١٢ - كما يجوز توقيت انتفاع الموقوف عليهم بالعين الموقوفة أو غلتها، كذا يجوز توقيت الوقف مطلقاً.
ونوقش من وجهين:
الأول: أن هذا يعد قياساً مع الفارق؛ لأن للواقف أن يقيد بشرطه مدة الانتفاع بالنسبة للموقوف عليهم، بخلاف العين الموقوفة، فلا يكون الوقف فيها إلا مؤبداً.
الثاني: يقال أيضا بأن ما خالف مقتضى الوقف وأصله تجب مخالفته، والحال كذلك هنا (١).
١٣ - أن حقيقة الوقف تمليك المنفعة، والواقف له أن يقيد بشرطه وجه الانتفاع بالوقف كذلك له أن يقيد مدة الوقف (٢).
يناقش: بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الواقف له أن يقيد بشرطه مدة الانتفاع بالنسبة للموقوف عليه، وهذا لا ينافي تأبيد الوقف.
١٤ - أنه يجوز وقف بعض المال، فكذلك يجوز الوقف في بعض الزمان.
ونوقش: قال الماوردي: " ولهذا فرقنا بين أن يقف بعض ماله فيجوز، وبين أن يقف في بعض الزمان فلا يجوز؛ لأنه ليس في وقف بعض ماله رجوع في الوقف، وفي وقفه في بعض الزمان رجوع في الوقف " (٣).
وأجيب: بأن الرجوع في الوقف سائغ بشرطة كما حررته في موضعه.
واستدل من قال بصحة الوقف وبطلان الشرط:
١ - حديث ابن عمر ﵄ في وقف عمر ﵁ السابق.
وجه الدلالة منه: أنه دل على لزوم الوقف، واللزوم ينافي توقيته.
стр. 457
ونوقش هذا الاستدلال: بأن وقف عمر يدل على اللزوم إذا لم يكن هناك شرط من الواقف لوجوب إتباع شرطه.
٢ - القياس على العتق، فكما أن العتق لا يجوز تعليق انتهائه على شرط، فكذلك الوقف لجامع أنهما إسقاطان للملك.
ونوقش: بالفرق؛ إذ التأقيت ممكن في الوقت بخلافه في العتق.
٣ - القياس على الهبة، فكما أنه لا يجوز تعليق انتهائها على شرط، فكذلك الوقف بجامع أن كلاً منهما إخراج مال على وجه القربة.
ونوقش: بعدم التسليم المقيس عليه موضع خلاف بين العلماء.
فهذه التعليلات تدل على عدم جواز تعليق انتهاء الوقف إلا أنه لا يلزم منها بطلان الوقف؛ لأنه لازم بمجرد التلفظ به قبل ورودها عليه، وعليه فيصح الوقف ويبطل الشرط.
واستدل من قال بالبطلان:
استدل لهذا الرأي بما يلي:
١ - حديث عمر ﵁ السابق (١).
وجه الدلالة: دل الحديث على أن الوقف أساسه البقاء؛ ليكون صدقة جارية، وهذا لا يكون إلا بالتأبيد.
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا دليل فيه على شرط التأبيد.
الوجه الثاني: أنه لو دل، فغيره من الأدلة دلت على جواز المؤقت.
٢ - أن المنقول عن الصحابة ﵃ من تأبيد الوقف.
ونوقش: بأن ما نقل عن الصحابة ﵃ من تأبيد الوقف، إنما هي حكاية
стр. 458
وقائع كان الوقف فيها مؤبداً، وهذا هو ما ارتضوه في صدقاتهم، وليس فيه دليل على المنع من التأقيت في الوقف (١).
٣ - أنه إخراج مال على وجه القربة، فلم يجز إلى مدة كالصدقة.
ونوقش: بأنه قياس مقابل بمثله.
٤ - أن الموقوف يخرج عن ملك واقفه إلى حكم ملك الله تعالى، وعليه فلا يصح التصرف فيه (٢).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن خروج الوقف إلى ملك الله تعالى لا يمنع من تأقيته.
٥ - قياس الوقف على العتق بجامع أن كلا منهما إسقاط للملك، وكذا فإن الهبات لا رجوع فيها (٣).
وسبق مناقشة القياس على العتق.
٦ - القياس على وقف المسجد، فكما تجب إقامته على التأبيد ولا يجوز الرجوع عنه، فكذا وقف غير المسجد (٤).
ونوقش: بعدم تسليم الأصل المقيس عليه.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة الوقف المؤقت؛ إذ الأصل أن الوقف فعل خير وقربة إلى الله ، فلا يمنع إلا لدليل بيّن.
стр. 459
المطلب الثاني: الشرط الثاني: أن يكون الوقف منجزاً
(الوقف المعلق)
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: أن يكون التعليق على شرط مستقبل:
إذا علق الواقف الوقف على شرط مستقبل، كأن يقول: وقفت هذا البيت إذا جاء شهر رمضان، أو إذا رضي أبي، ونحو ذلك.
فهل يصح وينعقد الوقف مع هذا التعليق أو لا ينعقد؟ إن كان الوقف مسجداً صح، وإن كان غير مسجد، فللعلماء ﵏ قولان في حكم تعليق الوقف على الشرط:
القول الأول: صحة تعليق الوقف على الشرط.
وهذا مذهب المالكية (١)، وقول عند الحنابلة (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤).
стр. 460
وعند المالكية: إن حصل على الواقف دين قبل الأجل فإنه يضر عقد الوقف، إلا إن حيز الوقف، أو كانت منفعته لغير الواقف.
القول الثاني: عدم صحة تعليق الوقف على شرط.
وإلى هذا ذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
أدلة القول الأول: (صحة تعليق الوقف على الشرط)
(١٣٩) ١ - ما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة، عن أبيه، عن أم كلثوم، وحدثنا حسين بن محمد قال: ثنا مسلم فذكره، وقال: عن أمه أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت: لما تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة قال لها: " إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى إلا هديتي مردودة علي، فإن ردت علي فهي لك " قال: وكان كما قال رسول الله ﷺ وردت عليه هديته، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة " (٤).
