وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ قضى لجابر ثمن بعيره وزاده على ذلك، وهذه الزيادة هبة لمشاع؛ لأن الزيادة غير متميزة عن الثمن، وكذا الوقف بجامع التبرع.
ونوقش: بأن هذه الزيادة لم تكن هبة وإنما هي ليتيقَّن بها الإيفاء، والزيادة لا يؤثر فيها الشيوع (١).
ويجاب عنه: بأنَّ النبيَّ ﷺ كان يمكنه التيقن من إيفائه حقه من غير زيادة، فلما زاده دل ذلك على أنه أراد إكرامه بهذه الهبة.
(١٨٥) ١٠ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان لرجل على رسول الله ﷺ دين فهمَّ به أصحابُه، فقال: " دعوه فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً "، وقال: " اشتروا له سنَّاً فأعطوه إيَّاه "، فقالوا: إنَّا لا نجد سنَّاً إلا سنَّاً هي أفضل من سنِّهِ، قال: " فاشتروه فأعطوه إياه فإن من خيركم أحسنكم قضاء " (٢).
وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ بإعطاءِ سنٍّ لصاحب الدين أفضل من سنه، والزيادة فيه غير مقسومة وهذه هبة لمشاع (٣)، وكذا الوقف بجامع التبرع.
ونوقش: بما نوقش به الحديث السابق.
ويُجابُ عنه: بأنَّ النبيَّ ﷺ كان يمكنه أن يعطيه قيمة سنه لتعذر مثله، أو ينتظر الأعرابي حتى يوجد مثل سنه فيعطى إياه؛ لأن المثل إذا تعذر عدل إلى قيمته، فلما أعطاه الرسول ﷺ زيادة على حقه مع إمكان إعطائه قيمته أو
стр. 597
الانتظار إلى وجود مثله دلَّ على أنه أراد الإحسانَ إليه بهبته لهذا الزائد على مثل حقه (١).
(١٨٦) ١١ - وقال البخاري: وقالت أسماء للقاسم بن محمد وابن أبي عتيق: " ورثت عن أختي عائشة بالغابة، وقد أعطاني به معاوية مئة ألف فهو لكما " (٢).
وجه الاستدلال: أنَّ أسماءَ وهَبَت لهما ما ورثته من عائشة هبة مشاعة بينهما.
ونوقش: بأنَّ هذه الهبة لا يتحقق فيها الشيوع عند صاحبي أبي حنيفة - خلافاً له-؛ لأنَّ هذه هبة الجملة ولم يوجد فيها الشيوع إلا من أحد الطرفين فلا يفسد؛ إذ ليس فيه إلزام المتبرع مؤنة القسمة (٣).
وأُجيب عنه: بأنَّ هذه هبة النصف من كل واحد (٤).
(١٨٧) ١٢ - ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵄ قال: " بعثنا رسول الله ﷺ وأمّر علينا أبا عبيدة نلتقي عيراً لقريش وزودنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة " (٥).
وجه الاستدلال: أنَّ النبيَّ ﷺ أعطاهم التمر مشاعاً بينهم (٦)، وكذا الوقف بجامع التبرع.
ويُناقش: بأنَّ هذا الدليل لا يصلح للاستدلال به على مذهب أبي حنيفة؛
стр. 598
لأنَّ العبرةَ بالشيوع المانع من الصحة هبة عندهم: الشيوع وقت القبض لا وقت العقد، فلو وهبهُ مشاعاً وسلَّمه مقسوماً صحَّت الهبة (١)، وقد سلَّمه أبو عبيدة هنا مقسوماً.
(١٨٨) ١٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي حازم، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه - أبي قتادة ﵁ قال: كنت يوما جالساً مع رجال من أصحاب النبي ﷺ في منزل في طريق مكة ورسول الله ﷺ نازل أمامنا، والقوم محرمون وأنا غير محرم … ، فعقرته -أي الحمار-، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا عليه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد معي فأدركنا رسول الله ﷺ فسألناه عن ذلك، فقال: " هل معكم منه شيء؟ فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها وهو محرم " (٢).
وجه الاستدلال: أنَّ أبا قتادة صاده ووهبه لأصحاب رسول الله ﷺ هبة مشاعة وأقرهم الرسول ﷺ على ذلك (٣).
ويُناقش: بما نوقش به حديث البهزي من أنه أباحه لهم ولم يهبه إياهم.
ويُجابُ عن ذلك: بأنه لو أراد إباحته لهم لتركه في مكانه، ثم أخبرهم بأنه أباحه لهم، لكن لما أتى به لهم علمنا أنه قصد هبته لهم.
١٤ - ما علقه البخاري جازماً به حيث قال: " وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر ﵁ سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله " (٤).
стр. 599
وقال ابن حجر: وصله ابن سعد بمعناه (١).
(١٨٩) ١٥ - ما رواه البيهقي قال: قال أبو يحيى الساجي: " وروي أن الحسن والحسين وقف أحدهما أشقاصاً من دوره فأجاز ذلك العلماء " (٢).
(١٩٠) ١٦ - "وتصدق ابن عمر بالسهم بالغابة الذي وهبت له حفصة" (٣).
١٧ - أن القصد تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وهذا يحصل في المشاع كحصول في المفرز (٤).
١٨ - أن المشاع عرصة يجوز بيعها، فجاز وقفها قياساً على المفرزة (٥).
ونوقش: بأن المفرزة يمكن فيها القبض، بخلاف الشائعة، فلا يمكن فيها القبض لشيوعها.
وأجيب: بأن القبض ليس شرطاً لصحة الوقف، كما سبق (٦).
١٩ - وقف المشاع يحصل به تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة بلا ضرر في ذلك (٧).
٢٠ - أنه كما يصح بيع الشريك نصيبه المشاع يجوز وقفه (٨).
стр. 600
قال الإمام أحمد: " أنا عندي جائز أن يوقف مشاعاً غير مقسوم، سهم من كذا وكذا سهم مثل البيع " (١).
وقال أيضا عن المشاع: " كيف يجيزون بيعه ولا يجيزون إذا وقفه، قول متناقض، إذا كان يبيعه فإنما باع ما يملكه، وكذا يوقف ما يملك " (٢).
وقال في وقف المشاع: " هم يقولون البيع جائز، والصدقة والوقف والهبة أيضا مثله " (٣).
أدلة القول الثاني: (عدم صحة وقف ما لا يقبل القسمة)
استدل على أنه لا يصح وقف ما لا يقبل القسمة:
١ - أن الشريك لا يقدر على البيع، وإن فسد فيها شيء لم يجد من يصلحه معه (٤).
