← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وأما وقف المصحف على المسلم: فاختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز وقفه مطلقاً. وبه قال المالكية، حيث قالوا بجواز وقف الكتب عموماً (١)، فيدخل في ذلك المصحف، وبه قال الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، قال في المبدع بعد كلامه على وقف المنقول: " … ويستثنى منه وقف المصحف، فإنه يصح رواية واحدة" (٤). قال النووي: "يجوز وقف العقار والمنقول كالعبيد والثياب والدواب والسلاح والمصاحف والكتب سواء المقسوم والمشاع " (٥). القول الثاني: يجوز وقفه إذا تعارف الناس عليه وتعاملوا به. وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وعليه العمل والفتوى عندهم (٦). جاء في الفتاوى الهندية: " ثم وقف المصحف إذا وقفه على أهل المسجد يقرؤونه إن يحصون يجوز، وإن وقف على المسجد يجوز أن يقرأ في

стр. 562

هذا المسجد، وذكر في بعض المواضع لا يكون مقصورا على هذا المسجد كذا في الوجيز للكردري " (١). القول الثالث: لا يجوز وقفه مطلقاً. وبهذا قال أبو حنيفة، وتلميذه أبو يوسف (٢). قال الزيلعي: " (ومنقول فيه تعامل) كالكراع، والخف، والسلاح، والفأس والمرو، والقدر والقدوم، والمنشار، والجنازة، وثيابها، والمصاحف، وغير ذلك مما تعورف وقفها، وعند أبي يوسف: لا يجوز إلا في الكراع والسلاح، والقياس أن لا يجوز في المنقول أصلا، إلا أن أبا يوسف ترك ذلك بالنص" (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: (مشروعية وقف المصحف) ١ - ما تقدم من أدلة صحة وقف المنقول، كحديث أبي هريرة ﵁، ووقف خالد بن الوليد ﵁ لأدرعه وأعتده، وحديث أبي هريرة ﵁ فيما في احتباس الفرس في سبيل الله من الأجر (٤)، وغيرهما. ٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً علّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، ومصحفاً ورثة، أو مسجداً بناه، أو مسجداً لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته " (٥).

стр. 563

فقالوا: إن ما عدا السلاح والحيوان ومنه المصحف مقيس عليه؛ لأن فيه نفعاً مقصوداً، فيجوز وقفه (١). ٣ - أنه ليس في وقف المصحف اعتياض عنه، فيجوز (٢). أدلة القول الثاني: (الجواز إذا تعامل به الناس) ظاهر قوله الاستدلال بما سبق استدلاله به في مسألة وقف المنقول إذا كان مما ينتفع به مع بقاء عينه، وقد تقدم مع مناقشته. أدلة القول الثالث: (عدم الجواز) استدل لهذا الرأي بما استدل به في مسألة وقف المنقول إذا كان مما يتعامل به الناس، وقد تقدم مع مناقشته. الترجيح: الراجح في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بجواز وقف المصحف؛ لقوة ما استدلوا به، ويحصل بوقفه خير كثير، ونفع عظيم لسائر الناس، من تيسير تلاوته وحفظه الذي تواترت الأدلة من الكتاب والسنة في الحث عليهما. المسألة الثانية: وقف الكتب الشرعية. أما وقف الكتب المحرمة: مثل: الكتب السماوية المحرفة، كالتوراة والإنجيل، وكتب الإلحاد والزندقة، وكتب البدع والخرافات، والكتب والصحف، والمجلات التي تحارب الإسلام وعقيدته وتدعو إلى الشر والفساد على اختلاف طرقها وأساليبها، إلى غير ذلك.

стр. 564

فباتفاق الأئمة الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة عدم جواز وقفها، حيث اشترطوا في الوقف أن لا يكون على محرم (١)، ومقتضى مقصود الوقف الإجماع على عدم جوازه عليها. والدليل على ذلك: ١ - أن الوقف عمل يقصد به القربة والطاعة، والقربة لا تكون بفعل المعصية، بل بفعل الطاعة (٢). فالقراءة معصية بدليل: (١٧٤) ما رواه أحمد من طريق مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه النبي ﷺ ، فغضب، فقال: "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى ﵇ كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني" (٣).

стр. 565

قال في المغني بعد ذكر هذا الحديث: "ولولا أن ذلك معصية ما غضب منه" (١). ٢ - أن وقف هذه الكتب فيه إعانة على الإثم والعدوان، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢)، والوقف إنما شرع للتقرب بالطاعة، فهما متضادان (٣).

стр. 566

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ (١): " وقف كتب الحكايات التي ليس فيها محرم لا يصح؛ لأنه ليس فيها ما يقرب إلى الله، ولو وقف وقفاً على من يتلف الكتب المحرمة لكان وقفاً صحيحاً (٢). أما وقف كتب العلم الشرعي وما يعين عليه: مثل كتب التفسير، والحديث، والعقيدة، والفقه، والدعوة، ونحوها. ومثل الكتب التي تعين على فهم العلوم الشرعية: كتب اللغة العربية (٣)، ونحوها. وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه الكتب على ثلاثة أقوال: القول الأول: يشرع وقفها مطلقاً. وقال به بعض الحنفية، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، والظاهرية (٧). جاء في الفتاوى الهندية: " واختلف الناس في وقف الكتب: جوزه الفقيه أبو الليث، وعليه الفتوى " (٨).

