المبحث الثاني: شروط الموقوف عليه
وفيه مطالب:
المطلب الأول: الشرط الأول: أن يكون الموقوف عليه مسلماً
وعلى هذا إذا وقف على كافر، فموضع خلاف بين أهل العلم:
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الوقف على جهة خاصة:
وفيها أمور:
الأمر الأول: الوقف على الذميّ:
إذا وقف على قريب له، أو طائفة محصورة من أهل الذمة، فاختلف أهل العلم في صحة هذا الوقف على قولين:
القول الأول: صحة هذا الوقف.
وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 387
القول الثاني: صحة الوقف من المسلم على الذميّ بشرط كونه قريباً له.
وهو وجه في مذهب الحنابلة (١).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بصحة الوقف على جهة خاصة مطلقاً بما يلي:
١ - قول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ (٢)(٣).
وجه الدلالة: أن الله تعالى امتدح الأبرار على إطعامهم الطعام للأسير، والأسير في ذلك الوقت لم يكن إلا مشركاً كافراً، فدل ذلك على جواز الصدقة على الكافر، ومن ذلك الوقف (٤).
قال الحسن البصري: " ما كان أسراهم إلا المشركين " (٥).
ويقول ابن جرير: " والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله وصف هؤلاء الأبرار بأنهم كانوا في الدنيا يطعمون الأسير، والأسير قد وصفت صفته، واسم الأسير قد يشتمل على الفريقين، وقد عمّ الخبر عنهم أنهم يطعمونهم، فالخبر على عمومه حتى يخصه ما يجب التسليم له " إلى أن قال: " وكذلك الأسير معنيّ به أسير المشركين والمسلمين يومئذ وبعد ذلك إلى قيام الساعة " (٦).
стр. 388
٢ - قول الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١).
وجه الدلالة: أن الله تعالى أطلق لفظ ﴿الْفُقَرَاءَ﴾ فلم يفرّق بين فقير وفقير، فدل على جواز صرف الصدقة إليهم (٢)، ومن ذلك الوقف.
٣ - قول الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ (٣).
وجه الدلالة:
قال أبو بكر الجصاص: " قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ عمومه في جواز دفع الصدقات إلى أهل الذمة؛ إذ ليس هم من أهل قتالنا " (٤).
وقال ابن الجوزي: " قال المفسرون: وهذه الآية رخصة في صلة الذين لم ينصبوا الحرب للمسلمين، وجواز برهم، وإن كانت الموالاة منقطعة منهم" (٥).
وقال ابن كثير: " أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة منهم " (٦).
وعلى هذا يكون وجه الدلالة من الآية: أنه لا يحرم علينا البر والإحسان إلى الكفار الذين لم يناصبونا الحرب، ولا ينهانا عن ذلك، بل يجيزه لنا، ويحبه منّا، ومن البرّ والإحسان الصدقة عليهم، يقول الكاساني: " صرف
стр. 389
الصدقة إلى أهل الذمة من باب إيصال البر إليهم، وما نهينا عن ذلك، ثم استدل بالآية" (١).
٤ - قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ (٢).
سبب نزول الآية: أن المسلمين كانوا يكرهون أن يتصدقوا على أقاربهم من المشركين ليدخلوا في الإسلام حاجة إليها، فنزلت الآية لبيان حصول الثواب بالصدقة على الأقارب وإن كانوا مشركين، قال ابن الجوزي: " هذا رأي الجمهور " (٣).
(١٢٧) ٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: قدمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ ، فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: "نعم، صلي أمك" (٤)(٥)، وفي لفظ: "وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدهم " (٦).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر أسماء بصلة أمها وهي مشركة، فدل على جواز ذلك، ومن أنواع الصلة صدقة التطوع، ومن ذلك الوقف.
(١٢٨) ٦ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر -
стр. 390
﵄ قال: رأى عمر حلة على رجل تباع، فقال للنبي ﷺ : ابتع هذه الحلة تلبسها يوم الجمعة وإذا جاءك الوفد، فقال: " إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة "، فأتي رسول الله ﷺ منها بحلل، فأرسل إلى عمر منها بحلة، فقال عمر: كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟، قال: " إني لم أكسكها لتلبسها، تبيعها أو تكسوها "، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم (١).
وجه الدلالة: أن عمر ﵁ أرسل بهذه الحلة الحريرية التي أعطاه إياها النبي ﷺ إلى أخ مشرك على وجه الصدقة أو الهدية، وأُقرّ على ذلك، فدل على أنه مشروع.
٧ - لأن صلة الرحم محمودة في كل دين، والإهداء إلى الغير من مكارم الأخلاق، حتى وإن كان الموصول والمهدى إليه كافراً.
(١٢٩) ٨ - ما رواه سعيد بن منصور قال: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة: " أن صفية بنت حيي باعت حجرتها من معاوية بمئة ألف، وكان لها أخ يهودي فعرضت عليه أن يسلم فيرث فأبى، فأوصت له بثلث المئة " (٢).
стр. 391
ونوقش: بأنه في الوصية، وليس في الوقف.
٩ - أن الوصية للذمي المعين جائزة، فيجوز الوقف عليه كالوصية (١).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة الوقف على أهل الذمة إذا كانوا جهة خاصة؛ لقوة دليله، وضعف دليل القول الثاني بمناقشته.
الأمر الثاني: الوقف على المعاهد، والمستأمن:
اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في صحة الوقف على المعاهد والمستأمن على قولين:
القول الأول: عدم صحة الوقف على المعاهد، والمستأمن.
وبه قال بعض الشافعية (٢).
وحجته: إلحاقه بالحربي، والحربي لا يصح الوقف عليه.
القول الثاني: صحة الوقف عليهما.