ويناقش: بأنه لا يسلم أن الشريك لا يقدر على البيع، بل هو قادر عليه، ولا يعدم من يشتري منه، والإجماع على أن للشريك بيع نصيبه من المشاع (٥).
أما القول بأنه لا يجد من يصلح معه ما يفسد فضعيف لقيام ناظر الوقف بهذا العمل، فهي أول واجباته، ولذا فهو موكل بذلك (٦).
٢ - أن القبض شرط لجواز الوقف، والشيوع يخل بالقبض، والتسليم؛
стр. 601
لأن تمام القبض فيما يحتمل القسمة بالقسمة، وقياسا على الصدقة المنفذة، فإنها لا تتم في مشاع يحتمل القسمة (١).
ونوقش من وجوه:
الأول: أنه لا يسلم أن القبض شرط لصحة الوقف، كما حررته في مبحث قبض الوقف.
الثاني: أنه لو سلم اشتراط القبض، فإنه لا يسلم أنه لا يتم إلا بالقسمة، بل يتم بغير القسمة كما في الهبة؛ إذ يقوم الناظر مقام الموقوف عليه في القبض.
الثالث: أن الأصل المقيس عليه وهو الصدقة المنفذه ممنوع؛ إذ يصح التصدق بالمشاع.
٣ - أن كل جزء من المشترك محكوم عليه بالمملوكية لكليهما، فيلزم مع وقف أحد الشريكين أن يحكم عليه بحكمين مختلفين متضادين مثلا صحة البيع بالنسبة لكونه مملوكا وعدم صحته بالنسبة لكونة موقوفا، فيتصف كل جزء بالصحة وعدمها (٢).
ونوقش: بأن التصرف في المشاع تصرف فيما ثبت في الذمة، وهو جائز، وأيضا وقف المشاع نظير عتق المشاع، وقد صح ذلك في السنة.
٤ - أن القسمة بيع، وبيع الوقف لا يجوز.
ونوقش: أنه لا يسلم فالقسمة إفراز (٣).
стр. 602
أدلة القول الثالث: (عدم صحة الوقف إن كان الشيوع وقت الوقف والقبض … )
استدل لهذا الرأي بما يلي:
١ - بأن القبض شرط لجواز الوقف، والشيوع يخل بالقبض والتسليم؛ لأن تمام القبض فيما يحتمل القسمة بالقسمة، قياساً على الصدقة المنفذة (١).
ويناقش هذا الدليل من وجوه:
أحدها: أنه استدلال في محل النزاع، فلا يسلم أن القبض شرط لجواز الوقف، بل يصح الوقف ولو لم يخرج من يد الواقف بدليل ما ورد عن عمر، وعلي، وفاطمة، وغيرهم من الصحابة ﵃ أنهم ولوا صدقاتهم حتى ماتوا (٢)، وفي أمر النبي ﷺ عمر ﵁ أن يسبل ثمرة أرضه ويحبس أصلها دليل على أنه رأى ما صنع جائزا، ولم يأمر عمر ﵁ أن يخرجه من ملكه إلى غيره، ولما صارت الصدقات مبتدأة في الإسلام لا مثال لها قبله علمها رسول الله ﷺ عمر، ولم يكن فيما أمره به إذا حبس أصلها وسبل ثمرتها أن يخرجها إلى أحد يجوزها دونه، ويكفي هذا دلالة على اشتراط عدم الحوز والقبض (٣).
الثاني: لو سلم باشتراط القبض، فإنه لا يسلم أنه لا يتم إلا بالقسمة، بل يتم بغير القسمة، كما في الهبة؛ إذ يقوم ولي الوقف مقام الموهوب له في القبض (٤).
стр. 603
الثالث: أن الأصل المقيس عليه -وهو الصدقة المنفذة- ممنوع؛ إذ يصح التصدق بالمشاع على القول الراجح.
٢ - واستدل لما ذهب إليه من صحة وقف ما لا يقبل القسمة: بالقياس على الهبة والصدقة المنفذة (١).
٣ - أن القسمة بيع ولا يجوز بيع الوقف (٢).
وأجيب: بعدم التسليم بأن القسمة بيع، بل هي إفراز لا بيع، وعلى التسليم بأنها بيع، فبيع المعروض للقسم كالمأذون في بيعه من محبسه (٣)، فضلاً عن أن الممنوع هو بيع الوقف لغير بدل يكون أنفع للوقف.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- صحة وقف المشاع؛ لقوة دليله، وضعف أدلة المخالفين بمناقشتها، ولأن الوقف قربة يؤمر بها ويحث عليها.
ولما يحقق من توسيع للصور الوقفية، وفتح لباب كبير وأنواع متعددة من صور المشاركة في إنشاء الأوقاف، بل إن بقاء هذه الأجزاء مشاعة قد يكون سبباً لحفظها من الإندراس والتلف مع مرور الزمن؛ لعناية باقي الشركاء بنصيبهم وسعيهم لتحقيق مصلحة العين المشاعة، مما يعود بالنفع على الجميع، وذلك متفق تماماً مع مصلحة الوقف، كما يحقق المقصود منه من الاستمرار والدوام.
المسألة الثانية: وقف أحد الشركاء جميع المشاع:
إذا وقف أحد الشركاء جميع الملك المشاع بينه وبين شركائه، فإنه يجرى فيه نصيبه - الخلاف السابق - في وقف أحد الشركاء نصيبه من المشاع.
стр. 604
أما نصيب شركائه فإنه يجري فيه الخلاف المتقدم في تصرف الفضولي (١)، إلا أنه يلاحظ أن هذا الوقف صحيح عند محمد بن الحسن إذا أجازه الشريك، مع أنه يمنع من وقف نصيبه وحده؛ لأنه يعلل بأن القبض هنا من الوالي على الوقف وجد جملة واحدة في الكل (٢).
فرع: وقف المشاع مسجداً كان، أو مقبرةً:
إذا وقف شخص نصيبه من مشاع مشترك، أو جزءاً مشاعاً من ملكه مسجداً أو مقبرةً، فإنه لا يخلو من حالتين:
الحال الأولى: أن يكون المشاع مما يمكن قسمته.
فهذا يصح وقفه عند المصححين لوقف المشاع؛ لما تقدم من الدليل على صحة وقف المشاع، وتجب قسمته لتعينها طريقا للانتفاع به.
الحال الثانية: أن يكون المشاع مما لا يمكن قسمته.