стр. 567

قال النووي: " يجوز وقف العقار والمنقول، كالعبيد والثياب والدواب والسلاح والمصاحف والكتب سواء المقسوم والمشاع " (١). القول الثاني: يجوز وقفها إذا تعارف الناس عليه وتعاملوا به. وبهذا قال محمد بن الحسن من الحنفية، وعليه الفتوى عندهم (٢). القول الثالث: لا يجوز وقفها مطلقاً. وبهذا قال الإمام أبو حنيفة، وبعض أصحابه (٣). وفي قول للمالكية: عدم صحة وقف الكتب الشرعية (٤). وفي رواية عن الإمام أحمد: عدم صحة وقف الكتب الشرعية عدا المصحف. قال الزيلعي: " (ومنقول فيه تعامل) كالكراع، والخف، والسلاح، والفأس والمرو، والقدر والقدوم، والمنشار، والجنازة، وثيابها، والمصاحف، وغير ذلك مما تعورف وقفها، وعند أبي يوسف: لا يجوز إلا في الكراع والسلاح، والقياس أن لا يجوز في المنقول أصلا، إلا أن أبا يوسف ترك ذلك بالنص " (٥). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: ١ - استدلوا بما استدل به القائلون بجواز وقف المنقول إذا كان مما

стр. 568

ينتفع به مع بقاء عينه، كحديث أبي هريرة ﵁ في وقف خالد بن الوليد ﵁ لأدرعه وأعتده، وحديث أبي هريرة -أيضا ﵁ في احتباس الفرس في سبيل الله من الأجر (١) وغيرهما. فقالوا: إن ما عدا السلاح والحيوان ومنه كتب العلم مقيس عليه؛ لأن فيها نفعاً مشروعاً فيجوز وقفه (٢). حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله "، وفي رواية للبخاري " وأعتده " (٣). وجه الاستدلال من الحديث: قال الخطابي: " الأعتاد ما يعده الرجل من المركوب والسلاح وآلة الجهاد " ويقاس على ذلك كل ما جاز بيعه، وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، وكان أصلاً يبقى بقاء متصلاً كالكتب والسلاح والأثاث؛ لأنه يحصل فيه تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فصح وقفه " (٤). وأجيب: أن حديث خالد لا حجة فيه؛ لأنه ليس فيه أنه وقف ذلك، فاحتمل قوله: " احتبس " أي أمسكها للجهاد لا للتجارة (٥). ٢ - ما رُوي عن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعاً وموقوفاً: " ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن " (٦). وجه الاستدلال من الأثر: أن القياس قد يُترك بتعامل الناس وتعارفهم

стр. 569

كما في الاستصناع، وقد وُجد التعامل في هذه الأشياء "الكتب والأثاث والسلاح" فصح وقفها، مع أن القياس والأصل عدم صحة وقف المنقول؛ لأن التأبيد لا يتحقق فيه، بخلاف ما لا تعامل فيه من المنقولات، فلا يصح وقفها كثيابٍ ومتاعٍ (١). وأجيب: أن القياس إنما يترك بالنص، والنص إنما جاء في الكراع والسلاح فيقتصر عليهما، ووجه القياس: أنه يشترط التأبيد في الموقوف وهو لا يتحقق في المنقول (٢). ٣ - لأنه يصح وقف هذه الكتب مع غيرها، فصح وقفها وحدها كالعقار (٣). أدلة أصحاب القول الثاني: (يجوز وقفها إذا تعامل به الناس) استدل له بما استدل به في مسألة وقف المنقول إذا كان مما يتعامل به الناس. القول الثالث: (عدم الجواز مطلقاً) استدل له بما استدل به من قال بعدم الجواز في مسألة وقف المنقول مطلقاً، وقد تقدمت مناقشتها. لأن من شرط الموقوف أن يتأبد والتأبيد لا يتحقق في الكتب وسائر المنقولات،

стр. 570

والقاعدة: " أنه لا يجوز وقف ما ينقل ويحول على الإطلاق مقصوداً أو تبعاً، تعامل الناس فيه أو لا " (١). وأجيب: الصحيح أن الكتب تحبس ليقرأ فيها، لا فرق بينها وبين الخيل تحبس ليغزو عليها (٢)، فيتحقق في الكتب معنى الوقف وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة كالعقار، والأراضي والدور، وكل ما يجوز الانتفاع به مع بقاء عينه وكان أصلاً يبقى بقاء متصلاً (٣). الترجيح: الراجح في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بجواز وقف الكتب؛ لقوة ما استدلوا به، وفي وقفها خير كثير للناس ولصاحبها، وهو طريق واسع إلى نشر العلم الذي حث عليه الشارع ورغب فيه. قال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عن ذلك: " وأما كتب فيها أشياء جزئية من غلط، فالوقف عليها صحيح؛ لأن العصمة إنما هي للرسول ﷺ ، ولو قيل: إنه لا يصح إلا على ما ليس فيه غلط لأفضى ذلك إلى أن لا يصح وقف أصلاً " (٤). المسألة الثالثة: وقف الكتب المباحة. يظهر أنه يلحق بالكتب الشرعية في مشروعية وقفها الكتب العلمية المباحة ككتب الطب، والهندسة، والرياضيات، والكيمياء، ونحوها مما لا يشتمل على مخالفة لتعاليم الإسلام؛ لما فيها من المصلحة المادية الظاهرة

стр. 571

للمسلمين، والاستغناء بتعلمها عن الحاجة لغيرهم في هذه المجالات، خاصة في هذا العصر الذي ازدادت فيه أهميتها نظراً لما يشهده العالم من تطور فيها، واعتماد عليها بعد الله في المجالات الاقتصادية وغيرها، والله أعلم. المطلب الحادي عشر: الشرط الحادي عشر: أن لا يكون الموقوف حيواناً (وقف الحيوان) وفيه مسائل: المسألة الأولى: وقف ما لا نفع فيه من الحيوان: إذا وقف حيواناً لا نفع فيه كبهيمة زمنى، أو سبع غير معلم، فإنه لا يصحّ وقفه باتفاق العلماء؛ إذ تقدم لنا أن جمهور العلماء يرون أن ما يصح وقفه هو ما يصح بيعه، وأن شيخ الإسلام يرى أن ما يصح وقفه هو ما يصح عاريته (١)، وما لا ينتفع به لا يصح بيعه ولا عاريته؛ لانتفاء المقصود منه. المسألة الثانية: وقف ما فيه نفع من الحيوان: اختلف العلماء ﵏ في وقف ما فيه منفعة من الحيوان، كوقف الخيل للجهاد، والحمر لنقل الفقراء، والإبل لحمل الأثقال، والسبع المعلم غير الكلب، والفحل للضراب، على أقوال: القول الأول: جواز وقف الحيوان مطلقا.