وبه قال بعض الشافعية (٣).
وحجته: إلحاقهما بالذمي، والذمي يصح الوقف عليه.
جاء في حاشية الجمل على المنهج: " أما المعاهد والمؤمن فيلحقان
стр. 392
بالحربي على ما جزم به الدميري، وقال غيره: إنه المفهوم من كلامهم ورجح الغزي إلحاقهما بالذمي وهو الأوجه إن حل بدارنا ما دام فيها، فإذا رجع صرف لمن بعده، وخص المصنف في نكت التنبيه الخلاف بقوله: وقفت على زيد الحربي أو المرتد كما يشير إليه كلام الكتاب، أما إذا وقف على الحربيين أو المرتدين فلا يصح قطعا، ورجح السبكي فيمن تحتم قتله بالمحاربة أنه كالزاني المحصن" (١).
ونوقش هذا الاستدلال: بالفرق بين الذمي والمعاهد والمستأمن؛ إذ الذمي له عهد، ويبذل الجزية، وتجب حمايته.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- عدم صحة الوقف على المعاهد والمستأمن؛ إذ إلحاقهما بالحربي أقرب من إلحاقهما بالذمي.
الأمر الثالث: الوقف على الحربي، والمرتد:
إذا وقف على جهة خاصة من الحربيين أو المرتدين، كأن يوقف على واحد قريب له، أو طائفة محصورة، فاختلف العلماء في حكم هذا الوقف على قولين:
القول الأول: عدم صحة هذا الوقف.
وهو قول جمهور العلماء: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 393
جاء في شرح مختصر خليل للخرشي: " الوقف على الحربي باطل، وكذلك الصدقة والوصية له باطلة عكس الذمي؛ لأن ذلك إعانة له على حربه، والمراد بالحربي من كان بدار الحرب كان متصديا للحرب أم لا " (١).
وجاء في كفاية الأخيار: " الوقف على الحربي والمرتد فإنه لا يصح على الراجح؛ لأنهما مقتولان فهو وقف على من لا دوام له، فأشبه وقف شيء لا دوام له " (٢).
وفي الشرح الكبير: " (ولا يصح الوقف على حربي ولا مرتد)؛ لأن أموالهم مباحة في الأصل تجوز إزالتها، فما يتجدد لهم أولى، والوقف يجب أن يكون لازما؛ لأنه تحبيس الأصل " (٣).
وجاء في كشاف القناع: " (ولا) يصح الوقف أيضا (على حربي، و) لا على (مرتد)؛ لأن ملكه تجوز إزالته والوقف يجب أن يكون لازما، ولأن إتلاف أنفسهما والتضييق عليهما واجب، فلا يجوز فعل ما يكون سببا لبقائهما والتوسعة عليهما " (٤).
القول الثاني: صحة هذا الوقف.
وهو وجه في مذهب الشافعية (٥).
في المجموع: " وفى الوقف على المرتد والحربي وجهان: (أحدهما) يجوز؛ لأنه يجوز تمليكه، فجاز الوقف عليه كالذمي.
стр. 394
(والثاني) لا يجوز؛ لأن القصد بالوقف نفع الموقوف عليه، والمرتد والحربي مأمور بقتلهما، فلا معنى للوقف عليهما " (١).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ (٢)(٣) مع الآية التي قبلها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ (٤).
يقول الجصاص: " قوله: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ عموم في جواز دفع الصدقات إلى أهل الذمة، إذ ليسوا من أهل قتالنا، وفيه النهي عن الصدقة على أهل الحرب؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ " (٥).
٢ - لا يجوز صرف الصدقة للحربي؛ لأن في ذلك إعانة لهم على قتالنا، وهذا لا يجوز، وهذا المعنى لم يوجد في الذمي (٦).
٣ - انتفاء قصد القربة؛ فإنها منتفية عمن هو مقتول شرعاً وليس على دين الإسلام (٧).
стр. 395
٤ - أن في الوقف عليهما منابذة لعزة الإسلام؛ لتمام معاندتهما له من أكثر من وجه (١).
٥ - أن إتلاف أنفسهما والتضييق عليهما واجب، فلا يجوز ما يكون سبباً لبقائهما والتوسعة عليهما (٢).
٦ - ولأن القصد بالوقف نفع الموقوف عليه، والمرتد والحربي مأمور بقتلهما، فلا معنى للوقف عليهما (٣).
٧ - لأن ملكه تجوز إزالته والوقف يجب أن يكون لازما.
دليل القول الثاني: (صحة الوقف على الحربي والمرتد)
استدل القائلون بصحة الوقف على الحربي والمرتد: بجواز تمليكهما، والمراعى في الوقف التمليك وليس القربة (٤).
ونوقش: بعدم التسليم، بل القربة شرط لصحة الوقف، كما تقدم في مبحث اشتراط القربة لصحة الوقف.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول بعدم صحة الوقف على الحربيين والمرتدين؛ لقوة دليله، وضعف القول الآخر بمناقشته.
المسألة الثانية: أن يكون الوقف على جهة عامة.
وفيه أمران:
الأمر الأول: الوقف على الحربيين، والمرتدين:
اختلف العلماء في حكم الوقف على الحربيين والمرتدين على قولين:
стр. 396
القول الأول: عدم صحة الوقف على الحربيين والمرتدين.
وهو قول جمهور العلماء (١).
القول الثاني: صحة الوقف على الحربيين والمرتدين.
وهو وجه عند الشافعية (٢).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١ - ما تقدم من الأدلة على عدم صحة الوقف إذا كان على جهة خاصة من الحربيين والمرتدين، فالجهة العامة من باب أولى.
٢ - أن الجهة جهة معصية.
دليل القول الثاني:
ما سيأتي من الأدلة على صحة الوقف على أهل الذمة.
