← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وهو قول الحنفية (١)، ورواية عن أحمد (٢). وعلى القول بأنه يتصدق بها وجب أن يخرجها فورا، فإن لم يتمكن أوصى بها في جهات البر. الحال الثانية: المأخوذ بغير إذن الشارع ولكن برضا المالك، كالمال المُكتسب بطريق الميسر والقمار، أو الربا، أو الغناء، ونحو ذلك من المكاسب المُحرَّمة، فلا يخلو من فرعين: الفرع الأول: أن يكون في ذمم الناس لم يقبض بعد. فهذا ليس له إلا رأس ماله، وما زاد من محرم فليس له أخذه، وعليه ليس له الوصية به. والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾ (٣). (١٥٩) ولما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله ﵄، وفيه قول النبي ﷺ : " وربا الجاهلية موضوع، وأوَّل ربًا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب، فإنَّه موضوع كُلُّه " (٤). الفرع الثاني: أن يكون هذا الكسب قد قبض. أما بالنسبة للقابض لهذا المال إذا تاب وأناب: فإن كان هذا القابض يعتقد صحة هذا العقد الربوي كالكافر الذي كان يتعامل بالربا قبل إسلامه، أو تحاكمه إلينا، وكالمسلم إذا عقد عقداً مختلفاً فيه بين العلماء، وهو يرى صحة هذا النوع بالاجتهاد أو التقليد، أو المسلم

стр. 492

الذي يعامل ولكنه يجهل ولا يعلم، وقد قبض بهذه المعاملة مالاً، فلما تبين له أن هذه المعاملة من الربا تاب منها (١). إذا كان الأمر -كما ذكر- فإنه يكون ملكاً لما قبضه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) وعليه فله الوصية به. قال الشنقيطي ﵀: " قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٣) معنى هذه الآية الكريمة أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى أي: ترك المعاملة بالربا؛ خوفا من الله تعالى وامتثالا لأمره ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي: ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا، ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ (٤) الآية. وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٥)، أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٦). وقال في الصيد قبل التحريم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (٧) الآية.

стр. 493

وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١)، أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ. ومن أصرح الأدلة في هذا المعنى: أن النبي ﷺ والمسلمين لما استغفروا لقربائهم الموتى من المشركين، وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ (٢)، وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (٣)، فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه " (٤). أما إذا كان القابض مسلماً متعمداً تلك المعاملة عالماً بأنه محرم ثم تاب بعدما تجمعت لديه الأموال المحرمة، فاختلف العلماء ﵏ في طريق التوبة من المكاسب المحرمة الحاصلة بعقود فاسدة، وقد استوفى الطرفان العوض، والمعوض على قولين: القول الأول: أنه يجب على الكاسب التصدق به. وبه قال شيخ الإسلام (٥). قال ابن تيمية: " أصحهما أن لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة، ولا يباح الأخذ، بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر " (٦).

стр. 494

وحجته: ١ - أنه لا يجمع لمن استوفى المنفعة المحرمة بين العوض، والمعوض. ونوقش: بأن هذه المكاسب المحرمة على ملك أصحابها؛ لأنها انتقلت بعقد فاسد. ٢ - أن هذه المكاسب حصلت بسبب خبيث، وما هذا حاله فسبيله التصدق به. (١٦٠) ٣ - ما رواه مسلم من طريق السائب بن يزيد، حدثني رافع بن خديج، عن رسول الله ﷺ قال: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البَغِي خبيث، وكَسْب الحَجّام خبيث» (١). فإن النبي ﷺ حكم بخبث كسب الحجام، ولا يجب رده على دافعه. القول الثاني: يجب أن يرد إلى مالكه. وحجته: أنه عين ماله ولم يقبضه الكاسب قبضا شرعيا، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح (٢). ونوقش: قال ابن القيم: " وهب أن هذا المال لم يملكه الآخذ فملك صاحبه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه، وقد سلم له ما في قبالته من النفع، فكيف يقال ملكه باق عليه ويجب رده إليه؟ وهذا بخلاف أمره بالصدقة به، فإنه قد أخذه من وجه خبيث برضا صاحبه، وبذله له بذلك وصاحبه قد رضي بإخراجه عن ملكه بذلك، وأن لا يعود إليه، فكان أحق الوجوه به صرفه في المصلحة التي ينتفع بها من قبضه ويخفف عنه الإثم ولا يقوى الفاجر به ويعان ويجمع له

стр. 495

بين الأمرين، وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام وتعذر عليه تمييزه أن يتصدق بقدر الحرام ويطيب باقي ماله والله أعلم " (١). قال ابن القيم: " وإن كان المقبوض برضى الدافع وقد استوفى عوضه المحرم كمن عاوض على خمر، أو خنزير، أو على زنى، أو فاحشة، فهذا لا يجب رد العوض على الدافع؛ لأنه أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان وتيسير أصحاب المعاصي عليه، وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله، فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به ولا يسوغ القول به، وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضه من المزني بها ثم يرجع فيما أعطاها قهرا وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء، فلا تأتي به شريعة ولكن لا يطيب للقابض أكله، بل هو خبيث كما حكم عليه رسول الله ﷺ ، ولكن خبثه لخبث مكسبه لا لظلم من أخذ منه فطريق التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة به " (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- أنه يتصدق به؛ لقوة دليله. وعلى القول بأنه يتصدق بها جاز أن تجعل وقفا على جهات البر إذا لم يمكن إخراجها فورا. فإن كان الكاسب فقيرا جاز أن يأخذ قدر حاجته من هذا المال. قال النووي: " وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرا؛ لأن