стр. 461
وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ علق الهبة على رجوعها، وكذا الوقف.
ونوقش من وجهين:
الأول: أن هذا ليس هبة؛ بل هو وعد بالهبة (١).
ويجاب: بأن ظاهر اللفظ في قوله: "فهو لك" يقتضي الهبة، وما عداه خلاف الظاهر.
الثاني: أن الحديث ضعيف.
(١٤٠) ٢ - ما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر، فعبد الله بن رواحه " (٢).
стр. 462
ففي هذا تعليق عقد الإمارة، فكذا الوقف.
٣ - أن تعليق العقود والتبرعات ونحوها بالشرط أمر تدعو إليه الضرورة، أو الحاجة أو المصلحة والمكلف قد لا يستغني عن التعليق، والشارع لا يمنع مثل هذا؛ إذ لا محذور فيه (١).
٤ - أن الأصل في العقود والشروط في العقود الصحة.
أدلة القول الثاني: (عدم صحة تعليق عقد الوقف)
استدل القائلون بعدم صحة تعليق عقد الوقف بالأدلة الآتية:
١ - أن الوقف تمليك لمعين في الحياة، فلم يجز تعليقها في الحياة على شرط كالبيع (٢).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: الفرق بين البيع والوقف، فالبيع عقد معاوضة، والوقف عقد تبرع.
الوجه الثاني: عدم التسليم بالمنع في المبيع، بل البيع مما يجوز تعليقه على شرط؛ لعدم المانع، والأصل الصحة.
٢ - أن التبرع تمليك، والتمليكات تبطل بالتعليق (٣).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا الاستدلال في محل النزاع، والأصل الذي بني عليه غير مسلم، فعقود التمليكات تقبل التعليق.
стр. 463
٣ - أن الوقف عقد يبطل بالجهالة، فلم يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع (١).
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول: أن التعليق لا جهالة فيه، فإن الشرط المعلق عليه إن تحقق فقد تم العقد، وإن لم يتحقق لم يتم وتحققه من عدمه معلوم وليس مجهولاً.
الوجه الثاني: أن القياس على البيع مبني على عدم صحة تعليق البيع وهذا غير مسلم، بل البيع يصح تعلقه على شرط عند بعض أهل العلم.
٤ - أنه عقد يقتضي نقل الملك لله تعالى أو للموقوف عليه حالاً كالبيع والهبة، فلا يصح إلا منجزاً (٢).
ويناقش: بنحو ما نوقش به ما سبق حيث إن نقل الملك لا يمنع التعليق، كما أن البيع والهبة يصح فيهما التعليق على قول طائفة من العلماء، وهو قول قوي.
٥ - أن الوقف لا يحتمل التعليق بالخطر (٣).
ونوقش: بعدم التسليم؛ لأن غاية ما في الوقف المعلق أنه إن حصل الشرط الذي علق عليه الوقف تحقق وحصل الوقف، وإلا فلا.
٦ - أن الوقف لا يحلف به وتعليق ما لا يحلف به لا يصح (٤).
ونوقش: بعدم التسليم؛ لأن كل ما لا يحلف به لا يصح تعليقه، بل يصح تعليق البيع والإجارة ونحوهما، وهذه العقود لا يحلف بها.
стр. 464
٧ - أنه نقل للملك فيما لم يبن على التغليب والسراية، فلم يجز تعليقه على شرط كالهبة (١).
ونوقش هذا الاستدلال: لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الهبة تمليك لمعين بينما الوقف إخراج الملك لله، ثم إنه لا يسلم أن الهبة لا يصح تعليقها، بل يصح تعليقها على الراجح، كما بينته في كتابي أحكام الهبة.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة تعليق عقد الوقف على شرط مستقبل؛ لقوة دليلهم، ولأنه إحسان محض وفي تعليقها تكثير لهذا الإحسان، ولأن القائلين بمنع التعليق أجازوا التعليق في بعض عقود التمليك مما يدل على اضطراب هذا الأصل عندهم وعدم اطراد قاعدتهم.
المسألة الثانية: أن يكون التعليق على سبيل النذر:
وصورته أن يقول: لله علي أن أقف عقاري على الفقراء، أو يقول: إذا شفى الله مريضي فلله علي أن أقف عقاري على الفقراء، فيصح هذا التعليق (٢).
(١٤١) ١ - لما روى البخاري من طريق القاسم، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه " (٣).
٢ - ولأن النذر مما يحتمل التعليق (٤).
المسألة الثالثة: تعليق الوقف على الموت.
يأتي بحث هذه المسألة في حكم الوقف المعلق بالموت.
стр. 465
المطلب الثالث:
الشرط الثالث
اشتراط الاتصال بين القبول والإيجاب
وتقدم القبول على الإيجاب، وتقدم بحثهما في الفصل الأول من الباب الأول.
المطلب الرابع: الشرط الرابع: اشتراط قبض الوقف، وحيازته
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الحيازة:
تعريف الحيازة:
الحوز: هو الجمع، والضم، والقبض، وكل من ضم إلى نفسه شيئاً فقد حازه حوزا أو حيازة (١).
قال ابن منظور: " حازه يحوزه: إذا قبضه وملكه واستبد به " (٢).
المسألة الثانية: اعتبار شرط القبض والحيازة:
حيازة الوقف وقبضه اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في اعتبارها شرطا لصحة الوقف، أو لزومه، على ثلاثة أقوال:
стр. 466
القول الأول: أن الحيازة والقبض ليست شرطاً لا لصحة الوقف، ولا للزومه.
وبه قال أبو يوسف من الحنفية (١)، وهو قول الشافعية (٢)، ومذهب الحنابلة (٣)، وهو قول الظاهرية (٤).