ونوقش: بالفرق بين الحربيين وأهل الذمة؛ إذ الحربي حلال الدم والمال، بخلاف الذمي فله ذمة معصوم الدم والمال.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم صحة الوقف على الحربيين والمرتدين؛ لأن الوقف قربة، وهؤلاء ليسوا من أهل القربة.
الأمر الثاني: الوقف على أهل الذمة:
في الوقف على أهل الذمة، أو على طائفة منهم، كيهود أو نصارى بلدة معينة خلاف بين الفقهاء -رحمهم الله تعالى- على قولين:
стр. 397
القول الأول: عدم صحة الوقف على أهل الذمة، أو على طائفة منهم.
وهو مذهب الحنابلة (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢).
القول الثاني: صحة الوقف على أهل الذمة مطلقاً.
وهو مذهب الحنفية، والمالكية (٣)، والصحيح من مذهب الشافعية (٤)، وقول في مذهب الإمام أحمد (٥).
وخصه الحنفية بالفقراء دون غيرهم، وكرهه المالكية على الأغنياء.
الأدلة:
دليل القول الأول: (عدم الصحة)
يُستدل للقائلين بعدم الصحة: بأن الوقف شرع في أصله قربة إلى الله ، فلا يصح منه إلا ما تمحض فيه الثواب، والوقف على أهل الذمة عامة أو على طائفة منهم ليس بقربة ولا يستجلب الثواب، بل هو معصية؛ لما فيه من إعانتهم على المسلمين (٦).
أدلة القول الثاني: (الصحة)
استدل القائلون بصحة الوقف على أهل الذمة مطلقاً، سواء أكان الواقف مسلماً أم ذمياً بالأدلة التالية:
стр. 398
١ - قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ (١)، وإذا جازت الصدقة عليهم جاز الوقف عليهم كالمسلمين (٢).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا خاص بالجهة الخاصة، كالواحد، والجماعة المحصورين، دون الجهة العامة، فجهة أهل الذمة جهة معصية.
٢ - أن أم المؤمنين صفية ﵂ وقفت على أخ لها يهودي (٣).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن صفية ﵂ إن ثبت وقفت على قريبها المعين -وهذه جهة خاصة-؛ لما فيه من البر، بخلاف الجهة العامة جهة أهل الذمة فإنها جهة معصية، فلا يصح الوقف عليها.
على أن الذي نقل عن صفية ﵂ الوصية وليس الوقف (٤).
٣ - أن المراعى في الوقف التمليك، وأهل الذمة يملكون ملكاً محترماً، فيصح الوقف عليهم (٥).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لما تقدم من أنه يشترط لصحة الوقف إذا كان على جهة عامة أن يكون على بر، ولا يشترط إذا كان على جهة خاصة، لكن يشترط أن لا يتضمن محذوراً شرعياً.
стр. 399
المطلب الثاني: الشرط الثاني: أن يكون الموقوف عليه ممن يصح تملكه
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الوقف على الحيوان.
وصورة ذلك: أن يقول: هذا البيت وقف على خيل الجهاد، أو خيل طلبة العلم، ونحو ذلك.
فقد اختلف العلماء ﵏ في صحة الوقف على الحيوانات والطيور على ثلاثة أقوال:
القول الأول: صحة الوقف على الحيوان، والطير.
وبه قال المالكية، قال المرداوي: "واختار الحارثي الصحة، وقال: هو الأظهر عندي كما في الوقف على القنطرة، والسقاية وينفق عليها" (١).
القول الثاني: عدم صحة الوقف على الحيوان، والطير.
وهو ظاهر قول الحنفية (٢)، والحنابلة (٣).
القول الثالث: التفصيل، فيصح الوقف على الحيوانات الموقوفة،
стр. 400
ولا يصح على ما عداها من المملوكة والمباحة، واستثنى الغزالي حمام الحرم، فيصح الوقف عليها.
وبه قال الشافعية (١).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١ - عمومات أدلة الوقف السابقة (٢)، وهذه تشمل الوقف على الحيوان.
(١٢٨) ٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له "، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجراً؟ فقال: " في كل ذات كبد رطبة أجر" (٣).
(١٢٩) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق قتادة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة " (٤).
стр. 401
٤ - القياس على الوصية، وإذا صحت الوصية للحيوان صح الوقف عليها (١).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن الأصل المقيس موضع خلاف بين العلماء، ومن شروط صحة القياس الاتفاق على الأصل المقيس عليه.
٥ - أن الأصل في الوقف الحل والصحة.
دليل القول الثاني: (عدم صحة الوقف على الحيوان)
استدل من قال بعدم صحة الوقف على الحيوان والطير: بأن الوقف تمليك للمنفعة، والحيوان والطير ليس أهلاً للملك.
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن ملك كل شيء بحسبه، فملك الإنسان يختلف عن ملك الحيوان.
الوجه الثاني: أنه لا يسلم أن الوقف تمليك، بل الوقف شامل لتمليك المنفعة، ولمطلق الانتفاع، وإن لم يحصل تمليك كما في الصلاة في المسجد.
دليل القول الثالث: (التفصيل)
١ - يصح الوقف على الحيوانات الموقوفة؛ لما تقدم من أدلة الرأي الأول.
٢ - ولما تقدم من إثبات الملك للحيوانات الموقوفة.
٣ - أنه لا يصح الوقف على الحيوانات المباحة والمملوكة؛ لأنها ليست أهلاً للملك بحال، كما لا تصح الهبة لها، ولا الوصية (٢).
стр. 402
وقد تقدمت مناقشة هذا الاستدلال.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة الوقف على الحيوان والطير مطلقاً؛ لقوة دليله، ولأن الوقف فعل قربة وإحسان فلا يمنع منه إلا لدليل.
