← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

القول الثالث: يصح الوقف على المدبر، وأم الولد، ولا يصح الوقف على غيرهما. وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية (١). القول الرابع: يصح الوقف على الرقيق بناء على أنه يملك. وبه قال بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: يستدل لصحة الوقف على الرقيق بأنه يملك، فإذا وقف عليه صح ويدل لثبوت الملك للعبد أدلة، منها: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣)، فأضاف الأجور إليهن مما يدل على ملكهن. ٢ - قول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤) " فوصفهم الله بالغنى والفقر، ولما وصفهم الله بالغنى تارة وبالفقر أخرى ولم يخص عبداً من حرٍ دل على أنهم يملكون" (٥). (١٣١) ٣ - ما رواه البخاري من طريق سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵄

стр. 422

قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " … ومن ابتاع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع " (١). (١٣٢) ٤ - ما رواه أبو داود من طريق ابن لهيعة والليث بن سعد، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن الأشج، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " من أعتق عبداً وله مال فمال العبد له إلا أن يشترطه السيد " (٢). فأضاف النبي ﷺ المالية إلى العبد المبيع والمعتق إضافة تخصيص بلام التمليك، قال الشوكاني: " فيه دليل على أن العبد إذا ملكه سيده مالاً ملكه، وبه قال مالك، والشافعي في القديم، وقال في الجديد وأبو حنيفة: إن العبد

стр. 423

لا يملك شيئاً، والظاهر الأول؛ لأن نسبة المال إلى المملوك تقتضي أنه يملك ..... " (١). ٥ - أن الوقف جاز على المساجد والسقايات وأشباهها وهي لا تملك، فكذا العبد. ونوقش: أن الوقف هناك على المسلمين إلا أنه عين في نفع خاص لهم. فإن قيل: فينبغي أن يصح الوقف على الكنائس ويكون الوقف على أهل الذمة والوقف عليهم جائز، قلنا: على الجهة التي عين صرف الوقف فيها ليست نفعا، بل هي معصية محرمة يزدادون بها عقابا وإثما بخلاف المساجد. ٥ - أن العبد إذا قلنا إنه يملك بالتمليك عند بعض العلماء. نوقش: أن الوقف يقتضي تحبيس الأصل والعبد لا يملك ملكا لازما ولا يصح على المكاتب، وإن كان يملك لأن ملكه غير مستقر (٢). أدلة القول الثاني: استدل لهذا القول بما يلي: ١ - أن العبد ليس أهلاً للملك، وغلة الوقف ملك للموقوف عليه (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يسلّم بأن العبد لا يملك، بل سبق الدليل على ملكه. ٢ - أن الوقف على الرقيق يقع لمالكه -الواقف-؛ لأنه لا يملك، والوقف على النفس غير جائز (٤).

стр. 424

ونوقش: بأنه تقدم بحث مسألة الوقف على النفس، وأن الأقرب صحتها. دليل القول الثالث: استدل لهذا القول: بانعقاد سبب الحرية للمدبر وأم الولد. دليل القول الرابع: استدل لهذا القول: أن الرقيق يملك بالتمليك فصح الوقف عليه. الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة وقف السيد على رقيقه؛ لقوة دليله، ولأن الوقف إحسان، وهو من أهل الإحسان والصدقة. الأمر الثاني: أن يكون الوقف من غير السيد: اختلف الفقهاء ﵏ في حكم الوقف على القنّ، أو أم الولد، أو المدبّر، إذا كان الواقف غير السيد على أقوال: القول الأول: صحة الوقف على الرقيق إذا كان الواقف غير السيد. وبه قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وفي مذهب الحنابلة (٤). القول الثاني: عدم صحة الوقف على الرقيق. وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٥).

стр. 425

القول الثالث: إن قصد الواقف السيد أو أطلق صحّ وكان لسيده، وإن قصد الرقيق لم يصحّ. وهذا قول الشافعية، واستثنوا الأرقاء الموقوفين لخدمة الكعبة، فيصحّ (١). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل لهذا القول بما يلي: ١ - ما تقدّم من الأدلة قريبا ًعلى أن الرقيق يملك، وإذا ملك صحّ الوقف عليه. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ (٢)، وهو أهل للإحسان. دليل القول الثاني: استدل لهذا القول: بأن الرقيق لا يملك، ولو ملك فملكه ضعيف؛ لأنه يؤول إلى سيده. ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم كما سبق، وأن الرقيق يملك. أدلة القول الثالث: استدل لهذا القول بما يلي: ١ - إن قصد السيد، أو أطلق كان للسيد؛ لصحة الوقف على الحر. ٢ - وإن قصد الرقيق لم يصحّ؛ لما تقدم من الدليل على عدم صحة الوقف على الرقيق. وتقدمت مناقشته.

стр. 426

الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة الوقف على الرقيق مطلقاً؛ لقوة دليله، ولأن الوقف فعل خير وقربة، فلا يمنع منه إلا لدليل. المطلب السابع: الشرط السابع: أن يكون الموقوف عليه معلوماً إذا وقف على مبهم كأن يوقف على أحد رجلين ونحو ذلك، فاختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في صحة هذا الوقف على قولين: القول الأول: صحة هذا الوقف. وبه قال الصاحبان (١) من الحنفية، وهو مذهب المالكية (٢)، وقول للشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤). قال ابن رشد: " وأما صفة العوض -أي في الخلع- فإن الشافعي وأبا حنيفة يشترطان فيه أن يكون معلوم الصفة ومعلوم الوجوب، ومالك يجيز فيه المجهول الوجود والقدر والمعدوم مثل الآبق والشارد والثمرة التي لم يبد صلاحها، والعبد غير الموصوف، وحكي عن أبي حنيفة جواز الغرر ومنع المعدوم.