فهذا لا يصح وقفه؛ لأن بقاء الشركة يمنع الخلوص لله، ولأن المهيأة فيها من أقبح ما يكون بأن يدفن فيه الموتى سنة ويزرع سنة مثلا، ويصلى في مسجد في وقت، ويتخذ اصطبلاً في وقت، بخلاف غير المشاع (٣).
المسألة الثالثة: طلب القسمة في وقف المشاع:
وفيه أمران:
الأمر الأول: إذا كان الموقوف جزءاً من مشاع مشترك.
إذا وقف شخص نصيبه من عقار مشترك يمكن قسمته من غير ضرر ولا رد عوض، وطلب القسمة أو طلبها الشريك، فإنه يلزم الآخر إجابته؛ لأن القسمة إفراز وتمييز للحقوق -على الصحيح- والممنوع التمليك لا الإفراز.
стр. 605
وإن كان فيها رد عوض من جانب الشريك بأن كان أحد النصيبين أجود من الآخر فجعل بإزاء الجودة دراهم، فإن القسمة تكون بمنزلة بيع بعض الوقف، وبيع الوقف سيأتي الكلام عليه (١)، وإن كان الرد من قبل الناظر، فيكون الشراء للوقف، وهذا جائز للمصلحة.
وإذا صحت القسمة فسواء قسمها الشريك والواقف أو قسمها لهم قاسم بأمر القاضي، فإن ذلك جائز؛ لأن الولاية للوقف، وإذا كانت الولاية للواقف كان له أن يقسم ما وقف منها.
الأمر الثاني: إذا كان الموقوف جزءاً مشاعاً من ملك شخص.
إذا وقف شخص جزءا مشاعا من ملكه وأراد قسمته، فإن حكمه حكم ما لو وقف نصيبه من مشترك وأراد قسمته.
إلا أن الحنفية -هنا- قالوا: ليس له أن يقسم بنفسه، بل لا بد من أن يقسم القاضي معه.
وعللوا ذلك: بأن الواحد لا يجوز أن يكون قاسما ومقاسما.
والراجح: صحة قسمة الواقف هنا من غير أن يقسم معه القاضي؛ للآتي:
أولاً: عدم الدليل على أنه لا يجوز أن يكون قاسما ومقاسما.
ثانياً: أن من وقف بعض ماله في سبيل البر أهلٌ لأن يعدل في القسمة ولا يحيف؛ إذ لو كان يريد الحيف لما وقف أصلاً (٢).
стр. 606
الباب الثالث: لزوم الوقف، وشروط الواقفين، ومصرفه
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: لزوم الوقف.
الفصل الثاني: شروط الواقفين
الفصل الثالث: مصرف الوقف.
стр. 607
الفصل الأول: لزوم الوقف
وفيه مباحث:
المبحث الأول: ملكية الوقف.
المبحث الثاني: الرجوع عن الوقف.
المبحث الثالث: اشتراط الخيار في الوقف.
المبحث الرابع: اشتراط الواقف بيع الوقف، أو هبته، أو الرجوع فيه.
المبحث الخامس: ظهور دين على الواقف.
стр. 608
المبحث الأول: ملكية الوقف
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أن تكون العين موقوفة على معين
اختلف الفقهاء في ملكية العين في هذه الحالة على أربعة أقوال:
القول الأول: أن ملكية العين بعد وقفها تنتقل إلى الله أي لا يكون لها مالك من الآدميين.
لكن ليس المراد من صيرورة العين الموقوفة على حكم ملك الله تعالى أن تنتقل العين من ملك الواقف إلى ملك الله تعالى بعد أن لم تكن موجودة؛ لأن الملك الحقيقي للأعيان لم ينفك عن ملك الله تعالى أصلا، فهو خالق الأشياء ومالكها.
وبهذا قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهو الصحيح من مذهبهم (١).
стр. 609
وبه قال بعض المالكية (١)، وهو المذهب عند الشافعية (٢).
وبه قال الإمام أحمد في رواية عنه (٣).
القول الثاني: أن ملكية العين الموقوفة تنتقل بعد وقفها إلى الموقوف عليه، ولكن هذه الملكية لا تبيح التصرف في العين.
وهذا قول للشافعية (٤)، وهو مذهب الحنابلة (٥).
القول الثالث: أن العين الموقوفة تبقى في ملكية الواقف، ولكن هذا الملك لا يبيح له التصرف في العين، ولا تورث منه.
وبهذا قال بعض الحنفية (٦)، وهو قول للمالكية (٧)، وقول ضعيف للشافعية (٨)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٩).
стр. 610
القول الرابع: أن العين الموقوفة تبقى في ملكية الواقف ملكية تامة تبيح له التصرف في عينها، وتورث عنه.
وبهذا قال الإمام أبو حنيفة في الرواية الصحيحة عنه (١).
جاء في حاشية ابن عابدين: " (قوله: على حكم ملك الواقف) .... وشرعًا عنده -أي عند أبي حنيفة- حبس العين ومنع الرقبة المملوكة بالقول عن تصرف الغير حال كونها مقتصرة على ملك الوقف، فالرقبة باقية على ملكه في حياته، وملك لورثته بعد وفاته، بحيث يباع ويوهب " (٢).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (تنتقل إلى الله
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - ما رواه عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر تصدق بمال له عند رسول الله ﷺ ، وكان شيء يقال له: ثمغ وكان نخلاً، فقال: يا رسول الله إني استفدت مالا، وهو عندي نفيس، فأردت أن أتصدق به، فقال النبي ﷺ : "تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره"، فتصدق به عمر، فصدقته ذلك في سبيل الله (٣).
وجه الاستدلال من الحديث: أن لفظ الصدقة يقتضي خروج العين الموقوفة عن ملك الواقف لا إلى ملك أحد من العباد؛ لأن المقصود من الصدقة وجه الله تعالى، فالوقف كالعتق يزول إلى غير مالك (٤)، فهذا
стр. 611
الحديث يدل على خروج الوقف عن ملك الواقف وعدم دخوله في ملك الموقوف عليه؛ إذ لا يباع ولا يوهب ولا يورث (١)، وهذا المنع من التصرف في حق كل من الواقف والجهة الموقوف عليها، ولو ثبتت ملكية أحدهما لاستلزم ذلك جواز التصرف بها من قبل المالك (٢).
ومن المعلوم أن خصائص الملكية تعطي صاحبها كل أنواع الانتفاع والتصرفات المشروعة في كل نوع من أنواع الملك بحبسه سواء أكان ذلك استهلاكاً للعين أم نقلاً للملكية، وهذا الحديث يبين أن الوقف لا سلطان لأحد على بيعه أو هبته أو إرثه، وهذا مما يدل على أنه لا ملك لأحدٍ عليه.