المسألة الثانية: الوقف على الملك، والجني.
جاء في مغني المحتاج: "قال القاضي أبو الطيب: ويؤخذ منه أيضا أن الوصية لا تصح لجني، وبه صرح ابن قدامة الحنبلي؛ لأنه لا يملك بالتمليك " (١).
وجاء في الشرح الكبير: " (ولا تصح لملك ولا لبهيمة ولا لجني)؛ لأنه تمليك فلم يصح لهم كالهبة " (٢).
المسألة الثالثة: الوقف على المقابر (٣).
لو وقف إنسان أرضاً على ترميم المقابر جاز ذلك عند أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (٤).
وعند الشافعية: أنه لا يصح الوقف إذا وقف على المقبرة؛ لتصرف غلة الوقف على عمارة القبور.
قال المتولي: " لأن الموتى صائرون إلى البلى، فلا تليق بهم العمارة " (٥).
стр. 403
وذكر الحنفية: أنه يجوز تبعاً لوقف المقبرة وقف ما جرت العادة بوقفه من قدوم لحفر القبور وما شابهه (١).
كما ذكر الشافعية: أن الوقف يصح على مؤنة الحفارين للقبور (٢).
وذكر الحنابلة: أنه لا يصح وقف الستور لغير الكعبة، كوقفها على الأضرحة؛ لأنه ليس بقربة، وكذا لا يصح الوقف على تنوير القبر ولا على تبخيره، ولا على من يقيم عنده أو يخدمه أو يزوره؛ لأنه ليس من البر، ولا يصح الوقف على بناء مسجد على قبر، ولا وقف البيت الذي فيه القبر مسجداً (٣).
قال البهوتي: " لكن في منع الوقف على من يزوره نظر، فإن زيارة القبور للرجال سنة إلا أن يحمل على زيارة فيها سفر " - أو فيها محظور شرعي من بدعة أو شرك -، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الواقف على المشاهد المبنية على القبور بدعة، لم يكن على عهد الصحابة، والتابعين ولا تابعيهم، بل ولا على عهد الأربعة (٤).
قال ابن القيم: " وكذلك الحكم في أوقافها، فإن وقفها فالوقف عليها باطل، وهو مال ضائع فيصرف في مصالح المسلمين، فإن الوقف لا يصح إلا في قربة وطاعة لله ورسوله، فلا يصح الوقف على مشهد ولا قبر يسرج عليه ويعظم وينذر له ويحج إليه ويعبد من دون الله ويتخذ وثنا من دونه مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام ومن اتبع سبيلهم " (٥).
стр. 404
والخلاصة: أن الوقف على المقابر لا يخلو من أحوال:
الحال الأولى: أن يقصد منه مصلحة المقبرة من إصلاح وعناية، ونحو ذلك فلا بأس به؛ لعدم المحظور الشرعي.
الحال الثانية: أن يقصد منه الغلو في القبور كإسراجها والبناء عليها، ونحو ذلك كما ذكر شيخ الإسلام، وابن القيم فيحرم؛ إذ إنه شرك، أو وسيلة إلى الشرك.
الحال الثالثة: أن يقصد منه نفع الأموات بصرف هذه الأوقاف في صدقات يعود أجرها إليهم فلا بأس به؛ إذ إن الصدقة على الميت جائزة، وسيأتي.
المطلب الثالث: الشرط الثالث: أن يكون الموقوف عليه موجوداً
(الوقف على المعدوم)
اختلف العلماء ﵏ في صحة الوقف على المعدوم، كالوقف على من لم يحمل به، على قولين:
القول الأول: صحة الوقف على المعدوم.
وبه قال المالكية (١).
القول الثاني: عدم صحة الوقف على المعدوم.
стр. 405
وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
جاء في كشاف القناع: " (ولا يصح) الوقف (على معدوم أصلا) أي أصالة (كـ) قوله: وقفت هذا على (من سيولد) لي أو لفلان (أو) على من (يحدث لي أو لفلان)؛ لأنه لا يصح تمليك المعدوم (ويصح) الوقف على المعدوم (تبعا) كوقفت على أولادي، ومن سيولد لي، أو على أولاد زيد، ومن يولد له أو على أولادي ثم أولادهم أبدا " (٤).
جاء في الإنصاف: " فائدة: لو قال: وقفت على من سيولد لي أو من سيولد لفلان لم يصح على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وجزم به القاضي في خلافه وغيره وقدمه في الفروع وغيره، وصححه المصنف في المغنى وغيره، وذكره المصنف في مسألة الوصية لمن تحمل هذه المرأة.
وقال المجد: ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ صحته، ورده ابن رجب.
قوله: (والبهيمة) يعني لا يصح الوقف عليها، وهو المذهب وعليه الأصحاب، واختار الحارثي الصحة، وقال: وهو الأظهر عندي كما في الوقف على القنطرة والسقاية وينفق عليها " (٥).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بصحة الوقف على المعدوم بما يلي:
стр. 406
١ - عمومات أدلة الوقف، وهذه تشمل الوقف على المعدوم (١).
٢ - القياس على الوصية فيصح الوقف عليه كما تصح الوصية له (٢).
ونوقش هذا الدليل: بعدم التسليم بصحة الوصية للمعدوم؛ لأنها تمليك، والمعدوم لا يمكن تمليكه.
وأجيب من وجهين:
الوجه الأول: أن تمليك المعدوم عند وجوده، فتمليك كل شيء بحسبه.
الوجه الثاني: أن عقود التبرعات أوسع من غيرها؛ إذ المراد منها التقرب إلى الله ، وإيصال النفع للغير.
٣ - أنه يصح الوقف على الحمل تبعاً، وهو معدوم -كما سيأتي-، فكذا هنا.