القول الثاني: أن الحيازة والقبض شرط في صحة الوقف.
وهو قول المالكية في الجملة، ورواية عن الإمام أحمد (٥).
القول الثالث: أن الحيازة والقبض شرط للزوم الوقف.
وهو قول محمد بن الحسن (٦)، وبه قال بعض المالكية (٧)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٨).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل لهذا الرأي بما يلي:
١ - حديث ابن عمر ﵄ قال: أصاب عمر ﵁ بخيبر أرضاً، فأتى النبي -
стр. 467
ﷺ فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالا قط أنفس منه فكيف تأمرني به؟ قال: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها "، فتصدق عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث في الفقراء والقربى، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقاً غير متمول فيه (١).
وجه الدلالة: أن قوله ﷺ : "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها" يشمل تحبيس العين والصدقة بها وهي تحت يد مالكها، وأيضا فإن عمر ﵁ لم يسأل النبي ﷺ عن اشتراط إخراج العين المحبسة عن يده، مما يدل على عدم اشتراطه (٢).
٢ - ما ورد عن عمر ﵁ أن وقفه كان بيده إلى أن مات.
(١٤٢) فقد روى الخصاف عن الواقدي، عن أبي بكر بن عبد الله، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمر بن ربيعة قال: " شهدت كتاب عمر ﵁ حين وقف وقفه أنه في يده، فإذا توفي فهو إلى حفصة بنت عمر، فلم يزل عمر يلي وقفه إلى أن توفي، فلقد رأيته هو بنفسه يقسم ثمرة ثمغ في السنة التي توفي فيها، ثم صار إلى حفصة " (٣).
(١٤٣) ٣ - وأخرج الشافعي عن أهل العلم من ولد فاطمة وعلي وعمر ﵃، ومواليهم " أن عمر بن الخطاب ﵁ المتصدق بأمر رسول الله ﷺ لم يزل يلي صدقته حتى قبضه الله ﵎، ولم يزل علي بن أبي طالب يلي
стр. 468
صدقته بينبع حتى لقي الله ، ولم تزل فاطمة ﵂ تلي صدقتها حتى لقيت الله ﵎ " (١).
(١٤٤) ٤ - ونقل البيهقي عن الشافعي في القديم: " أن الزبير ولي صدقته حتى قبضه الله، وولي عمرو بن العاص صدقته حتى قبضه الله، وولي المسور بن مخرمة صدقته حتى قبضه الله " (٢).
قال الشافعي: "ولقد حفظنا الصدقات عن عدد كثير من المهاجرين والأنصار، لقد حكي لي عدد كثير من أولادهم وأهليهم أنهم لم يزالوا يلون صدقاتهم حتى ماتوا ينقل ذلك العامة منهم عن العامة لا يختلفون فيه، وأن أكثر ما عندنا بالمدينة ومكة من الصدقات لكما وصفت لم يزل يتصدق بها المسلمون من السلف يلونها حتى ماتوا، وأن نقل الحديث فيها كالتكلف " (٣).
(١٤٥) ٥ - ما رواه عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: "كان علي بن أبي طالب وابن مسعود يجيزان الصدقة وإن لم تقبض" (٤).
والوقف من الصدقة.
(١٤٦) ٦ - ما رواه ابن حزم من طريق الحجاج بن المنهال: نا المعتمر بن سليمان التيمي، قال: سمعت عيسى بن المسيب أنه سمع
стр. 469
القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يحدث، عن أبيه، عن جده عبد الله بن مسعود قال: " الصدقة جائزة قبضت، أو لم تقبض " (١).
وجه الدلالة: كما سبق.
(١٤٧) ٧ - ما رواه عبد الرزاق، عن إبراهيم بن عمر، عن عبد الكريم أبي أمية قال: حدثني يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب قال: " اللاعب والجاد في الصدقة سواء " (٢).
(١٤٨) ٨ - ما رواه الإمام مالك، عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف المري عن عمر ﵁ قال: " من وهب هبة لصلة الرحم، أو على وجه الصدقة فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يرض منها " (٣) (صحيح).
стр. 470
وهذا يشمل صدقة الوقف قبضت أو لم تقبض.
٩ - قياس صحة الوقف ولزومه من غير قبض على صحة العتق ولزومه من غير قبض (١)، بجامع إسقاط الملك على وجه القربة (٢).
أدلة الرأي الثاني: (اشتراط الحيازة والقبض)
استدل لهذا الرأي بما يلي:
١ - حديث عمر ﵁، وفيه أن عمر ﵁ دفعه إلى حفصة ﵂ (٣).
(١٤٩) ٢ - ما رواه أبو داود من طريق ابن وهب، أخبرني الليث، عن يحيى بن سعيد، عن صدقة عمر بن الخطاب قال: " نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما كتب عبد الله عمر في ثمغ، فقص من خبره نحو حديث نافع، قال: «غير متأثل مالا، فما عفا عنه من ثمره فهو للسائل والمحروم». قال: وساق القصة قال: وإن شاء ولي ثمغ اشترى من ثمره رقيقا لعمله، وكتب معيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغا، وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمئة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمئة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها أن لا يباع
стр. 471
ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقا منه " (١).
стр. 472
ونوقش هذا الاستدلال: أنه مردود بما ذكر ابن حجر فقال: وأما ما زعمه ابن التين من أن عمر ﵁ دفع الوقف لحفصة فمردود (١).
ووجه رده: أنه جاء في كتاب عمر ﵁: " هذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين في ثمغ، أنه إلى حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فالي ذوي الرأي من أهلها … والمئة وسق (٢) الذي أطعمني النبي ﷺ فإنها مع ثمغ على سننه الذي أمرت به، وإن شاء وليّ ثمغ أن يشتري من ثمره رقيقاً يعملون فيه فعل".