стр. 427

وسبب الخلاف تردد العوض هاهنا بين العوض في البيوع، أو الأشياء الموهوبة والموصي بها، فمن شبهها بالبيوع اشترط ما يشترط في البيوع وفي أعواض البيوع، ومن شبهه بالهبات لم يشترط ذلك " (١). وقال القرافي: " وقد فصل مالك بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة وقاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة، وانقسمت التصرفات عنده ثلاثة أقسام: طرفان وواسطة، فالطرفان أحدهما: معاوضة صرفة، فيجتنب فيها ذلك إلا ما دعت الضرورة إليه عادة، وثانيهما: ما هو إحسان صرف لا يقصد به تنمية المال كالصدقة والهبة، فإن هذه التصرفات إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه؛ لأنه لم يبذل شيئاً بخلاف القسم الأول إذا فات بالغرر والجهالة ضاع المال المبذول في مقابلته، فاقتضت حكمة الشرع منع الجهالة فيه، أما الإحسان الصرف فلا ضرر فيه، فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق بالمعلوم والمجهول، فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعاً، وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله، فإذا وهب له بعيره الشارد جاز أن يجده، فيحصل له ما ينتفع به ولا ضرر عليه إن لم يجده؛ لأنه لم يبذل شيئاً " (٢). القول الثاني: أنه لا يصح الوقف على المبهم. وهو قول جمهور أهل العلم (٣): الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٤). نصوا على ذلك في الوصية، والوقف من باب أولى.

стр. 428

الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - ما تقدم من أدلة مشروعية الوقف. وهذا يشمل الوقف على المبهم. ٢ - القياس على الوصية، فإذا أوصى لزيد أو عمرو، فإن الوصية صحيحة، فكذا الوقف (١). ٣ - أن هذا أقرب إلى مقصود الواقع إذ مقصوده البر والقربى، وهذا يتحقق بتصحيح الوقف (٢). أدلة القول الثاني: (عدم الصحة) ١ - أن الوقف تمليك الموقوف عليه، والمبهم لا يمكن تمليكه؛ لعدم إمكان صرف الموقوف عليه فيبطل الوقف كالبيع (٣). ونوقش: بعدم التسليم فإن الإبهام –هنا- يسير يزال بالقرعة، والقياس على البيع ليس أولى من القياس على الوصية. ٢ - أنه نقل ملك على وجه الصدقة، فلا يصح في غير المعين كالهبة (٤). ونوقش: بعدم التسليم فإن الهبة تصح في غير المعين، والمجهول، وتصح للمبهم، فالقياس قياس على أصل مختلف فيه. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لقوة دليله، ولأن الأصل صحة الوقف؛ إذ هو فعل خير فيكثر منه.

стр. 429

فرع: واختلف من قال بالصحة في كيفية التعيين على قولين: القول الأول: يخير الورثة أن يعطوا الموقوف من شاؤوا. وبه قال بعض الحنفية (١). القول الثاني: يعين أحدهما بالقرعة. وهو رواية عن الإمام أحمد (٢). ويحتمل أن يقال: يقسم بينهما. المطلب الثامن: الشرط الثامن: اشتراط كون الموقوف عليه غير جائز التصرف لا يُشترطُ كونُ الموقوف له جائز التصرف، فيصح الوقف للصبي، والمجنون، والمغمى عليه، والنائم، والسفيه باتفاق الفقهاء (٣). والدليل على ذلك: عموم أدلة مشروعية الوقف (٤). لكن اختلف العلماء ﵏ فيما يتعلق بصحة قبول هؤلاء للوقف.

стр. 430

وتحت هذا مسائل: المسألة الأولى: قبول المجنون للوقف: لا يصح قبول المجنون للوقف باتفاق الفقهاء، لكن يقبل عنه وليه (١). والدليل على ذلك: ١ - ما تقدم من الأدلة على عدم صحة وقف المجنون (٢). ٢ - وأما كون وليه يقبل عنه: فلأن وليه يتصرف عنه بما فيه مصلحته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ (٣). المسألة الثانية: قبول المعتوه للوقف. تقدم أن المعتوه ينقسم إلى حالتين: الحال الأولى: معتوه لا إدراك معه. فهذا حكمه حكم المجنون (٤)، وتقدم عدم صحة قبول المجنون، وإنما يقبل عنه وليه (٥). الحال الثانية: معتوه معه إدراك، وهذا حكمه حكم الصبي المميز، ويأتي صحة قبول الصبي المميز للوقف.

стр. 431

المسألة الثالثة: قبول النائم، والمغمى عليه. تقدم أن النائم والمغمى عليه لا يصح وقفه بالإجماع، وتقدم الدليل على ذلك (١). وعليه فيقبل عنه وليه؛ لما تقدم من أن ولي المجنون يقبل عنه، وتقدم شرط الإيجاب والقبول (٢). المسألة الرابعة: قبول الصبي للوقف. أما الصبي غير المميز، فلا يصح قبوله للوقف كما تقدم من عدم اعتبار قوله، وتقدم الدليل على ذلك (٣). وعلى هذا يقبل عنه وليه؛ لما تقدم قريباً من أن المجنون يقبل عنه وليه، وتقدم بيان شروط الإيجاب والقبول. وأما قبول الوقف من الصبي المميز، فقد اختلف الفقهاء في صحة قبول الصبي المميز للوقف على ثلاثة أقوال: القول الأول: صحة قبول الصبي المميز للوقف. وبهذا قال الحنفية (٤)، وهو مقتضى مذهب المالكية (٥)، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفق ابن قدامة (٦).