٤ - أنه تصح هبة الحمل تبعاً، وهو معدوم، فكذا هنا.
أدلة القول الثاني: (عدم صحة الوقف على المعدوم)
استدل القائلون بعدم صحة الوقف على المعدوم بما يلي:
١ - أنه تمليك في حال الحياة، فلم يصح إلا على موجود حي كالهبة والبيع (٣).
٢ - أن الوقف تمليك للمنفعة، ولا تصح إلا على من يصح أن يكون مالكاً، والمعدوم لا يمكن تمليكه؛ لعدم وجوده حال الوقف (٤).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أما عدم صحة الوقف قياساً على الهبة، فغير مسلم
стр. 407
الأصل؛ إذ هو موضع خلاف بين أهل العلم، وأما البيع فمن عقود المعاوضات يطلب فيه من التحرير والضبط ما لا يطلب في عقود التبرعات، والوقف من عقود التبرعات.
الوجه الثاني: أنه لا يسلّم أن الموقوف عليه يشترط أن يكون مالكاً، ولذا صح الوقف على الحيوان، وأيضا هو استدلال في محل النزاع.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول بصحة الوقف على المعدوم؛ لما تقدم من أن الوقف عمل خير، وفعل قربة، فلا يمنع منه إلا لدليل، ولأن الأصل إعمال كلام المكلف لا إهماله.
المطلب الرابع: الشرط الرابع: أن يكون الموقوف عليه حياً
الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في المسألة السابقة.
والراجح صحة الوقف على الميت؛ إذ إن الصدقة عن الميت جائزة بالإجماع، وممن حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر، وابن قدامة، والنووي، وشيخ الإسلام (١).
ويدل لذلك:
(١٣٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن
стр. 408
عائشة ﵂ أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» (١).
وغير ذلك من الأدلة، والوقف نوع من الصدقة.
المطلب الخامس: الشرط الخامس: أن يكون الموقوف عليه متحقق الحياة
الوقف على الجنين (الحمل)
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الوقف على الحمل أصالة:
اختلف الفقهاء ﵏ في حكم الوقف على الحمل الموجود حال الوقف وحده دون أن يكون معه غيره، كأن يقول: وقفت داري هذه على حمل هذه المرأة، أو على من سيولد لي منها، على قولين:
القول الأول: صحة الوقف على الحمل وحده.
وبه قال المالكية لكنه غير لازم قبل الولادة، فللواقف بيع الوقف قبل الولادة (٢).
стр. 409
وقال المرداوي: "صحح ابن عقيل جواز الوقف على الحمل ابتداء، واختاره الحارثي" (١).
القول الثاني: عدم صحة الوقف على الحمل وحده.
وبه قال الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، وهو المذهب عند الحنابلة (٤).
جاء في الإنصاف: " قوله (والحمل) يعني لا يصح الوقف على الحمل، وهذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم، منهم ابن حمدان وصاحب الفائق والوجيز والهداية والمذهب والمستوعب والخلاصة وغيرهم، وصحح ابن عقيل جواز الوقف على الحمل ابتداء واختاره الحارثي.
قال في الفروع: ولا يصح على حمل بناء على أنه تمليك إذاً، وأنه لا يملك، وفيهما نزاع " (٥).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بصحة الوقف على الحمل أصالة بما يلي:
١ - عموم أدلة الوقف (٦).
٢ - القياس على الوصية (٧)، والوصية للحمل وحده جائزة إجماعاً (٨)،
стр. 410
فكذلك الوقف عليه.
ونوقش هذا الاستدلال: بوجود الفارق بين الوقف والوصية؛ لأن الوقف تسليط في الحال فضاهى الهبة، بخلاف الوصية؛ لأنها تتعلق بالاستقبال (١).
وأجيب: بأن كون الوقف في الحال، والوصية في الاستقبال لا أثر له.
٣ - أن الحمل يملك بالميراث بالإجماع، فكذا الوقف.
أدلة القول الثاني:
استدل القائلون بعدم صحة الوقف على الحمل أصالة دون غيره بما يلي:
١ - أن الوقف على الجنين في حكم المعلق على شرط، ومن شرط صحة الوقف أن يكون ناجزاً (٢).
ونوقش هذا الاستدلال: أنه لا يسلّم كون الوقف ناجزاً، كما سبق تحريره.
٢ - أن الوقف تمليك منجز أشبه الهبة، فلا يصح على من لا يملك، والحمل لا يصح تمليكه بغير إرث أو وصية (٣).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة الوقف على الحمل وحده؛ لقوة دليله، وضعف دليل القول الآخر بما ورد عليه من مناقشة، ولما تقدم من أن الوقف فعل خير ومعروف فلا يمنع منه إلا بدليل.
المسألة الثانية: الوقف على الحمل تبعاً لغيره:
إذا وقف على الحمل تبعاً لمن يصح الوقف عليه، كأن يقول: وقفت
стр. 411
على أولادي أو أولاد فلان وفيهم حمل، أو يقول: وقفت أرضي على أولادي ومن سيولد لي ثم الفقراء، فهل يصح الوقف أو لا يصح؟.
للفقهاء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: يصح الوقف.
وبه قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣).
قال المرداوي: " تنبيه: إيراد المصنف في منع الوقف على الحمل يختص بما إذا كان الحمل أصلا في الوقف، أما إذا كان تبعا بأن وقف على أولاده أو أولاد فلان وفيهم حمل أو انتقل إلى بطن وفيهم حمل فيصح بلا نزاع لكن لا يشاركهم قبل ولادته على الصحيح من المذهب نص عليه.