(١٥٠) وروى الدارقطني، والبيهقي كلاهما من طريق يزيد بن هارون، أنبأنا عبد الله بن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: "أصاب عمر أرضاً بخيبر … فذكره وفيه: (ثم أوصى به إلى حفصة بنت عمر ﵁، ثم إلى الأكابر من آل عمر) (٣).
стр. 473
وهذا يدل على أنه أوصى لحفصة ﵂.
أدلة القول الثالث: (أن الحيازة شرط للزوم)
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - حديث عمر بن الخطاب ﵁، وأنه دفع الوقف على ابنته حفصة ﵂ (١).
قالوا: وإنما فعل ذلك ليتم الوقف.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا الدليل سبقت مناقشته في دفع استدلال أصحاب القول الثاني، وأنه لا يصح الاستدلال به، وحتى لو فرض صحته فإنه يصادم ما ثبت أن عمر ولي صدقته حتى مات، فيتعين صرفه إلى أن المقصود بذلك أن عمر ﵁ أوصى بدفعه إلى حفصة بعد وفاته، وأنها إنما حازته بعد وفاة أبيها ﵄.
وعلى فرض ثبوت حيازة حفصة له قبل وفاة أبيها، فإنه لا يعني ذلك أنه شرط لتمام الوقف، بل هناك احتمال أقوى منه وهو ما ذكره أبو يوسف من أنه فعل ذلك لكثرة اشتغاله وخاف التقصير منه في أوانه، أو ليكون في يدها بعد موته، أما أن يكون فعله لإتمام الوقف فلا (٢).
وأن بعض العلماء يرى أنه أول وقف في الإسلام (٣).
وأما كتاب عمر ﵁ لوقفه فقد كتبه في خلافته؛ ذلك أن معيقيبا كان
стр. 474
كاتبه في زمن الخلافة، وقد وصف معيقيب عمر في هذا الكتاب بأنه أمير المؤمنين.
ومن خلال هاتين المقدمتين يتضح لنا أن عمر ﵁ وقف ثمغاً في زمن النبي ﷺ باللفظ وتولى هو النظر عليه إلى أن حضرته الوصية في زمن خلافته، فكتب حينئذ الكتاب، خاصة وأنه قد سبق التصريح بأن عمر ﵁ ولي صدقته إلى أن مات (١).
(١٥١) ٢ - ما رواه مسلم من طريق قتادة، عن مطرف، عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ قال: " يقول ابن آدم: مالي، مالي " قال: " وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت " (٢).
فدل على أن الصدقة تكون بالإمضاء، وهو القبض.
(١٥٢) ٣ - ما رواه الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: إن أبا بكر الصديق ﵁ نحلها جداد عشرين وسقاً من مال بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: " والله يا بنية، ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك من مالي جداد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك ذلك، وإنما هو مال الوارث، وإنما هو أخوك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله … " (٣).
стр. 475
وجه الدلالة: هي في قوله: "فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك ذلك"؛ فلولا توقف الملك على القبض لما قال: "إنه ملك وارث" (١)، فيدل الأثر على أن الهبة لا تتم إلا بالقبض فلا تملك إلا به (٢)، وكذا الوقف بجامع التبرع.
٤ - ما رواه الإمام أحمد من طريق مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة، عن أبيه، عن أم كلثوم بنت أبي سلمة قالت: لما تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة قال لها: "إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك ولا أرى النجاشي إلا قد مات ولا أرى إلا هديتي مردودة علي، فإن ردت علي فهي لك " قال: وكان كما قال رسول الله ﷺ وردت عليه هديته، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلة " (٣).
(ضعيف)
وجه الدلالة: أنه لو كانت الهبة تملك قبل القبض لما استجاز الرسول ﷺ أن يتملكه ويتصرف فيه، وكذا الوقف.
(١٥٣) ٥ - ما رواه ابن حزم من طريق ابن وهب، عن الحارث بن نبهان، عن محمد بن عبيد الله -هو العزرمي- عن عمرو بن شعيب وابن أبي مليكة أن أبا بكر وعمر وعثمان وابن عباس وابن عمر ﵃ قالوا: "لا تجوز صدقة حتى تقبض" (٤).
стр. 476
(١٥٤) ٦ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق سفيان، عن جابر عن القاسم قال: كان معاذ وشريح يقولان: " لا تجوز الصدقة حتى تقبض، إلا الصبي بين أبويه " (١).
٧ - قياس الوقف على الصدقة العامة؛ إذ لا تتم إلا بالتسليم، فكذا الصدقة الموقوفة لا تتم إلا بالتسليم (٢).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: عدم التسليم، فإن المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم، فالمالكية يرون أن الصدقة تلزم بمجرد العقد في الجملة (٣).
الوجه الثاني: أنه قياس مع الفارق؛ إذ إن الصدقة العامة تخالف الصدقة
стр. 477
الموقوفة في كثير من الأحكام:
منها: أن الصدقة العامة تخرج إلى ملك المتصدق عليه، بخلاف الصدقة الموقوفة فإنها ملك لله كما سبق.
ومنها: أن الصدقة العامة يملك المتصدق عليه أن ينقل الملك فيها بهبة أو بيع أو صدقة وتورث عنه، بخلاف الصدقة الموقوفة فإنها لا تباع ولا توهب ولا تورث.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- أن قبض الموقوف وحيازته ليس شرطاً لصحته، ولا لزومه؛ لعموم الأدلة، ولقوة دليل القائلين بهذا القول، ومناقشة أدلة القولين الآخرين.
المسألة الثالثة: بيان الحيازة المعتبرة:
اختلف العلماء القائلون باشتراط الحيازة لصحة الوقف في بيان الحيازة المعتبرة على قولين:
القول الأول: أن الحيازة المعتبرة تكون بالتسليم إلى الناظر، فإن لم يكن فالحاكم إذا كانت على جهة خاصة، أو عامة لها ناظر معين.