стр. 496

عياله إذا كانوا فقراء، فالوصف موجود فيهم، بل هم أولى من يتصدق عليه، وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته؛ لأنه أيضا فقير " (١). وقال شيخ الإسلام: "فإن تابت هذه البغي وهذا الخمّار وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم، فإن كان يقدر يتجّر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل أعطي ما يكون له رأس مال، وإن اقترضوا منه شيئا ليكتسبوا به ولم يردوا عِوَضَ القرض كان أحسن " (٢). فإن لم يتب من كسبه محرما، فلا يخلو من فرعين: الفرع الأول: أن يكون جميع مال الواقف محرما فلا يصح وقفه؛ لما تقدم من أنه يشترط أن يكون الوقف مالا شرعيا. الفرع الثاني: أن يكون ماله مختلطا من الحلال والحرام، فاختلف العلماء في قبول تبرعه، وعلى هذا صحة وقفه على أقوال أربعة: القول الأول: أنه يكره قبول تبرعه، قل الحرام أو كثر. وبه قال بعض المالكية، وهو قول الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (٣). القول الثاني: أنه يجوز قبول تبرعه إذا غلب الحلال على الحرام إذا لم يتيقن أن ما قدم له من عين الحرام. وبه قال ابن القاسم من المالكية (٤)، وقول عند الحنابلة (٥). القول الثالث: يجوز قبول تبرعه، قل الحرام أو كثر.

стр. 497

وبه قال الشوكاني (١). القول الرابع: يحرم قبول تبرعه مطلقا، قل الحرام أو كثر. وبه قال بعض المالكية، وقول عند الحنابلة (٢). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عامر، قال: سمعت النعمان بن بشير ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما مُشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " (٣). وجه الدلالة: أنه إذا وقع الاشتباه في هذا المتبرع به، فالأولى للمسلم أن يستبرئ دينه وعرضه ويتركه مخافة أن يكون حراما، فبما أن الحديث يطلب الاستبراء دون النهي الدال على التحريم كان القول بالكراهة أقرب. ٢ - أن الأصل في هذا الشيء المتبرع به الإباحة، والحرام محتمل، ولا يثبت التحريم بمجرد الاحتمال. ٣ - أن الحرام لما اختلط بماله صار شائعاً فيه، فإذا قبل تبرعه كان ذلك من المتشابه الممنوع منه على وجه التوقي كان مكروهاً.

стр. 498

دليل القول الثاني: استدل لهم بقول الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١). وجه الدلالة: أن الخمر والميسر حرما مع أن فيهما منافع للناس، وسبب التحريم أن إثمهما أكبر من نفعهما، كذلك هنا لما غلب الحرام حرم قبول التبرع، أما إذا غلب الحلال حل قبول التبرع اعتباراً بالغالب (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه يعسر ضبط القليل والكثير. دليل القول الثالث: (١٦١) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁: " أن يهودية أتت النبيَّ ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها، قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ " (٣). ٢ - أن الصحابة ﵃ بعد الخلافة الراشدة يأخذون العطايا ممن جاء بعد الخلفاء ﵃ ممن تولى أمر المسلمين مع تلبسهم بشيء مما لا يبيحه الشرع (٤). دليل القول الرابع: أن الحرام لما اختلط بماله صار شائعاً فيه، فإذا عامله في شيء منه فقد دخل في جزء من الحرام (٥).

стр. 499

ونوقش من وجهين: الأول: أنه مخالف لما تقدم عن النبي ﷺ من قبول هدايا الكفار. الثاني: عدم التسليم؛ فإنه لا يتيقن أن ما أخذه من المال الحرام، وأيضا هو يوقع في الحرج والمشقة. الترجيح: الراجح -والله أعلم- جواز قبول تبرع من اختلط ماله بالمال الحرام، وفي الكراهة تردد -والله أعلم- وعلى هذا يصح وقفه. المسألة الرابعة: وقف المختص. المختص: كل ما جوز الشارع الانتفاع به، ولم يرخص في بيعه ونحو ذلك. وذلك كوقف ما يباح الانتفاع به من النجاسات، وقد تقدم الكلام على ذلك قريبا في المسألة الثانية في وقف المحرم لعينه. وكوقف الكلب المأذون في إقتنائه ككلب الصيد المعلم ونحوه، وقد تقدم الكلام على ذلك في وقف الحيوان.

стр. 500

المطلب السادس: الشرط السادس: أن يكون الوقف معلوماً، مقدوراً على تسليمه وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن يكون الوقف معلوماً: (وقف المجهول) يشترط جمهور العلماء من الحنفية، والشافعية، والحنابلة: أن يكون الوقف معلوماً (١). فلو وقف مالاً مجهولاً لم يصح الوقف؛ لأن الوقف لا يتم نقل ملكه من الواقف إلا بالعلم به، أما إذا لم يتم العلم به فلا يمكن ذلك. ويتم العلم بالعين الموقوفة بأحد أشياء (٢): إما بالتسمية: كقوله: مزرعتي بيرحاء وقف. وإما بالتعيين: بالإشارة إلى الموقوف إذا كان حاضراً، وأمكن الإشارة إليه، كقوله: هذه الدار موقوفة على كذا.

стр. 501

وإما بالوصف: كقوله: وقفت أرضي ذات الموقع كذا، والمساحة كذا … إلخ من الأوصاف التي تحدد العين الموصوفة. فإذا وقف شخص لآخر شيئاً مبهماً، كأن يقف سيارة من سياراته، ولم يبينها، فاختلف العلماء في حكم هذا الوقف على قولين: القول الأول: صحة وقف المبهم. وهو مذهب المالكية (١)، ووجه عند الشافعية (٢)، واحتمال عند الحنابلة (٣)، واختاره شيخ الإسلام (٤). قال الحارثي من الحنابلة: " ويخرج المبهم بالقرعة ". قال القرافي: " وقد فصل مالك بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة وقاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة، وانقسمت التصرفات عنده ثلاثة أقسام: طرفان وواسطة، فالطرفان أحدهما: معاوضة صرفة، فيجتنب فيها ذلك إلا ما دعت الضرورة إليه عادة، وثانيهما: ما هو إحسان صرف لا يقصد به تنمية المال كالصدقة والهبة، فإن هذه التصرفات إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه؛ لأنه لم يبذل شيئاً بخلاف القسم الأول إذا فات بالغرر والجهالة ضاع المال المبذول في مقابلته، فاقتضت حكمة الشرع منع الجهالة فيه، أما الإحسان الصرف فلا ضرر فيه، فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق بالمعلوم والمجهول، فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعاً، وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله، فإذا وهب له بعيره الشارد