стр. 432

القول الثاني: أن قبول الصبي المميز للوقف صحيح موقوف على إجازة الولي. وإليه ذهب المالكية. وقالوا: يتعين على الولي إجازة تصرف الصبي المميز في هذه الحالة (١). وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٢). القول الثالث: عدم صحة قبول الصبي المميز للوقف. وبهذا قال الشافعية (٣). الأدلة: دليل القول الأول: استدل القائلون بصحة قبول الصبي المميز للوقف: أن الصبي المميز من أهل التصرف في الجملة، وما يصدره من عقود نافعة يعد محض مصلحة، ولا ضرر فيه فيصح من غير إذن وليه قياسا على كسب المباحات كالاحتطاب والاصطياد ونحوهما (٤). دليل القول الثاني: استدل القائلون بوقف قبول الصبي المميز للوقف على إجازة الولي: أنَّ إصدارَ الصيغ من التصرفات، والصبي المميز ليس لديه أهلية تصرف فتبقى تصرفاته موقوفة على إجازة وليِّهِ (٥).

стр. 433

ويناقش هذا: بعدم التسليم به، فالصبي المميز من أهل التصرف، ولا يحتاج إلى إذن وليه فيما تمحضت فيه مصلحته؛ لأن الولي ما وضع إلا لمصلحة الصبي. أدلة القول الثالث: استدل القائلون بعدم صحة قبول الصبي المميز للوقف بدليل: ١ - حديث عائشة ﵂: " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ .. " (١). وقد ذكر النووي (٢) -رحمة الله- وجه الاستدلال من هذا الحديث: أن مقتضى الحديث إسقاط أقواله وأفعاله. ٢ - أن الصبي المميز غير مكلف، فلا يصح قبوله للوقف مطلقا كالمجنون وغير المميز (٣). ويناقش هذا الدليل: بأنه قياس مع الفارق، فالصبي المميز عنده أهلية أداء قاصرة، فلا يقاس على المجنون وغير المميز؛ لأنهما ليس لديهما أهلية أداء البتة (٤). الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة قبول الصبي المميز للوقف؛ لقوة دليله، وضعف دليل المخالف بمناقشة.

стр. 434

المسألة الخامسة: قبول السفيه للوقف: اختلف العلماء ﵏ في حكم قبول السفيه للوقف على أقوال: القول الأول: صحة قبول السفيه للوقف. وهذا مذهب الحنفيَّة (١)، وهو مقتضى مذهب المالكية (٢)، والأصح عند الشافعية (٣)، وهو وجه عند الحنابلة، صوبه المرداوي (٤). القول الثاني: عدم صحة قبول السفيه للوقف. وهذا وجه عند الشافعية (٥)، ووجه عند الحنابلة (٦). القول الثالث: صحة قبول السفيه للوقف إذا أذن له الولي. وهذا مذهب الحنابلة (٧). الأدلة: دليل القول الأول: استدل القائلون بصحة قبول السفيه: بأن تصحيح قبول السفيه للوقف نفع محض ليس فيه تفويت مال، بل تحصيله (٨).

стр. 435

دليل القول الثاني: يمكن أن يستدل للقائلين بعدم صحة قبول السفيه للوقف: بأن السفيه محجور عليه، والحجر يقتضي المنع من جميع التصرفات ومنها العقود النافعة له، كقبول الوقف. ويناقش هذا الدليل: بأن الغاية من الحجر على السفيه حفظ ماله، وعدم تضييعه، وليس في تصحيح عقوده النافعة له نفعا محضا -كقبول الهبة والوصية ونحوهما- ضرر عليه وتضييع لماله، بل فيه تحصيله، فكان من مصلحة السفيه تصحيح قبوله للوقف. دليل القول الثالث: استدل القائلون بصحة قبول السفيه للوقف إذا أذن له الولي: بقياس السفيه على الصبي المميز، فإذا صح تصرف المميز بإذن وليه، فلأن يصح تصرف السفيه بإذن وليه أولى (١). الترجيح: ترجح لي -والله أعلم- القول بصحة قبول السفيه للوقف من غير توقف على إذن الولي؛ لأن الشارع إنما حجر على السفيه لمصلحته، فإذا تحققت مصلحته في عقد نافع له، كقبول الهبة والوصية ونحوهما لم يُتردد في تصحيح صيغته ونفاذ عقده من غير اشتراط إذن الولي، وهل وضع الولي إلا لمصلحة السفيه؟ والمصلحة متحققة هنا.

стр. 436

المطلب التاسع: الشرط التاسع: شرط القربة في الموقوف عليه وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعتبار هذا الشرط في حق المسلم: إذا كان وقف المسلم على قربة كالوقف على المساجد، والفقراء، والعلماء صحّ باتفاق العلماء. وإن كان على معصية كالوقف على الشرك والبدع، والأغاني، ونحو ذلك لم يصحّ. فقد حصل الاتفاق من الأئمة الأربعة (١) -رحمهم الله تعالى- على اشتراط أن لا يكون الوقف على جهة معصية، كأن يقف على الكنائس، أو على شُرَّاب الخمر، أو على السراق، أو على نسخ كتب التوراة والإنجيل وكتب الزندقة، ونحو ذلك مما تكون فيه الجهة جهة معصية. جاء في الفتاوى الهندية: " ومنها: أن يكون قربة في ذاته، وعند التصرف لا يصح وقف المسلم أو الذمي على البيعة والكنيسة، أو على فقراء أهل الحرب" (٢).