قال في القاعدة الرابعة والثمانين: هو قول القاضي والأكثرين وجزم به الحارثي وغيره، وقال: ابن عقيل يثبت له استحقاق الوقف في حال كونه حملا حتى صحح الوقف على الحمل ابتداء كما تقدم، وأفتى الشيخ تقي الدين ﵀ باستحقاق الحمل من الوقف أيضا " (٤).
وحجته:
١ - ما تقدم من الأدلة على صحة الوقف على الحمل أصالةً، فتبعاً من باب أولى.
٢ - تعلق الاستحقاق بالنسب، فما دام يثبت نسبه من الواقف أو من فلان، استحق الوقف.
стр. 412
القول الثاني: أنه لا يصح الوقف على الحمل أصالة -كما مر-، ولا تبعاً.
فإذا قال الواقف: وقفت على أولادي وفيهم حمل، فلا يستحق الحمل شيئاً، إلا أن ينفصل حياً، فيستحق معهم مطلقاً، إلا أن يكون الواقف قد سمّى الموجودين أو ذكر عددهم، فلا يدخل الحمل، ولا يستحق من الوقف شيئاً.
وهو قول الشافعية (١).
وحجته: أن الحمل لا يصح تملّكه، وشرط الوقف عندهم بالنسبة للموقوف عليه أن يمكن تمليكه (٢).
ونوقش: بعدم التسليم، فالحمل يملك بالميراث والوصية بالإجماع، فكذا الوقف.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة الوقف على الحمل تبعاً لغيره؛ لصحته على الحمل أصالةً، فتبعاً من باب أولى.
المسألة الثالثة: وقت استحقاق الحمل لغلة الوقف:
تقدم أن الجنين يصح الوقف عليه عند الجمهور إذا كان تبعاً لغيره ممن يصح الوقف عليه، لكن متى يستحق الحمل غلة الوقف؟، هل يستحقها قبل الانفصال، بحيث لو خرجت الغلة وهو في بطن أمه، يوقف نصيبه، كما في الميراث والوصية؟، أم لا يستحقها إلا بعد الانفصال، بحيث لو خرجت
стр. 413
الغلة وهو في بطن أمه، تقسم بين الموجودين، ولا يستحق الحمل منها شيئاً؟.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الجنين يشارك في غلة الوقف قبل الانفصال إذا ولد حياً وتحقق وجوده أثناء خروج الغلة.
وبه قال الحنفية (١)، وابن عقيل من الحنابلة (٢).
وحجتهم في ذلك:
أن الجنين إذا ولد لأقل من ستة أشهر منذ خروج الغلة دلّ ذلك على أنه كان مخلوقاً في بطن أمه وقت خروج الغلة، وإذا كان مخلوقاً وقت الخروج فيعتبر بمنزلة ولد قائم، فاستحق الوقف؛ لأنا نتيقن وجوده في البطن عند خروج الغلة، وهذا في الزوجة، أما لو مات الواقف من غير تخلل وقت يمكن فيه الرجوع إلى أهله، فجاءت بولد لسنتين من يوم وقف، أو لأربع سنوات - بناء على اختلافهم في أكثر مدة الحمل -، استحق من كل غلة خرجت فيما بين ذلك (٣).
القول الثاني: أن الجنين لا يشارك في غلة الوقف إلا بعد الانفصال حياً.
وبه قال المالكية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 414
وحجتهم في ذلك:
١ - أنه يحتمل أن لا يكون حملاً، فلا يثبت له حكم الولد قبل الانفصال (١).
ونوقش: بأن الحمل مظنون بأمارات تدلّ عليه، ولهذا ثبت للحامل أحكام تخالف بها الحائل، ولأن ملكية الجنين سواء في الوقف أو غيره معلّقة على خروجه حياً، وبذلك يزول هذا الاحتمال.
٢ - أن المقصود من الوقف ثمراته ومنافعه وفوائده، وهي مستحقة على التأبيد لقوم بعد قوم، والحمل ليس من أهل الانتفاع، فلا يستحق منه شيئاً مع وجود المنتفعين بها، حتى يولد ويحتاج إلى الانتفاع معهم (٢).
ونوقش: بأن الحمل من ضمن الموقوف عليهم، وهو في أمسّ الحاجة لغلة الوقف بعد الولادة إذا كان فقيراً، فتُحفظ الغلة حتى إذا ولد، ينفق عليه منها.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- أن القول الأول -وهو أن الجنين يشارك في غلة الوقف وهو في بطن أمه- هو الأرجح، إذا ولد حياً وتحقق وجوده أثناء خروج الغلة؛ وذلك لأن الشارع الحكيم قد راعى في الجنين صفة الاستقلال، فمنحه الميراث، كما صحت له الوصية بالاتفاق، فكذلك غلة الوقف، ولأن الجنين في هذه المرحلة أحوج ما يكون لغلة الوقف، خصوصاً إذا كان فقيراً وأبوه قد توفّي.
المسألة الرابعة: نصب الوصيّ على الحمل:
تقدم صحة الوقف على الحمل، فإذا كان الحمل يثبت له الوقف، فهل يجوز نصب وصيّ عليه؟
стр. 415
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: عدم جواز تعيين وصيّ على الجنين؛ لأنه لا ولاية لأحد على الجنين، إلا بعد ولادته حياً، فمن باب أولى أن لا يكون له وصيّ.
وبه قال جمهور فقهاء الحنفية (١).
القول الثاني: جواز تعيين وصيّ على الجنين، طالما صحّت الوصية له.
وبه قال الشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
القول الثالث: صحة تعيين وصيّ على الجنين، ولكن ليس له صلاحيات الأوصياء من حيث الإرادة والتصرف، بل تقتصر مهمته على حفظ مال الجنين حتى ولادته، ويسمى بالأمين.
وبه قال بعض فقهاء الحنفية.