٢ - أن الوقف تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، ومعنى: " تسبيل المنفعة " إطلاق التصرف فيها للموقوف عليه مما يدل على أنه ملك المنفعة، ويفهم منه أنه لم يملك الأصل، والواقف قد أخرجه عن ملكه، فلم يبق له مالك إلا الله .
٣ - القياس على العتق، وذلك بجامع إزالة الملك عن العين والمنفعة على وجه القربة بتملك المنفعة، فلم ينتقل إلى صاحبها بل إلى الله (٣)، ولأن كلا منها سبب يزيل التصرف في الرقبة والمنفعة فأزال الملك (٤).
٤ - القياس على المسجد؛ فكلاهما صدقة موقوفة قصد المتصدق الانتفاع بها على الدوام، ولا خلاف في أن المسجد لا ملك لأحد عليه، كما سيأتي. فكذلك ينبغي أن يكون الحكم فيما عداه من الأعيان الموقوفة (٥).
стр. 612
٥ - أن انتقال الملكية يفتقر إلى القبول، ولو كانت ملكية الوقف تنتقل إلى الموقوف عليه لافتقر إلى ذلك، ففي عدم افتقاره إليه دليل على عدم ملكيته (١).
٦ - إن حكم الوقف بعد موت واقفه كحكمه في حياته، وهو لا يبقى له بعد الموت مالك، فدل على أنه لم يكن له في الحياة مالك (٢).
٧ - الفرق بين الوقف والعارية دليل على زوال ملك الوقف، بينما لم يزل في العارية (٣).
أدلة القول الثاني: (ملكية الوقف للموقوف عليه)
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - القياس على الصدقة، فكما أن المتصدق عليه يملك الصدقة، فكذلك الوقف يملكه الموقوف عليه؛ لأن كلاً منهما إخراج مال على سبيل القربة (٤).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: بأن الوقف تبرع وصدقة فيها تمليك للمنفعة دون العين لمن وقف عليهم، كما قرر ذلك الواقف، وكما جاء في الحديث: " لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث " (٥).
الوجه الثاني: بأن الصدقة الموقوفة لا يصح إلحاقها بالصدقة المطلقة؛
стр. 613
لأن الموقوفة قد قيدت من قبل الشارع بعدم جواز التصرف بالعين بالبيع والهبة والإرث، وهذه القيود مخلة بالملكية في حين أنه يجوز التصرف بالعين في الصدقة المطلقة بما يريد.
٢ - أن الوقف سبب يزيل ملك الواقف إلى من يصح تمليكه على وجه لم يخرج المال عن ماليته، فوجب أن ينقل الملك إليه، كالهبة، والبيع (١).
ونوقش: بأن الوقف إزالة ملك الرقبة والمنفعة عن الواقف، وملك المنفعة للموقوف عليهم دون العين.
وقياسه على الهبة والبيع لا يستقيم؛ إذ الواهب أو البائع قد ملك الموهوب أو المشتري العين، أما في الوقف فالواقف إنما ملك الموقوف عليه المنفعة فقط، فكان قياساً مع الفارق.
٣ - أن الوقف تمليك للعين والمنفعة جميعاً؛ لأنه لو كان تمليكاً للمنفعة المجردة لم يلزم، ولم يزل ملك الواقف عنه، كالعارية (٢).
ونوقش: بالفرق بين الوقف والعارية، وما في ذلك من دليل على زوال الملك بالوقف بينما لم يزل على العارية (٣)، والقياس على أم الولد قياس مع الفارق، فالوقف تبرع مخصوص بخلاف أم الولد.
٤ - أن الاستفادة الدائمة من العين أوضح دليل على أن مصدر الاستفادة هو الملك (٤).
стр. 614
ونوقش: بأن الاستفادة الدائمة هي للموقوف عليهم بينما العين ليست في ملك أحد منهم كالمسجد (١).
أدلة القول الثالث: (تبقى في ملكية الواقف لكن لا يبيح له التصرف فيه)
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - ما جاء في حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال لعمر ﵁: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" (٢) أي الثمرة والغلة.
وجه الاستدلال: حيث إن ظاهر هذا الحديث لا يوجب زوال الملك عن الرقبة، وإنما زوالها عن المنافع؛ لأن المعنى حبس الأصل على ما كان (٣).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن آخر هذا الحديث يدل على زوال الملك، حيث جاء فيه: "فتصدق به عمر لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث"، فسلب عنه خاصية الملك وهي القدرة على التصرف في العين.
٢ - حديث عمر ﵁، وفيه: قول الرسول ﷺ لعمر: "تصدق"، وقوله: "حبس"، ومفهومهما مختلف؛ لأن معنى: "تصدق" بأصلها، أنها ملك الفقير، ومعنى "حبس": احبسه أي على ما كان، ولا يمكن أن يراد بهما إلا معنى أحدهما، وإلا كان ﷺ مجيباً لعمر ﵁ في حادثة واحدة بأمرين متنافيين، فإما أن يحمل "حبس" على معنى "تصدق" والإتفاق على نفيه؛ إذ لا يقول أحد من الثلاثة -أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد- بملك الفقير للعين، فوجب أن يحمل "تصدق" على معنى "حبس"، وهو قول أبي حنيفة ﵀ فيحبس على الملك شرعاً، وإذا حبس عليه امتنع بيعه (٤).
стр. 615
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا فرق بين مفهومي "تصدق" و "حبس"؛ لأن اللفظتين مفهومهما واحد، وهو منع الأصل عن التمليك، وتسبيل المنفعة، ولا يخفى أن "حبس" تدل على المنع والتأبيد -كما تقدم في تفسير "حبس" لغة (١)، فكلاهما تدل على المنع من التصرف في العين على التأبيد في حين أن الثمرة مسبلة في أوجه الخير.
٣ - قياس الوقف على العارية، حيث إن المالك تصدق بالمنافع وألزم نفسه ذلك، وليس في هذا إخراج للأصل من ملكه (٢).
ونوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ لأن العين في الوقف يجوز أن تكون في يد الواقف إذا وقف على نفسه أو جعل النظارة لنفسه، بخلاف العارية فلا بد من تسليم العين إلى المستعير لينتفع بها.
٤ - أن ملك الواقف للعين كان متيقن الثبوت بلا شك، والمعلوم بالوقف من شرطه عدم البيع ونحوه، فليثبت ذلك القدر فقط، ويبقى الباقي على ما كان حتى يتحقق المزيل ولم يتحقق.
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مسلّم أن الأصل بقاء ما كان على ما كان إذا لم يوجد ما يرفع الحكم الثابت، وقد وجد هذا في الوقف كما سلف في أدلة القول الأول.