стр. 502

جاز أن يجده، فيحصل له ما ينتفع به ولا ضرر عليه إن لم يجده؛ لأنه لم يبذل شيئاً " (١). القول الثاني: عدم صحة وقف المبهم. وهذا مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: (صحة وقف المبهم) ١ - قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٦)، والواقف محسن. ٢ - عمومات أدلة الوقف (٧)، وهذه تشمل المبهم. (١٦٢) ٣ - قال البخاري: لقول النبي ﷺ لوفد هوازن حين سألوه المغانم، فقال النبي ﷺ : " نصيبي لكم " (٨). (١٦٣) وروى البخاري من طريق عروة، أنَّ المسوّرَ بن مخرمة ومروان أخبراه أنَّ النبيَّ ﷺ حين جاءه وفد هوازن قام في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: " أما بعد: فإن إخوانكم جاؤوا تائبين، وإني رأيت أن أرد عليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا "، فقال الناس: طيبنا لك (٩).

стр. 503

وجه الاستدلال: أن نصيب الرسول ﷺ خفي لا يعلم النبي ﷺ قدره حين وهبه، والوقف يلحق بالهبة بجامع التبرع. ٤ - أن هذا النوع من الوقف تبرع، فصح في المجهول كالنذر والوصية (١). ٥ - أن التبرعات ليست كالمعاوضات فلا تضر الجهالة؛ لأن الموقوف عليه متبرع له تبرعاً محضاً؛ فالغنم له حاصل على كل وجه سواء علم مقدار الوقف أم لم يعلم (٢). ٦ - القياس على العتق، فلو أعتق أحد عبديه صح، فكذا لو وقف أحد داريه (٣). ونوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ صحت الجهالة في العتق لنفوذه وسرايته وقبوله التعليق (٤). وأجيب: بأن الوقف له نفوذ، ولهذا لا يجوز الرجوع فيه، ولا يشرع فيه خيار المجلس، ويقبل التعليق. ٧ - القياس على الهبة، فتصح الجهالة فيها، فكذا الوقف بجامع التبرع (٥). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ الهبة تمليك مطلق يملك

стр. 504

الموهوب له التصرف في الهبة بالبيع وغيره، والوقف تحبيس للأصل وتسبيل للمنفعة لا يملك الموقوف عليه التصرف في الوقف ببيع وغيره. وأجيب: بأن هذا الفرق غير مؤثر في عدم الإلحاق؛ إذ المؤثر وجود الغرر، وهو منتفٍ من كل منهما؛ إذ يتسامح في عقود التبرعات ما لا يتسامح في غيرها من عقود المعاوضات؛ لبنائها على الإرفاق والإحسان. الوجه الثاني: أن المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم. دليل القول الثاني: (عدم صحة وقف المبهم) ١ - قياس الوقف على البيع فما صح بيعه صح وقفه، وما لا يصح بيعه لا يصح وقفه (١). ونوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ الوقف تبرع، والبيع معاوضة، ويطلب في عقود المعاوضات ما لا يطلب في عقود التبرعات من التحرير والضبط والعلم؛ إذ يقصد بها الربح والتجارة، بخلاف عقود التبرعات فيقصد بها الإرفاق والإحسان. ٢ - أن الله تعالى حرم على لسان رسوله ﷺ أموال الناس إلا بطيب أنفسهم، ولا تطيب ببذل الشيء، إلا إذا علم صفاته وقدره وما يساوي (٢). ونوقش: بعدم التسليم بأن النفس لا تطيب بما لا يعلم قدره وصفاته، بل وقف المجهول مع طيب النفس واقع. ٣ - أن الوقف تمليك للعين أو للمنفعة، فلم يصح في غير معين كالإجارة (٣). ونوقش: بما نوقش به الدليل الأول.

стр. 505

٤ - أن الوقف نقل للملك على وجه القربة، فلم يصح في غير معين كالهبة (١). ونوقش: بعدم التسليم، فالجهالة في الهبة مغتفرة كما تقرر في أدلة الرأي الأول. ٥ - أن الجهالة تمنع من تسليم الموقوف، ولا يمكن الانتفاع به دون تسليمه، فلا يصح وقفه (٢). ونوقش: بعدم التسليم، إذ يُصار إلى تعيين الواقف، أو القرعة. الترجيح: يظهر -والله أعلم- أن القول بصحة وقف المبهم أرجح من القول بعدم الصحة؛ إذ الوقف من عقود التبرعات التي لا يشترط لها ما يشترط لغيرها من العقود، ولأنه عقد قربة فالأصل تكثيره والحث عليه. المسألة الثانية: أن يكون الموقوف موجوداً مقدوراً على تسليمه. إذا وقف شخص شيئاً معدوما، أو غير مقدور على تسليمه، كما لو وقف ما ستحمل شجرته، أو ما ستحمل بقرته، أو شيئاً ضائعاً، أو مسروقاً، أو منتهباً، أو مغصوباً، ونحو ذلك. اختلف أهل العلم ﵏ في هذه المسألة على قولين: القول الأول: صحة وقف المعدوم، وغير المقدور على تسليمه. وبه قال الإمام مالك (٣)، واختاره شيخ الإسلام (٤). القول الثاني: عدم صحة ذلك.

