فشرطها للواقف من باب أولى. ١٠ - أنه لو وقف وقفاً عاماً كالمساجد والسقايات والمقابر كان له الانتفاع به إجماعاً، فكذلك إذا خص نفسه بالانتفاع بالشرط (١). أدلة القول الثاني: (عدم الصحة) ١ - ما تقدم من الأدلة على عدم صحة الوقف على النفس. وقد تقدمت مناقشتها. ٢ - أن الوقف تبرع على وجه التمليك، فاشتراط البعض أو الكل لنفسه يبطله؛ لأن تمليك الإنسان من نفسه لا يتحقق؛ لأنه حاصل، وتحصيل الحاصل ممتنع (٢). ونوقش هذا الاستدلال: أنه مبني على أن الوقف ملك للموقوف عليه وهذا غير مسلم، بل ملك لله تعالى كما سبق تحريره. ٣ - أن الوقف إزالة ملك فلم يجز اشتراط نفعه كالبيع، والهبة، وكما لو اعتق عبداً واشترط أن يخدمه " (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الصحيح أنه يجوز أن يبيع الرجل الشيء، أو يهبه، أو يعتق العبد، ويستثنى بعض منافعه مدة؛ لما تقدم من الأدلة.

стр. 384

٤ - أن ما ينفقه الواقف على نفسه من وقفه مجهول، فلم يصح اشتراطه (١). ويناقش: بعدم التسليم بجهالة ما ينفقه الواقف على نفسه إذا كانت المدة التي اشترط الواقف الانتفاع فيه معينة. أما إذا كانت مدة الانتفاع هي مدة حياة الواقف فجهالة المدة غير مؤثرة؛ لأنها لا تدل على جهالة مدة كل بطن بالنسبة إلى من بعده (٢). ولم أقف على دليل للقول الثالث. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول بصحة الوقف والشرط، وضعف أدلة القول المخالف بما ورد عليها من مناقشة؛ ولأن الوقف فعل خير وقربة وإحسان، فلا يمنع منه إلا لدليل. المسألة الرابعة: استحقاق الواقف من الوقف إذا شمله وصف الموقوف عليه. صورة ذلك: أن يقول هذا وقف على العلماء، وهو منهم، فللعلماء في ذلك قولان: القول الأول: أنه يدخل في الموقوف عليهم، فيستحق الأخذ من غلة الوقف. وبه قال جمهور أهل العلم: المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).

стр. 385

القول الثاني: أنه لا يدخل الواقف في الموقوف عليهم، فلا يستحق الأخذ من الغلة. وبه قال الحنفية (١)، وقول عند الشافعية (٢)، وقول عند الحنابلة (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: (دخول الواقف في الموقوف عليهم) ١ - حديث عثمان ﵁، وفيه قوله ﷺ : " من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة " (٤). فالوقف على جميع المسلمين دخل فيهم عثمان ﵁. ٢ - ما تقدم من الأدلة على صحة الوقف على النفس. ٣ - قاعدة: دخول المتكلم في عموم خطابه. دليل القول الثاني: (عدم الدخول) بأن الواقف أطلق الوقف، ومطلق الوقف ينصرف إلى غير الواقف (٥). ونوقش: بأن هذا استدلال في محل النزاع. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول بجواز انتفاع الواقف بغلة وقفه إذا وجدت فيه صفة الاستحقاق؛ لقوة أدلته، وضعف أدلة المخالف المبنية على قول مرجوح في مسألة مختلف فيها.

стр. 386

المبحث الثاني: شروط الموقوف عليه وفيه مطالب: المطلب الأول: الشرط الأول: أن يكون الموقوف عليه مسلماً وعلى هذا إذا وقف على كافر، فموضع خلاف بين أهل العلم: وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الوقف على جهة خاصة: وفيها أمور: الأمر الأول: الوقف على الذميّ: إذا وقف على قريب له، أو طائفة محصورة من أهل الذمة، فاختلف أهل العلم في صحة هذا الوقف على قولين: القول الأول: صحة هذا الوقف. وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).