٥ - أن الوقف لا يوجب زوال الملك عن الواقف، ولذلك تلزمه الخصومة فيه (٣).
ونوقش: بأن الخصومة إنما تلزم الواقف باعتباره ناظراً عليه، لا باعتباره مالكاً له، ولهذا لو كان الناظر غير الواقف لزمته الخصومة دون الواقف.
стр. 616
٦ - امتداد الثواب للواقف ما استمرت العين الموقوفة محبسة الأصل مسبلة الثمرة؛ إذ لو انقطعت ملكية المالك عنها لاستلزم ذلك أن ينقطع عنه الأجر (١).
ونوقش: بأن من يوقف مسجداً يخرج عن ملكه بالإجماع، ولا ينقطع عنه ثواب وقفه.
٧ - القياس على أم الولد، حيث يبقى الملك فيها مع عدم القدرة على التصرف فيها ببيع أو نحوه، ومثله المدبر المطلق.
وكما هو الشأن في الوصية بالمنافع؛ إذ تكون الرقبة للورثة والمنفعة للموصى له بها (٢).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: بأنه قياس مع الفارق؛ لأن حال أم الولد يختلف في حياة سيدها وبعد موته، ولا يختلف الحال في الوقف بعد الحياة والموت، كما أن الشارع يتشوف إلى العتق لاسيما وقد صارت أماً لولده، لذا منع من التصرف بها وهي ملك له.
الوجه الثاني: أن الشارع جاء بالتصدق وإخراجها عن ملك الواقف، وإن ثبت في الشريعة وجود ما يملك ولا يتصرف فيه، إلا أن الوقف مخصوص كما في نص الحديث.
أدلة القول الرابع: (تبقى في ملكية الواقف تبيح له التصرف فيه)
استدلوا بالأدلة التالية:
стр. 617
١ - ما رواه الطحاوي من طريق زياد بن سعد، عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتها " (١).
(منقطع).
وجه الاستدلال: أن قول عمر ﵁ هذا يدل على أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من الرجوع فيها، وأنه إنما منعه من ذلك أن رسول الله ﷺ أمره فيها بشيء وفارقه على الوفاء به، فكره أن يرجع عن ذلك، وهذا يدل على جواز الرجوع في الوقف (٢).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أنه منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يدرك عمر (٣).
الوجه الثاني: أنه يبعد جداً أن يكون عمر ﵁ ندم على قبول أمر رسول الله ﷺ ، وما اختاره له في تحبيس أرضه وتسبيل ثمرتها، كيف وهو الذي جاء يستشير رسول الله ﷺ في أمرها، والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٤)، فحاشا لعمر ﵁ أن يوصف بهذا (٥).
٢ - ما رواه عبد الله بن زيد ﵁ أنه أتى إلى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله حائطي هذا صدقة، وهو إلى الله ورسوله، فجاء أبواه فقالا:
стр. 618
يا رسول الله، كان قوام عيشنا "فرده رسول الله ﷺ إليهما، ثم ماتا، فورثهما ابنهما بعد" (١).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أنه ضعيف كما في تخريجه.
الوجه الثاني: بأنه ليس فيه ذكر الوقف، والظاهر أنه جعله صدقة غير موقوفة استناب فيها رسول الله ﷺ ، فرأى والديه أحق الناس بصرفها إليهما، ولهذا لم يردها عليه وإنما دفعها إليهما، كما أنه يحتمل أن الحائط كان لهما، وكان هو المتصرف فيه بحكم النيابة عنهما، فتصرف هذا التصرف بغير إذنهما فلم ينفذاه، وأتيا رسول الله ﷺ ليرده إليهما (٢).
٣ - وبالإضافة إلى ذلك قالوا: إن العين الموقوفة كانت مملوكة قبل الوقف، وبقيت بعده مملوكة والمملوك بغير مالك لا يكون فمن ضرورة بقائها مملوكة أن يكون هو المالك، أو غيره، ولم تصر مملوكة لغيره، فكانت باقية على ملكه والوارث يخلف المورث في ملكه.
قالوا: وبيان قولنا: إنها بقيت مملوكة أنه ينتفع بها على وجه الانتفاع بالمملوكات من حيث السكنى والزراعة وسائر وجوه الانتفاعات، ولأنها خلقت مملوكة في الأصل، فلا يتصور إخراجها عن أن تكون مملوكة إلا أن يجعلها لله تعالى خالصا، وبالوقف لا يتحقق ذلك (٣).
ونوقش من وجوه:
الأول: قولهم: "من الضرورة أن تبقى بعد الوقف مملوكة للواقف أو غيره": يصادمه وقف المسجد؛ لأن الجميع يتفقون على أنه لا مالك له فأي
стр. 619
ضرورة تلك، وما المانع أن تكون ملكية الأوقاف حكمها واحد مساجد أو غيرها.
الثاني: قولهم: "إنها مملوكة؛ لأنه ينتفع بها على وجه الانتفاع بالمملوكات من حيث السكنى والزراعة ونحوها": أن هذا الانتفاع كالانتفاع بالمساجد؛ وذلك أن المساجد ورد الشرع بالانتفاع بها في وجه مخصوص، وكذلك الأوقاف ينتفع بها على الوجه الذي خصه الواقف، فلو كانت العين الموقوفة مدرسة لم يجز الانتفاع بها في غير ما وقفت فيه ولا ينتفع بها الموقوف عليه كما ينتفع بأملاكه.
الثالث: قولهم: "لا يتصور إخراجها عن أن تكون مملوكة، إلا أن يجعلها لله تعالى خالصاً": أن الأصل في كل ما شرع التقرب فيه لله تعالى أن يكون خالصا لله تعالى، ومن جملة المشروعات الأوقاف.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بأن ملكية العين بعد وقفها تنتقل إلى الله ، أي لا يكون لها مالك من الآدميين؛ لقوة ما استدلوا به، وضعف دليل المخالف بمناقشته، ولأن المقصود من الوقف في الجملة الدوام والاستمرار، وهذا يقتضي قطع تملك المخلوق له، وانتقاله إلى الله .
ولأن في ترك الوقف في ملك أحدهما مخالفة للمقصود من الوقف؛ إذ قد يعود هذا على الوقف بالفساد أو التصرف الذي يبطله.
ومما يترتب على ذلك:
١ - عدم إمكان تدخل الواقف أو الموقوف عليه في الوقف لمنع إصلاحه أو تنميته (١).
стр. 620
٢ - سبق الإسلام في رعاية الشخصية الحكمية للوقف.