стр. 572

وهو المعتمد عند المالكية (١)، وبه قال الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). في حاشية العدوي: "وكذا يجوز وقف الحيوان والعروض، وفي وقف الطعام الذي تطول إقامته كالقمح ووقف الدَّنَانير والدَّراهم تَرَدُّدٌ " (٤). وفي الوسيط: "الركن الأول في الموقوف، وشرطه أن يكون مملوكا … أما قولنا: مملوكا عممنا به العقار والمنقول، والحيوان، والشائع والمفرز" (٥). وفي المغني: " وجملة ذلك: أن الذي يجوز وقفه ما جاز بيعه، وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، وكان أصلا يبقى بقاء متصلا كالعقار والحيوانات والسلاح والأثاث " (٦). القول الثاني: جواز وقف الحيوان تبعا للعقار، وأما استقلالا فيجوز وقف الكراع -وهو: الخيل والإبل والبغال والحمير والثيران التي يحمل عليها- وكل ما جرى به تعامل. وهو الصحيح من مذهب الحنفية (٧). القول الثالث: جواز وقف الحيوان تبعاً للعقار، وأما استقلالاً فيجوز وقف الكراع دون غيره.

стр. 573

وبه قال أبو يوسف من الحنفية (١). القول الرابع: جواز وقف الخيل للجهاد دون غيرها. وبه قال بعض المالكية (٢). القول الخامس: عدم جواز وقف الحيوان مطلقا. وبه قال أبو حنيفة (٣)، وهو رواية عن الإمام مالك (٤)، وبه قال بعض المالكية، ورواية عن الإمام أحمد (٥)، ومنع الحارثي هذه الرواية، وجعل المذهب رواية واحدة. الأدلة: أدلة القول الأول: (جواز وقف الحيوان) ١ - عمومات أدلة مشروعية الوقف، ويدخل في ذلك وقف الحيوان. ٢ - ما تقدم قريبا من الأدلة على مشروعية وقف المنقول، ويدخل في ذلك وقف الحيوان. ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من احتبس فرساً في سبيل الله، إيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة " (٦). ٤ - أن امرأةً قالت لزوجها: أحجني مع رسول الله ﷺ على جملك، فقال: ما عندي ما أحجك عليه، قالت: أحجني على جملك فلان، قال:

стр. 574

ذلك حبيس في سبيل الله ، فأتى رسول الله ﷺ فسأله، فقال: " أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله " (١). ٥ - أن الحيوان عين يصح عاريتها، فيصح وقفها. ٦ - أن الحيوان أصل يبقى ويصح الانتفاع به فصح وقفه؛ لأنه موف بحكمة الوقف كالعقار (٢). ٧ - أن الحيوان عين يجوز بيعها، وينتفع بها دائما مع بقائها، وكل ما جاز بيعه وأمكن الانتفاع به مع بقاء أصله جاز وقفه (٣). دليل القول الثاني: استدل من قال بجواز وقف الحيوان تبعا للعقار، وجواز وقفه استقلالا إذا كان كراعا أو مما جرى به التعامل: أولاً: استدلوا على الجواز في الكراع بالاستحسان، ووجهه الأحاديث الواردة في ذلك ومنها (٤): ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة منع خالد بن الوليد وصاحبيه ﵁ الزكاة من قول النبي ﷺ عن خالد: "قد احتبس أدرعه وأعتده في سبيل الله" (٥). وقد تقدم أن "أعتده" يدخل فيها الدواب والسلاح، بل قيل: المقصود بها الخيل خاصة. وما رواه أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من احتبس فرساً في

стр. 575

سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزان حسناته" (١). كما يصلح الاستدلال لهم ببقية ما استدل به أصحاب القول الأول مما جاء في وقف الحيوان كحديث ابن عباس ﵁ وابن عمر ﵄، وأم عقيل ﵂، وما جاء في وقف الكراع والسلاح كحديث عمر ﵁. ثانياً: واستدلوا على جواز وقف جميع ما تعارف الناس على وقفه وتعاملوا به: ما تقدم من الدليل على جواز وقف جميع ما تعارف الناس على وقفه وتعاملوا به من وقف المنقول، وتقدم مناقشته. ثالثاً: وأما جواز وقف الحيوان تبعا للعقار: فلأنه لما جاز إفراد الحيوان بالوقف إذا كان كراعا أو كان مما جرى العمل على وقفه، فلأن يجوز وقفه تبعا للعقار من باب أولى (٢). وتقدم مناقشة هذا الدليل في مبحث وقف المنقول. دليل القول الثالث: ١ - ما تقدم من الدليل في القول الثاني على صحة وقف الكراع. ٢ - ما تقدم من الدليل في القول الثاني على صحة وقف الحيوان تبعا للعقار. ونوقش: بما نوقش به دليل القول الثاني. دليل القول الرابع: يستدل للقول بجواز وقف الخيل للجهاد دون غيرها بأن الأدلة على جواز وقف الحيوان جاءت في الخيل خاصة، وقد تقدمت قريباً.