стр. 387

القول الثاني: صحة الوقف من المسلم على الذميّ بشرط كونه قريباً له. وهو وجه في مذهب الحنابلة (١). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل القائلون بصحة الوقف على جهة خاصة مطلقاً بما يلي: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ (٢) (٣). وجه الدلالة: أن الله تعالى امتدح الأبرار على إطعامهم الطعام للأسير، والأسير في ذلك الوقت لم يكن إلا مشركاً كافراً، فدل ذلك على جواز الصدقة على الكافر، ومن ذلك الوقف (٤). قال الحسن البصري: " ما كان أسراهم إلا المشركين " (٥). ويقول ابن جرير: " والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الأبرار بأنهم كانوا في الدنيا يطعمون الأسير، والأسير قد وصفت صفته، واسم الأسير قد يشتمل على الفريقين، وقد عمّ الخبر عنهم أنهم يطعمونهم، فالخبر على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له " إلى أن قال: " وكذلك الأسير معنيّ به أسير المشركين والمسلمين يومئذ وبعد ذلك إلى قيام الساعة " (٦).

стр. 388

٢ - قول الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله تعالى أطلق لفظ ﴿الْفُقَرَاءَ﴾ فلم يفرّق بين فقير وفقير، فدل على جواز صرف الصدقة إليهم (٢)، ومن ذلك الوقف. ٣ - قول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ (٣). وجه الدلالة: قال أبو بكر الجصاص: " قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ عمومه في جواز دفع الصدقات إلى أهل الذمة؛ إذ ليس هم من أهل قتالنا " (٤). وقال ابن الجوزي: " قال المفسرون: وهذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين، وجواز برهم، وإن كانت الموالاة منقطعة منهم" (٥). وقال ابن كثير: " أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة منهم " (٦). وعلى هذا يكون وجه الدلالة من الآية: أنه لا يحرم علينا البر والإحسان إلى الكفار الذين لم يناصبونا الحرب، ولا ينهانا عن ذلك، بل يجيزه لنا، ويحبه منّا، ومن البرّ والإحسان الصدقة عليهم، يقول الكاساني: " صرف

стр. 389

الصدقة إلى أهل الذمة من باب إيصال البر إليهم، وما نهينا عن ذلك، ثم استدل بالآية" (١). ٤ - قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ (٢). سبب نزول الآية: أن المسلمين كانوا يكرهون أن يتصدقوا على أقاربهم من المشركين ليدخلوا في الإسلام حاجة إليها، فنزلت الآية لبيان حصول الثواب بالصدقة على الأقارب وإن كانوا مشركين، قال ابن الجوزي: " هذا رأي الجمهور " (٣). (١٢٧) ٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: قدمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: "نعم، صلي أمك" (٤) (٥)، وفي لفظ: "وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم " (٦). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر أسماء بصلة أمها وهي مشركة، فدل على جواز ذلك، ومن أنواع الصلة صدقة التطوع، ومن ذلك الوقف. (١٢٨) ٦ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر -

стр. 390

﵄ قال: رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي ﷺ : ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفد، فقال: " إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة "، فأتي رسول الله ﷺ منها بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟، قال: " إني لم أكسكها لتلبسها، تبيعها أو تكسوها "، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم (١). وجه الدلالة: أن عمر ﵁ أرسل بهذه الحلة الحريرية التي أعطاه إياها النبي ﷺ إلى أخ مشرك على وجه الصدقة أو الهدية، وأُقرّ على ذلك، فدل على أنه مشروع. ٧ - لأن صلة الرحم محمودة في كل دين، والإهداء إلى الغير من مكارم الأخلاق، حتى وإن كان الموصول والمهدى إليه كافراً. (١٢٩) ٨ - ما رواه سعيد بن منصور قال: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة: " أن صفية بنت حيي باعت حجرتها من معاوية بمئة ألف، وكان لها أخ يهودي فعرضت عليه أن يسلم فيرث فأبى، فأوصت له بثلث المئة " (٢).
следующие страницы →