← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقد تقدم أن "أعتده" يدخل فيها الدواب والسلاح، بل قيل: المقصود بها الخيل خاصة. ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزان حسناته " (١). كما يصلح الاستدلال لهم ببقية ما استدل به أصحاب القول الأول مما جاء في وقف الحيوان، كحديث ابن عباس ﵁ وابن عمر ﵁، وأم عقيل ﵂، وما جاء في وقف الكراع والسلاح كحديث عمر ﵁. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه إذا ثبت بهذه الأحاديث جواز وقف الحيوان والسلاح فغيرها من المنقولات تقاس عليها؛ لأنها مماثلة لها من حيث إنها ينتفع بها مع بقاء عينها. ثانياً: واستدلوا على جواز وقف جميع ما تعارف الناس علي وقفه وتعاملوا به بأدلة من السنة، والمعقول: (١٦٧) ١ - ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن " (٢).

стр. 527

ويناقش هذا الدليل من ثلاثة وجوه: الأول: أنه لم يثبت مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، بل ثبت موقوفاً على عبد الله بن مسعود ﵁ كما في تخريجه. الثاني: على تقدير ثبوت رفعه، فلا تعارض بينه وبين ما ذكر أصحاب القول الأول من الجواز الذي ثبت بأدلة صحيحة واضحة الدلالة. الثالث: أنه على تقدير ثبوت رفعه فإنه محمول على ما لم يثبت فيه دليل، أما ما ثبت فيه دليل فالمصير إلى الدليل، ولو خالف العرف، وقد ثبت هنا الدليل كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول. (١٦٨) ٢ - ولما رواه أحمد: ثنا أبو بكر، ثنا عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، وفيه قول ابن مسعود ﵁: "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن" (١).

стр. 528

٣ - ولأن التعامل أقوى من القياس فيترك به القياس كالاستصناع، فبقي ما وراء ذلك على أصل القياس. ثالثاً: واستدلوا على عدم الجواز فيما عدا الكراع والسلاح، وسائر ما تعارف الناس على وقفه وتعاملوا به بما يلي: أن التأبيد شرط لجواز الوقف، ووقف المنقول لا يتأبد؛ لكونه شرف الهلاك، فلا يجوز (١). ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة وجوه: الأول: أنه دليل عقلي في مقابل نص، وهو ما سبق في أدلة القول الأول من الأحاديث في وقف الحيوان والسلاح وهي منقولة، فلا يصح الاحتجاج به. الثاني: أنه لا يسلم أن التأبيد شرط لصحة الوقف، فيصح وقف ما لا تبقى عينه إلا باستهلاكه، ووقف المنافع وهي تفنى باستهلاكها كما قررناه عند بحث هذه المسائل. الثالث: أن التأبيد مفهوم نسبي، وهو في كل مال بحسبه، والمراد إمكان الانتفاع مدة بقائه لا إلى الأبد، وللأموال الموقوفة أياً كان نوعها أعمار يتلاشى ريعها وتتراجع قيمتها حتى لا تساوي شيئاً، وإن بقيت أعيانها (٢). الرابع: أنه بناء على هذا الدليل يلزمكم تعميمه حتى على ما تعارف عليه

стр. 529

الناس وتعاملوا به وإلا حصل التناقض؛ لأن مضمونه - أي الدليل - وارد في المتعارف عليه. أدلة القول الثالث: (الجواز في السلاح، والكراع) أولاً: استدل على الجواز في الكراع والسلاح للجهاد: بما استدل به أصحاب القول الثاني كحديث أبي هريرة ﵁ في قصة خالد بن الوليد وصاحبيه ﵁، وحديث أبي هريرة ﵁ في حبس الفرس في سبيل الله، وغيرهما. فقالوا: إن النص قد ورد في الكراع والسلاح، فيقتصر على موضع النص، ويبقى ما سواه على الأصل، وهو عدم الجواز (١). ونوقش: بما تقدم من مناقشة استدلال أصحاب القول الثاني في استدلالهم بهذه الأحاديث من قياس غير الكراع والسلاح عليها للتماثل. وأما قولهم: بأن الأصل عدم الجواز فغير مسلم هنا؛ لعموم الأدلة من الكتاب والسنة في الحث على الإنفاق في أعمال الخير، وعموم الأدلة الواردة في الوقف فالأصل في الوقف المشروعية. ثانياً: استدلوا على عدم الجواز في غير الكراع والسلاح بما يلي: ١ - ما استدل به أصحاب القول الثاني على عدم الجواز في غير الكراع والسلاح، وسائر ما تعارف الناس على وقفه من اشتراط التأبيد. وتقدمت مناقشته. ٢ - أن العقار يتأبد، والجهاد سنام الدين، فكان معنى القربة فيهما أقوى، فلا يكون غيرهما في معناهما، فلا يجوز (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه إذا كانت العلة في المشروعية هي القربة،

стр. 530

فكل ما كان قابلاً لذلك مع بقاء عينه يجوز، فينقلب الدليل عليهم، وأما كونها أقوى في العقار والجهاد فليس في كل الأحوال، بل قد يوجد من الأشياء ما تكون منفعته أكبر وأهم من العقار، كبعض الأجهزة في المستشفيات مثلاً، ومعلوم أن كل ما كان أهم وأعم في نفع الناس كان آكد وأكثر أجراً، والله أعلم. ٣ - أن غير العقار والأراضي لا تثبت فيه الشفعة، فلم يصح وقفه كالأطعمة والمسمومات (١). ونوقش من وجهين: الأول: أن هذا منتقض بالكراع والسلاح، فإنه لا يثبت فيهما الشفعة على قول جمهور العلماء وصح وقفهما. الثاني: أن الشفعة إنما اختصت بالأرض والعقار؛ لأنها إنما تثبت لإزالة الضرر الذي يلحق الشريك على الدوام، وإنما يدوم الضرر فيما لا ينفك، وما ينفك لا يدوم الضرر فيه، فلهذا لم تثبت فيه الشفعة، وليس كذلك الوقف؛ لأنه جاز الانتفاع الموقوف عليه، وهذا المعنى موجود فيما ينفك ويحول إذا كان على الأوصاف التي ذكرناها، فجاز وقفه (٢). أدلة القول الرابع: (عدم جواز وقف المنقول) ١ - حديث عمر ﵁ السابق (٣). وهذا وارد في العقار. ونوقش: بأن غيره ورد في المنقول كما تقدم في دليل الرأي الأول