стр. 576

ونوقشت هذه الأدلة من وجهين: الوجه الأول: ما تقدم من أن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات، وأن ورود النص في الكراع لا يمنع من نفوذه غيره مما فيه منفعة من الحيوان قياساً. الوجه الثاني: أن النص ورد في غير الخيل، كما سبق في أدلة الرأي الأول. أدلة القول الخامس: (عدم جواز وقف الحيوان) يستدل للمنع من وقف الحيوان مطلقا بما يأتي: ١ - أن النص إنما ورد في العقار، فيقتصر عليه. ونوقش: بعدم التسليم؛ فالنص ورد أيضا في وقف الحيوان كما في أدلة الرأي الأول. ٢ - أن الوقف إنما يراد للدوام، والتأبيد لا يمكن إلا في العقار، فلم يجز في غيره مما لا يدوم كالحيوان (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بأن الوقف فيما يدوم ويتأبّد؛ بدليل صحة وقف المنافع، وما يفنى باستهلاكه من الأعيان، وقد تقدم مناقشة هذه الدعوى في مبحث وقف المنقول. الوجه الثاني: أنه اجتهاد في مقابلة النص، فيكون فاسد الاعتبار. الترجيح: الراجح -والله أعلم- مشروعية وقف ما فيه منفعة من الحيوان؛ لقوة دليله، وضعف دليل المخالف بمناقشته، ولأن الأصل أن الوقف فعل خير وقربة، فيكثر منه، ويحثّ عليه.

стр. 577

المسألة الثالثة: وقف الكلب الذي يباح إقتناؤه. المقصود به: ما جاء في الشرع جواز الانتفاع فيه، ولم يجز المعاوضة عليه. وهو كلب الصيد، أو الحرث، أو الماشية. وقد اختلف الفقهاء في حكم وقفه على قولين: القول الأول: يجوز وقف الكلب المعلم. وهو قول المالكية (١)، وقول للشافعية مخرج من جواز إجارته (٢)، وقول للحنابلة مخرج من جواز إعارته (٣). وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث جاء في الاختيارات: "ويصح وقف الكلب المعلم … " (٤). القول الثاني: لا يجوز وقفه. وهذا هو مقتضى قول الحنفية حيث قالوا: بعدم جواز وقف المنقول الذي ينتفع به مع بقاء عينه. وبه قال الشافعية في الأصح عندهم (٥)، وهو القول الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٦).

стр. 578

الأدلة: استدل القائلون بجواز وقف الكلب المعلم بما يلي: ١ - عموم أدلة الوقف (١). وهذه تشمل وقف الكلب. ٢ - الأدلة الدالة على شرعية وقف المنافع (٢). ويدخل في هذا منفعة الكلب. ٣ - ما تقدم من الأدلة على جواز وقف المختصات (٣). (١٧٥) ٤ - ما رواه النسائي من طريق حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ : " نهى عن ثمن الكلب والسنّور، إلا كلب صيد " (٤). (منكر).

стр. 579

(١٧٦) ٥ - ما رواه الترمذي من طريق حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة ﵁ قال: " نهي عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد " (١). وجه الدلالة من الحديثين: أنهما دالان على جواز بيع الكلب المعلم، وإذا جاز البيع جاز الوقف. ٦ - أن الشارع أذن في الانتفاع به، ومقتضى ذلك جواز وقفه. ٧ - القياس على الإجارة، فكما تجوز إجارة الكلب المعلم يجوز وقفه (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الأصل المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم، فأكثرهم على عدم الجواز (٣). ٨ - القياس على الإعارة فكما تجوز إعارته يجوز وقفه (٤). أدلة الرأي الثاني: استدل لهذا الرأي بما يلي: (١٧٧) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب،

стр. 580

عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ : " نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن " (١). وجه الدلالة: أن الشارع نهى عن بيعه، فدل على عدم جواز وقفه. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: بالفرق بين عقود التبرعات والمعاوضات؛ إذ إن عقود التبرعات أوسع كما سبق. الوجه الثاني: أنه لا يلزم من عدم جواز البيع عدم جواز الوقف؛ إذ إن ضابط ما يصح وقفه هو كل ما تصح إعارته، كما سبق تقريره (٢). ٢ - أن الانتفاع بالكلب خلاف الأصل للضرورة، فلم يجز التوسع فيها (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذه دعوى تحتاج إلى دليل. وقوله: " فلم يجز التوسع فيها " استدلال في محل النزاع. ٣ - القياس على البيع، بجامع نقل الملكية في كل منهما، فكما أنه لا يجوز بيعه لا يجوز وقفه (٤). يناقش هذا الدليل من وجهين: الأول: أن من الفقهاء من يرى جواز بيعه كالحنفية، والإمام مالك في رواية، ويخص النهي عنه بغير المعلم منها، فليس الأمر محل اتفاق.

стр. 581

الثاني: مع التسليم بعدم جواز بيعه، فإن المانع من البيع هو المعاوضة على العين، ولا معاوضة عليها في الوقف، فيكون قياساً مع الفارق. ٤ - أن الكلب ليس بمال مملوك للواقف، فلا يجوز وقفه (١). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنه يسلم أنه ليس مالاً، بل هو مختص، والمختصات يختص بها صاحبها، فصح التبرع بمنفعتها. الوجه الثاني: أن الوقف ليس فيه تمليك للعين الموقوفة حتى يتطلب الملكية السابقة، وإنما المقصود منه تسبيل المنفعة، وهي موجودة في الكلب المعلم. الترجيح: الراجح -والله أعلم- مشروعية وقف الكلب المعلم؛ لقوة دليله، ولأن الأصل شرعية الوقف، والإكثار منه؛ إذ هو قربة، فلا يمنع منه إلا بدليل. المسألة الرابعة: وقف الفحل للضّراب (٢). الفحل: هو الذكر من الحيوان سواء الإبل أو البقر أو الغنم، ويقصد به الإنزاء على الأنثى من جنسه للحصول على نسله. وقد اختلف الفقهاء في حكم وقفه على قولين: القول الأول: يجوز وقفه لذلك. وهو قول المالكية، وبه قال الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: لا يجوز وقفه لذلك.