стр. 437

وجاء في الجوهرة النيرة: " ولا يجوز الوقف على البيع والكنائس، ولا على قُطّاع الطريق؛ لأنه لا قربة فيه، ويجوز الوقف على المساجد والقناطر " (١). وجاء في شرح الخرشي: " وبطل على معصية: يعني أن الوقف على معصية باطل كمن وقف على شربة الخمر وأكلة الحشيش، وما أشبه ذلك، قال الباجي: لو حبس مسلم على كنيسة فالأظهر عندي رده؛ لأنها معصية كما لو صرفها إلى أهل السفه " (٢). وفي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: " وبطل الوقف على معصية، كجعل غلته في ثمن خمر، أو سلاح لقتال غير جائز " (٣). وفي الحاوي الكبير: " ألا يكون على معصية، فإن كان على معصية لم يجز" (٤). وجاء في كفاية الأخيار: " وكذا لا يجوز الوقف على البيع والكنائس وكتب التوراة والإنجيل؛ لأنها محرمة " (٥). وجاء في الشرح الكبير: " ولا يصح على الكنائس وبيوت النار والبيع وكتب التوراة والإنجيل؛ لأن ذلك معصية، فإن هذه المواضع بنيت للكفر، وكتبهم مبدلة منسوخة، وحكم الوقف على قناديل البيعة وفرشها ومن يخدمها ومن يعمرها كالوقف عليها؛ لأنه يراد لتعظيمها والمسلم والذمي في ذلك سواء، قال أحمد في نصارى وقفوا على البيعة ضياعاً وماتوا ولهم أبناء

стр. 438

نصارى فأسلموا والضياع بيد النصارى فلهم أخذها وللمسلمين عونهم حتى يستخرجوها من أيديهم، وهذا مذهب الشافعي، قال شيخنا: ولا نعلم فيه مخالفا " (١). ودليل هذا: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢). وجه الاستدلال بالآية: أن الوقف على جهة المعصية فيه تعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى المولى ﵎ عنه، والنهي يقتضي التحريم. ٢ - أن الوقف شرع للتقرب، والوقف على المعصية مضاد لذلك، فكان باطلاً (٣). ولذا فقد نص الفقهاء ﵏ على أنه إذا وقف على جهة المعصية، فإن الوقف يصبح باطلاً (٤). وإن كان على مباح لم تظهر فيه القربة، فموضع خلاف بين العلماء: القول الأول: عدم صحة الوقف على المباح إذا لم تظهر فيه القربة. وهو مذهب الحنفية، ووجد عند الشافعية، وهو مذهب الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام (٥).

стр. 439

ونص الحنفية، وبعض الحنابلة: أنه إذا وقف على مباح ثم قربة، كالأغنياء ثم الفقراء صرف للفقراء. القول الثاني: صحة الوقف على المباح. وهو مذهب المالكية، والشافعية، وقول عند الحنابلة (١). أدلة القائلين بأن اشتراط ما لا قربة فيه لا يصح: ١ - قوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (٢). وجه الاستدلال: أن الله يكره أن يكون المال دولة بين الأغنياء، وإن كان الغنى وصفا مباحا فلا يجوز الوقف على الأغنياء وعلى قياسه سائر الصفات المباحة (٣). ٢ - حديث عمر ﵁، وفيه قوله ﷺ : "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها" (٤). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁، وفيه قوله ﷺ : " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: … أو صدقة جارية " (٥). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ سمى الوقف صدقة، والصدقة إخراج المال على وجه القربة. (١٣٣) ٤ - ما رواه الترمذي من طريق ابن أبي ذئب، عن نافع بن أبى نافع، عن أبى هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " لا سَبَقَ إلا في نَصْلٍ أو خُفٍّ أو حَافِرٍ" (٦).

стр. 440

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يجعل الجعل إلا فيما يستعان به على الجهاد، ولم يجعله في المباح، وإن كان فيه منفعة كالمصارعة والمسابقة على الأقدام، فكيف يحبس المال على عمل لا ينتفع به هو؟ (١). (١٣٤) ٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، وفيه قول النبي ﷺ : " ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط " (٢). قال شيخ الإسلام: " وهذا الحديث الشريف المستفيض الذي اتفق العلماء على تلقيه بالقبول اتفقوا على أنه عام في الشروط في جميع العقود ليس ذلك مخصوصا عند أحد منهم بالشروط في البيع، بل من اشترط في الوقف أو العتق أو الهبة أو البيع أو النكاح أو الإجارة أو النذر، أو غير ذلك شروطاً تخالف ما كتبه الله على عبادة بحيث تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى الله عما أمر به أو تحليل ما حرمه أو تحريم ما حلله، فهذه الشروط باطلة باتفاق المسلمين في جميع العقود الوقف وغيره " (٣). إلى أن قال: " ما لم ينه عنه من المباحات فهو مما أذن فيه فيكون مشروعا بكتاب الله، وأما ما كان في العقود التي يقصد بها الطاعات كالنذر فلا بد أن يكون المنذور طاعة، فمتى كان مباحا لم يجب الوفاء به، لكن في وجوب الكفارة به نزاع مشهور بين العلماء كالنزاع في الكفارة بنذر المعصية،

стр. 441

لكن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به ونذر المباح مخير بين الأمرين، وكذلك الوقف أيضا " (١). ٦ - أن العمل إذا لم يكن قربة لم يكن الواقف مثابا على بذل المال فيه، فيكون قد صرف المال فيما لا ينفعه لا في حياته ولا في مماته، ثم إذا لم يكن للعامل فيه منفعة في الدنيا كان تعذيبا له بلا فائدة تصل إليه ولا إلى الواقف، ويشبه ما كانت الجاهلية تفعله من الأحباس المنبه عليها في سورة الأنعام والمائدة، وإذا خلا العمل المشروط في العقود كلها عن منفعة في الدين أو في الدنيا كان باطلا بالاتفاق في أصول كثيرة؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى، فيكون باطلا ولو مئة شرط (٢). ٧ - أن بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين، أو الدنيا، وهذا أصل متفق عليه بين العلماء، ومن المعلوم أن الواقف لا ينتفع بوقفه في الدنيا كما ينتفع بما يبذله في البيع والإجارة والنكاح، كما أنه لا ينتفع به في الدين إن لم ينفقه في سبيل الله وسبيل طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، فإن الله إنما يثيب العباد على ما أنفقوه فيما يحبه، وأما ما لا يحبه فلا ثواب على النفقة فيه، وإذا كان كذلك فالمباحات التي لا يثيب الشارع عليها لا يثيب على الإنفاق فيها والوقف عليها، ولا يكون في الوقف عليها منفعة وثواب في الدين، ولا منفعة في الوقف عليها في الدنيا، فيكون باطلاً (٣). دليل القائلين بصحة الوقف وإن خلا من قصد القربة: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ (٤).