стр. 506

وهو قول جمهور العلماء (١). حجة القائلين بالصحة: ما تقدم من الدليل على صحة وقف المجهول كما في المسألة السابقة، فكذا المعدوم وغير المقدور على تسليمه. وحجة القائلين بعدم الصحة: ما تقدم من الدليل على عدم صحة وقف المجهول، فكذا المعدوم، وغير المقدور على تسليمه. وتقدمت مناقشة هذا الدليل. الترجيح في هذه المسألة كالترجيح في المسألة السابقة. المطلب السابع: الشرط السابع اشتراط كون الموقوف عقاراً وفيه مسائل: المسالة الأولى: وقف العقار: وفيها أمور: الأمر الأول: تعريف العقار. قال ابن منظور: " العقر والعقار: المنزل والضيعة (٢)، يقال: ما له دار

стр. 507

ولا عقار، وخص بعضهم بالعقار النخل … قال: العقار -بالفتح- الضيعة والنخل والأرض ونحو ذلك " (١). وقال في مختار الصحاح: "العقار -بالفتح مخففاً- الأرض والضياع والنخل، ويقال: في البيت عقار حسن، أي متاع وأداة " (٢). وقال في المصباح: " العقار مثل سلام كل ملك ثابت له أصل كالدار والنخل، قال بعضهم: وربما أطلق على المتاع، والجمع عقارات " (٣). وقال في تحرير ألفاظ التنبيه: " العقار -بفتح العين- قال الأصمعي: هو المنزل والأرض والضياع، مأخوذ من عقر الدار -بضم العين وفتحها- وهو أصلها، قال صاحب المحكم: العقر والعقار -بفتح العين فيهما-: المنزل " (٤). وقال في التعريفات: " العقار ما له أصل وقرار، مثل الأرض والدار" (٥). وفي درر الحكام: "ما لا يمكن نقله من محل إلى آخر كالدور والأراضي" (٦). وفي مغني المحتاج: " (ويصح وقف عقار) من أرض أو دار بالإجماع" (٧). وأيضا في حاشية قليوبي: " قوله: (ويصح وقف عقار) بالمعنى المقابل

стр. 508

للمنقول فيشمل الأرض والبناء والغرس، ويشمل المؤجر مدة وغير المؤجر، ويشمل وقف المسجد وغيره والموصي بمنفعته أو بعينه مدة، وإذا وقف المؤجر مسجدا وانفسخت الإجارة في أثناء المدة رجعت المنفعة في بقيتها للواقف، فله إيجارها " (١). وفي الشرح الكبير: " (ولا يصح الوقف إلا بشروط أربعة: .... وجملة ذلك أن الذي يصح وقفه ما جاز بيعه مع بقاء عينه، وكان أصلا يبقى بقاء متصلا كالعقار والحيوان والسلاح والأثاث وأشباه ذلك، قال أحمد في رواية الأثرم: " إنما الوقف في الدور والأرضين على ما وقف أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال فيمن وقف خمس نخلات على مسجد: لا بأس به، وهذا قول الشافعي " (٢). ويدل لذلك ما يأتي: ١ - الأدلة الدالة على مشروعية الوقف. ٢ - قول عمر ﵁: " كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسا لأبناء السبيل … " (٣). ٣ - قول عائشة ﵂: " إن رسول الله ﷺ جعل سبع حيطان له بالمدينة صدقة على بني عبد المطلب وبني هاشم " (٤). ٤ - قول عمرو بن الحارث ﵁: " ما ترك رسول الله ﷺ عند موته

стр. 509

درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا، إلا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضا جعلها صدقة " (١). ٥ - أن عمر ﵁: أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي ﷺ فقال: أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنفس منه، فكيف تأمرني؟ قال ﷺ : " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها " (٢). الأمر الثاني: ما يدخل تبعا لوقف الأرض: ١ - يدخل البناء والشجر في وقف العقار عند جمهور أهل العلم (٣)، خلافا لما ذهب إليه بعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٤). واستثنى الحنفية: الشجر اليابس، فإنه على شرف القطع، والشجر الذي يغرس للقطع. وحجة الجمهور: أنه هذه الأشياء ملحقة بالعقار عرفاً وعند بعض أهل اللغة؛ إذ هذه مرادة للدوام. وحجة القول الثاني: الاقتصار على لفظ الواقف. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو قول جمهور أهل العلم؛ لقوة دليلهم. ٢ - الزرع: لدخول الزرع قولان عند أهل العلم: القول الأول: إذا كان الزرع لا يحصد إلا مرة واحدة فلا يدخل، وإن

стр. 510

كان يحصد مراراً أو يجز مراراً، فالجزة الظاهرة، واللقطة الظاهرة للواقف، وما عداه يدخل في الوقف. وبه قال الشافعية، والحنابلة. وحجتهم: أن الزرع لا يراد للداوم، إلا إذا كان الزرع يلقط مراراً أو يجز مراراً، فالأصول تدخل في الوقف إلحاقاً لها في الشجر. القول الثاني: أن الزرع لا يدخل في الوقف. وبه قال الحنفية، والمالكية (١). وحجتهم: الاقتصار على لفظ الواقف. والأقرب: القول الأول؛ لقوة دليله. ٣ - الثمر: إن كانت مؤبرة فلا تدخل في الوقف، وإلا دخلت، وهذا قول جمهور أهل العلم (٢). لما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدا وله مال، فماله للذي باعه، إلا أن يشترط المبتاع» (٣). والوقف ملحق بالبيع. وعند الحنفية: لا تدخل الثمرة؛ اقتصاراً على لفظ الواقف. والأقرب: القول الأول؛ لحديث ابن عمر ﵄.

стр. 511

٤ - ما وضع من أثاث ونحوه، فلا يدخل في الوقف (١) (٢). الأمر الثالث: وقف الأشجار. اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: القول الأول: صحة وقف النخيل والأشجار المثمرة، وإن لم تكن الأرض التي غرست فيها هذه الأشجار موقوفة. وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣). جاء في حاشية ابن عابدين: " بخلاف وقف البناء والشجر، فإنه مما شاع وذاع في عامة البقاع " (٤). وجاء في الدر المختار: " سئل قارئ الهداية عن وقف البناء والغراس بلا أرض؟، فأجاب: الفتوى على صحة ذلك " (٥). وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: " والبساتين إن حُبّست على من لا تُسلم إليه، بل تقسم غلتها عليه تُساقى أو يستأجر عليها من غلتها، وإن كانت على معينين هم يلونها بالنفقة عليها، والإبل والبقر والغنم كالثمار " (٦).