وذلك لأن القول بالصحة على الإطلاق -أي: صحة نصب الوصي على الحمل- ليس بسديد؛ لأن ثبوت الولاية لحاجة المولى عليه إلى النظر، ولا حاجة بالجنين إلى ذلك، والقول بعدم الصحة ليس بسديد أيضا؛ لما فيه من ضياع لمال الحمل المستكنّ، خصوصاً ما يخشى عليه من التلف (٤).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الأول، وأنه لا حاجة إلى نصب وصي على
стр. 416
الحمل؛ لعدم الدليل على ذلك، ويحفظ ماله الأمين الذي يتولى رعايته وتربيته، فإن ولد حياً استحق المال، وإن ولد ميتاً رد المال إلى من يستحقه من الورثة (١).
المطلب السادس: الشرط السادس: أن يكون الموقوف عليه حرّاً
(الوقف على الرقيق)
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الوقف على المكاتب:
اختلف العلماء في صحة الوقف على المكاتب على قولين:
القول الأول: صحة الوقف على المكاتب مطلقاً.
وهو مذهب المالكية (٢)، وبه قال بعض الحنابلة، واختاره الحارثي (٣).
القول الثاني: إن كان مكاتب نفسه لم يصح الوقف عليه، وإلا صحّ.
وهو مذهب الشافعية (٤)، قالوا: فإن عجز المكاتب بان أن الوقف منقطع الابتداء، وإن عتق وقد قيّد الوقف بمدة الكتابة بان أنه منقطع الانتهاء فيبطل استحقاقه، وينتقل الوقف إلى من بعده، فإن أطلقه دام استحقاقه.
القول الثالث: عدم صحة الوقف على المكاتب مطلقاً.
стр. 417
وهو مذهب الحنابلة (١).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (٢).
وجه الدلالة: أن الله جعل المكاتبين مصرفاً من مصارف الصدقات، ويدخل في ذلك الوقف.
٢ - أنهم يملكون أكسابهم، فصحّ الوقف عليهم (٣).
٣ - ما يأتي من الأدلة على صحة الوقف على القنّ، فالمكاتب من باب أولى.
أدلة القول الثاني: (عدم صحة وقف السيد على مكاتبه)
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - أنه لا يصح وقف السيد على مكاتبه، كما أنه لا يعطيه من الزكاة.
ونوقش هذا الاستدلال: أنه غير مسلّم؛ إذ يجوز للسيد أن يعطي مكاتبه من الزكاة؛ لعموم الآية.
٢ - أنه يصح وقف غير السيد على المكاتب؛ لأنه يملك (٤).
دليل القول الثالث: (عدم صحة الوقف على المكاتب مطلقاً)
أن المكاتب ملكه ضعيف، ولأنه رقيق ما بقي عليه درهم.
стр. 418
ونوقش: بالفرق بينه وبين القنّ بإثبات الملك له، وكون ملكه ضعيفاً لا أثر له.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة الوقف على المكاتب؛ لصحته على القنّ، فالمكاتب من باب أولى.
المسألة الثانية: الوقف على المبعّض:
اختلف العلماء في حكم الوقف على المبعّض على قولين:
القول الأول: صحة الوقف عليه.
وهو قول المالكية (١).
القول الثاني: أنه إن كان مهايأة وصدر عليه الوقف يوم نوبته فكالحر، أو يوم نوبة السيد فكالعبد، وإن لم تكن مهايأة وزّع على الرق والحرية.
وهو قول الشافعية (٢)، وظاهر قول الحنابلة؛ إذ قالوا: إن المبعّض يملك ويرث بقدر ما فيه من الحرية (٣).
الأدلة:
دليل القول الأول:
استدل لهذا القول بما سيأتي من صحة الوقف على القنّ، وما سبق من صحته على المكاتب، فالمبعّض من باب أولى.
دليل القول الثاني:
أنه يصح الوقف عليه بقدر ما فيه من الحرية، ولا يصح بقدر ما فيه من الرق؛ إذ الرقيق لا يصح الوقف عليه.
стр. 419
ونوقش: بعدم التسليم؛ إذ ستأتي مناقشة دليل من قال بعدم صحة الوقف على الرقيق.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة الوقف على المبعّض؛ لصحة الوقف على القنّ، فالمبعّض من باب أولى.
المسألة الثالثة: الوقف على غير المكاتب، والمبعّض:
وفيها أمران:
الأمر الأول: أن يكون الوقف من قبل السيد:
إذا وقف السيد على رقيقه، كقنّه، وأم ولده، ومدبّره، ففي صحة هذا الوقف خلاف بين الفقهاء ﵏ على أقوال:
القول الأول: صحة هذا الوقف على الرقيق مطلقاً.
وهو قول أبي يوسف (١)، ومذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤)، وهو مذهب الظاهرية (٥).
القول الثاني: عدم صحة الوقف على الرقيق مطلقاً.
وهو قول بعض الحنفية، وهو مذهب الشافعية (٦)، والصحيح من مذهب الحنابلة (٧).
стр. 420
جاء في مغني المحتاج: " (ولا) يصح (على العبد نفسه) أي نفس العبد سواء أكان له أم لغيره؛ لأنه ليس أهلا للملك.
(فلو أطلق الوقف عليه) فإن كان له لم يصح؛ لأنه يقع للواقف وإن كان لغيره (فهو وقف على سيده) كما في الهبة والوصية والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه بصفة حكمهم كذلك، وأما المكاتب: فإن كان مكاتب نفسه لم يصح الوقف عليه كما جزم به الماوردي وغيره نظير ما في إعطاء الزكاة له، أو مكاتب غيره صح كما جزم به الماوردي أيضا وجرى عليه ابن المقري؛ لأنه يملك " (١).