стр. 442

وقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (١). ويدخل في ذلك الوقف، وإن لم تظهر فيه وجه القربة. ٢ - قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ (٢). ويدخل في هذا الوقف على أهل الذمة. ونوقش الاستدلال بهذه الآيات: بأنها محمولة على غير الوقف لأدلة القول الأول. ٣ - أن المقصود في الوقف التمليك، وليس القربة كالوصية. ٤ - أن الوقف من باب العطايا والهبات لا من باب الصدقات، ومعلوم أن الهبة تصح بغير قصد القربة (٣). ونوقش هذان الدليلان من وجهين: الأول: عدم التسليم؛ فالوقف يقصد منه القربة بدليل أن النبي ﷺ سماه صدقة جارية كما سبق في حديث أبي هريرة ﵁ (٤)، وحديث عمر ﵁ (٥)، وإذا كان من باب الصدقات لزم فيه قصد القربة. الثاني: أن الوقف لو كان من باب الوصية والهبة والتبرع المحض لخلا من الأحكام واللوازم الخاصة به؛ إذ الأصل في الشيء المتبرع به أن يملكه المتبرع دون حجر عليه في التصرف. فالوقف يختص بأحكام من أهمها أن لا يجري فيه البيع والهبة

стр. 443

والميراث، فهذا يدل على أنه نوع خاص من التبرع، وإنما استفيدت هذه الأحكام الخاصة من الشارع، ولو لم يرد الدليل فيها لكان الأصل عدمها، والدليل الوارد فيها لم يرد إلا في وقف يقصد به القربة، وهو وقف عمر ﵁ (١). فوجب الوقف على ما ورد وعدم تعدية تلك الأحكام الخاصة إلى ما كان من التبرعات خالياً من القربة، لا سيما وأن الصحابة ﵃ في أوقافهم لم ينقل أن أحداً منهم جعل وقفه في مباح، أو اشترط فيه شرطاً ليس فيه مقصود شرعي. ٥ - أن صرف المال في المباح مباح (٢). ونوقش: بأنه مباح ما لم يقيّده الشارع. الترجيح: الراجح -والله أعلم- اشتراط القربة؛ لقوة الدليل على إلحاق الوقف بالصدقة المطلقة، والصدقة المغلب فيها وجه الله تعالى، ولأن هذا هو فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. المسألة الثانية: اعتبار شرط القربة في وقف غير المسلم: يتفق الفقهاء في المذاهب الأربعة أن وقف غير المسلم صحيح في الجملة كما سيأتي، لكنهم يختلفون في شرط القربة، وتقدم بحث هذه المسألة في شروط الواقف -وقف الذمي، والحربي-. المسألة الثالثة: الوقف على الأغنياء. اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في حكم الوقف على الأغنياء على أقوال:

стр. 444

القول الأول: عدم صحة الوقف على الأغنياء. وهو وجه عند الشافعية (١)، وهو المذهب عند الحنابلة (٢). واختاره شيخ الإسلام (٣). جاء في كشاف القناع: " (وإن وقف على من لا يصح الوقف عليه ولم يذكر له مآلا صحيحا) كأن يقول وقفته على الأغنياء أو الذميين أو الكنيسة ونحوها (بطل الوقف)؛ لأنه عين المصرف الباطل واقتصر عليه " (٤). القول الثاني: صحة الوقف على الأغنياء. وهو مذهب المالكية (٥)، والشافعية (٦)، وقول عند الحنابلة (٧). جاء في شرح مختصر خليل للخرشي: " وإن لم تظهر قربة: يعني أن الوقف يصح وإن لم تظهر فيه قربة؛ لأن الوقف من باب العطايا والهبات لا من باب الصدقات، ولهذا يصح الوقف على الغني والفقير فهو مبالغة في صح وعبر بقربة دون طاعة؛ لأن القربة لا يشترط فيها نية بخلاف الطاعة، وكلاهما لا بد فيه من معرفة المتقرب إليه " (٨). جاء في تحفة المحتاج في شرح المنهاج: " تنبيه: لم يتعرضوا لضابط الغني الذي يستحق به الوقف على الأغنياء. قال الأذرعي: الأشبه الرجوع فيه إلى العرف، وقال غيره: إنه من تحرم عليه الصدقة إما لملكه أو لقوته وكسبه

стр. 445

أو كفايته بنفقة غيره وهو أولى، ولو وقف على الأغنياء وادعى شخص أنه غني لم يقبل إلا ببينة بخلاف ما لو وقف على الفقراء وادعى شخص أنه فقير ولم يعرف له مال فيقبل بلا بينة " (١). القول الثالث: يصح الوقف على الأغنياء بشرطين: ١ - أن يكونوا ممن يحصون. ٢ - أن يجعل آخره للفقراء. وهو قول الحنفية (٢). جاء في الفتاوى الهندية: " لا يجوز الوقف على الأغنياء وهم يحصون ثم بعدهم على الفقراء يجوز، ويكون الحق للأغنياء ثم للفقراء كذا في محيط السرخسي " (٣). الأدلة: أدلة الرأي الأول: (عدم صحة الوقف على الأغنياء) ١ - ما يأتي من الأدلة -قريبا- على اشتراط القربة لصحة الوقف. وإذا جعل الواقف الغنى سبب الاستحقاق لم يكن الوقف على قربة. ٢ - قال شيخ الإسلام ﵀: " ولكن تنازعوا في الوقف على جهة مباحة، كالوقف على الأغنياء؟ على قولين مشهورين، والصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة، والأصول أنه باطل أيضا، لأن الله سبحانه قال في مال الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (٤) فأخبر سبحانه أنه شرع ما ذكره، لئلا يكون الفيء متداولا بين الأغنياء دون الفقراء، فعلم أنه سبحانه يكره هذا