стр. 531

٢ - أن وقف الدور والأراضي هو وقف الصحابة ﵃، فلا يجوز غيره (١). نقل حنبل والأثرم عن الإمام أحمد قوله: " إنما الوقف للدور والأرضين على ما وقف أصحاب رسول الله ﷺ " (٢). ويناقش من ثلاثة وجوه: الأول: أنه ثبت عن الصحابة ﵃ وقف غير الدور والأرضين، ومن ذلك السلاح، كما في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة خالد بن الوليد ﵁ وصاحبيه (٣). الثاني: على تقدير عدم نقل وقف غير الدور والأرضين عنهم فإنه لا يعني عدم حصوله؛ لأن عدم النقل ليس نقلاً للعدم، كما أنه يحمل على تفضيلهم ما هو أدوم رغبة في زيادة الأجر واستمراره. الثالث: على تقدير عدم الثبوت وعدم الحصول منهم فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة وقف الحيوان والسلاح ونحوهما، كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول، ولا قول لأحد مع قول رسول الله ﷺ أو إقراره. ٣ - ما استدل به أصحاب القول الثاني: على عدم الجواز في غير الكراع والسلاح وسائر ما تعارف الناس على وقفه من اشتراط التأبيد، وتقدمت مناقشته (٤). ٤ - أن الوقف إنما يراد للتأبيد والدوام، والتأبيد لا يمكن إلا في العقار، فلم يجز في غيره مما لا يدوم (٥).

стр. 532

ونوقش: بما تقدم في مناقشة دليل القول الثاني. ٥ - أن ما عدا العقار من الدور والأراضي لا تثبت فيه الشفعة، ولا يستحق بها، فلم يصح وقفه (١). نوقش هذا الدليل من وجوه: الوجه الأول: عدم التسليم، فالشفعة تثبت في المنقول، كما هو قول ابن عقيل، وابن الجوزي، وظاهر الدليل. الوجه الثاني: أنه منتقض بالكراع والسلاح؛ فإن الشفعة لا تثبت فيه ويصح وقفه. الوجه الثالث: على التسليم، فإن الشفعة إنما اختصت بالعقار؛ لأنها تثبت لإزالة الضرر الذي يلحق الشريك على الدوام، وإنما يدوم الضرر فيه فلم تثبت فيه الشفعة، وليس كذلك الوقف؛ لأنه إنما جاز لانتفاع الموقوف عليه، وهذا المعنى موجود فيما ينفك ويحول. الترجيح: الراجح في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بجواز وقف المنقول؛ لقوة أدلته، ولضعف أدلة الأقوال الأخرى، ولأن الأصل في الوقف أنه فعل خير فيحث عليه، ويكثر منه. الفرع الثاني: وقف المنقول تبعاً غير الحيوان. مثل آلات الحراثة، والدواب، والسانية وعليها الحبل والدلو مع الضيعة، والنحل والعسل وكوراته (٢)، ونحو ذلك. الحنفية -كما سبق- يرون عدم جواز وقف المنقول استقلالاً على اختلاف

стр. 533

بين الإمام وصاحبيه في تعميم ذلك، وقد اختلفوا في حكم وقفه -أي المنقول- تبعاً للعقار، وذلك على قولين: القول الأول: يجوز وقف المنقول تبعاً للعقار. وبهذا قال الصاحبان أبو يوسف، ومحمد بن الحسن (١). القول الثاني: لا يجوز وقف المنقول ولو كان تبعاً للعقار. وهذا قول أبي حنيفة (٢). قال في اللباب بعد ذكر جواز وقف ما ينقل ويحول: " قال في الهداية: " وهذا على الإرسال -أي الإطلاق- قول أبي حنيفة " (٣)، ثم ساق قول أبي يوسف، ومحمد. الأدلة: أدلة القول الأول: (جواز وقف المنقول تبعاً) ١ - أنه يجوز وقف المنقول تبعاً؛ لأن من الأحكام ما يثبت تبعا ولا يثبت قصدا، كالشرب، ومسيل الماء، والطريق في البيع (٤)، ووقف المنقول من هذا الباب (٥). ٢ - أنه يجوز وقف السلاح والكراع من المنقول استقلالاً؛ لأن القياس ألا يجوز وقف المنقول؛ لأن من شرط الوقف التأبيد، والمنقول لا يتأبد،

стр. 534

فيقتصر على مورد الشرع وهو السلاح والكراع كما في حديث خالد ﵁، ويبقى ما وراءه على أصل القياس (١). ونوقش قولهم: " لأن من شرط الوقف التأبيد " من وجوه: الوجه الأول: عدم التسليم بأن التأبيد في الموقوف شرط لصحة الوقف؛ فيجوز وقف ما لا تبقى عينه إلا باستهلاكه (٢)، ويجوز وقف المنافع، وهي تفنى باستهلاكها، كما تقدم تقريره (٣). الوجه الثاني: أنه اجتهاد في مقابلة النص، فيكون فاسد الاعتبار. الوجه الثالث: أن الحنفية خرجوا عن أصلهم الذي منعوا من أجله وقف المنقول -وهو التأبيد- بإجازتهم كثيرا من المنقولات كلما جرى بذلك عرف دليل على ضعف هذا الأصل. الوجه الرابع: أن التأبيد مفهوم نسبي وهو في كل مال بحسبه، والمراد إمكان الانتفاع مدة بقائه لا إلى الأبد، وللأموال الموقوفة أياً كان نوعها أعمار يتلاشى ريعها وتتراجع قيمتها حتى لا تساوي شيئاً، وإن بقيت أعيانها (٤) (٥). دليل القول الثاني: (عدم الجواز) اشتراط التأبيد في الموقوف، والمنقول لا يتأبد (٦). وقد سبق مناقشة هذا الدليل في مبحث وقف المنقول.