٣ - خروج الأحباس والأوقاف عن ملكية محبسها إلى ملك الله تعالى، وسقوط نفقاتها وتبعات رعايتها عن محبسها لتكون نفقات الوقف من غلته (١).
٤ - ما يتعلق بالنظر والولاية، وحرر في موضعه.
٥ - لو كان الموقوف نصابًا من الماشية، وحال عليها الحول، فإن قلنا: إن الملك فيها لله تعالى أو للواقف لم تجب فيها الزكاة؛ لضعف ملك الواقف وهو انتفاء التصرف في الرقبة والمنفعة.
وإن قلنا: ملك الموقوف عليه، ففيه عند الشافعية وجهان، تجب فيه الزكاة؛ على ظاهر كلام الإمام واختيار أبي البركات وغيره من الحنابلة.
٦ - الشفعة لا تستحق على قول ملك لله وللواقف، وفي استحقاقها على قول إنها ملك للموقوف عليه وجهان عند الحنابلة.
٧ - إن وقف عبدًا أو حيوانًا وتعطل ولم تبق فيه منفعة لزمانه أو مرض، فإن قلنا: الملك في الوقف لله، فالنفقة في بيت المال، وإن قلنا: الملك للموقوف عليه، فالنفقة في ماله، وإن قلنا: للواقف، فعليه النفقة ما دام حيا، فإذا مات ففي بيت المال.
٨ - لو وطئ الموقوف عليه الجارية الموقوفة، فلا حد عليه ولا مهر؛ للملك أو شبهه، وتصير أم ولد على قول إنه ملك للموقوف عليه، لا ملك لله تعالى أو الواقف.
٩ - إن أتلف أجنبي الوقف أو أتلفه الواقف وجب عليه قيمته، ويكون للموقوف عليه إن قلنا: إن الملك له، وإن قلنا: إن الملك لله تعالى اشترى بالقيمة شقصًا وأوقفه.
стр. 621
١٠ - لو سرق الوقف أو نماؤه، فعلى قول إنه ملك للموقوف عليه: يقطع على الصحيح، وقيل: لا يقطع.
وإن قلنا: لا يملكه لم يقطع، على الصحيح، وقيل: يقطع، وقد حررته في موضعه من هذا البحث.
١١ - لو وقف شيئًا على نفسه: قال بعضهم: يجوز؛ لأن الملك في الوقف يزول إلى الله تعالى، وقبل الوقف: كان للواقف، وكذا إن قلنا: باقٍ على ملك الواقف يصح أيضاً.
١٢ - إذا حكمنا ببقاء ملك الواقف لزمه مراعاته والخصومة فيه، ويحتمل أنه يلزمه أرش جنايته كما يفدي أم الولد سيدها لما تعذر تسليمه، بخلاف غير المالك.
١٣ - ما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن استغنى عنه أمسكه إلى وقت الحاجة إلى عمارته فيصرفه فيها، ولا يجوز أن يصرفه إلى مستحقي الوقف؛ لأن العين حق لله تعالى على الخلوص.
١٤ - قال القرافي: " إن الوقف لا يصح عند الشافعي وأحمد إلا على معين يقبل الملك؛ لأن الوقف تمليك، فلا يصح عندهم على الحمل ومن سيولد لعدم قبولهما للملك؛ ونحن نمنع قاعدتهم، فالوقف تمليك فيصح على الجنين ومن سيولد " (١).
١٥ - وجوب إخراج زكاة الفطر على الموقوف عليه إن قلنا: يملك على الصحيح، وقيل: لا تجب عليه.
стр. 622
فرع: أثر الوقف في زوال ملكية منافع الوقف وزوائده.
قال القرافي: "تأثير الوقف بطلان اختصاص الملك بالمنفعة ونقلها للموقوف عليه" (١).
قال القاضي عبد الوهاب: " ثبت أن الثمرة تخرج عن ملكه إلى ملك الموقف عليهم " (٢).
وقال المتولي: " منافعه وزوائده ملك للموقوف عليه، يتصرف فيها كما يتصرف في سائر الأملاك، فيستوفي منافع الوقف بنفسه، يؤاجر من الغير ويعير، والزوائد المتميزة عن الأصل غير الولد - كالثمرة والبيضة - فملك من الأملاك يجوز التصرف فيها بالنقل إلى الغير؛ لأن المقصود من الوقف التقرب إلى الله تعالى بصرف منافع الملك وفوائده إلى وجه من وجوه البر" (٣).
وقال الغزالي: "لا خلاف في أن الموقوف عليه يملك الغلة وثمار الشجرة، واللبن، والوبر والصوف من الحيوان" (٤).
وقال ابن قدامة: "من وقف شيئًا وقفًا صحيحًا فقد صارت منافعه جميعها للموقوف عليه وزال عن الواقف ملكه وملك منافعه " (٥).
وقال الزركشي: "منافع الوقف تنتقل إلى الموقوف عليه بلا نزاع " (٦).
стр. 623
وقال البهوتي: "ويملك صوفه ونحوه كوبره وشعره وبيضه ويملك غلته، وكسبه ولبنه وثمرته بغير خلاف نعلمه " (١).
المطلب الثاني: أن تكون العين الموقوفة نحو مسجد ومقبرة
اتفق الأئمة على أن العين الموقوفة إذا كانت نحو مسجد ومقبرة، فإنه لا ملك لأحد عليها.
حيث قال بذلك الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥).
وممن نقل الاتفاق على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: " وأما المسجد ونحوه فليس ملكا لمعين باتفاق المسلمين " (٦).
وجاء في حاشية رد المحتار: " … ويشكل تعريف أبي حنيفة للوقف بالمسجد فإنه حبس على ملك الله تعالى بالإجماع " (٧).
стр. 624
وجاء في الفروق: " واتفق العلماء في المساجد أنها من باب الإسقاط والعتق لا ملك لأحدٍ فيها " (١).
واستدل على هذا بالأدلة الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ (٢).
٢ - أن المساجد تقام فيها الجماعات والجمعة، وهي لا تقام في المملوكات (٣).
٣ - الإجماع السابق.
стр. 625
المبحث الثاني: الرجوع عن الوقف
وفيه مطالب:
المطلب الأول: الرجوع عن الوقف المطلق
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: حكم الرجوع عن الوقف المطلق:
مثال ذلك: "أرضي وقف على طلاب العلم" أو "على المسلمين ليجعلوها مسجداً"، فهل له أن يرجع في تلك الأرض ويتصرف فيها ببيع أو هبة أو نحو ذلك؟
تحرير محل النزاع:
لا خلاف بين العلماء أن الأرض إذا حبسها على أنها مسجد لا يجوز أن يرجع فيها ولا يصح ذلك (١)، وكذا المقبرة، على تفصيل للحنفية -سيأتي- واختلفوا فيما عدا ذلك على أقوال:
стр. 626
القول الأول: أن الوقف عقد لازم لا يجوز الرجوع فيه، فلا يجوز فسخه بإقالة ولا غيرها.