стр. 446

وينهى عنه ويذمه، فمن جعل الوقف للأغنياء فقط فقد جعل المال دولة بين الأغنياء، فيتداولونه بطنا بعد بطن دون الفقراء، وهذا مضاد لله في أمره ودينه، فلا يجوز ذلك، وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل» (١). فإذا كان قد نهى عن بذل السبق إلا فيما يعين على الطاعة والجهاد، مع أنه بذل لذلك في الحياة وهو منقطع غير مؤبد، فكيف يكون الأمر في الوقف. وهذا بَيِّنٌ في أصول الشريعة من وجهين: أحدهما: أن بذل المال لا يجوز إلا لمنفعة في الدين أو الدنيا، وهذا أصل متفق عليه بين العلماء " (٢). دليل القول الثاني: (صحة الوقف على الأغنياء) ١ - ما تقدم من الأدلة -قريبا- على عدم اشتراط القربة؛ لصحة الوقف ويأتي الجواب عليها. ٢ - القياس على الوصية بجامع أن كلاً من الوقف والوصية المراعى فيه التمليك، وليس القربة. ونوقش هذا الاستدلال: قال شيخ الإسلام: " فأما إن جعل سبب الاستحقاق هو الغني، وتخصيص الغني بالإعطاء مع مشاركة الفقير له في أسباب الاستحقاق سوى الغنى مع زيادة استحقاق الفقير عليه، فهذا مما يعلم بالاضطرار في كل ملة أن الله لا يحبه ولا يرضاه " (٣). ٣ - أن الوقف من باب العطايا والهبات، لا من باب الصدقات.

стр. 447

ونوقش: بعدم التسليم، فالوقف صدقة جارية كما في الحديث. دليل القول الثالث: أنه إذا توفر الشرطان صار مآله إلى القربة. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، وضعف دليل المخالف بمناقشته. ولما تقدم تقريره من أن الجهة العامة يشترط أن تكون على بر، والخاصة لا يشترط، بل يشترط أن لا تتضمن محذوراً شرعياً. المسألة الرابعة: الوقف على غير المسلمين. وتقدم في الشرط الأول من هذا المبحث. المطلب العاشر: الشرط العاشر: كون الموقوف عليه محصورا وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكم الوقف على المحصورين. اتفقت الأئمة الأربعة (١) على صحة الوقف على المحصورين: إما بالاسم: كعمرو وزيد وخالد، أو بالإشارة: كالوقف على هؤلاء الفقراء، أو بالوصف: كالوقف على طلاب العلم من بني فلان، أو بالجنس: كبني فلان وهم يحصون؛ وذلك لعموم أدلة الوقف.

стр. 448

المسألة الثانية: حكم الوقف على غير المحصورين. الوقف على غير المحصورين لا يخلو من حالتين: الحال الأولى: أن يقترن لفظ الوقف بما يدل على الحاجة. اتفقت المذاهب الأربعة (١) على صحة الوقف على غير المحصورين إذا اقترن لفظه بما يدل على الحاجة الحال الثانية: أن لا يقترن لفظ الوقف بما يدل على الحاجة. فاختلف العلماء على قولين: القول الأول: صحة الوقف على غير المحصورين، وإن لم يقترن لفظه بما يدل على الحاجة. وهو قول المالكية (٢)، وأصح القولين عند الشافعية (٣)، وقول الحنابلة (٤). قال ابن قدامة: "ويصح الوقف على القبيلة العظيمة، كقريش، وبنى هاشم، وبني تميم، وبني وائل، ونحوهم، ويجوز الوقف على المسلمين كلهم، وعلى أهل إقليم ومدينة، كالشام ودمشق ونحوهم، ويجوز للرجل أن يقف على عشيرته، وأهل مدينته ". القول الثاني: لا يصح الوقف على غير المحصورين إذا لم يقترن لفظه بما يدل على الحاجة.

стр. 449

وهو قول الحنفية (١)، وقول عند الشافعية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - قول النبي ﷺ لعمر ﵁ حين استشاره في أرضه بخيبر: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدق عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، في الفقراء، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمول فيه" (٣). وجه الدلالة: في الحديث دلالة صريحة على مشروعية الوقف، وقوله ﷺ : "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" عام في الجهة الموقوف عليها سواء كانت محصورة أو غير محصورة. ٢ - حديث عمر ﵁ قال: " كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك فكانت حبساً لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء: جزأين بين المسلمين، وجزء نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين " (٤). وجه الدلالة: في الحديث دلالة ظاهرة على مشروعية الوقف، هو نص في محل النزاع، حيث جعل النبي ﷺ جزأين من أرض خيبر وقفاً على المسلمين.

стр. 450

٣ - حديث عائشة ﵂ قالت: " إن رسول الله ﷺ جعل سبع حيطان له بالمدينة صدقة على بني عبد المطلب وبني هاشم " (١). وجه الدلالة: دل الحديث على مشروعية الوقف، وهو نص في محل النزاع، حيث وقف النبي سبع حيطان له بالمدينة على بني عبد المطلب وبني هاشم. ٤ - أن من صح الوقف عليهم إذا كانوا محصورين صح، وإن لم يكونوا محصورين قياساً على الوقف على الفقراء والمساكين (٢). ونوقش: بأن هذا قياس غير مسلم؛ لأنه قياس مع الفارق فلا يصح؛ لأن لفظ الفقراء له عرف في الشرع حيث خصهم بمن له أخذ الزكاة بخلاف الموقوف عليهم في هذه المسألة، فلا عرف لما يعطى منهم في الشرع (٣). أدلة القول الثاني: ١ - أن الوقف على غير المحصورين إذا لم يقترن لفظه بما يدل على الحاجة يدخل فيه الأغنياء والفقراء، وإذا وقع للأغنياء لم يكن قربة، وإنما يكون حقاً لآدمي، وحقوق الآدميين إذا دخلت فيها الجهالة لم تصح (٤). ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن قولهم: الوقف على الأغنياء لا يكون قربة غير مسلم، بل هو قربة فقد ندب النبي ﷺ إلى الهدية وإن كانت لغني. الوجه الثاني: أن الوقف مبني على التيسير والتسامح، فيتساهل فيه بما