стр. 535

وقد تقدم ترجيح جواز وقف المنقول إذا كان مما ينتفع به مع بقاء عينه مستقلاً، فمن باب أولى إذا كان تابعاً لعقار. المطلب الثامن: الشرط الثامن: أن يكون الموقوف عيناً تبقى بعد استيفاء النفع منها وفيه مسائل: المسألة الأولى: وقف المنافع. تعريف المنفعة: المنفعة: خلاف الضر، قال ابن فارس: " النون، والفاء، والعين: كلمة تدل على خلاف الضر" (١)، وفي المصباح المنير: " النفع الخير، وانتفعت بالشيء ونفعني الله به، والمنفعة اسم منه " (٢). وفي الاصطلاح: أعراض مستفادة من الأعيان يمكن استيفاؤها من تلك الأعيان (٣). وقيل: " ما لا تمكن الإشارة إليه حساً دون إضافة، يمكن استيفاؤه، غير جزء مما أضيف إليه " (٤).

стр. 536

وعرفها بعض المعاصرين بأنها: كل ما يقوم بالأعيان من أعراض، وما ينتج عنها من غلة كسكنى الدار وأجرته وثمرة البستان ولبن الدابة (١)، ومما يدخل هنا إقطاع الاستغلال وإقطاع الإرفاق. والمنفعة مال عند جمهور أهل العلم خلافاً للحنفية (٢). والدليل على مالية المنافع: قال الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (٣)، والمهر لا يكون إلا مالاً. ولأن وقوع عقد الإجارة على المنافع دليل على اعتبارها مالاً متقوماً. ولأن الغرض الأظهر من جميع الأموال هي المنافع، فما لم تشتمل عليه المنفعة لا يسمى مالاً (٤). وعلل الحنفية مذهبهم: بأن المنفعة لا يتحقق فيها معنى المال، فهي لا تقبل الحيازة ولا الإحراز، لذا فهي لا تقبل التقوم لكونها معدمة قبل وجودها غير محرزة بعد ذلك. وأجيب: بأن الحيازة أصل المنفعة ومصدرها متحقق في المنفعة، فالحيازة والإحراز واقع فيها بحسب طبيعاتها. وقد أفتى متأخرو الحنفية بضمان منافع المغصوب في مال الوقف واليتيم، وما أعد للاستغلال على اعتبار أن المنافع مال متقوم.

стр. 537

ومن المعلوم أن الوقف حبس للذات، وتصدق بالمنافع، ولكن قد يقع الوقف على المنافع قصداً واستقلالاً عن الذات. وصورة ذلك: إذا وقف شخص منافع مملوكة له، كخدمة عبد موصى له بها، وكذلك منافع العين المستأجرة، ونحو ذلك. وقد اختلف الفقهاء في جواز ذلك على قولين: القول الأول: يجوز وقف المنافع بحد ذاتها مستقلة عن الذات سواء كانت هذه المنافع المملوكة مؤبدة كالموصى له بسكنى دار أبداً، أو كانت المنافع مؤقتة كدار استأجرها مدة معلومة، فله وقف منفعتها في تلك المدة، وينقضي الوقف بانقضائها. وقال بذلك المالكية (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢). فقد جاء في الشرح الكبير ما نصه: " .... كدار استأجرها مدة معلومة، فله وقف منفعتها في تلك المدة، وينقضي الوقف بانقضائها؛ لأنه لا يشترط فيها التأبيد … ، ومن أستأجر داراً محبسة مدة فله تحبيس منفعتها على مستحق آخر غير المستحق الأول في تلك المدة، وأما المحبس عليه فليس له تحبيس المنفعة التي يستحقها؛ لأن الحبس لا يحبس " (٣). وجاء في الاختيارات لابن تيمية قوله: " ولو وقف منفعة يملكها، كالعبد الموصى بخدمته، أو منفعة أم ولده في حياته أو منفعة العين المستأجرة،

стр. 538

فعلى ما ذكره أصحابنا: لا يصح " (١). قال أبو العباس: " وعندي هذا ليس فيه فقه ..... ". القول الثاني: لا يجوز وقف المنافع وحدها منفصلة عن الذات. وقال بهذا الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وهو قول عند المالكية (٥). قال في مغني المحتاج: " ولا يصح وقف المنفعة دون الرقبة مؤقتة كالإجارة، أو مؤبدة كالوصية ..... " (٦). وجاء في كشاف القناع قوله: " ولا يصح … وقف منفعة يملكها كخدمة عبد موصى له بها، ومنفعة أم ولده في حياته، ومنفعة العين المستأجرة، ومال الشيخ تقي الدين إلى صحته " (٧). الأدلة: أدلة القول الأول: (جواز وقف المنافع) ١ - عموم أدلة الوقف، فهذه الأدلة بعمومها تقتضي صحة وقف المنفعة (٨).

стр. 539

٢ - الأدلة الدالة على صحة وقف المنقول كالسلاح ونحوه، والحيوان (١). وجه الدلالة: أن تأبيد هذه الأشياء مؤقت، فكذا المنافع. ٣ - ما رواه جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث " (٢). (١٦٩) ٤ - ما رواه أبو داود من طريق أبي خالد الذي كان ينزل في بني دالان، عن نبيح، عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: " أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم " (٣).