стр. 512

وجاء في المهذب: " ويملك الموقوف عليه غلة الوقف، فإن كان الموقوف شجرة ملك ثمرتها ...... " (١). وجاء في المغني: " وجملة ذلك أن الذي يجوز وقفه ما جاز بيعه، وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، وكان أصلاً يبقى بقاءً متصلاً كالعقار .... وقال -يعني الإمام أحمد- فيمن وقف خمس نخلات على مسجد: لا بأس به " (٢). القول الثاني: عدم صحة وقف الأشجار دون أصلها إذا كانت الأرض ملكا، أو وقفا على جهة أخرى. وهو قول عند الحنفية (٣). القول الثالث: لا يصح وقف الأشجار دون أصلها إذا كانت الأرض مستأجرة أو مستعارة، أو موصى بنفعها مدّة. وهو قول عند الشافعية (٤). الأدلة: دليل القول الأول: ١ - عموم أدلة الوقف. ٢ - أن وقف النخيل والأشجار المثمرة يتحقق منها مقصود الوقف وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فالأشجار المثمرة تدخل في العقار؛ إذ إن لها ثمرة يمكن أن تباع وتصرف على الوقف، أو توزع الثمرة على الفقراء والمحتاجين وغيرهم من الموقوف عليهم دون بيع (٥).

стр. 513

٣ - أن من أهل اللغة من جعل الأشجار من قبيل العقار، والعقار صح وقفه بالإجماع. قال في المصباح المنير: " و"العَقَارُ" مثل سلام: كلّ ملك ثابت له أصل كالدار والنخل، قال بعضهم: وربما أطلق على المتاع والجمع "عَقَارَاتٌ " (١). وفي المطلع: " العقار بالفتح الأرض والضياع والنخل، ومنه قولهم: ما له دار ولا عقار، وقال شيخنا ﵀ في مثلثه: العقار متاع البيت، وخيار كل شيء، والمال الثابت كالأرض والشجر والمراد هنا ما قاله الجوهري" (٢). ٤ - أنه يصح وقف الأشجار مع الأرض التي تقوم عليها، فصح وقفها وحدها كالعقار. دليل القول الثاني: أن الأشجار لا تتأبد، والوقف يراد للتأبيد فلا يصح وقفها. ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة وجوه: الأول: أنه دليل عقلي في مقابل نص، وهو ما سبق في أدلة القول الأول من الأدلة على صحة وقف الأشجار. الثاني: أنه لا يسلم أن التأبيد شرط لصحة الوقف فيصح وقف ما لا تبقى عينه إلا باستهلاكه، ووقف المنافع وهي تفنى باستهلاكها كما قررناه عند بحث هذه المسائل. الثالث: أن التأبيد مفهوم نسبي، وهو في كل مال بحسبه، والمراد إمكان الانتفاع مدة بقائه لا إلى الأبد، وللأموال الموقوفة أياً كان نوعها أعمار يتلاشى ريعها وتتراجع قيمتها حتى لا تساوي شيئاً، وإن بقيت أعيانها (٣).

стр. 514

دليل القول الثالث: أن الشجر إذا كان في أرض مملوكة للغير كالمستأجرة، فإنه لا يدوم الانتفاع بها فكان وقفاً لما لا ينتفع به فلا يصح. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم فالأشجار بعد قلعها ينتفع بها؛ إذ يمكن غرسها في مكان آخر. الوجه الثاني: أن الشجر بعد انتهاء المدة مال محترم إن شاء المالك أبقاه بأجرة مثله، وإن شاء قلعه وغرم أرشه، وإذا قلع يمكن أن يغرس في مكان آخر أو يباع ويصرف ثمنه مع الأرش في ثمن مثله (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- قول جمهور أهل العلم؛ إذ الوقف فعل قربة فيكثر منه، والأصل الصحة. المسألة الثانية: وقف المنقول: وفيها أمور: الأمر الأول: تعريف المنقول: قال ابن منظور: " النقل تحويل الشيء من موضع إلى موضع، نقله ينقله نقلاً فالتنقل: التحول، ونقله تنقيلاً؛ إذا أكثر نقله " (٢). وقال في مختار الصحاح: " نقل الشيء تحويله من موضع إلى موضع، وبابه نصر … والتنقل التحول، ونقله تنقيلا أي أكثر من نقله (٣). وقال في المصباح أيضا: " نقلته نقلاً من باب قتل، حولته من موضع إلى

стр. 515

موضع، وانتقل تحول، والاسم النقلة، ونقلته بالتشديد مبالغة وتكثير" (١). وقال في المغرب: " التنقل معروف، وقوله في المأذون له: اعمل في النقالين والحناطين؛ أي الذين ينقلون الخشب من موضع إلى موضع، وفي الذين ينقلون الحنطة من السفينة إلى البيوت، وهذا تفسير الفقهاء " (٢). المنقول: " هو الشيء الذي يمكن نقله من محله إلى آخر، ويشمل النقود والعروض والحيوانات والمكيلات والموزونات " (٣). الأمر الثاني: وقف المنقول: وفيه فرعان: الفرع الأول: وقفه استقلاًلا. اختلف الفقهاء -رحمهم الله تعالى- في حكم وقفه على أربعة أقوال: القول الأول: يجوز وقفه مطلقاً. وبه قال الإمام مالك ﵀، وهو المعتمد عند المالكية (٤)، وبه قال الشافعية (٥)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٦).