стр. 451

لا يتساهل به في غيره من العقود الأخرى، فيصح حتى مع وجود الجهالة كالوقف على الفقراء، ويصرف إلى بعض الموقوف عليهم. ٢ - أن هذا الوقف لا يمكن تنفيذه للجميع؛ لأنهم لا يحصون، ولا يمكن تنفيذه للبعض؛ لأنه ليس بأولى من البعض الآخر، فبطل (١). ونوقش: بأنا نسلم أنه لا يلزم تعميم الموصى لهم واستيعابهم؛ لعدم إمكانه، إلا أنه يمكن صرف الموقوف لبعض الموقوف عليهم، ويجتهد متولي التوزيع من ناظر أو حاكم أو وارث في ذلك حسب المصلحة (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول، وهو صحة الوقف على غير المحصورين وإن لم يقترن لفظه بما يدل على الحاجة؛ لقوة أدلته في مقابل ضعف أدلة المخالفين؛ لما ورد عليها من المناقشة.

стр. 452

المبحث الثالث: شروط الصيغة، والعين الموقوفة وفيه مطالب: المطلب الأول: الشرط الأول: أن يكون الوقف مؤبداً (الوقف المؤقت) مثل أن يقول: هذا البيت وقف على طلبة العلم لمدة عام. اختلف العلماء في حكم هذا الوقف على أقوال: القول الأول: صحة هذا الوقف، والشرط. وبه قال أبو يوسف من الحنفية في رواية (١)، والمالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣)، ووجه عند الحنابلة (٤). لكن عند الحنابلة على القول بالصحة يكون كمنقطع الانتهاء (٥).

стр. 453

القول الثاني: فساد شرط التأقيت، وصحة الوقف. وبه قال بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (١)، وخص بعض الشافعية بطلان التأقيت بالجهات العامة (٢)، إلحاقا له بالعتق. القول الثالث: بطلان الشرط، والوقف. وهو قول في مذهب الحنفية (٣)، ومذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦). وعند الشافعية: ما يضاهي التحرير كالمسجد، والمقبرة، والرباط، كقوله: جعلته مسجداً سنة، فإنه يصح مؤبداً. القول الرابع: وهو قول الحنفية (٧). يشترط الحنفية على المعمول به لصحة الوقف أن يكون مؤبدا؛ بأن يكون آخره مشروطاً صراحة أو دلالة لجهة بر لا تنقطع، غير أنهم يختلفون في اشتراط ذكر التأبيد أو ما يقوم مقامه نصاً في صيغة الوقف. فأبو يوسف ﵀ لا يشترط ذكر التأبيد، وإنما يشترط خلو الصيغة عما ينافيه وهو المعتمد. ومحمد ﵀: يشترط ذلك.

стр. 454

وعلى هذا فإذا ذكر الواقف جهة بر دائمة كالفقراء انصرف إليها بالاتفاق. وإذا ذكر أناسا معينين وشرط انصراف الوقف بعدهم لجهة بر دائمة كالفقراء صح الوقف بالإتفاق. أدلة من قال بصحة الوقف المؤقت: استدل لهذا القول بما يلي: ١ - عموم أدلة مشروعية الوقف (١). وهذه تشمل الوقف المؤقت. ٢ - أدلة صحة الشرط في الوقف (٢). وهذه بعمومها تشمل اشتراط الواقف كون الوقف مؤقتاً. ٣ - أدلة اشتراط رضا الواقف (٣). والواقف لم يرض بإخراج ملكه وقفاً إلا هذه المدة. (١٣٥) ٤ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن جابر ﵁ قال: " قضى النبي ﷺ بالعمرى أنها لمن وهبت له " (٤). (١٣٦) ٥ - ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال ﷺ : "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإن من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه" (٥).

стр. 455

(١٣٧) ٦ - ما رواه مسلم من طريق أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، وفي حديث أيوب من الزيادة قال: جعل الأنصار يعمرون المهاجرين، فقال رسول الله ﷺ : " أمسكوا عليكم أموالكم " (١). (١٣٨) ٧ - ما رواه مسلم من طريق أبي سلمة، عن جابر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه، فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أعمر ولعقبه " غير أن يحيى قال في أول حديثه: " أيما رجل أعمر عمرى فهي له ولعقبه " (٢). فهذه الأحاديث صريحة في صحة العمرى، وهي هبة مؤقتة، وكذا الوقف. ٨ - أن في هذا تيسيراً على الناس وحثاً لهم على التبرعات ولو تأقيتاً. ٩ - لأن المتبرع محسن وليس عليه سبيل، فله شرط ما يشاء ما لم يكن فيه ضرر أو مخالفة لمقتضى الوقف أو الشرع. ١٠ - الأدلة الدالة على صحة وقف الحيوان (٣). وبقاء الحيوان ونحوه مؤقت. ١١ - أن الوقف من أنواع الصدقات التي تجوز مؤقتة كما تجوز مؤبدة، ولا دليل يخص الوقف بالمنع من التأقيت (٤). ونوقش: بما ورد من نصوص خاصة تبين وجوب تأبيد الوقف كالأمر بتحبيس الأصل وأنه لا يباع ولا يوهب. وأجيب: أن تأبيد كل شيء بحسبه كما تقدم.