وهو قول أبي يوسف، وأكثر متأخري الحنفية (١)، وعليه الفتوى عندهم، وهو قول المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وهو المذهب عند الحنابلة (٤).
جاء في شرح البهجة الوردية: " (والوقف عقد لازم) فلا يصح الرجوع عنه، ولا يتوقف على حكم حاكم، ولا على تسليمه إلى الموقوف عليه كالعتق" (٥).
وجاء في المهذب: " فصل وإذا صح الوقف لزم وانقطع تصرف الواقف فيه .... ويزول ملكه عن العين، ومن أصحابنا من خرج فيه قولا آخر أنه لا يزول ملكه عن العين؛ لأن الوقف حبس العين وتسبيل المنفعة وذلك لا يوجب زوال الملك، والصحيح هو الأول؛ لأنه سبب يزيل ملكه عن التصرف في العين والمنفعة فأزال الملك كالعتق " (٦).
وجاء في كشاف القناع: " (والوقف عقد لازم) قال في التلخيص وغيره:
стр. 627
أخرجه مخرج الوصية أو لم يخرجه (لا يجوز فسخه بإقالة ولا غيرها)؛ لأنه عقد يقتضي التأبيد فكان من شأنه ذلك (ويلزم) الوقف (بمجرد القول بدون حكم حاكم)؛ لقوله ﷺ : لا يباع أصلها ولا توهب ولا تورث، قال الترمذي: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم، وإجماع الصحابة على ذلك وكالعتق، وقوله بمجرد القول جري على الغالب، وإلا فالفعل مع الدال على الوقف يلزم بمجرده أيضا، ويحرم (ولا يصح بيعه ولا هبته ولا المناقلة به) أي إبداله ولو بخير منه (نصا)؛ للحديث السابق، وقد صنف الشيخ يوسف المرداوي كتابا لطيفا في رد المناقلة وأجاد وأفاد (إلا أن تتعطل منافعه) " (١).
وجاء في الشرح الكبير: " والوقف عقد لازم لا يجوز فسخه باقالة ولا غيرها، ويلزم بمجرد القول؛ لأنه تبرع يمنع البيع والهبة والميراث فلزم بمجرده كالعتق، وعنه: لا يلزم إلا بالقبض وإخراج الوقف عن يده، اختاره ابن أبي موسى كالهبة والصحيح الاول " (٢).
لكن عند أبي يوسف يشترط أن يكون الوقف مؤبداً لفظاً أو معنى (٣)، ويأتي قريبا، وتقدم أنه يشترط عند المالكية حيازة الوقف، وتقدم بيانه (٤).
القول الثاني: أنه يجوز الرجوع فيه قبل الحيازة، فإذا حيز لزم، ولم يجز الرجوع فيه.
وبه قال ابن أبي ليلى، وكثير من الحنفية (٥)، وهو رواية عن الإمام أحمد
стр. 628
قال بها جماعة من الحنابلة (١)، وهو قول لبعض المالكية (٢).
وقد سبق أن للمالكية تفسيراً خاصا للحيازة (٣) لهذا قالوا: إنه لا يجوز الرجوع في الوقف إلا إذا حصل للواقف مانع من مرض أو فلس أو موت قبل عام بعد الحيازة؛ لأنها المدة التي يحصل بها اشتهار الوقف غالباً (٤).
قال الدردير: "بخلاف الواقف في الصحة فلا رجوع له فيه قبل المانع" (٥).
القول الثالث: أنه إذا لم يحكم به حاكم، فللواقف أن يرجع، إلا إذا توفرت شروط أربعة، فإنه يكون لازماً: أن يخرجه الواقف من يده، وأن يكون مؤبداً، وألا يكون مشاعاً، وأن لا يشترط الواقف لنفسه شيئاً من منافع الوقف.
وبه قال محمد بن الحسن (٦).
القول الرابع: أنه يجوز الرجوع في الوقف من قبل الواقف أي وقت شاء، ويورث عنه إذا مات، فهو بمنزلة العارية، ما لم يوجد مانع من موانع الرجوع الآتي بيانها.
وبه قال أبو حنيفة، وزفر (٧).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (لزوم الوقف)
١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٨)، وقوله تعالى:
стр. 629
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾ (١).
وجه الدلالة: دلت الآيتان على وجوب الوفاء، وحفظ الأمانات، ومن ذلك عقد الوقف، فلا يجوز الرجوع فيه؛ لأن في الرجوع فيه مخالفة لأمر الله تعالى في وجوب الوفاء بالعقود، فكل العقود لا يجوز الرجوع فيها إلا ما قام الدليل المخصص لها (٢).
٢ - حديث عمر بن الخطاب ﵁: أنه أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي ﷺ فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالا قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟، قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها"، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه (٣).
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ تصدق بمال له على عهد رسول الله ﷺ يقال له ثمغ، وكان نخلاً- فقال عمر ﵁: يا رسول الله إني استفدت مالاً وهو عندي نفيس فأردت أن أتصدق به، فقال النبي ﷺ : "تصدق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره".
فتصدق به عمر ﵁، فصدقته تلك في سبيل الله، وفي الرقاب والمساكين، والضيف وابن السبيل ولذي القربى، ولا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف، أو يؤكل صديقه غير متمول به (٤).
وجه الدلالة: في هاتين الروايتين دلالة على أن الوقف عقد لازم لا يجوز
стр. 630
الرجوع عنه، أما دلالة الرواية الأولى، ففي قول رسول الله ﷺ "إن شئت حبست أصلها" فإن الحبس يدل على المنع (١) والتأبيد، قال ابن منظور: "ويقال وقف فلان أرضه وقفا مؤبدا إذا جعلها حبيسا لا تباع ولا تورث" (٢).
قال المطرزي: " وقد جاء حبس -بالتشديد- ومنه قوله ﵇ لعمر ﵁ في نخل له: حبس الأصل وسبل الثمرة، أي اجعله وقفا مؤبدا واجعل ثمرته في سبيل الخير " (٣).
وأما في الرواية الثانية فقد نص الرسول ﷺ على لزومه حيث قال: " لا يباع ولا يوهب ولا يورث "، فإن هذه التقييدات من الرسول ﷺ تقتضي أنه لا يجوز التصرف بالعين بما يزيل وقفيتها.
