← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وجه الدلالة: قول الرسول ﷺ : "احتبس أدراعه" دلالة على أنه لا يجوز الرجوع في الوقف؛ لأن الحبس -كما سبق- يدل على المنع والتأبيد. ٤ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة" (١). والدلالة في هذا الحديث واضحة كالحديثين السابقين. قال ابن حجر: " لا يفهم من قوله (وقفت وحبست) إلا التأبيد " (٢). وذكر الباجي أن: " التحبيس يقتضي التأبيد ". ونقل عن القاضي أبي محمد أن لفظ التوقيف صريح في تأبيد الحبس فلا يرجع ملكاً أبداً؛ لأن مفهوم هذه اللفظة في العرف التبتل على وجه التأبيد وتمليك المنافع على الدوام (٣). ٥ - حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" (٤). فالصدقة الجارية هي الوقف -كما سبق (٥) - ولا تكون الصدقة جارية إلا إذا كان الوقف لازما وإلا لكانت الصدقة منقطعة، وهذا ما أشار إليه المرغيناني، بقوله: " ولأن الحاجة ماسة إلى أن يلزم الوقف منه ليصل ثوابه إليه على الدوام " (٦).

стр. 632

قال الكمال ابن الهمام تعليقاً على ذلك: " وقد أشار الشرع إلى إعمال ما يدفع هذه الحاجة "، ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁، ثم قال: " ولا طريق إلى تحقق دفع هذه الحاجة وإثبات هذه الصدقة الجارية إلا لزومه " (١). وذكر الشوكاني: " أن هذا الحديث يشعر بأن الوقف يلزم ولا يجوز نقضه، ولو جاز النقض لكان الوقف صدقة منقطعة، وقد وصفه في الحديث بعدم الانقطاع " (٢). (١٩١) ٦ - ما رواه ابن ماجه: حدثنا إسماعيل بن أبي كريمة الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "خير ما يخلف الرجل من بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة تجري يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده" (٣).

стр. 633

قال الشوكاني: " والجري يستلزم عدم جواز النقض من الغير " (١). ٧ - الإجماع: فقد وقع الإجماع من الصحابة على عدم الرجوع عن الوقف، ولذلك قال البغوي: " وللمهاجرين والأنصار أوقاف بالمدينة وغيرها لم ينقل عن أحد منهم أنه أنكره، ولا عن واقف أنه رجع عما فعله لحاجة وغيرها " (٢). وقال ابن قدامة في رده على من قال بعدم لزوم الوقف: "هذا القول يخالف السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فإن النبي ﷺ قال لعمر: "لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث"" (٣). ٨ - القياس على المسجد، فقد قاسوا لزوم الوقف على لزوم المسجد، ولذلك قال السرخسي عن محمد: ثم استدل بالمسجد فقال: " اتخاذ المسجد يلزم بالاتفاق وهو إخراج لتلك البقعة عن ملكه من غير أن يدخل في ملك أحد، ولكنها تصير محبوسة بنوع قربة، فكذلك في الوقف" (٤). ٩ - القياس على المقبرة: قال ابن نصر البغدادي المالكي: " ولأنه تحبيس عقار على وجه القربة، فأشبه المسجد والمقبرة " (٥). ١٠ - القياس على العتق: قال ابن قدامة في استدلاله على لزوم الوقف: "

стр. 634

ولأنه إزالة ملك يلزم بالوصية فإذا نجزه في حال الحياة لزم من غير حكم كالعتق" (١). دليل القول الثاني، والثالث: (جواز الرجوع قبل الحيازة، أو حكم القاضي) استدل أصحاب هذين القولين بأدلة القول الأول الدالة على لزوم الوقف، أما أدلتهم على عدم لزوم الوقف قبل الحوز فقد سبق ذكرها عند الكلام على حيازة الوقف كما أنه سبق مناقشتها هناك فليراجع (٢). وكذلك ما اشترطه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: تقدم في بيان الصيغة، وبقية شروط صحة الوقف. دليل القول الرابع: (عدم لزوم الوقف) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - ما روي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لما نزلت آية الفرائض: "لا حبس عن فرائض الله" (٣). وجه الدلالة: أن القول بلزوم الوقف حبس للمال عن الورثة، ومنعهم من أخذ فرائضهم التى فرضها الله لهم. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف لا يثبت. الثاني: على فرض ثبوته فالمراد منع المال عن الوارث كما كان في الجاهلية يورثون المحاربين، ويحرمون الإناث والصغار.