стр. 540

وجه الدلالة: في هذا الحديث الصدقة بمنفعة الثوب والطعام، والماء، وكذا وقف هذه المنافع. ٥ - أنه لا فرق بين وقف المنفعة، ووقف الملك كاملاً؛ لأن الأعيان إنما تحبس لأجل ما فيها من المنفعة، وحينئذ لا فرق بين وقف المنفعة وحدها، وبين وقف عين مشتملة على منفعة. قال ابن تيمية: " لا فرق بين وقف المنافع، وبين وقف البناء والغراس، ولا فرق بين وقف ثوب على الفقراء يلبسونه، أو فرس يركبونه، أو ريحان يشمه أهل المسجد، وطيب الكعبة، حكمه حكم كسوتها، فعلم أن التطيب منفعة مقصودة، لكن قد يطول بقاء مدة التطيب، وقد يقصر، ولا أثر لذلك " (١). ٦ - القياس على الوصية، فكما تصح الوصية بالمنافع يصح وقفها بجامع أن كلاً منهما تبرع (٢). ٧ - أن المنافع أموال متقومة -كما تقدم في أول المبحث-، فيصح وقفها كسائر الأموال (٣). ٨ - قياس جواز وقف المنافع على صحة الوصية بها. أدلة القول الثاني: (عدم جواز وقف المنافع) ١ - أن وقف المنفعة لا يجوز؛ لأن الرقبة أصل والمنفعة فرع، والفرع يتبع الأصل (٤).

стр. 541

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أنه لا يسلم أن المنفعة فرع، بل أصل؛ إذ المقصود من الوقف المنفعة؛ لأنها محل الاستهلاك والتصرف، بخلاف العين فحبسة عن التصرف. الثاني: على التسليم، فإن كون المنفعة فرعاً عن الرقبة لا يمنع من التصرف فيها استقلالا، فكما يجوز العقد عليها والوصية بها وهبتها يجوز وقفها (١). ٢ - أن الوقف يستدعى أصلاً يحبس لتستوفى منفعته دائماً (٢). ونوقش: بأن هذا استدلال في محل النزاع. وأيضا: لا يسلم اشتراط التأبيد، فيصح الوقف مؤبداً ومؤقتاً كما تقدم قريباً. ٣ - أن وقف المنفعة تصرف في الرقبة على الجملة إما بالحبس، أو إزالة ملك، ولا ملك له (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن مورد النزاع على المنفعة المملوكة، دون الرقبة غير المملوكة. ٤ - من أعظم مقاصد الوقف الدوام والاستمرار، وهذا لا يتحقق في وقف المنافع؛ إذ تتلف تلك المنافع عند استيفائها. ونوقش: بأن كل شيء تأبيده بحسبه، ويغتفر في المنافع ما لا يغتفر في الأعيان (٤).

стр. 542

الترجيح: إذا نظرنا إلى ما سبق من القولين يترجح -والله أعلم- صحة وقف المنافع؛ لقوة دليلة، ومناقشة دليل المانعين. ومما يؤيده: أن المانعين من وقف المنافع أجازوا وقف المنقول كالسلاح ونحوه، والحيوان، مع أن تأبيد هذه الأشياء مؤقت، ولأن الوقف فعل خير وقربة، وإذا كان كذلك، فالأصل الحث عليه، والتكثير منه. المسألة الثانية: وقف حق الابتكار. عرف حق الابتكار بأنه: "سلطة لشخص على شيء غير مادي هو خلاصة فكره أو خياله أو نشاطه " (١). وهو يتضمن أفراداً متعددة من الحقوق بحسب ذلك الابتكار، فإن كان متعلقاً بالأدبيات كان حقاً من حقوق الملكية الأدبية، وإن كان متعلقاً بالصناعة والاختراع كان حقاً صناعياً، وإن كان متعلقاً بالعلامة التجارية أو الاسم التجاري كان حقاً تجارياً (٢)، إلى غير ذلك من الحقوق، وعلى كل حال فهذه جميعها حقوق ابتكار معنوية تتضمن منافع مملوكة لأصحابها الذين ابتكروها. وعليه فوقف جميع ما سبق من صور حق الارتفاق وأنواع حق الابتكار هو من قبيل وقف المنافع، وقد تقرر أن الراجح من أقوال أهل العلم صحة وقف المنافع. وقد جاء في قرارات منتدى " قضايا الوقف الفقهية الثالث، قضايا مستجدة وتأصيل شرعي" النص على: جواز وقف المنافع والحقوق كالارتفاق

стр. 543

والملكية الفكرية وبراءة الاختراع والتأليف وحق الابتكار والاسم والعلامة التجارية (١). والقول بتصحيح وقف الحقوق له أثر حميد في تنويع صور الموقوفات وتوسيع مجالاتها من خلال ما سبق من صور متعددة، وكذا ما يجد من حقوق متنوعة تمكّن المحسنين من الوقف لما يملكونه من تلك الحقوق. المسألة الثالثة: وقف حق الارتفاق. وهو " حق مقرر على عقار لمنفعة شخص أو عقار لآخر " (٢)، وهو على هذا نوعان: الأول: حق ارتفاق مقرر لعقار على عقار آخر كحق الشرب والمجرى والمسيل والمرور. الثاني: حق ارتفاق مقرر لشخص على عقار كحق الجوار والتعلي. ووقف حق الارتفاق من قبيل وقف المنافع (٣).

стр. 544

المسألة الرابعة: وقف العين التي تفنى: مثل المطعومات، والمشروبات، والطيب بأنواعه، وأشباه ذلك (١). ويدخل في ذلك كثير من مشتقات البترول في وقتنا الحاضر، كالغاز والبنزين، والديزل، ونحوها. وفي المسألة أمران: الأمر الأول: وقفه للانتفاع به في المنفعة المقصودة منه. الأمر الثاني: وقفه للانتفاع به في غير المنفعة المقصودة منه. الأمر الأول: مثال ذلك: وقف الطعام لأكله، كما لو وقف مئة كيس أرز على طلبة العلم، والمشروب لشربه، والطيب لشمه، والشمع والزيت للاستضاءة به … وهكذا. وكما لو وقف مئة صاع من البر، أو وقف مئة صاع من الزيت على طلبة العلم، ونحو ذلك من الأطعمة، أو وقف مئة لتر من البنزين. فللعلماء في ذلك قولان: القول الأول: صحة هذا الوقف. وهو قول عند المالكية (٢). ونقله صاحبا حلية العلماء والمغني عن الإمام مالك، وقال: " ولم يحكه أصحابه " (٣).