стр. 456

١٢ - كما يجوز توقيت انتفاع الموقوف عليهم بالعين الموقوفة أو غلتها، كذا يجوز توقيت الوقف مطلقاً. ونوقش من وجهين: الأول: أن هذا يعد قياساً مع الفارق؛ لأن للواقف أن يقيد بشرطه مدة الانتفاع بالنسبة للموقوف عليهم، بخلاف العين الموقوفة، فلا يكون الوقف فيها إلا مؤبداً. الثاني: يقال أيضا بأن ما خالف مقتضى الوقف وأصله تجب مخالفته، والحال كذلك هنا (١). ١٣ - أن حقيقة الوقف تمليك المنفعة، والواقف له أن يقيد بشرطه وجه الانتفاع بالوقف كذلك له أن يقيد مدة الوقف (٢). يناقش: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الواقف له أن يقيد بشرطه مدة الانتفاع بالنسبة للموقوف عليه، وهذا لا ينافي تأبيد الوقف. ١٤ - أنه يجوز وقف بعض المال، فكذلك يجوز الوقف في بعض الزمان. ونوقش: قال الماوردي: " ولهذا فرقنا بين أن يقف بعض ماله فيجوز، وبين أن يقف في بعض الزمان فلا يجوز؛ لأنه ليس في وقف بعض ماله رجوع في الوقف، وفي وقفه في بعض الزمان رجوع في الوقف " (٣). وأجيب: بأن الرجوع في الوقف سائغ بشرطة كما حررته في موضعه. واستدل من قال بصحة الوقف وبطلان الشرط: ١ - حديث ابن عمر ﵄ في وقف عمر ﵁ السابق. وجه الدلالة منه: أنه دل على لزوم الوقف، واللزوم ينافي توقيته.

стр. 457

ونوقش هذا الاستدلال: بأن وقف عمر يدل على اللزوم إذا لم يكن هناك شرط من الواقف لوجوب إتباع شرطه. ٢ - القياس على العتق، فكما أن العتق لا يجوز تعليق انتهائه على شرط، فكذلك الوقف لجامع أنهما إسقاطان للملك. ونوقش: بالفرق؛ إذ التأقيت ممكن في الوقت بخلافه في العتق. ٣ - القياس على الهبة، فكما أنه لا يجوز تعليق انتهائها على شرط، فكذلك الوقف بجامع أن كلاً منهما إخراج مال على وجه القربة. ونوقش: بعدم التسليم المقيس عليه موضع خلاف بين العلماء. فهذه التعليلات تدل على عدم جواز تعليق انتهاء الوقف إلا أنه لا يلزم منها بطلان الوقف؛ لأنه لازم بمجرد التلفظ به قبل ورودها عليه، وعليه فيصح الوقف ويبطل الشرط. واستدل من قال بالبطلان: استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - حديث عمر ﵁ السابق (١). وجه الدلالة: دل الحديث على أن الوقف أساسه البقاء؛ ليكون صدقة جارية، وهذا لا يكون إلا بالتأبيد. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أنه لا دليل فيه على شرط التأبيد. الوجه الثاني: أنه لو دل، فغيره من الأدلة دلت على جواز المؤقت. ٢ - أن المنقول عن الصحابة ﵃ من تأبيد الوقف. ونوقش: بأن ما نقل عن الصحابة ﵃ من تأبيد الوقف، إنما هي حكاية

стр. 458

وقائع كان الوقف فيها مؤبداً، وهذا هو ما ارتضوه في صدقاتهم، وليس فيه دليل على المنع من التأقيت في الوقف (١). ٣ - أنه إخراج مال على وجه القربة، فلم يجز إلى مدة كالصدقة. ونوقش: بأنه قياس مقابل بمثله. ٤ - أن الموقوف يخرج عن ملك واقفه إلى حكم ملك الله تعالى، وعليه فلا يصح التصرف فيه (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن خروج الوقف إلى ملك الله تعالى لا يمنع من تأقيته. ٥ - قياس الوقف على العتق بجامع أن كلا منهما إسقاط للملك، وكذا فإن الهبات لا رجوع فيها (٣). وسبق مناقشة القياس على العتق. ٦ - القياس على وقف المسجد، فكما تجب إقامته على التأبيد ولا يجوز الرجوع عنه، فكذا وقف غير المسجد (٤). ونوقش: بعدم تسليم الأصل المقيس عليه. الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة الوقف المؤقت؛ إذ الأصل أن الوقف فعل خير وقربة إلى الله ، فلا يمنع إلا لدليل بيّن.

стр. 459

المطلب الثاني: الشرط الثاني: أن يكون الوقف منجزاً (الوقف المعلق) وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن يكون التعليق على شرط مستقبل: إذا علق الواقف الوقف على شرط مستقبل، كأن يقول: وقفت هذا البيت إذا جاء شهر رمضان، أو إذا رضي أبي، ونحو ذلك. فهل يصح وينعقد الوقف مع هذا التعليق أو لا ينعقد؟ إن كان الوقف مسجداً صح، وإن كان غير مسجد، فللعلماء ﵏ قولان في حكم تعليق الوقف على الشرط: القول الأول: صحة تعليق الوقف على الشرط. وهذا مذهب المالكية (١)، وقول عند الحنابلة (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤).

стр. 460

وعند المالكية: إن حصل على الواقف دين قبل الأجل فإنه يضر عقد الوقف، إلا إن حيز الوقف، أو كانت منفعته لغير الواقف. القول الثاني: عدم صحة تعليق الوقف على شرط. وإلى هذا ذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). أدلة القول الأول: (صحة تعليق الوقف على الشرط) (١٣٩) ١ - ما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة، عن أبيه، عن أم كلثوم، وحدثنا حسين بن محمد قال: ثنا مسلم فذكره، وقال: عن أمه أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت: لما تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة قال لها: " إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى إلا هديتي مردودة علي، فإن ردت علي فهي لك " قال: وكان كما قال رسول الله ﷺ وردت عليه هديته، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة " (٤).
следующие страницы →