لكن قد يرد على هذا: أنه جاء في بعض الروايات أنه من كلام عمر ﵁، وليس من كلام الرسول ﷺ .
وأجيب: بأن لا تعارض بين الروايات؛ إذ يمكن أن الرسول ﷺ قال ذلك لعمر ﵁ على سبيل التعليم، ثم إن عمر لما أراد أن يوقف اشترط في الوقف كما أرشد النبي ﷺ (٤).
٣ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب ﵃، فقال النبي ﷺ : " ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله .... " الحديث (٥).
стр. 631
وجه الدلالة: قول الرسول ﷺ : "احتبس أدراعه" دلالة على أنه لا يجوز الرجوع في الوقف؛ لأن الحبس -كما سبق- يدل على المنع والتأبيد.
٤ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" (١).
والدلالة في هذا الحديث واضحة كالحديثين السابقين.
قال ابن حجر: " لا يفهم من قوله (وقفت وحبست) إلا التأبيد " (٢).
وذكر الباجي أن: " التحبيس يقتضي التأبيد ".
ونقل عن القاضي أبي محمد أن لفظ التوقيف صريح في تأبيد الحبس فلا يرجع ملكاً أبداً؛ لأن مفهوم هذه اللفظة في العرف التبتل على وجه التأبيد وتمليك المنافع على الدوام (٣).
٥ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" (٤).
فالصدقة الجارية هي الوقف -كما سبق (٥) - ولا تكون الصدقة جارية إلا إذا كان الوقف لازما وإلا لكانت الصدقة منقطعة، وهذا ما أشار إليه المرغيناني، بقوله: " ولأن الحاجة ماسة إلى أن يلزم الوقف منه ليصل ثوابه إليه على الدوام " (٦).
стр. 632
قال الكمال ابن الهمام تعليقاً على ذلك: " وقد أشار الشرع إلى إعمال ما يدفع هذه الحاجة "، ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁، ثم قال: " ولا طريق إلى تحقق دفع هذه الحاجة وإثبات هذه الصدقة الجارية إلا لزومه " (١).
وذكر الشوكاني: " أن هذا الحديث يشعر بأن الوقف يلزم ولا يجوز نقضه، ولو جاز النقض لكان الوقف صدقة منقطعة، وقد وصفه في الحديث بعدم الانقطاع " (٢).
(١٩١) ٦ - ما رواه ابن ماجه: حدثنا إسماعيل بن أبي كريمة الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده" (٣).
стр. 633
قال الشوكاني: " والجري يستلزم عدم جواز النقض من الغير " (١).
٧ - الإجماع: فقد وقع الإجماع من الصحابة على عدم الرجوع عن الوقف، ولذلك قال البغوي: " وللمهاجرين والأنصار أوقاف بالمدينة وغيرها لم ينقل عن أحد منهم أنه أنكره، ولا عن واقف أنه رجع عما فعله لحاجة وغيرها " (٢).
وقال ابن قدامة في رده على من قال بعدم لزوم الوقف: "هذا القول يخالف السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فإن النبي ﷺ قال لعمر: "لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث"" (٣).
٨ - القياس على المسجد، فقد قاسوا لزوم الوقف على لزوم المسجد، ولذلك قال السرخسي عن محمد: ثم استدل بالمسجد فقال: " اتخاذ المسجد يلزم بالاتفاق وهو إخراج لتلك البقعة عن ملكه من غير أن يدخل في ملك أحد، ولكنها تصير محبوسة بنوع قربة، فكذلك في الوقف" (٤).
٩ - القياس على المقبرة: قال ابن نصر البغدادي المالكي: " ولأنه تحبيس عقار على وجه القربة، فأشبه المسجد والمقبرة " (٥).
١٠ - القياس على العتق: قال ابن قدامة في استدلاله على لزوم الوقف: "
стр. 634
ولأنه إزالة ملك يلزم بالوصية فإذا نجزه في حال الحياة لزم من غير حكم كالعتق" (١).
دليل القول الثاني، والثالث: (جواز الرجوع قبل الحيازة، أو حكم القاضي)
استدل أصحاب هذين القولين بأدلة القول الأول الدالة على لزوم الوقف، أما أدلتهم على عدم لزوم الوقف قبل الحوز فقد سبق ذكرها عند الكلام على حيازة الوقف كما أنه سبق مناقشتها هناك فليراجع (٢).
وكذلك ما اشترطه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: تقدم في بيان الصيغة، وبقية شروط صحة الوقف.
دليل القول الرابع: (عدم لزوم الوقف)
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - ما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لما نزلت آية الفرائض: "لا حبس عن فرائض الله" (٣).
وجه الدلالة: أن القول بلزوم الوقف حبس للمال عن الورثة، ومنعهم من أخذ فرائضهم التى فرضها الله لهم.
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن الحديث ضعيف لا يثبت.
الثاني: على فرض ثبوته فالمراد منع المال عن الوارث كما كان في الجاهلية يورثون المحاربين، ويحرمون الإناث والصغار.
стр. 635
٢ - ما جاء عن ابن شهاب (الزهري) أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ أو نحو هذا- لرددتها " (١).
قال الطحاوي: " فلما قال عمر ﵁ هذا دل ذلك أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من الرجوع فيها، وأنه إنما منعه من الرجوع فيها أن رسول الله ﷺ أمره فيها بشيء وفارقة على الوفاء به فكره أن يرجع عن ذلك، كما كره عبد الله بن عمرو ﵁ أن يرجع بعد موت رسول الله ﷺ عن الصوم الذي كان فارقه عليه أن يفعله وقد كان له أن لا يصوم " (٢).
ونوقش هذا الدليل من وجوه:
أحدها: أن هذا الخبر عن عمر ﵁ منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يدرك عمر (٣).
الثاني: أنه يبعد جدا أن يكون عمر بن الخطاب ﵁ ندم على قبوله أمر رسول الله ﷺ وما اختاره له في تحبيس أرضه وتسبيل ثمرتها، كيف وهو الذي جاء يستشير رسول الله ﷺ في أمرها، والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٤)، فحاشا لعمر ﵁ أن يوصف بهذا (٥).
الثالث: أنه لو فرض صحة هذا الخبر الوارد عن عمر ﵁، وأن عمر ﵁ ندم على وقفه، وأراد رده لولا كراهته الرجوع عن شيء فارق الرسول ﷺ ، لو فرض كل هذا فإنه لا تقوم به حجة؛ لأن قول الصحابي لا تقوم به