стр. 545

وهو ظاهر قول شيخ الإسلام، والحارثي من الحنابلة (١). واشترط من قال به من المالكية: طول بقائه، كالقمح. قال المرداوي: " وقال الشيخ تقي الدين: لو تصدق بدهن على مسجد ليوقد فيه جاز، وهو من باب الوقف، وتسميته وقفاً بمعنى أنه وقف على تلك الجهة لا ينتفع بها في غيرها لا تأباه اللغة، وهو جار في الشرع، وقال أيضا: يصح وقف الريحان ليشمه أهل المسجد، قال: طيب حكمه حكم كسوتها، فعلم أن الطيب منفعة مقصودة، لكن قد تطول مدة الطيب وقد تقصر ولا أثر لذلك، قال الحارثي: وما يبقى أثره من الطيب كالند والصندل وقطع الكافور لشم المريض وغيره فيصح وقفه على ذلك؛ لبقائه مع الانتفاع، وقد صحت إجارته لذلك، فصح وقفه " (٢). القول الثاني: عدم صحة هذا الوقف. وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣). الأدلة: أدلة الرأي الأول: استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - ما تقدم من أدلة عموم الوقف (٤).

стр. 546

وهذه تشمل وقف العين التي تفنى باستيفاء النفع منها. ٢ - ما تقدم قريبا من أدلة مشروعية وقف المنافع. وهي تفنى باستيفائها. ٣ - أدلة مشروعية وقف المنقول، والحيوان. والحيوان وكثير من المنقولات لا تدوم طويلاً (١). ٤ - ما ورد عن عثمان ﵁ أنه وقف بئر رومة (٢). والماء يفنى باستهلاكه. ونوقش هذا الاستدلال: بأن المراد الوقف على مجموع الحفرة والماء، لا الماء وحده، ثم إنه لا أثر لذهاب الماء بالاستعمال؛ لأن ماء البئر يتجدد، وبدله يقوم مقامه (٣). وأجيب: بأن الماء هو الأصل والحفرة تبع، وأما تجدد الماء فغير دائم. (١٧٠) ٥ - روى أبو داود من طريق سعيد أن سعدا ﵁ أتى النبي ﷺ فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: "الماء" (٤).

стр. 547

(١٧١) ٦ - وروى أبو داود من طريق أبي إسحاق، عن رجل، عن سعد بن عبادة أنه قال: يا رسول الله إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل، قال: " الماء "، قال: فحفر بئرا، وقال: هذه لأم سعد (١). ٧ - وعن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: " أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلما على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم " (٢). دليل القول الثاني: استدل لهذا القول: بأن الوقف تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، وما لا ينتفع به إلا بالإتلاف لا يصح ذلك فيه (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول بصحة وقف ما يفنى باستيفاء المنفعة منه؛ إذ الوقف فعل خير وقربة، والأصل أن يكثر منه.

стр. 548

الأمر الثاني: وقف العين التي لا يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها للانتفاع بها في غير المنفعة المقصودة منه. الوقف هنا لا يخلو من إحدى حالتين: إما أن يكون مع بقاء العين والمنفعة غير معتبرة شرعاً، وإما ألا يكون كذلك. فإن كان مع بقاء العين والمنفعة غير معتبرة شرعاً كوقف الطعام والشمع للزينة ونحوها، فالظاهر: أنه لا أحد يقول بجوازه، وقد صرح بذلك المالكية؛ وذلك لعدم المنفعة الشرعية التي تترتب على ذلك (١). وإن كان مع عدم بقاء العين والمنفعة مقصودة شرعاً كوقف الحنطة ونحوها للإقراض للفقراء الذين لا بذر لهم ليزرعوه لأنفسهم، ثم يؤخذ منهم بعد الإدراك قدر القرض ثم يقرض لغيرهم من الفقراء … وهكذا فقد اختلف الفقهاء (٢) في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: جواز هذا الوقف. وهذا هو المشهور عن الإمام مالك وأصحابه (٣)، والظاهر من الوجه الثاني عند الشافعية، وقول عند الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: بجواز وقف الدراهم والدنانير لقرضها ودفعها مضاربة، كما سيأتي (٤).

стр. 549

وقال بعض المالكية يكره هذا الوقف (١). القول الثاني: عدم الجواز. وهذا قول أبي حنيفة وتلميذه أبي يوسف، حيث قالا بعدم جواز وقف المنقول ما عدا الكراع والسلاح على قول أبي يوسف، وبه قال بعض المالكية، لكن ضعفه بعضهم (٢)، وهو المذهب عند الشافعية والحنابلة حيث قالوا: بعدم جواز وقف الدراهم والدنانير لإقراضها ودفعها مضاربة كما سيأتي (٣). القول الثالث: يجوز هذا إذا كان متعارفاً عليه. وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية (٤)، والعمل والفتوى عليه عندهم. الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: (الجواز) ١ - ما تقدم من الأدلة الدالة على مشروعية الوقف (٥). ٢ - ما تقدم من الأدلة الدالة على مشروعية وقف ما يفنى باستهلاكه (٦). ٣ - أن الوقف تحبيس للأصل وتسبيل للمنفعة حاصل هنا، وأما تحبيس