стр. 582

وبهذا قال الحنفية، وهو غير متعارف عليه عندهم (١). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - ما تقدم من الأدلة على مشروعية الوقف. ٢ - أدلة وقف المنقول (٢). ٣ - أن الوقف قربة يحتمل فيها ما لا يحتمل في المعاوضات كالإجارة، فيجوز في الفحل للضراب (٣). دليل القول الثاني: (عدم الجواز) أن وقف الفحل للضراب ليس بقربة مقصودة، وليس فيه عرف ظاهر، فلا يجوز (٤). ويناقش: بأنه وإن يكن ذات الضراب قربة مقصودة إلا أن الوقف له قربة من حيث الجملة؛ لما فيه من نفع الناس ودفع حاجتهم وإعانتهم على طلب الرزق، فليس كل صاحب ماشية لديه القدرة على شراء فحل لطرق ماشيته، وقد تكون قليلة من حيث العدد، كما أنه قد يريد الحصول على نسل فحل معين لتميزه، ولذلك جازت العارية فيه (٥)، بل جعله الشارع من الحق الذي يجب علي صاحب الماشية بذله لمن يحتاجه (١٧٨) روى مسلم من طريق أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من صاحب إبل،

стр. 583

لا يفعل فيها حقها، إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت قط ..... ، وقال أبو الزبير: سمعت عبيد بن عمير يقول: قال رجل: يا رسول الله، ما حق الإبل؟ قال: «حلبها على الماء، وإعارة دلوها، وإعارة فحلها، ومنيحتها، وحمل عليها في سبيل الله» (١). كما جاءت الأدلة متواترة من الكتاب والسنة في الحث على بذل الخير ونفع الناس. وأما عدم العرف فيه فهذا -أي اعتبار العرف في وقف المنقول- رأي لهم لا يوافقون عليه، وقد سبق ذكره وأدلته ومناقشتها. الترجيح: الراجح في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بجواز وقف الفحل للضراب؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الوقف فعل خير وقربة، فيكثر منه.

стр. 584

المطلب الثاني عشر: الشرط الثاني عشر: أن يكون الموقوف مفرزاً (وقف المشاع) وفيه مسائل: المسألة الأولى: وقف أحد الشركاء نصيبه من المشاع (١): وصورتها: أن يكون هناك أرض مشتركة بين اثنين مثلا، فيقف أحدهما نصيبه على أولاده، أو على الفقراء. ومثله: أن يقف جزءاً مشاعاً من ملكه. وقد اختلف في حكم هذا الوقف على قولين: القول الأول: صحة هذا الوقف. وبه قال أبو يوسف (٢) من الحنفية، وبعض المالكية (٣)، والشافعية (٤)،

стр. 585

والحنابلة (١)، وابن حزم (٢). وجاء في رمز الحقائق شرح كنز الدقائق (٣): " ولا يتم الوقف حتى يقبض المتولي، وهو قول محمد .. ولا يتم أيضا حتى يفرز، وهو قول محمد أيضا احترز به عن المشاع فإنه لا يجوز وقفه، وعند أبي يوسف يجوز .. وأما ما لا يحتم القسمة كالحمام ونحوه، فلا يضره الشيوع ". وجاء في حاشية العدوي على شرح أبي الحسن (٤): " ويصح وقف المشاع إن كان مما يقبل القسمة … وإن كان لا يقبل القسمة، فهل يصح أم لا؟ قولان مرجحان … ". وجاء في الإنصاف (٥) قوله: " (وصح وقف المشاع) هذا المذهب نص عليه، وعليه الأصحاب قاطبة ". وجاء في البيان (٦): "ويصح وقف المشاع". القول الثاني: أن وقف المشاع لا يصح إن كان مما لا يقبل القسمة. وهو قول المالكية (٧). القول الثالث: أن وقف المشاع المقارن وقت الوقف، ووقت القبض

стр. 586

لا يصح إن كان مما يقبل القسمة، ويصح إن كان مما لا يقبلها، وإن كان الشيوع طارئاً، أو وقت الوقف فقط صحّ الوقف. وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وتبعه طائفة منهم (١). الأدلة: أدلة القول الأول: (صحة وقف المشاع) استدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٢). وجه الاستدلال: أن الله سبحانه أوجب نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول إلا أن يوجد الحط من الزوجات عن النصف ويقتضي أن لها نصفه مشاعاً (٣)، وهذا في الإسقاط، فكذا الوقف بجامع التبرع. ونوقش: بأن الآية لا حجة فيها؛ لأن المراد من الفرض الدين لا العين ألا ترى أنه قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، والعفو إسقاط، وإسقاط الأعيان لا يعقل (٤). ويُجابُ عن ذلك: بالمنع؛ إذ معنى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي إلا أن يتركن شطر ما جعل للمرأة من المهر (٥).

стр. 587

ومن المعلوم أن المهر لا يلزم أن يكون دينا، بل يصح أن يكون عينا من عقار وغيره، فإذا جعل مهرها عقارا ثم طلقها قبل الدخول فلها نصفه مشاعا، فإذا عفت عنه فقد وهبته إياه مشاعاً (١)، والوقف كالهبة بجامع أن كلا منهما تبرع. ٢ - ما روى ابن عمر ﵁ قال: قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : إن المئة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالا قط أعجب إلي منها قد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي ﷺ : "احبس أصلها، وسبل ثمرتها" (٢). وجه الاستدلال: أن عمر ﵁ أراد التصدق بسهامه التي بخيبر -وهي مشاعة- مع غيره فأمره النبي ﷺ بوقفها (٣). ونوقش من وجوه: الوجه الأول: أنه يحتمل أن عمر وقف المئة سهم قبل القسمة، ويحتمل أنه بعدها، فلا يكون حجة مع الشك. ويجاب عنه: بالمنع؛ لأن عمر ﵁ لما استشار النبي ﷺ في وقف المئة سهم كانت مشاعة، وأشار عليه النبي ﷺ بوقفها وهي كذلك ولم يأمره بالقسمة ولا علق حكم الوقف عليه، فدل ذلك على جواز وقف المشاع، والدليل على أنها كانت مشاعة: أن عمر ﵁ لما كتب كتاب وصيته ذكر فيه " هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغاً وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه والمئة سهم الذي بخيبر … تليه حفصة ما عاشت … " (٤).