стр. 516

وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث جاء في الاختيارات: " وأقرب الحدود في الموقوف أنه كل عين تجوز عاريتها " (١). جاء في دليل المحتاج شرح المنهاج: "ويصح وقف منقول كالحصر، والبسط والثياب، والدواب والسلاح، والمصاحف والكتب " (٢). وجاء في الإنصاف: " وأما وقف المنقول كالحيوان والأثاث والسلاح، ونحوها، فالصحيح من المذهب: صحة وقفها وعليه الأصحاب ونص عليه، وعنه: لا يصح وقف غير العقار نص عليه في رواية الأثرم وحنبل، ومنع الحارثي دلالة هذه الرواية وجعل المذهب رواية واحدة، ونقل المروذي: لا يجوز وقف السلاح ذكره أبو بكر، وقال في الإرشاد: لا يصح وقف الثياب" (٣). القول الثاني: يجوز وقف الكراع (٤) والسلاح للجهاد، وجميع ما تعارف وتعامل به الناس على وقفه كالفأس والقدوم لحفر القبور، والأواني والقدور لغسل الموتى ونحوها، وكذا كل ما يتعارف عليه الناس في كل زمان ومكان، ولا يجوز في غيره. وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وعليه الفتوى عندهم (٥). قال ابن الهمام: " والحاصل أن وقف المنقول تبعا للعقار يجوز وأما وقفه مقصودا إن كان كراعا أو سلاحا جاز، وفيما سوى ذلك إن كان مما لم

стр. 517

يجر التعامل بوقفه كالثياب والحيوان، ونحوه، والذهب والفضة لا يجوز عندنا، وإن كان متعارفا كالجنازة، والفأس، والقدوم، وثياب الجنازة، ومما يحتاج اليه من الأواني والقدور في غسل الموتى، والمصاحف. قال أبو يوسف: لا يجوز، وقال محمد: يجوز، واليه ذهب عامة المشايخ " (١). والمراد بالتعامل -أو التعارف كما يسميه البعض-: " إتفاق الجمهور واصطلاحهم على تعاطي أمر من الأمور … ثم إنه قد يكون شائعا في الأعصار بجملتها والأمصار برمتها … وقد يكون مختلفا من مكان دون مكان وإن اتحد الزمان … وبزمان دون زمان وإن اتحد المكان … ولا يخفى أن تعاطيه على الإطلاق لا يختص به بعض الناس دون بعض، بل تولاه كل من له أهلية المعاملات التي يجري هو فيها، من بر وفاجر ومسلم وكافر " (٢). القول الثالث: لا يجوز إلا في الكراع والسلاح للجهاد، دون سائر المنقولات. وبهذا قال أبو يوسف من الحنفية (٣). القول الرابع: لا يجوز مطلقاً. وبه قال الإمام أبو حنفية (٤)، والإمام مالك في رواية عنه (٥)، والإمام

стр. 518

أحمد في رواية عنه أيضا، لكن منعها بعض أصحابه ومنهم الحارثي وجعل المذهب رواية واحدة (١). الأدلة: أدلة القول الأول: (صحة وقف المنقول) ١ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل مما يستمر أجره بعد الموت الصدقة الجارية، وهي الوقف، وهذا عام، فيشمل بعمومه ما ينتفع به مع بقاء عينه من المنقولات؛ لأن منفعته جارية، فيصح وقفه. ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: " أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : " ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدرعه (٣) وأعتده (٤) في سبيل الله، وأما العباس بن عبد المطلب فعم رسول الله ﷺ فهي عليه صدقة ومثلها معها " (٥).

стр. 519

الشاهد من الحديث قوله: " قد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله ". قال في معالم السنن: " وفي الحديث دليل على جواز حبس آلات الحروب من الدروع والسيوف والمجن، وقد يدخل فيها الخيل والإبل؛ لأنها كلها أعتاد للجهاد، وعلى قياس ذلك الثياب والبسط والفرش ونحوها من الأشياء التي ينتفع بها مع بقاء أعيانها " (١). وقال النووي: " وفيه دليل على صحة الوقف، وصحة وقف المنقول" (٢). وقال في نيل الأوطار: " وفيه دليل على صحة الوقف وصحة وقف المنقول، وبه قالت الأمة بأسرها إلا أبا حنيفة … " (٣). نوقش هذا الاستدلال: بأنه ليس فيه أن خالدا وقف ذلك، فيحتمل أنه أراد بالاحتباس الإمساك للجهاد، لا للتجارة (٤). وأجيب: الحبس من ألفاظ الوقف في اللغة كما تقدم (٥)، وسيأتي إطلاقه على الوقف في حديث أبي هريرة ﵁ بعد قليل الذي استدل به الإمام الشافعي على ذلك (٦). ٣ - حديث كعب بن مالك ﵁ في قصة توبته المشهورة قال: " قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، قال: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك "، قلت: أمسك سهمي بخيبر " (٧).

стр. 520

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقر كعباً على وقف بعض ماله دون تفريق بين نوع ونوع، فدل ذلك على جواز وقف المنقول إذا كان مما ينتفع به مع بقاء عينه، وفهم ذلك البخاري حيث عقد لهذا الحديث باباً أسماه: "باب إذا تصدق أو وقف بعض ماله أو بعض رقيقه أو دوابه فهو جائز " (١). قال ابن حجر: " هذه الترجمة معقودة لجواز وقف المنقول … " (٢). ٤ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة " (٣). قال في فتح الباري: " قال المهلب وغيره في هذا الحديث: جواز وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات، ومن غير المنقولات من باب أولى " (٤). (١٦٤) ٥ - ما رواه أبو داود من طريق عامر الأحول، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ قال: أراد رسول الله ﷺ الحج، فقالت امرأةٌ لزوجها: أحجني مع رسول الله ﷺ على جملك، فقال: ما عندي ما أحجك عليه، قالت: أحجني على جملك فلان، قال: ذلك حبيس في سبيل الله ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحج معك، قالت: أحجني مع رسول الله ﷺ ، فقلت: ما عندي ما أحجك عليه، فقالت: أحجني على جملك فلان، فقلت: ذاك حبيس في سبيل الله، فقال: " أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله " (٥).