стр. 635

٢ - ما جاء عن ابن شهاب (الزهري) أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ أو نحو هذا- لرددتها " (١). قال الطحاوي: " فلما قال عمر ﵁ هذا دل ذلك أن نفس الإيقاف للأرض لم يكن يمنعه من الرجوع فيها، وأنه إنما منعه من الرجوع فيها أن رسول الله ﷺ أمره فيها بشيء وفارقة على الوفاء به فكره أن يرجع عن ذلك، كما كره عبد الله بن عمرو ﵁ أن يرجع بعد موت رسول الله ﷺ عن الصوم الذي كان فارقه عليه أن يفعله وقد كان له أن لا يصوم " (٢). ونوقش هذا الدليل من وجوه: أحدها: أن هذا الخبر عن عمر ﵁ منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يدرك عمر (٣). الثاني: أنه يبعد جدا أن يكون عمر بن الخطاب ﵁ ندم على قبوله أمر رسول الله ﷺ وما اختاره له في تحبيس أرضه وتسبيل ثمرتها، كيف وهو الذي جاء يستشير رسول الله ﷺ في أمرها، والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٤)، فحاشا لعمر ﵁ أن يوصف بهذا (٥). الثالث: أنه لو فرض صحة هذا الخبر الوارد عن عمر ﵁، وأن عمر ﵁ ندم على وقفه، وأراد رده لولا كراهته الرجوع عن شيء فارق الرسول ﷺ ، لو فرض كل هذا فإنه لا تقوم به حجة؛ لأن قول الصحابي لا تقوم به

стр. 636

حجة إذا خالف النص الصحيح الصريح (١)، كقوله ﷺ : " تصدق بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق من ثمره " (٢). ٣ - ما روي عن عبد الله بن زيد ﵁ صاحب الأذان-: " أنه جعل حائطه صدقة، وجعله إلى رسول الله ﷺ ، فجاء أبواه إلى رسول الله ﷺ ، فقالا: يا رسول الله لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط، فرده رسول الله ﷺ عليهما ثم ماتا فورثه ابنهما بعدهما " (٣). ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الأول: أن هذا الحديث بالإضافة إلى ما قيل فيه قد ورد في بعض طرقه ما يعارض دليلهم، (١٩٢) فقد أخرج الطبراني من طريق إسحاق بن أبي فروة، عن عثمان بن عبد الرحمن، وعبد الملك بن إبراهيم بن قارظ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا من الأنصار أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله مالي كله صدقة، قال: فافتقر أبواه حتى جلسا مع الأوفاض (٤)، ثم جاءا إلى رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله كان ابننا من أكثر الأنصار مالا فتصدق بماله وافتقرنا حتى جلسنا مع الأوفاض، قال: " صدقة ابنكما رد عليكما ".

стр. 637

ثم توفيا، فأرسل رسول الله ﷺ إلى ابنهما: أن اردد الصدقة، فإن الصدقة لا تورث ولا تعمر (١). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ لم يبح الرجوع في الصدقة ولا عن طريق الميراث. ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذه الرواية ضعيفة لا تقوى على مقابلة الروايات السابقة. الوجه الثاني: أنه إن ثبت هذا الحديث، فقد ورد فيه أنه لم يكن لهم عيش إلا عيش هذا الحائط، وفي بعض الروايات: "أنه قوام عيشهم" فليس لأحد أن يتصدق بقوام عيشه، بل هو مفسوخ إن فعله (٢)، فهذا الحديث يستدل به على رد تصرف من تصدق بجميع ماله، فهو نظير بيع المدبر، ورد الرسول ﷺ صدقة كعب بن مالك ﵁. الوجه الثالث: أن هذا الحديث -إن ثبت- فليس فيه ذكر الوقف، والظاهر أنه جعله صدقة غير موقوفة استناب فيها رسول الله ﷺ ، فرأى والديه أحق الناس بصرفها إليهما، ولهذا لم يردها إليه إنما دفعها إليهما (٣). الوجه الرابع: أن هذا الحديث -إن ثبت- فإنه يحتمل أن الحائط الذي تصرف فيه عبد الله بن زيد كان لأبويه، وكان هو يتصرف فيه بحكم النيابة عنهما فتصرف بهذا التصرف بغير إذنهما فلم ينفذاه (٤)، وأتيا النبي ﷺ فرده