وبه قال من اشترط الحيازة من الحنفية، والحنابلة.
فإن كان على جهات عامة وليس لها ناظر معين، فاختلف من قال باشتراط الحيازة من الحنفية، والحنابلة بم تحصل الحيازة.
فذهب من قال به من الحنابلة: إلى أن المقصود يحصل بالتخلية بين الناس وبينها.
ولذلك قال الحارثي: " وبالجملة فالمساجد والقناطر، والآبار ونحوها يكفي التخلية بين الناس وبينها " (١).
стр. 478
وذهب الحنفية: أنها لا تحصل إلا بمباشرة الانتفاع منه.
فذكر السرخسي: " أن من جعل أرضاً له مقبرةً للمسلمين وأذن لهم أن يقبروا فيها ففعلوا فليس له الرجوع، وقال: فليس له بعد ما يخلي بين المسلمين وبينها يقبرون فيها إنساناً واحداً أو أكثر أن يرجع فيها؛ لأن التسليم -على من يشترط التسليم- يتم بهذا، فإن المقصود قد حصل إذا قبروا فيها إنساناً واحداً، وكذلك إذا جعلها خاناً للمسلمين وخلى بينهم وبينها فدخلها بإذنه رجل واحد أو أكثر فلا سبيل له بعد ذلك عليها؛ لأن التسليم يتم بهذا " (١).
وقال الطرابلسي: "تسليم كل شيء عند محمد بما يليق به، ففي المقبرة يحصل بدفن واحد فصاعدا بإذنه، وفي السقاية بشرب واحد، وفي الخان بنزول واحد من المارة" (٢).
الأدلة:
حجة الحنفية على أن الحيازة إذا لم يكن ناظر لا يتحقق إلا بمباشرة الانتفاع من واحد:
١ - أنه إذا كان ناظر فالقبض يكون بالتسليم له، كقبض المشتري السلعة.
٢ - أنه لا يتحقق القبض من جميع المسلمين، ففعل الواحد منهم كفعل الجماعة؛ للمساواة بين الكل فيما يثبت به من الحق.
(١٥٥) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق إبراهيم التيمي قال: حدثني أبي قال: خطبنا علي بن أبي طالب ﵁، … وفيه قول الرسول -
стр. 479
ﷺ : " ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلاً " (١).
وجه الدلالة: القياس على أمان الواحد من المسلمين، فأمان الواحد من المسلمين كأمان الجماعة (٢).
وحجة الحنابلة أنه إذا لم يكن ناظر، وكان على جهة عامة يكون القبض بالتخلية: أن قبض مثل هذه الأشياء يكون بالتخلية عرفاً.
القول الثاني: أن الحيازة المعتبرة تكون بمضي عام على إثبات يد القيم على العين المحبسة، أو رفع يد المحبس عنها وتخليته بينها وبين الناس.
وهذا قول المالكية (٣).
وقيدوا المدة بعام؛ لأنها هي المدة التي يقع بها الاشتهار (٤) -على حد قولهم.
والحيازة عندهم على نوعين (٥):
أحدهما: الحيازة الحسية:
وهي ما كانت الحيازة فيها حقيقة، بحيث تكون العين مقبوضة من قبل الموقوف عليه يستولي عليها، ويستبد بها، ويخرجها عن تحكم الواقف فيها.
стр. 480
الثاني: الحيازة الحكمية:
وهي أن يكون الوقف لا يزال تحت رعاية الواقف ولم ترفع يده عن العين الموقوفة رفعا تاما، وإنما يبقى له شيء من التسلط على تلك العين.
وذلك كأن يكون الموقوف عليه محجورا عليه لصغر، أو سفه تحت ولاية الواقف سواء كان الواقف أباً أو وصياً أو مقاماً من الحاكم، فإن حيازة كل واحد من هؤلاء حيازة حكمية؛ إذ إن رفع يد الواقف عن العين الموقوفة تشوبها ولايته على الموقوف عليه، وبالتالي حيازتها عنه (١).
أو أن يكون الموقوف عليه أمراً عاماً يكفي في حيازته الإخلاء بينه وبين الناس كالمسجد والمدرسة والرباط والبئر، فالإخلاء في هذه حوز حكمي (٢).
ويشترط لصحة الحيازة الحكمية شروط (٣) هي:
١ - أن يشهد الواقف على الحبس قبل حصول المانع، ولا بد من معاينة البينة لذلك الإشهاد، فلا يكفي إقرار الواقف؛ لأن المنازع للموقوف عليه إما الورثة وإما الغرماء.
٢ - أن يصرف الواقف الغلة كلها أو جلها في مصالح المحجور عليه الواقع تحت ولايته.
٣ - أن لا تكون العين الموقوفة مشغولة بمصالح الواقف من سكنى أو لبس أو ركوب أو نحوه (٤).
ويبطل الوقف عند المالكية: بحصول مانع للواقف قبل الحيازة.
فإذا لم يحزه الموقوف عليه حيازة حسية أو حكمية حتى حصل للواقف
стр. 481
مانع من موت أو فلس، أو مرض متصل بموته بطل الوقف ورجع للغريم في الفلس وللوارث في الموت إن لم يجزه الوارث و إلا نفذ.
وكذا يبطل إذا عاد الواقف لانتفاعه بما وقفه قبل عام بعد الحيازة سواء كان الوقف على محجوره، أو على غيره، وسواء عاد بكراء أو إرفاق؛ أي سواء بعوض أو بغير عوض.
وإن كان العود بعد عام، فلا يخلو الوقف من أن يكون على غير محجوره أو على محجوره.
فإن كان على غير محجوره، فلا يبطل الوقف إذا كان العود بعد عام سواء كان بكراء أو إرفاق.
وإن كان على محجوره، فإما أن يكون العود بإرفاق، وإما يكون بكراء، فإن كان العود بعوض وأشهد على ذلك ففيه خلاف:
فالمشهور في المذهب المالكي -والذي عليه العمل- أن الوقف نافذ فلا يبطل.