стр. 550

الأصل فإنه وإن لم يتحقق بذاته فإنه يتحقق بالبدل، فينزل رد البدل منزلة بقاء العين لمصلحة الوقف كما هو الحال في وقف الدراهم والدنانير (١). دليل القول الثاني: ما استدل به لهذا القول في وقف النقول. وتأتي مناقشته. أدلة أصحاب القول الثالث: ما استدل به لهذا القول في وقف النقول. وتأتي مناقشته (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لما في ذلك من مصلحة الواقف والوقف، وتوسيع مجال بذل النفع للناس والتوسعة عليهم، ولما سبق أن الوقف فعل خير، فالأصل أنه يكثر منه، ويحث عليه. المطلب التاسع: الشرط التاسع: اشتراط كون الموقوف غير نقد (وقف النقود) وفيه مسائل: المسألة الأولى: وقف النقود: اختلف أهل العلم فيما لو وقف نقوداً لإقراض المحتاجين، أو للمضاربة بها، ويصرف ربحها في مصارف الوقف، ونحو ذلك على قولين:

стр. 551

القول الأول: صحة وقف النقود. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، ووجه عند الشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، واختاره شيخ الإسلام (٥). القول الثاني: عدم جواز وقف النقود. وبه قال أبو حنيفة (٦)، وأبو يوسف (٧)، وقول عند المالكية (٨)، وهو مذهب الشافعية (٩)، والحنابلة (١٠). الأدلة: أدلة الرأي الأول: استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - ما تقدم قريبا من الأدلة على مشروعية وقف ما تفنى عينه باستهلاكه، فإذا شرع وقف هذه الأشياء، فالنقود من باب أولى.

стр. 552

٢ - القياس على العقار (١)، فالنقود يمكن الانتفاع بها مع بقائها صورة أو معنى عن طريق إقراضها للمحتاجين، أو المضاربة بها والإفادة من ربحها، ونحو ذلك. ٣ - القياس على الإجارة (٢)، فكما يجوز إجارتها يجوز وقفها. ٤ - أن وقف النقود يحصل به مقصود الوقف من تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة (٣). ٥ - القياس على القرض والمضاربة (٤). أدلة الرأي الثاني: استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - أن المنفعة ليست المقصود الذي خلقت له الأثمان، ولهذا لا تضمن في الغصب، فلم يجز الوقف له، كوقف الشجر على نشر الثياب، والغنم على دوس الطين، والشمع ليتجمل به (٥). ونوقش هذا الاستدلال: بعدم تسليم الأصل، فالمنفعة مقصودة في الأثمان، وتضمن في الغصب. ٢ - أن النقود تفنى باستيفاء منفعتها، ومن شرط الوقف التأبيد (٦). ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أنه لا يسلم أن من شرط الوقف التأبيد، وقد سبق مناقشة هذا القول عند مبحث وقف المنقول.

стр. 553

الوجه الثاني: أن ما يفنى باستهلاكه من الأعيان يصح وقفه كما سبق. الوجه الثالث: أنه يمكن الانتفاع بالنقود على وجه لا تفنى به، كإقراض المحتاجين، والمضاربة بها وصرف ربحها فيما وقفت له، ونحو ذلك. الوجه الرابع: أن التأبيد مفهوم نسبي وهو في كل مال بحسبه والمراد إمكان الانتفاع مدة بقائه لا إلى الأبد، وللأموال الموقوفة أياً كان نوعها أعمار يتلاشى ريعها وتتراجع قيمتها حتى لا تساوي شيئاً، وإن بقيت أعيانها (١). الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة وقف النقود؛ لقوة دليل هذا القول، ولأن الوقف فعل خير وقربة، فيكثر منه ويحث عليه. فرع: ذكر المجيزون لوقف النقود ثلاث صور لوقفها، وهي: الصورة الأولى: القرض. بأن تقرض لبعض المحتاجين، ثم تسترد منهم وتقرض لآخرين (٢). الصورة الثانية: المضاربة. بأن يستثمر المال النقدي الموقوف بدفعه إلى من يتجر به على حصة من الربح ويصرف باقي الربح في مصرف الوقف (٣). الصورة الثالثة: الإبضاع. بأن يدفع المال النقدي الموقوف لمن يتجر به تبرعاً ويصرف ربحه كاملاً في مصرف الوقف (٤).

стр. 554

ويعرفه الفقهاء بأنه: " بعث المال مع من يتجر به بلا جعل " (١). وأكد من أشار إلى الصورة الثالثة من صور الانتفاع بالوقف النقدي من المعاصرين إلى أنه لا يبعد أن يوجد من يتبرع باستثمار أموال الأوقاف ويكون الريع كله للوقف (٢). فرع آخر: استثمار الوقف النقدي في الصناديق الوقفية: يراد بالصناديق الوقفية هنا: تلك المحافظ الاستثمارية التي يتم إنشاؤها لأغراض معينة ويخصص ريعها للإنفاق على تلك الأغراض الخاصة بذلك الصندوق حسب إرادة الواقفين، وهي مكونة من وقف نقدي يدار كما تدار سائر الأموال إلا أن ملكيته هنا لمؤسسة الوقف، ويتم التصرف فيه بناء على شرط الواقف أو موافقته، ولها صورتان: الأولى: أن تقوم المؤسسة الوقفية باستقبال التبرعات وجمعها، وتعتبر هذه الصورة من الوقف الجماعي. والثانية: أن يحدد الواقف نفسه الجهة التي تستثمر فيها نقوده من الصناديق، ويحدد كيفية تحصيل الأرباح وتوزيعها. حكم استثمار الوقف النقدي في الصناديق الوقفية. إن الاستثمار من خلال الوقف النقدي في هذه الصناديق هو من قبيل