стр. 638

إليهما، ولهذا جاء عند الدارقطني قالا للرسول ﷺ : يا رسول الله إنها كانت قيم وجوهنا ولم يكن لنا مال غيره " (١)، والله أعلم. ٤ - ما روى البخاري من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، لا أعلمه إلا عن أنس ﵁، وفيه: " أن حسان بن ثابت ﵁ باع حصته من وقف أبي طلحة من معاوية " (٢). قال الكرماني: " فإن قيل: كيف جاز بيع الوقف؟ قلت: التصدق على المعين تمليك له " (٣). ونوقش هذا الدليل: أن قول الكرماني يصادم قوله ﷺ : "حبس الأصل" وذلك أنه إذا بيع لم يكن محبساً، وأي معنى للتحبيس إذا جاز بيعه، ولذلك قال العيني مشيراً إلى قول الكرماني السابق: " فيه نظر لا يخفى " (٤). أما الجواب عن بيع حسان: فإن هذا فعل صحابي لم يوافقه عليه الصحابة، وفي الحديث السابق في البخاري فقيل: "تبيع صدقة أبي طلحة؟ " (٥)، وقول الصحابي إذا خالفه صحابي آخر ليس بحجة (٦)، هذا بالإضافة إلى أنه خالف نصا صحيحاً صريحاً عن الرسول ﷺ ، وقول الصحابي إذا خالف النص لا تقوم به حجة، وقد خالف النص (٧). ٥ - القياس: حيث قاسوا الوقف على العارية فأجازوا الرجوع في

стр. 639

الوقف، كما أن الرجوع في العارية جائز بجامع أن في كل منهما تصرف المنفعة إلى الجهة المقصود نفعها مع بقاء العين على ملك الواقف والمعير (١). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أنه قياس مع الفارق فلا يعتد به، فإنه في الوقف يجوز أن تكون العين في يد الواقف إذا وقف على نفسه أو جعل النظارة لنفسه، بينما في العارية لا بد من تسليم العين إلى المستعير ليستفيد من منفعتها، وكذا لو أخرج الوقف من يده إلى ناظر غير الموقف عليه، فإنه يكون قد أخرج الوقف لشخص ليس هو المستوفي لمنافعه بينما في العارية إنما تخرج العين إلى من يستوفي منافعها (٢). الوجه الثاني: أنه قياس فاسد، فلا يحتج به؛ لأنه في مقابل نص صحيح صريح، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس علمنا -قطعا- أنه قياس فاسد (٣). وقال في موضع آخر: " تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع فما رأيت قياساً صحيحاً يخالف حديثاً صحيحاً " (٤). ٦ - ما روي عن شريح أنه قال: "جاء رسول الله ﷺ بإطلاق الحبس" (٥). وجه الدلالة: أن الحبس جمع حبيس، وهو المال المحبوس، وكانوا في الجاهلية يحبسون بعض الأموال ويمنعون التصرف فيها، فجاء رسول الله -

стр. 640

ﷺ بإجازة بيعها، فالقول بلزوم الوقف يلزم عليه مشروعية الحبس التي جاء رسول الله ﷺ بإنهائها. ونوقش هذا الاستدلال: بأن المراد بقول شريح ما كان يحبسه أهل الجاهلية من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي مما حرمه الله ونهى عنه سبحانه في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ (١). ٧ - أن الملك باق في العين الموقوفة بدليل أنه يجوز الانتفاع بها زراعة وسكنى وغير ذلك، وأنه لا يمكن أن يزال الملك لا إلى مالك؛ لأنه غير مشروع مع بقاء العين كالسائبة فتعين أن تكون إلى مالك، وهذا المالك إما أن يكون الواقف أو غيره، قال الكمال: " واتفقنا على أنه لا يكون ملكا لغيره من العباد فوجب أن يكون ملكا للواقف، فلا تخرج العين عن ملكه، وعدم الخروج ملزوم لعدم لزومه صدقة أو براً " (٢). ونوقش هذا الدليل: أنا لا نوافقهم أن العين الموقوفة لا تخرج عن ملك واقفها، بل الصحيح أنها تخرج عن ملكه؛ لأنه إذا وقفها فقد تصدق بأصلها؛ لما ثبت أن الرسول ﷺ قال لعمر ﵁: "تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره " (٣). وحتى لو صح أن العين الموقوفة لا تخرج عن ملك واقفها، فإن عدم الخروج لا يستلزم عدم اللزوم، بل هما منفكان، كما في أم الولد، فإنها باقية تحت ملكه ولا يستطيع التصرف فيها ببيع أو هبة أو نحوها (٤).