وقال ابن رشد: بالبطلان إذا عاد لما حبس على محجوره ولو بعد أعوام.
هذا الحكم ثابت في الأعيان الموقوفة التي لها غلة كالدار والحانوت والحمام والدابة ونحوها.
وأما بالنسبة للأعيان التي لا غلة لها ككتب العلم والسلاح ونحوها، فإنه متى ما صرفه الواقف قبل عوده له في مصرفه - بأن حيز عنه لمن يقرأ فيه بالنسبة للكتاب، أو لمن يقاتل به بالنسبة للسلاح فإنه لا يبطل الوقف بالمانع إذا عاد الوقف ليد الواقف قبل عام، ومن باب أولى بعد العام (١).
стр. 482
المطلب الخامس: الشرط الخامس: أن يكون الموقوف مالاً شرعاً (١)
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: كون الموقوف مالاً مباحاً.
هذا الشرط متفق عليه بين الفقهاء (٢)؛ لأن المحرم لا قيمة له في الشرع، ولا قبول للصدقة المحرمة عند الله كما قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٤).
стр. 483
ووقف المال المحرم الذي يستعان به على المحرم من التعاون على الإثم والعدوان.
ولما روى مسلم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً " (١).
وما رواه البخاري من طريق أبي صالح، ومسلم من طريق سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل " (٢).
وما رواه مسلم من طريق مصعب بن سعد عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا تقبل صلاة من طهور، ولا صدقة من غلول " (٣).
وفي الشرح الكبير مع الإنصاف: " ولا يصح على الكنائس، وبيوت النار، والبيع، وكتب التوراة والإنجيل؛ لأن ذلك معصية، فإن هذه المواضع بنيت للكفر، وكتبهم مبدلة منسوخة ..... وحكم الوقف على قناديل البيعة وفرشها، ومن يخدمها ومن يعمرها كالوقف عليها؛ لأنه يراد لتعظيمها ..... قال شيخنا -ابن قدامة-: ولا نعلم فيه مخالفاً " (٤).
المسألة الثانية: المحرم لعينِهِ.
وهو ما حرم الشارع الانتفاع به لخاصية في ذاته من ضرر، أو خبث، أو قذارة كالخمر، والخنزير، والميتة، والدم.
стр. 484
فأكثر الفقهاء كما سبق تحريم وقفه؛ لأنَّه ليس مالاً شرعاً؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١).
(١٥٦) لما رواه مسلم من طريق عَلْقَمة بن وائل، عن أبيه وائل الحضرمِىِّ أَنَّ طارق بن سُوَيْد الجُعْفِىَّ سأل النبى ﷺ عن الخمر؟ فنهى أو كره أن يصنعها، فقال: إنَّما أصنعها للدَّواء، فقال: «إنَّه ليس بدواءٍ ولكنَّه دَاء» (٢).
وذهب بعض الحنابلة: إلى أنه تصح هبة ما يباح الانتفاع به من النجاسات (٣).
في كشاف القناع: " (واختار جمعٌ: وكلب) أي: تصح هبته، جزم به في المغني والكافي (ونجاسة مباح نفعهما) أي: الكلب والنجاسة، جزم به الحارثي والشارح؛ لأنه تبرع أشبه الوصية به، قال في القاعدة السابعة والثمانين: وليس بين القاضي وصاحب المغني خلاف في الحقيقة؛ لأن نقل اليد في هذه الأعيان جائز كالوصية، وقد صرح به القاضي في خلافه " (٤).
وعند شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٥) يجوز الانتفاع بالنجاسات كما جاء في الاختيارات: " ويجوز الانتفاع بالنجاسات، وسواء في ذلك شحم الميتة وغيره، وهو قول الشافعي وأومأ إليه أحمد في رواية ابن منصور "، فظاهرُهُ جوازُ وقفه؛ إذ إنَّ شيخَ الإسلام يتوسَّعُ في باب الوقف فيُجوِّزُ وقف المبهم، وغير المقدور على تسليمه، والمعدوم، كما وضَّحتُهُ في شروط صحَّة الوقفِ.
стр. 485
ويدل لهذا:
(١٥٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح -وهو بمكة-: " إنَّ اللهَ ورسولَه حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة؟ فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه، فأكلوا ثمنه" (١).
في الحديث جواز الانتفاع بالنجاسات، وإذا ثبت هذا جاز وقفها.
والخلاصة: أن وقف المحرم لعينه لا تخلو من حالتين:
الحال الأولى: وقفه لما يتضمنه من منافع مباحة، فجائز.
الحال الثانية: وقفه لما يتضمنه من منافع محرمة، فلا يجوز.
المسألة الثالثة: أن يكون محرماً لكسبِهِ:
وتحته حالتان:
الحال الأولى: المأخوذ بغير رضا مالكِهِ ولا إذن الشارع، كالمسروق والمغصوب والمُنتهب، فهذا يجبُ ردُّهُ على صاحبِهِ إن عَلِمَه أو علم ورثته بالإجماع (٢).
قال ابن هبيرة: " واتفقوا على أنه يجب على الغاصب رد المغصوب إن كانت عينه قائمة، ولم يخف من نزعها إتلاف نفس " (٣).
стр. 486
قال الشوكاني ﵀: " ومجمع على وجوب رد المغصوب إذا كان باقياً" (١).
وما ذكروه في الغصب جار فيما عداه من المكاسب المحرمة؛ لأنها في حكمه.
فإن جَهِلَه تصدَّق به على الفقراء والمساكين، وبه قال جمهور أهل العلم (٢): أبو حنيفة، ومالك، وأحمد.
وحجتهم:
١ - قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٣) وهذا لم يستطع أن يرده إلى صاحبه.
٢ - ورود ذلك عن بعض الصحابة.