جاء في الإنصاف: " قوله: (ولا على حيوان لا يملك كالعبد) لا يصح الوقف على العبد على الصحيح من المذهب مطلقا نص عليه وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم، قال في القواعد الفقهية: الأكثرون على أنه لا يصح الوقف على العبد على الروايتين لضعف ملكه، وجزم به في المغنى وغيره وقدمه في الفروع وغيره.
وقيل: يصح إن قلنا يملك وهو ظاهر كلام المصنف هنا حيث اشترط لعدم الصحة عدم الملك.
قال في الرعاية ويكون لسيده، وقيل: يصح الوقف عليه سواء قلنا يملك أو لا ويكون لسيده، واختاره الحارثي " (٢).
جاء في الشرح الكبير: " (مسألة: ولا يصح على حيوان لا يملك كالعبد القن وأم الولد والمدبر والميت والحمل والملك والبهيمة والجن) قال أحمد فيمن وقف على مماليكه: لا يصح الوقف حتى يعتقهم؛ وذلك لأن الوقف تمليك فلا يصح على من لا يملك ".
стр. 421
القول الثالث: يصح الوقف على المدبر، وأم الولد، ولا يصح الوقف على غيرهما.
وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية (١).
القول الرابع: يصح الوقف على الرقيق بناء على أنه يملك.
وبه قال بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٢).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
يستدل لصحة الوقف على الرقيق بأنه يملك، فإذا وقف عليه صح ويدل لثبوت الملك للعبد أدلة، منها:
١ - قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣)، فأضاف الأجور إليهن مما يدل على ملكهن.
٢ - قول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤) " فوصفهم الله بالغنى والفقر، ولما وصفهم الله بالغنى تارة وبالفقر أخرى ولم يخص عبداً من حرٍ دل على أنهم يملكون" (٥).
(١٣١) ٣ - ما رواه البخاري من طريق سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵄
стр. 422
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " … ومن ابتاع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع " (١).
(١٣٢) ٤ - ما رواه أبو داود من طريق ابن لهيعة والليث بن سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن الأشج، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من أعتق عبداً وله مال فمال العبد له إلا أن يشترطه السيد " (٢).
فأضاف النبي ﷺ المالية إلى العبد المبيع والمعتق إضافة تخصيص بلام التمليك، قال الشوكاني: " فيه دليل على أن العبد إذا ملكه سيده مالاً ملكه، وبه قال مالك، والشافعي في القديم، وقال في الجديد وأبو حنيفة: إن العبد
стр. 423
لا يملك شيئاً، والظاهر الأول؛ لأن نسبة المال إلى المملوك تقتضي أنه يملك ..... " (١).
٥ - أن الوقف جاز على المساجد والسقايات وأشباهها وهي لا تملك، فكذا العبد.
ونوقش: أن الوقف هناك على المسلمين إلا أنه عين في نفع خاص لهم.
فإن قيل: فينبغي أن يصح الوقف على الكنائس ويكون الوقف على أهل الذمة والوقف عليهم جائز، قلنا: على الجهة التي عين صرف الوقف فيها ليست نفعا، بل هي معصية محرمة يزدادون بها عقابا وإثما بخلاف المساجد.
٥ - أن العبد إذا قلنا إنه يملك بالتمليك عند بعض العلماء.
نوقش: أن الوقف يقتضي تحبيس الأصل والعبد لا يملك ملكا لازما ولا يصح على المكاتب، وإن كان يملك لأن ملكه غير مستقر (٢).
أدلة القول الثاني:
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - أن العبد ليس أهلاً للملك، وغلة الوقف ملك للموقوف عليه (٣).
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يسلّم بأن العبد لا يملك، بل سبق الدليل على ملكه.
٢ - أن الوقف على الرقيق يقع لمالكه -الواقف-؛ لأنه لا يملك، والوقف على النفس غير جائز (٤).
стр. 424
ونوقش: بأنه تقدم بحث مسألة الوقف على النفس، وأن الأقرب صحتها.
دليل القول الثالث:
استدل لهذا القول: بانعقاد سبب الحرية للمدبر وأم الولد.
دليل القول الرابع:
استدل لهذا القول: أن الرقيق يملك بالتمليك فصح الوقف عليه.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة وقف السيد على رقيقه؛ لقوة دليله، ولأن الوقف إحسان، وهو من أهل الإحسان والصدقة.
الأمر الثاني: أن يكون الوقف من غير السيد:
اختلف الفقهاء ﵏ في حكم الوقف على القنّ، أو أم الولد، أو المدبّر، إذا كان الواقف غير السيد على أقوال:
القول الأول: صحة الوقف على الرقيق إذا كان الواقف غير السيد.
وبه قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وفي مذهب الحنابلة (٤).
القول الثاني: عدم صحة الوقف على الرقيق.
وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٥).
стр. 425
القول الثالث: إن قصد الواقف السيد أو أطلق صحّ وكان لسيده، وإن قصد الرقيق لم يصحّ.
وهذا قول الشافعية، واستثنوا الأرقاء الموقوفين لخدمة الكعبة، فيصحّ (١).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - ما تقدّم من الأدلة قريبا ًعلى أن الرقيق يملك، وإذا ملك صحّ الوقف عليه.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ (٢)، وهو أهل للإحسان.
دليل القول الثاني:
استدل لهذا القول: بأن الرقيق لا يملك، ولو ملك فملكه ضعيف؛ لأنه يؤول إلى سيده.
ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم كما سبق، وأن الرقيق يملك.
أدلة القول الثالث:
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - إن قصد السيد، أو أطلق كان للسيد؛ لصحة الوقف على الحر.
٢ - وإن قصد الرقيق لم يصحّ؛ لما تقدم من الدليل على عدم صحة الوقف على الرقيق.
وتقدمت مناقشته.