стр. 555

وقف النقود التي سبق تقرير مشروعيتها، إلا أنه يجب عند الاستثمار النقدي في الصناديق الوقفية مراعاة ما يلي: ١ - حمايتها من مخاطر الاعتداء عليها، أو الدخول بها في استثمارات ذات مخاطر عالية. ٢ - تنويع الاستثمار لتقليل المخاطر وتحقيق أرباح مناسبة. ٣ - إعطاء الأولوية للمشاريع التنموية. ٤ - أن يكون إنشاء هذه الصناديق وتحديد مجالاتها التي توقف عليه وأنشطتها التي تعمل فيها مبنية على دراسات اجتماعية واقتصادية لمواطن الحاجة، وذلك بعد الأخذ بشروط الواقفين، أو قبولهم لذلك عند إقدامهم على الوقف في هذه الصناديق (١). المسألة الثانية: وقف العملات. وذلك مثل: الريالات، والدراهم، والجنيهات، وغير ذلك من الأوراق النقدية، فيصح وقفها؛ إذ هي بدل عن النقود، والبدل يأخذ حكم المبدل، ولما في وقفها من توسيع دائرة الوقف، والأصل في الوقف أنه فعل خير وقربة فيكثر منه. المسألة الثالثة: وقف الحلي للبس، والعارية. مثال ذلك: الأساور، والخواتم، والخروص، ونحو ذلك من أنواع الذهب، والفضة، أو غيرهما. وقد اختلف الفقهاء في حكم وقفه للبس والإعارة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز وقف ذلك مطلقاً.

стр. 556

وهذا هو الظاهر من قول المالكية، حيث قالوا بجواز وقف المنقول إذا كان مما ينتفع به مع بقاء عينه، بل قالوا بجواز وقف ما لا ينتفع به مع بقاء عينه في غير المنفعة المقصودة منه كما تقدم. وبه قال الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (١)، وهو قول شيخ الإسلام (٢). قال المرداوي: " (ويصح وقف الحلى للبس والعارية) هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، قال المصنف وغيره: هذا المذهب، قال الحارثي: هذا الصحيح، وذكره صاحب التلخيص عن عامة الأصحاب، واختاره القاضي وأبو الخطاب وابن عقيل والمصنف والشارح في آخرين، ونقلها الخرقي وجزم به في الوجيز وغيره وقدمه في الفروع في الحلي وغيره، وعنه: لا يصح اختاره ابن أبي موسى ذكره الحارثي، وتأوله القاضي وابن عقيل " (٣). قال النووي: " ويصح وقف الحلي لغرض اللبس، وحكى الإمام أنهم ألحقوا الدراهم ليصاغ منها الحلي بوقف العبد الصغير، وتردد هو فيه " (٤). القول الثاني: يجوز وقفه إذا تعارف الناس عليه وتعاملوا به. وهذا مقتضى قول محمد بن الحسن من الحنفية، وعليه العمل والفتوى عندهم، بناء على قوله في وقف المنقول. قال ابن الهمام: " والحاصل أن وقف المنقول تبعا للعقار يجوز وأما

стр. 557

وقفه مقصودا إن كان كراعا أو سلاحا جاز، وفيما سوى ذلك إن كان مما لم يجر التعامل بوقفه كالثياب والحيوان، ونحوه، والذهب والفضة لا يجوز عندنا، وإن كان متعارفا كالجنازة، والفأس، والقدوم، وثياب الجنازة، ومما يحتاج اليه من الأواني والقدور في غسل الموتى، والمصاحف. قال أبو يوسف: لا يجوز، وقال محمد: يجوز، واليه ذهب عامة المشايخ " (١). القول الثالث: لا يجوز وقف ذلك مطلقاً. وهذا مقتضى قول أبي حنيفة وتلميذه أبي يوسف بناءً على قولهما في وقف المنقول إذا كان مما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كما تقدم. وهو رواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل والأثرم (٢). قال الزركشي بعد ذكر هذه الرواية: " قال في التلخيص: وهو محمول على رواية وقف المنقول، قلت: ذكر القاضي في التعليق رواية الأثرم وحنبل، ولفظها: لا أعرف الوقف في المال، فإن لم يكن في الرواية غير هذا ففي أخذ المنع منه نظر، والله أعلم " (٣). فيتوقف في صحة هذه الرواية عن الإمام أحمد حسب الكلام المنقول عنه فيها. الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: ١ - عموم أدلة الوقف (٤).

стр. 558

٢ - ما تقدم قريبا من الأدلة على صحة وقف المنقول. (١٧٢) ٣ - ما رواه نافع قال: " ابتاعت حفصة حلياً بعشرين ألفاً، فحبسته على نساء آل خطاب، فكانت لا تخرج زكاته " (١). ويناقش: بأنه لم تثبت صحته؛ لعدم الاطلاع على إسناده كما في توثيقه، بل إن الأمام أحمد أنكره (٢). ٤ - أن الحلي عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها دائماً، فيصح وقفها قياساً على العقار (٣). ٥ - أن الحلي عين يصح تحبيس أصلها وتسبيل الثمرة، فيصح وقفها قياساً على العقار (٤). ٦ - أن في الحلي نفعاً مباحاً مقصوداً، فجاز أخذ الأجرة عليه، وصح وقفه قياساً على وقف السلاح في سبيل الله تعالى (٥). دليل القول الثاني: (الجواز إذا تعامل به الناس) يستدل له بما استدل به في مسألة وقف المنقول الذي يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، وقد سبق مناقشته. دليل القول الثالث: (عدم الجواز) ١ - ما تقدم من الدليل على عدم جواز وقف المنقول وتقدمت مناقشته. ٢ - أن التحلي ليس هو المقصود الأصلي من الأثمان، فلم يصح وقفها عليه، كما لو وقف الدراهم والدنانير.

стр. 559

نوقش هذا الاستدلال من ثلاثة وجوه: الأول: أن عدم جواز وقف الدراهم والدنانير ليس محل اتفاق، كما في مسألة وقف النقود. الثاني: أنه وإن سلم أن التحلي ليس المقصود الأصلي لكنه من المقاصد المهمة، وقد اعتبره الشرع في إسقاط الزكاة عن متخذه، وجوز إجارته لذلك. الثالث: على تقدير التسليم بعدم جواز وقف الدراهم والدنانير، فإن القياس عليها هنا قياس مع الفارق، فإن الدراهم والدنانير لم تجر العادة بالتحلي به، ولا اعتبره الشارع في إسقاط زكاته، ولا ضمان منفعته في حال الغصب، بخلاف الحلي كما تقدم. الترجيح: الراجح -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بجواز وقف الحلي للبس والعارية؛ لما تقدم من مرجحات في وقف المنقول. المطلب العاشر: الشرط العاشر: اشتراط كون الموقوف غير كتب وفيه مسائل: المسألة الأولى: وقف المصحف. وقف المصحف على غير المسلم. باتفاق الأئمة الأربعة على عدم جواز وقف المصحف على غير المسلم.