قال ابن القيم: " وأما في حقوق العباد فيتصور في مسائل إحداها من غصب أموالا، ثم تاب وتعذر عليه ردها إلى أصحابها، أو إلى ورثتهم؛ لجهله بهم أو لانقراضهم أو لغير ذلك، فاختلف في توبة مثل هذا:
فقالت طائفة: لا توبة له إلا بأداء هذه المظالم إلى أربابها، فإذا كان ذلك قد تعذر عليه فقد تعذرت عليه التوبة، والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا، قالوا: فإن هذا حق للآدمي لم يصل إليه والله سبحانه لا يترك من حقوق عباده شيئا، بل يستوفيها لبعضهم من بعض ولا يجاوزه ظلم ظالم، فلا بد أن يأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ولو لطمة ولو كلمة … وأقرب ما لهذا في تدارك الفارط منه أن يكثر من الحسنات ليتمكن
стр. 487
من الوفاء منها يوم لا يكون الوفاء بدينار ولا بدرهم فيتجر تجارة يمكنه الوفاء منها ....
ثم اختلف هؤلاء في حكم ما بيده من الأموال:
فقالت طائفة: يوقف أمرها ولا يتصرف فيها البتة.
وقالت طائفة: يدفعها إلى الإمام أو نائبه؛ لأنه وكل أربابها فيحفظها لهم ويكون حكمها حكم الأموال الضائعة.
وقالت طائفة أخرى: بل باب التوبة مفتوح لهذا ولم يغلقه الله عنه ولا عن مذنب، وتوبته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها، فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان لهم الخيار بين أن يجيزوا ما فعل وتكون أجورها لهم، وبين أن لا يجيزوا، ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم، ويكون ثواب تلك الصدقة له؛ إذ لا يبطل الله سبحانه ثوابها ولا يجمع لأربابها بين العوض والمعوض فيغرمه إياها، ويجعل أجرها لهم، وقد غرم من حسناته بقدرها، هذا مذهب جماعة من الصحابة، كما هو مروى عن ابن مسعود، ومعاوية، وحجاج بن الشاعر، فقد روي " أن ابن مسعود اشترى من رجل جارية ودخل يزن له الثمن، فذهب رب الجارية فانتظره حتى يئس من عوده فتصدق بالثمن، وقال: اللهم هذا عن رب الجارية، فإن رضي فالأجر له وإن أبى فالأجر لي وله من حسناتي بقدره، وغل رجل من الغنيمة ثم تاب فجاء بما غله إلى أمير الجيش فأبى أن يقبله منه، وقال: كيف لي بإيصاله إلى الجيش وقد تفرقوا، فأتى حجاج بن الشاعر، فقال: يا هذا إن الله يعلم الجيش وأسماءهم وأنسابهم فادفع خمسه إلى صاحب الخمس وتصدق بالباقي عنهم، فإن الله يوصل ذلك إليهم أو كما قال ففعل، فلما أخبر معاوية قال: لأن أكون أفتيتك بذلك أحب إلي من نصف ملكي" (١).
стр. 488
وقال: " من قبض ما ليس له قبضه شرعا، ثم أراد التخلص منه، فإن كان المقبوض قد أخذ بغير رضى صاحبه، ولا استوفى عوضه رده عليه، فإن تعذر رده عليه، قضى به دينا يعلمه عليه، فإن تعذر ذلك، رده إلى ورثته، فإن تعذر ذلك، تصدق به عنه، فإن اختار صاحب الحق ثوابه يوم القيامة، كان له، وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض، استوفى منه نظير ماله، وكان ثواب الصدقة للمتصدق بها، كما ثبت عن الصحابة ﵃ " (١).
٣ - القياس على اللقطة إذا لم يجد ربها بعد تعريفها ولم يرد أن يتملكها تصدق بها عنه، فإن ظهر مالكها خيره بين الأجرة والضمان.
قالوا: ولأن المجهول في الشرع كالمعدوم.
وعند الشافعية: يسلمه إلى الحاكم لينفقه في مصالح المسلمين العامَّة.
وحجتهم: بأن ولي الأمر ونوابه أعلم بأوجه المصالح، فكانوا أولى بالتصرف.
والأقرب: هو القول الأول؛ لقوة دليله.
وقد حكى ابن عبد البر وابن المنذر (٢): الإجماعَ على أنَّ الغالَّ يجب عليه أن يردّ ما غلَّ إلى صاحب المقاسم ما وجد إلى ذلك سبيلاً، والدليلُ على ذلك:
١ - قول الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣).
(١٥٨) ٢ - ولما رواه البخاري من طريق مالك، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلَّله
стр. 489
منها؛ فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئآت أخيه فطرحت عليه " (١).
وهل له الأكل منه إذا تاب وكان فقيراً؟
المنصوص عليه عند الحنابلة: أنه لا يجوز له الأكل منه، ويجب عليه أن يتصدق به (٢).
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀ - أن للغاصب ونحوه الأكل من المال المغصوب ونحوه إذا تاب وكان فقيرا إن لم يعرف صاحبه (٣).
فرع: أرباح هذا النوع من المكاسب.
اختلف العلماء في أرباح المكاسب المحرمة الحاصلة من غير تراض على أقوال:
القول الأول: أن هذه الأرباح التي حصلت بعمل من الكاسب يكون الكاسب فيها شريكا للمالك.
وهو رواية عن أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن القيم (٤).
وحجته:
(١٥٨*) ما رواه الإمام مالك عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى هاهنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من
стр. 490
متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: «أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما»؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: «ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما، أديا المال وربحه»، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، هذا لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه؟ فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا؟ فقال عمر: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال " (١).
القول الثاني: أنها لأصحاب هذه المكاسب، والكاسب ليس له شيء.