стр. 641

٨ - قياس الوقف على العارية، فأجازوا الرجوع في الوقف، كما أن الرجوع جائز في العارية بجامع أن في كل منهما تصرف المنفعة إلى الجهة المقصود نفعها مع بقاء العين على ملك الواقف والمعير (١). نوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه: الأول: أنه قياس مع الفارق؛ فإنه في الوقف يجوز أن تكون العين في يد الواقف إذا وقف على نفسه أو جعل النظارة لنفسه، بينما في العارية لا بد من تسليم العين إلى المستعير ليستفيد من منفعتها، وكذا لو أخرج الوقف من يده إلى ناظر غير الموقف عليه، فإنه يكون قد أخرج الوقف لشخص ليس هو المستوفي لمنافعه، بينما في العارية إنما تخرج العين إلى من يستوفي منافعها (٢). الثاني: أنه قياس فاسد فلا يحتج به؛ لأنه في مقابل نص صحيح صريح، كما سيأتي في أدلة القائلين باللزوم. الثالث: أن العارية قبل الحكم وبعد الحكم سواء، فواجب أن يكون الوقف بعد الحكم وقبله سواء أيضاً (٣). ٩ - أن الوقف يلزم إذا أضافه إلى ما بعد الموت؛ لأنه أخرجه مخرج الوصية. ١٠ - أن الوقف يلزم إذا حكم به حاكم؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف. الترجيح: الراجح -والله أعلم- لزوم الوقف؛ لقوة دليله، ولأنه شيء أخرجه لله فلا يجوز الرجوع فيه.

стр. 642

المسألة الثانية: موانع الرجوع عن الوقف المطلق عند من قال بعدم لزوم الوقف: لقد سبق أن العلماء مختلفون في عقد الوقف هل هو عقد لازم يلزم بمجرد صيغته؟ أو أنه عقد جائز يصح للواقف الرجوع عنه؟، وأن الراجح أنه يقع لازماً، فلا يصح فسخه، لكن من قال بعدم لزوم عقد الوقف ذكروا موانع تمنع من الرجوع في الوقف، وهي كما يلي: الأول: أن يحكم بالوقف حاكم، فإذا حكم به حاكم كان ذلك كافياً لمنع فسخ الوقف. وبهذا قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن (١). وعلة ذلك عندهم: أن لزوم الوقف بالقول، أو ما يقوم مقامه مختلف فيه، وحكم الحاكم يرفع الخلاف (٢). ولكنهم يشترطون في حكم الحاكم الذي يمنع الفسخ أن يكون الحكم وارداً على لزوم الوقف لا على صحته، فإن ورد على لزوم الوقف مُنع به الفسخ، وذلك كما لو سلّم الواقف الوقف إلى الناظر، ثم طالب بعد ذلك الواقف باسترجاعه فيأبى الناظر؛ لكونه يرى أن الوقف قد لزم، فيرفعان الأمر إلى القاضي فيحكم القاضي بلزوم الوقف، فإن هذا الوقف لا يصح الرجوع عنه. وأما إذا كان الحكم وارداً على صحة الوقف، كما لو ادعت عليه زوجته تعليق طلاقها على وقفه أرضه، فأنكر الزوج صحة الوقف؛ لكونه علقه بشرط مثلاً -وهو يرى أن تعليق الوقف بشرط يفسده-، فرفعا أمرهما إلى قاضٍ فحكم بصحة الوقف، فإن هذا لا يمنع الرجوع للواقف؛ لأن الحكم لم يرد