стр. 560

فالحنفية قالوا: بعدم جواز إبقاء المصحف في يد غير المسلم ولو كان أخذه بعقد البيع (١). والمالكية قالوا: بعدم جواز بيع المصحف على غير المسلم (٢)، فكذلك وقفه عليه. وبه قال الشافعية (٣)، وهو قول الحنابلة، حيث قالوا: بعدم بيعه له (٤)، فكذلك وقفه عليه. (١٧٣) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو" (٥). وفي رواية: "مخافة أن يناله العدو" (٦). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار، وعلل ذلك بمخافة وقوعه في أيديهم، وفي وقفه على غير المسلم إيقاع له في يده، فلا يجوز. ٢ - أن في ملكية الكافر للمصحف إهانة له وابتذالاً، فلا يجوز إيقاعها بالوقف، بل الواجب إخراجه عن ملكه إذا وقع فيه (٧).

стр. 561

وأما وقف المصحف على المسلم: فاختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز وقفه مطلقاً. وبه قال المالكية، حيث قالوا بجواز وقف الكتب عموماً (١)، فيدخل في ذلك المصحف، وبه قال الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، قال في المبدع بعد كلامه على وقف المنقول: " … ويستثنى منه وقف المصحف، فإنه يصح رواية واحدة" (٤). قال النووي: "يجوز وقف العقار والمنقول كالعبيد والثياب والدواب والسلاح والمصاحف والكتب سواء المقسوم والمشاع " (٥). القول الثاني: يجوز وقفه إذا تعارف الناس عليه وتعاملوا به. وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وعليه العمل والفتوى عندهم (٦). جاء في الفتاوى الهندية: " ثم وقف المصحف إذا وقفه على أهل المسجد يقرؤونه إن يحصون يجوز، وإن وقف على المسجد يجوز أن يقرأ في

стр. 562

هذا المسجد، وذكر في بعض المواضع لا يكون مقصورا على هذا المسجد كذا في الوجيز للكردري " (١). القول الثالث: لا يجوز وقفه مطلقاً. وبهذا قال أبو حنيفة، وتلميذه أبو يوسف (٢). قال الزيلعي: " (ومنقول فيه تعامل) كالكراع، والخف، والسلاح، والفأس والمرو، والقدر والقدوم، والمنشار، والجنازة، وثيابها، والمصاحف، وغير ذلك مما تعورف وقفها، وعند أبي يوسف: لا يجوز إلا في الكراع والسلاح، والقياس أن لا يجوز في المنقول أصلا، إلا أن أبا يوسف ترك ذلك بالنص" (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: (مشروعية وقف المصحف) ١ - ما تقدم من أدلة صحة وقف المنقول، كحديث أبي هريرة ﵁، ووقف خالد بن الوليد ﵁ لأدرعه وأعتده، وحديث أبي هريرة ﵁ فيما في احتباس الفرس في سبيل الله من الأجر (٤)، وغيرهما. ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثة، أو مسجداً بناه، أو مسجداً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته " (٥).

стр. 563

فقالوا: إن ما عدا السلاح والحيوان ومنه المصحف مقيس عليه؛ لأن فيه نفعاً مقصوداً، فيجوز وقفه (١). ٣ - أنه ليس في وقف المصحف اعتياض عنه، فيجوز (٢). أدلة القول الثاني: (الجواز إذا تعامل به الناس) ظاهر قوله الاستدلال بما سبق استدلاله به في مسألة وقف المنقول إذا كان مما ينتفع به مع بقاء عينه، وقد تقدم مع مناقشته. أدلة القول الثالث: (عدم الجواز) استدل لهذا الرأي بما استدل به في مسألة وقف المنقول إذا كان مما يتعامل به الناس، وقد تقدم مع مناقشته. الترجيح: الراجح في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بجواز وقف المصحف؛ لقوة ما استدلوا به، ويحصل بوقفه خير كثير، ونفع عظيم لسائر الناس، من تيسير تلاوته وحفظه الذي تواترت الأدلة من الكتاب والسنة في الحث عليهما. المسألة الثانية: وقف الكتب الشرعية. أما وقف الكتب المحرمة: مثل: الكتب السماوية المحرفة، كالتوراة والإنجيل، وكتب الإلحاد والزندقة، وكتب البدع والخرافات، والكتب والصحف، والمجلات التي تحارب الإسلام وعقيدته وتدعو إلى الشر والفساد على اختلاف طرقها وأساليبها، إلى غير ذلك.

стр. 564

فباتفاق الأئمة الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة عدم جواز وقفها، حيث اشترطوا في الوقف أن لا يكون على محرم (١)، ومقتضى مقصود الوقف الإجماع على عدم جوازه عليها. والدليل على ذلك: ١ - أن الوقف عمل يقصد به القربة والطاعة، والقربة لا تكون بفعل المعصية، بل بفعل الطاعة (٢). فالقراءة معصية بدليل: (١٧٤) ما رواه أحمد من طريق مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه النبي ﷺ ، فغضب، فقال: "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى ﵇ كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني" (٣).

стр. 565

قال في المغني بعد ذكر هذا الحديث: "ولولا أن ذلك معصية ما غضب منه" (١). ٢ - أن وقف هذه الكتب فيه إعانة على الإثم والعدوان، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢)، والوقف إنما شرع للتقرب بالطاعة، فهما متضادان (٣).
следующие страницы →