стр. 588

فذكر ثمغاً باسمها ولم يذكر غيرها إلا المئة سهم، وهذا يشعر بكون السهام مشاعا غير مقسومة وقت الكتابة، وهذا هو الظاهر المتبادر منه، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان (١). الوجه الثاني: أنه إن ثبت الوقف قبل القسمة، فيحمل أنه وقفها شائعا ثم قسم وسلم (٢). ويجاب عنه: بأن هذا الحمل دعوى لا دليل عليها، بل الدليل بخلافها، وهو: أن خيبر لم تقسم في حياة النبي ﷺ ، بل كانت مشاعا، وعمر وقف في حياة النبي ﷺ ، والدليل على أنها لم تقسم وإنما قسمت في خلافة عمر ﵁: (١٧٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: " أعطى رسول الله ﷺ خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه كل سنة مئة وسق ثمانين وسقا من تمر، وعشرين وسقا من شعير، فلما ولي عمر قسم خيبر ...... " الحديث (٣). الوجه الثالث: قال ابن حجر: "لم أجد صريحا أن المئة سهم كانت مشاعا، بل في مسلم ما يشعر بغير ذلك، فإنه قال: " إن المال المذكور يقال له ثمغ وكان نخلاً " (٤). ويجاب عنه: بأن ثمغا غير المئة سهم المذكورة، ويدل على ذلك أمران:

стр. 589

أحدهما: كتاب صدقة عمر ﵁ المتقدم- فإن فيه التصريح بثمغ، وبالمئة سهم، وهذا يدل على تغايرهما. (١٨٠) الثاني: ما أخرجه الإمام أحمد من طريق حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ أصاب أرضا من يهود بني حارثة يقال لها: ثمغ، فقال: يا رسول الله، إني أصبت مالا نفيسا، أريد أن أتصدق به، قال: " فجعلها صدقة لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، يليها ذوو الرأي من آل عمر ..... " (١). وبنو حارثة يهود كانوا يسكنون تلقاء المدينة (٢). والمئة السهم إنما كانت بخيبر، وهذا يدل على تغايرهما. ٣ - حديث كعب بن مالك ﵁، وفيه: قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، قال: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك "، قلت: أمسك سهمي الذي بخيبر " (٣). وجه الاستدلال: أن قوله ﷺ : "أمسك عليك بعض مالك" ظاهر في أمره بإخراج بعض ماله وإمساك بعض ماله، من غير تفصيل بين أن يكون مقسوماً أو مشاعاً، فيحتاج من منع وقف المشاع إلى دليل المنع (٤).

стр. 590

٤ - ما روى أنس ﵁ قال: أمر النبي ﷺ ببناء المسجد فقال: " يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا ". قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله (١). وجه الاستدلال: أن ظاهر الحديث يدل على أنهم تصدقوا بالأرض المشاعة لله ، فقبل النبي ﷺ ذلك منهم (٢). ونوقش: بأن الحديث لا دلالة فيه على وقف المشاع على أصل محمد بن الحسن؛ لأن المانع من الوقف -عنده- تعذر القبض، وهو هنا ممكن؛ لأن الكل صدقة والقبض من الوالي في الكل وجد جملة واحدة فهو كما لو تصدق بها رجل واحد (٣). لكن روى الواقدي: " أن أبا بكر دفع ثمن الأرض لمالكها منهم - وقدره عشرة دنانير " (٤). وأجيب من وجهين: أحدهما: أن الأثر ضعيف جداً؛ لأن الواقدي متروك (٥). الثاني: لو سلم بثبوته فالحجة من الحديث في تقرير النبي ﷺ على ذلك، ولم ينكر قولهم ذلك، فلو كان وقف المشاع لا يجوز لأنكر عليهم وبين لهم الحكم (٦). واعترض: بأن عدم إنكار النبي ﷺ ؛ لأنه لم يتبين له مالك الأرض؛ لأنها كانت لغلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فلما تبين له المالك

стр. 591

ساومهما فقالا: " بل لك يا رسول الله، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجداً " (١). ويرد عليهم: بأن الإنكار -عند عدم الجواز- لا يتعلق بكون الواقف مالكا أو غير مالك؛ لأن رسول الله ﷺ لا يسكت على الباطل، فلما لم يتبين لهم عدم الجواز علمنا صحة الوقف، لا سيما وأنه قد صدر من أولياء اليتيمين وهم يعتبرون أنفسهم في حكم المالكين؛ لأن في بعض طرق الحديث: " أنهم أرضوهما بالمال فأبيا ذلك لما علما أن الرسول ﷺ يريده (٢)، وأرادا أن يكون هذا الفضل من عندهما ". ٥ - وقال البخاري: لقول النبي ﷺ لوفد هوازن حين سألوه المغانم، فقال النبي ﷺ : " نصيبي لكم " (٣). وما جاء أنَّ النبي ﷺ حين جاءه وفد هوازن … قال: " أما بعد، فإن إخوانكم جاؤوا تائبين، وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا، فقال الناس: طيبنا لك " (٤). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ وهب نصيبه من الغنيمة، ونصيبه منها مشاع، والوقف كالهبة بجامع أن كلا منهما تبرع. ونوقش من وجوه: الوجه الأول: أنَّ الرسولَ ﷺ إنما قال ذلك على وجه المبالغة في النهي عن الغلول أي: لا أملك إلا نصيبي فكيف أطيب لك بشيء من الغنيمة،