стр. 521

وجه الدلالة: أن هذا الرجل وقف جمله في سبيل الله، وأقره النبي ﷺ على هذا الوقف ولم ينكره عليه، والجمل منقول، فيدل على جواز وقف سائر المنقولات مما ينتفع به مع بقاء عينه. ٦ - ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر حمل على فرس له في سبيل الله، فأخبر عمر أنه قد وقفها يبيعها، فسأل رسول الله ﷺ أن يبتاعها، فقال: " لا تبتعها " ولا ترجعن في صدقتك " (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقر عمر ﵁ على وقف الفرس، وهو مما ينتفع بها مع بقاء عينه، فدل ذلك على جواز وقف سائر المنقولات التي ينتفع بها مع بقاء عينها، وهذا ما أشار إليه البخاري في ترجمته للحديث، حيث ترجم له بقوله: " باب وقف الدواب والكراع والعروض والصامت " (٢). قال في الفتح: " هذه الترجمة معقودة لبيان وقف المنقولات … ووجه أخذ ذلك من حديث الباب المشتمل على قصة فرس عمر: أنها دالة على صحة وقف المنقولات، فيلحق به ما في معناه من المنقولات إذا وجد الشرط وهو تحبيس العين، فلا تباع ولا توهب، بل ينتفع بها، والانتفاع في كل شيء بحسبه " (٣).

стр. 522

(١٦٥) ٧ - ما رواه الإمام أحمد من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: أخبرني رسول مروان الذي أرسل إلى أم معقل قال: قالت: جاء أبو معقل مع النبي ﷺ حاجا، فلما قدم أبو معقل قال: قالت أم معقل: إنك قد علمت أن علي حجة وأن عندك بكرا فأعطني فلأحج عليه، قال: فقال لها: إنك قد علمت أني قد جعلته في سبيل الله، قالت: فأعطني صرام نخلك، قال: قد علمت أنه قوت أهلي، قالت: فإني مكلمة النبي ﷺ وذاكرته له، قال: فانطلقا يمشيان حتى دخلا عليه، قال: فقالت له: يا رسول الله، إن علي حجة وإن لأبي معقل بكرا، قال أبو معقل: صدقت، جعلته في سبيل الله، قال: " أعطها فلتحج عليه، فإنه في سبيل الله "، قال: فلما أعطاها البكر قالت: يا رسول الله، إني امرأة قد كبرت وسقمت، فهل من عمل يجزئ عني عن حجتي؟ قال: فقال: "عمرة في رمضان تجزئ لحجتك" (١).

стр. 523

ووجه الدلالة منه: كالذي قبله (١). ويناقش: بأنه ضعيف الإسناد كما في تخريجه، فلا يصلح للاستدلال. ٨ - ما رواه عمر بن الخطاب ﵁ قال: " كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله " (٢). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ كان ينفق ما فضل عن نفقته في وقف السلاح والكراع، وهي منقولة، فدل ذلك على جواز وقف كل منقول ينتفع به مع بقاء عينه؛ لعدم ما يدل على التفريق.

стр. 524

٩ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه أو مسجداً بناه أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته " (١). وجه الدلالة: أن المصحف من المنقولات (٢). ١٠ - ما رواه إبراهيم النخعي قال: " كانوا يحبسون الفرس والسلاح في سبيل الله " (٣). وجه الدلالة: أن من كان في زمن النخعي من الصحابة ﵃ والتابعين كانوا يحبسون الخيل والسلاح، وهي منقولة، فدل ذلك على جواز وقف كل منقول ينتفع به مع بقاء عينه. قال البغوي بعد ذلك بعض الأحاديث في الوقف: " والعمل على هذا عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من المتقدمين، لم يختلفوا في إجازة وقف الأرضين وغيرها من المنقولات " (٤). ١١ - قال في مغني المحتاج: " واتفقت الأمة في الأعصار على وقف الحصر والقناديل والزلالي في المساجد من غير نكير " (٥). وهذه الأشياء منقولة. (١٦٦) ١٢ - ما روي أن طلحة حبس درعه في سبيل الله تعالى، ويروى: " أكراعه " (٦).

стр. 525

١٣ - أن العبرة فيما يصح وقفه بالمالية والانتفاع، فكل ما يجوز بيعه ويمكن الانتفاع به مع بقاء أصله يجوز وقفه، أشبه العقار والسلاح والكراع (١). ١٤ - أن ما ينتفع به مع بقاء عينه من المنقولات يصح وقفه مع غيره، فيصح وحده، كالعقار (٢). ١٥ - أن المقصود من الوقف انتفاع الموقوف عليه، وهذا موجود فيما عدا الأرض والعقار، وهي المنقولات التي ينتفع بها مع بقاء عينها، فيجوز وقفها. ١٦ - أن هذه المنقولات تبقى زمنا طويلا مع الانتفاع بها، فحصل المقصود من الوقف، وهو: انتفاع الواقف بالأجر، وانتفاع الموقوف عليهم بالمنفعة الحاصلة من هذه المنقولات (٣). أدلة القول الثاني: (وقف المنقول الذي تعامل به الناس) أولاً: استدلوا على الجواز في الكراع والسلاح خاصة بالاستحسان، ووجهه الأحاديث الواردة في ذلك، ومنها (٤): ١ - ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة منع خالد بن الوليد وصاحبيه ﵃ الزكاة من قول النبي ﷺ عن خالد: " قد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله " (٥).

стр. 526

وقد تقدم أن "أعتده" يدخل فيها الدواب والسلاح، بل قيل: المقصود بها الخيل خاصة. ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزان حسناته " (١). كما يصلح الاستدلال لهم ببقية ما استدل به أصحاب القول الأول مما جاء في وقف الحيوان، كحديث ابن عباس ﵁ وابن عمر ﵁، وأم عقيل ﵂، وما جاء في وقف الكراع والسلاح كحديث عمر ﵁. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه إذا ثبت بهذه الأحاديث جواز وقف الحيوان والسلاح فغيرها من المنقولات تقاس عليها؛ لأنها مماثلة لها من حيث إنها ينتفع بها مع بقاء عينها. ثانياً: واستدلوا على جواز وقف جميع ما تعارف الناس علي وقفه وتعاملوا به بأدلة من السنة، والمعقول: (١٦٧) ١ - ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن " (٢).