وهو قول الشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
القول الثالث: ما نتج من غير عمل الكاسب كنسل الحيوان ولبنه، فهو للمالك، وما كان من عمل الكاسب فهو للكاسب، لكن لا تطيب للكاسب الأرباح، إلا إذا رد رأس المال لصاحبه.
وهو قول المالكية (٤).
القول الرابع: أنه يجب التصدق بها.
стр. 491
وهو قول الحنفية (١)، ورواية عن أحمد (٢).
وعلى القول بأنه يتصدق بها وجب أن يخرجها فورا، فإن لم يتمكن أوصى بها في جهات البر.
الحال الثانية: المأخوذ بغير إذن الشارع ولكن برضا المالك، كالمال المُكتسب بطريق الميسر والقمار، أو الربا، أو الغناء، ونحو ذلك من المكاسب المُحرَّمة، فلا يخلو من فرعين:
الفرع الأول: أن يكون في ذمم الناس لم يقبض بعد.
فهذا ليس له إلا رأس ماله، وما زاد من محرم فليس له أخذه، وعليه ليس له الوصية به.
والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ (٣).
(١٥٩) ولما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله ﵄، وفيه قول النبي ﷺ : " وربا الجاهلية موضوع، وأوَّل ربًا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب، فإنَّه موضوع كُلُّه " (٤).
الفرع الثاني: أن يكون هذا الكسب قد قبض.
أما بالنسبة للقابض لهذا المال إذا تاب وأناب:
فإن كان هذا القابض يعتقد صحة هذا العقد الربوي كالكافر الذي كان يتعامل بالربا قبل إسلامه، أو تحاكمه إلينا، وكالمسلم إذا عقد عقداً مختلفاً فيه بين العلماء، وهو يرى صحة هذا النوع بالاجتهاد أو التقليد، أو المسلم
стр. 492
الذي يعامل ولكنه يجهل ولا يعلم، وقد قبض بهذه المعاملة مالاً، فلما تبين له أن هذه المعاملة من الربا تاب منها (١).
إذا كان الأمر -كما ذكر- فإنه يكون ملكاً لما قبضه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) وعليه فله الوصية به.
قال الشنقيطي ﵀: " قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٣) معنى هذه الآية الكريمة أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى أي: ترك المعاملة بالربا؛ خوفا من الله تعالى وامتثالا لأمره ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي: ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا، ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (٤) الآية.
وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٥)، أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٦).
وقال في الصيد قبل التحريم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (٧) الآية.
стр. 493
وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١)، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ.
ومن أصرح الأدلة في هذا المعنى: أن النبي ﷺ والمسلمين لما استغفروا لقربائهم الموتى من المشركين، وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ (٢)، وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٣)، فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه " (٤).
أما إذا كان القابض مسلماً متعمداً تلك المعاملة عالماً بأنه محرم ثم تاب بعدما تجمعت لديه الأموال المحرمة، فاختلف العلماء ﵏ في طريق التوبة من المكاسب المحرمة الحاصلة بعقود فاسدة، وقد استوفى الطرفان العوض، والمعوض على قولين:
القول الأول: أنه يجب على الكاسب التصدق به.
وبه قال شيخ الإسلام (٥).
قال ابن تيمية: " أصحهما أن لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة، ولا يباح الأخذ، بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر " (٦).
стр. 494
وحجته:
١ - أنه لا يجمع لمن استوفى المنفعة المحرمة بين العوض، والمعوض.
ونوقش: بأن هذه المكاسب المحرمة على ملك أصحابها؛ لأنها انتقلت بعقد فاسد.
٢ - أن هذه المكاسب حصلت بسبب خبيث، وما هذا حاله فسبيله التصدق به.
(١٦٠) ٣ - ما رواه مسلم من طريق السائب بن يزيد، حدثني رافع بن خديج، عن رسول الله ﷺ قال: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البَغِي خبيث، وكَسْب الحَجّام خبيث» (١).
فإن النبي ﷺ حكم بخبث كسب الحجام، ولا يجب رده على دافعه.
القول الثاني: يجب أن يرد إلى مالكه.
وحجته: أنه عين ماله ولم يقبضه الكاسب قبضا شرعيا، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح (٢).
ونوقش:
قال ابن القيم: " وهب أن هذا المال لم يملكه الآخذ فملك صاحبه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه، وقد سلم له ما في قبالته من النفع، فكيف يقال ملكه باق عليه ويجب رده إليه؟ وهذا بخلاف أمره بالصدقة به، فإنه قد أخذه من وجه خبيث برضا صاحبه، وبذله له بذلك وصاحبه قد رضي بإخراجه عن ملكه بذلك، وأن لا يعود إليه، فكان أحق الوجوه به صرفه في المصلحة التي ينتفع بها من قبضه ويخفف عنه الإثم ولا يقوى الفاجر به ويعان ويجمع له
стр. 495
بين الأمرين، وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام وتعذر عليه تمييزه أن يتصدق بقدر الحرام ويطيب باقي ماله والله أعلم " (١).
قال ابن القيم: " وإن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم كمن عاوض على خمر، أو خنزير، أو على زنى، أو فاحشة، فهذا لا يجب رد العوض على الدافع؛ لأنه أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان وتيسير أصحاب المعاصي عليه، وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله، فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به ولا يسوغ القول به، وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضه من المزني بها ثم يرجع فيما أعطاها قهرا وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء، فلا تأتي به شريعة ولكن لا يطيب للقابض أكله، بل هو خبيث كما حكم عليه رسول الله ﷺ ، ولكن خبثه لخبث مكسبه لا لظلم من أخذ منه فطريق التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة به " (٢).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- أنه يتصدق به؛ لقوة دليله.
وعلى القول بأنه يتصدق بها جاز أن تجعل وقفا على جهات البر إذا لم يمكن إخراجها فورا.
فإن كان الكاسب فقيرا جاز أن يأخذ قدر حاجته من هذا المال.
قال النووي: " وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرا؛ لأن