стр. 592

ألا ترى أنه ليس لواحد من الغانمين أن يهب نصيبه قبل القسمة؛ لأنه لا يدري أين يقع نصيبه، أو كان ذلك مما لا يحتمل القسمة (١). ويُجابُ عنه: بأنَّ هذه مجرد احتمالات لا تنهض في مقابل تصريح النبي ﷺ بهبته لنصيبه، ولأخبر بأنه لا يستطيع هبة نصيبه؛ لأنه غير متميز فلما لم ينقل عنه شيء من ذلك دل على صحة هبة المشاع، وكذا الوقف. أما القول بأنه مما لا يحتمل القسمة فهذا قول ينقصه الدليل الدال على صحة هبة المشاع سواء كان مما يحتمل القسمة أو مما لا يحتملها. الوجه الثاني: أنَّ هذا ليس فيه هبة شرعية، وإنما هو رد سبيهم إليهم على وجه المن عليهم ورد الشيء لصاحبه لا يسمى هبة (٢). ويجاب عنه: بأنَّ هذا غير مُسلَّم؛ لأنَّ النبي ﷺ ملك الغنيمة وأصحابه، بدليل قوله ﷺ : "نصيبي لكم" ولو كان لم يملكها لما قال ذلك، ولما استأذن النبي ﷺ أصحابه في ردِّها لهم. الوجه الثالث: أنَّ النبيَّ ﷺ قَسَمَ الغنيمةَ قبل مجيء وفد هوازن (٣)، وإذا كان كذلك فما رده ﷺ وأصحابه فهو مفرز مقسوم غير مشاع؛ إذ كل واحد من الغانمين رد غنمه إلى صاحبه. (١٨١) ٦ - ما رواه أحمد من طريق يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن طلحه بن عبيد الله، عن عمير بن سلمة الضميري أنَّ رسول الله ﷺ مرّ بالعرج، فإذا هو بحمار عقير فلم يلبث أن جاء

стр. 593

رجل من بهز، فقال: " يا رسول الله هذه رميتي فشأنكم بها، فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر فقسمه بين الرفاق " (١). (إسناده حسن).

стр. 594

وجه الاستدلال: أنَّ البهزيَّ وهب الحمار للرسول ﷺ وأصحابه، وهذه هبة المشاع، والوقف كالهبة بجامع أن كلا منهما تبرع. ونوقش: بأنَّ هذا لم يكن على وجه الهبة بل على وجه الإباحة ولا يؤثر فيها الشيوع، والممتنع هو القسمة على وجه التمليك (١). ويجاب عنه: بأنَّ ظاهرَ قولِ البهزي: " شأنكم بها " يدل على أنه وهبه لهم، أي: افعلوا بهذا الحمار ما تشاؤون فهو ملك لكم. (١٨٢) ٧ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق زهدم، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ في رهط من الأشعريين نستحمله (٢)، فقال: " والله لا أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه "، قال: فلبثنا ما شاء الله، ثم أتي بإبل، فأمر لنا بثلاث ذود (٣) غر الذرى " (٤).

стр. 595

ووجه الاستدلال به: أن النبي ﷺ وهب الأشعريين ثلاثا من الإبل مشاعة بينهم (١)، والوقف كالهبة بجامع أن كلاهما تبرع. (١٨٣) ٨ - ما رواه البخاري من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ أن النبي ﷺ أتي بشراب فشرب وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: " إن أذنت لي أعطيت هؤلاء " فقال: ما كنت لأوثر بنصيبي منك يا رسول الله أحداً، فتلّه (٢) في يده (٣). وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ سألَ الغلام أن يهب نصيبه للأشياخ، وكان نصيبه منه مشاعاً غير متميز، فدلَّ ذلك على صحَّةِ هبةِ المُشَاعِ (٤)، وكذا الوقف بجامع التبرّع. ونوقش: بأنَّ الحديثَ ليس فيه ما يدل على هبة المشاع، وإنما هو من طريق الإرفاق (٥). ويجاب عنه: بأن ظاهر قول الغلام "ما كنت لأوثر نصيبي" وسكوت النبي ﷺ على قوله يدل على أن هذا السؤال سؤال هبة لنصيبه لا سؤال إرفاق. (١٨٤) ٩ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق محارب، عن جابر ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ في المسجد فقضاني وزادني" (٦).

стр. 596

وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ قضى لجابر ثمن بعيره وزاده على ذلك، وهذه الزيادة هبة لمشاع؛ لأن الزيادة غير متميزة عن الثمن، وكذا الوقف بجامع التبرع. ونوقش: بأن هذه الزيادة لم تكن هبة وإنما هي ليتيقَّن بها الإيفاء، والزيادة لا يؤثر فيها الشيوع (١). ويجاب عنه: بأنَّ النبيَّ ﷺ كان يمكنه التيقن من إيفائه حقه من غير زيادة، فلما زاده دل ذلك على أنه أراد إكرامه بهذه الهبة. (١٨٥) ١٠ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجل على رسول الله ﷺ دين فهمَّ به أصحابُه، فقال: " دعوه فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً "، وقال: " اشتروا له سنَّاً فأعطوه إيَّاه "، فقالوا: إنَّا لا نجد سنَّاً إلا سنَّاً هي أفضل من سنِّهِ، قال: " فاشتروه فأعطوه إياه فإن من خيركم أحسنكم قضاء " (٢). وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ بإعطاءِ سنٍّ لصاحب الدين أفضل من سنه، والزيادة فيه غير مقسومة وهذه هبة لمشاع (٣)، وكذا الوقف بجامع التبرع. ونوقش: بما نوقش به الحديث السابق. ويُجابُ عنه: بأنَّ النبيَّ ﷺ كان يمكنه أن يعطيه قيمة سنه لتعذر مثله، أو ينتظر الأعرابي حتى يوجد مثل سنه فيعطى إياه؛ لأن المثل إذا تعذر عدل إلى قيمته، فلما أعطاه الرسول ﷺ زيادة على حقه مع إمكان إعطائه قيمته أو