стр. 527

ويناقش هذا الدليل من ثلاثة وجوه: الأول: أنه لم يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، بل ثبت موقوفاً على عبد الله بن مسعود ﵁ كما في تخريجه. الثاني: على تقدير ثبوت رفعه، فلا تعارض بينه وبين ما ذكر أصحاب القول الأول من الجواز الذي ثبت بأدلة صحيحة واضحة الدلالة. الثالث: أنه على تقدير ثبوت رفعه فإنه محمول على ما لم يثبت فيه دليل، أما ما ثبت فيه دليل فالمصير إلى الدليل، ولو خالف العرف، وقد ثبت هنا الدليل كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول. (١٦٨) ٢ - ولما رواه أحمد: ثنا أبو بكر، ثنا عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، وفيه قول ابن مسعود ﵁: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن" (١).

стр. 528

٣ - ولأن التعامل أقوى من القياس فيترك به القياس كالاستصناع، فبقي ما وراء ذلك على أصل القياس. ثالثاً: واستدلوا على عدم الجواز فيما عدا الكراع والسلاح، وسائر ما تعارف الناس على وقفه وتعاملوا به بما يلي: أن التأبيد شرط لجواز الوقف، ووقف المنقول لا يتأبد؛ لكونه شرف الهلاك، فلا يجوز (١). ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة وجوه: الأول: أنه دليل عقلي في مقابل نص، وهو ما سبق في أدلة القول الأول من الأحاديث في وقف الحيوان والسلاح وهي منقولة، فلا يصح الاحتجاج به. الثاني: أنه لا يسلم أن التأبيد شرط لصحة الوقف، فيصح وقف ما لا تبقى عينه إلا باستهلاكه، ووقف المنافع وهي تفنى باستهلاكها كما قررناه عند بحث هذه المسائل. الثالث: أن التأبيد مفهوم نسبي، وهو في كل مال بحسبه، والمراد إمكان الانتفاع مدة بقائه لا إلى الأبد، وللأموال الموقوفة أياً كان نوعها أعمار يتلاشى ريعها وتتراجع قيمتها حتى لا تساوي شيئاً، وإن بقيت أعيانها (٢). الرابع: أنه بناء على هذا الدليل يلزمكم تعميمه حتى على ما تعارف عليه

стр. 529

الناس وتعاملوا به وإلا حصل التناقض؛ لأن مضمونه - أي الدليل - وارد في المتعارف عليه. أدلة القول الثالث: (الجواز في السلاح، والكراع) أولاً: استدل على الجواز في الكراع والسلاح للجهاد: بما استدل به أصحاب القول الثاني كحديث أبي هريرة ﵁ في قصة خالد بن الوليد وصاحبيه ﵁، وحديث أبي هريرة ﵁ في حبس الفرس في سبيل الله، وغيرهما. فقالوا: إن النص قد ورد في الكراع والسلاح، فيقتصر على موضع النص، ويبقى ما سواه على الأصل، وهو عدم الجواز (١). ونوقش: بما تقدم من مناقشة استدلال أصحاب القول الثاني في استدلالهم بهذه الأحاديث من قياس غير الكراع والسلاح عليها للتماثل. وأما قولهم: بأن الأصل عدم الجواز فغير مسلم هنا؛ لعموم الأدلة من الكتاب والسنة في الحث على الإنفاق في أعمال الخير، وعموم الأدلة الواردة في الوقف فالأصل في الوقف المشروعية. ثانياً: استدلوا على عدم الجواز في غير الكراع والسلاح بما يلي: ١ - ما استدل به أصحاب القول الثاني على عدم الجواز في غير الكراع والسلاح، وسائر ما تعارف الناس على وقفه من اشتراط التأبيد. وتقدمت مناقشته. ٢ - أن العقار يتأبد، والجهاد سنام الدين، فكان معنى القربة فيهما أقوى، فلا يكون غيرهما في معناهما، فلا يجوز (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه إذا كانت العلة في المشروعية هي القربة،

стр. 530

فكل ما كان قابلاً لذلك مع بقاء عينه يجوز، فينقلب الدليل عليهم، وأما كونها أقوى في العقار والجهاد فليس في كل الأحوال، بل قد يوجد من الأشياء ما تكون منفعته أكبر وأهم من العقار، كبعض الأجهزة في المستشفيات مثلاً، ومعلوم أن كل ما كان أهم وأعم في نفع الناس كان آكد وأكثر أجراً، والله أعلم. ٣ - أن غير العقار والأراضي لا تثبت فيه الشفعة، فلم يصح وقفه كالأطعمة والمسمومات (١). ونوقش من وجهين: الأول: أن هذا منتقض بالكراع والسلاح، فإنه لا يثبت فيهما الشفعة على قول جمهور العلماء وصح وقفهما. الثاني: أن الشفعة إنما اختصت بالأرض والعقار؛ لأنها إنما تثبت لإزالة الضرر الذي يلحق الشريك على الدوام، وإنما يدوم الضرر فيما لا ينفك، وما ينفك لا يدوم الضرر فيه، فلهذا لم تثبت فيه الشفعة، وليس كذلك الوقف؛ لأنه جاز الانتفاع الموقوف عليه، وهذا المعنى موجود فيما ينفك ويحول إذا كان على الأوصاف التي ذكرناها، فجاز وقفه (٢). أدلة القول الرابع: (عدم جواز وقف المنقول) ١ - حديث عمر ﵁ السابق (٣). وهذا وارد في العقار. ونوقش: بأن غيره ورد في المنقول كما تقدم في دليل الرأي الأول
следующие страницы →