стр. 643

في محل النزاع الذي هو اللزوم، وإنما ورد في محل آخر، وهو صحة الوقف المعلق على شرط (١). الثاني: إخراج الواقف الموقوف من يده إلى الحاكم أو الناظر، فأما إذا لم يخرجه فلا يمنع الفسخ، وبهذا المانع قال محمد بن الحسن (٢)، وبه قال أحمد في رواية (٣)، إلا أن ثمة فرقاً بين قول محمد وقول أحمد، فأما أحمد فيرى على هذا القول أن الإخراج كاف لمنع الفسخ، وأما محمد فيرى أن الإخراج وحده لا يكفي بل لا بد أن تضاف إليه الأمور الآتية. وعللوا لذلك: بقياسه على الهبة، فكما أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فإن الوقف لا يلزم إلا بالقبض بجامع أن كلا منهما هبة لا عوض فيها (٤). وقد قال المالكية –أيضاً-: باشتراط إخراج الوقف من يد الواقف، كما تقدم، وتقدم أنه يبطل إذا مات الواقف أو أفلس أو مرض مرض الموت قبل الحيازة على ما تقدم تفصيله في مبحث قبض الوقف. وقد استدلوا لما ذهبوا إليه: بقصة عطية أبي بكر لعائشة ﵂ (٥) (٦). الثالث: أن يقسم الوقف قبل القبض إذا كان الوقف مشاعاً بين واقفين،

стр. 644

إلا إذا كان الوقف لا يقبل القسمة كالحمام والرحى، فإذا لم يقسم المشاع قبل الوقف فلا يلزم. وهذا الشرط تابع لاشتراط الإخراج السابق؛ لأنه من تمامه، وبه قال محمد بن الحسن (١)، وهو قول للحنابلة كما جاء في الإنصاف: "ويتوجه من عدم صحة إجارة المشاع عدم صحة وقفه" (٢). ويبدو أن اشتراط الحنابلة لذلك على هذا القول هو اشتراط لصحة العقد لا للزومه، خلافاً لمحمد بن الحسن؛ إذ هو عنده شرط للّزوم. الرابع: التأبيد، وذلك بأن يوقفه على جهة قربة لا تنقطع، فإذا وقفه على جهة تنقطع لم يلزم الوقف، وصحّ الرجوع فيه. وإلى هذا الشرط ذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن عليهم رحمة الله. لكن محمد بن الحسن يشترط أن يكون التأبيد لفظاً في الوقف، وأما أبو يوسف فيشترط أن يكون التأبيد موجوداً، سواء أكان ذلك لفظاً أو معنىً. الخامس: ألّا يشترط الواقف لنفسه شيئاً من منافع الوقف، فإن اشترط لنفسه شيئاً من منافع الوقف لم يفت الفسخ. وإلى اشتراط هذا الشرط ذهب محمد بن الحسن من الحنفية (٣). وخلاصة الأمر: أن القائلين بأن عقد الوقف لا يلزم بالقول اختلفوا فيما يمنع به الفسخ: - فذهب الحنابلة في الرواية القائلة بعدم منع الفسخ بالقول وما يدل عليه: إلى أن عقد الوقف يمنع فسخه بإخراج الواقف له من يده إلى يد الحاكم، أو الناظر.

стр. 645

- وذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: إلى أنه يمنع الفسخ بحكم الحاكم بلزوم الوقف. - وذهب أبو يوسف: إلى أنه يلزم باشتراط التأبيد لفظاً أو معنىً. - وذهب محمد بن الحسن: إلى أنه إن لم يحكم به حاكم فإنه لا يمنع فسخه إلا بأربعة شروط: الأول: الإخراج من يد الواقف. الثاني: ألّا يكون مشاعاً. الثالث: أن يكون مؤبداً لفظاً. الرابع: ألّا يشترط الواقف لنفسه شيئاً من منافع الوقف. فإن اختل واحد من تلك الشروط لم يمنع فسخه. المطلب الثاني: الرجوع عن الوقف المعلق بالموت سيأتي حكم الوقف المعلق بالموت، وأما حكم الرجوع عن الوقف المعلق على الموت على قولين: القول الأول: جواز الرجوع عن الوقف المعلق بالموت ما دام الواقف حياً.

стр. 646

وبه قال الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وكثير من الحنابلة (٤). القول الثاني: أنه لا يجوز الرجوع عن الوقف المعلق بالموت، بل يلزم من حين صدوره. وهذا القول هو منصوص الإمام أحمد ﵀ في رواية الميموني، وهو مذهب الحنابلة (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل لهذا القول بما يلي: ١ - أن الوقف المعلق بالموت تبرع بعد الموت، والتبرع بعد الموت وصية، والوصية بإجماع أهل العلم لا تلزم قبل الموت، فهي عقد جائز غير لازم يجوز الرجوع فيها وفي بعضها (٦). ٢ - قياس الوقف المعلق بالموت على التدبير فجاز الرجوع عن الوقف المعلق، كما جاز بيع المدبر عند الحاجة والدين، كما تقدم في الصحيحين (٧).