стр. 597

الانتظار إلى وجود مثله دلَّ على أنه أراد الإحسانَ إليه بهبته لهذا الزائد على مثل حقه (١). (١٨٦) ١١ - وقال البخاري: وقالت أسماء للقاسم بن محمد وابن أبي عتيق: " ورثت عن أختي عائشة بالغابة، وقد أعطاني به معاوية مئة ألف فهو لكما " (٢). وجه الاستدلال: أنَّ أسماءَ وهَبَت لهما ما ورثته من عائشة هبة مشاعة بينهما. ونوقش: بأنَّ هذه الهبة لا يتحقق فيها الشيوع عند صاحبي أبي حنيفة - خلافاً له-؛ لأنَّ هذه هبة الجملة ولم يوجد فيها الشيوع إلا من أحد الطرفين فلا يفسد؛ إذ ليس فيه إلزام المتبرع مؤنة القسمة (٣). وأُجيب عنه: بأنَّ هذه هبة النصف من كل واحد (٤). (١٨٧) ١٢ - ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵄ قال: " بعثنا رسول الله ﷺ وأمّر علينا أبا عبيدة نلتقي عيراً لقريش وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة " (٥). وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ أعطاهم التمر مشاعاً بينهم (٦)، وكذا الوقف بجامع التبرع. ويُناقش: بأنَّ هذا الدليل لا يصلح للاستدلال به على مذهب أبي حنيفة؛

стр. 598

لأنَّ العبرةَ بالشيوع المانع من الصحة هبة عندهم: الشيوع وقت القبض لا وقت العقد، فلو وهبهُ مشاعاً وسلَّمه مقسوماً صحَّت الهبة (١)، وقد سلَّمه أبو عبيدة هنا مقسوماً. (١٨٨) ١٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي حازم، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه - أبي قتادة ﵁ قال: كنت يوما جالساً مع رجال من أصحاب النبي ﷺ في منزل في طريق مكة ورسول الله ﷺ نازل أمامنا، والقوم محرمون وأنا غير محرم … ، فعقرته -أي الحمار-، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا عليه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد معي فأدركنا رسول الله ﷺ فسألناه عن ذلك، فقال: " هل معكم منه شيء؟ فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها وهو محرم " (٢). وجه الاستدلال: أنَّ أبا قتادة صاده ووهبه لأصحاب رسول الله ﷺ هبة مشاعة وأقرهم الرسول ﷺ على ذلك (٣). ويُناقش: بما نوقش به حديث البهزي من أنه أباحه لهم ولم يهبه إياهم. ويُجابُ عن ذلك: بأنه لو أراد إباحته لهم لتركه في مكانه، ثم أخبرهم بأنه أباحه لهم، لكن لما أتى به لهم علمنا أنه قصد هبته لهم. ١٤ - ما علقه البخاري جازماً به حيث قال: " وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر ﵁ سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله " (٤).

стр. 599

وقال ابن حجر: وصله ابن سعد بمعناه (١). (١٨٩) ١٥ - ما رواه البيهقي قال: قال أبو يحيى الساجي: " وروي أن الحسن والحسين وقف أحدهما أشقاصاً من دوره فأجاز ذلك العلماء " (٢). (١٩٠) ١٦ - "وتصدق ابن عمر بالسهم بالغابة الذي وهبت له حفصة" (٣). ١٧ - أن القصد تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وهذا يحصل في المشاع كحصول في المفرز (٤). ١٨ - أن المشاع عرصة يجوز بيعها، فجاز وقفها قياساً على المفرزة (٥). ونوقش: بأن المفرزة يمكن فيها القبض، بخلاف الشائعة، فلا يمكن فيها القبض لشيوعها. وأجيب: بأن القبض ليس شرطاً لصحة الوقف، كما سبق (٦). ١٩ - وقف المشاع يحصل به تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة بلا ضرر في ذلك (٧). ٢٠ - أنه كما يصح بيع الشريك نصيبه المشاع يجوز وقفه (٨).

стр. 600

قال الإمام أحمد: " أنا عندي جائز أن يوقف مشاعاً غير مقسوم، سهم من كذا وكذا سهم مثل البيع " (١). وقال أيضا عن المشاع: " كيف يجيزون بيعه ولا يجيزون إذا وقفه، قول متناقض، إذا كان يبيعه فإنما باع ما يملكه، وكذا يوقف ما يملك " (٢). وقال في وقف المشاع: " هم يقولون البيع جائز، والصدقة والوقف والهبة أيضا مثله " (٣). أدلة القول الثاني: (عدم صحة وقف ما لا يقبل القسمة) استدل على أنه لا يصح وقف ما لا يقبل القسمة: ١ - أن الشريك لا يقدر على البيع، وإن فسد فيها شيء لم يجد من يصلحه معه (٤). ويناقش: بأنه لا يسلم أن الشريك لا يقدر على البيع، بل هو قادر عليه، ولا يعدم من يشتري منه، والإجماع على أن للشريك بيع نصيبه من المشاع (٥). أما القول بأنه لا يجد من يصلح معه ما يفسد فضعيف لقيام ناظر الوقف بهذا العمل، فهي أول واجباته، ولذا فهو موكل بذلك (٦). ٢ - أن القبض شرط لجواز الوقف، والشيوع يخل بالقبض، والتسليم؛
следующие страницы →