стр. 647

وجه الدلالة: أن الشارع أجاز الرجوع في التدبير، وهو تعليق العتق على الموت، فأجاز ذلك في العتق هو أشد نفوذاً من الوقف، فالوقف من باب أولى. لكن قال الإمام أحمد: إن المدبر ليس فيه شيء وهو ملك الساعة، وهذا شيء وقفه على قوم مساكين فكيف يحدث به شيئا؟. أدلة القول الثاني: (عدم الجواز) استدل لهذا القول بما يلي: ١ - عموم الأدلة الدالة على لزوم الوقف (١). قال الإمام أحمد: الوقوف إنما كانت من أصحاب النبي ﷺ على أن لا يبيعوا ولا يهبوا (٢). ٢ - أن عمر ﵁ أوصى، فكان في وصيته: " هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث أن ثمغاً صدقه والعبد الذي فيه، والسهم الذي بخيبر ورقيقه الذي فيه، والمئة وسق الذي أطعمني محمد ﷺ تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهله لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث يرى من السائل والمحروم وذوي القربى ولا حرج على من وليه إن أكل أو اشترى رقيقاً" (٣). وجه الدلالة: أن عمر ﵁ منع بيعه وشراءه رغم أنه علقه بالموت، وجعله في وصيته. ونوقش هذا الاستدلال: أما الأدلة الدالة على لزوم الوقف فيستثنى منها

стр. 648

الوقف المعلق بالموت؛ لأن الوقف المعلق بالموت تبرع بعد الموت، وأما وقف عمر ﵁ فليس معلقاً بالموت، وإنما هو وقف منجز. أما قوله ﵁: " إن حدث بي حدث "، فلبيان من يلي وقفه بعده، لا ليرتب عليه الوقف، وقد سبق أن عمر نجز وقفه في السنة السابعة من الهجرة، وكتابه هذا إنما كتبه في خلافته، يدل على ذلك وصفه بأنه أمير المؤمنين. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول، والذي عليه جمهور العلماء القائل بجواز الرجوع في الوقف المعلق على الموت، ومما يدل على ضعف القول الثاني أن أصحابة فرقوا في الحكم فجعلوه وقفاً من حيث اللزوم، ووصية من حيث خروجه من الثلث (١)، ولم يجعلوه في حكم الوصايا في الرجوع فيه، وهذا تفريق بلا دليل فيلزمهم أن يجعلوه خارجا عن الثلث وهم لا يقولون به.

стр. 649

المطلب الثالث: الرجوع عن الوقف المنجز في مرض الموت سيأتي حكم الوقف المنجز في مرض الموت، وضابط مرض الموت، وما يلحق به، وقد اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى-في حكم الرجوع عن الوقف المنجز في مرض الموت على قولين: القول الأول: أنه لا يجوز الرجوع عن الوقف المنجز في مرض الموت. وبه قال من قال بلزوم الوقف المطلق من الحنفية، وهو قول للمالكية، ومذهب الشافعية، والحنابلة (١). القول الثاني: أنه يجوز الرجوع عن الوقف المنجز في مرض الموت. وهو المشهور عند المالكية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل لهذا القول بما يلي: ١ - ما تقدم من الأدلة على لزوم الوقف (٣). ٢ - الأدلة الدالة على لزوم الهبة في مرض الموت، وعدم الرجوع فيها.

стр. 650

٣ - ولأنه عقد تام (١). دليل القول الثاني: استدل لهذا القول بالقياس على الوصية؛ إذ لا ينفذ من الوقف إن مات من مرضه إلا الثلث، فدل على أن له حكم الوصية، والوصية يجوز الرجوع فيها (٢). ونوقش: بأنه قياس مع الفارق؛ إذ الوقف في مرض الموت ينفذ من جميع المال إذا صحّ، فلا يجوز له الرجوع فيه، بخلاف الوصية فيجوز الرجوع فيها سواء كان في مرضه أو بعد شفائه (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم صحة الرجوع في الوقف المنجز في مرض الموت؛ إذ الوقف يخالف الوصية في مسائل كثيرة تقدمت في الباب التمهيدي.

стр. 651

المبحث الثالث: اشتراط الخيار في الوقف صورة ذلك: أن يقول: هذا البيت وقف ولي خيار لمدة يوم أو يومين، ونحو ذلك. اختلف العلماء في ذلك: القول الأول: صحة الوقف والشرط. وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره شيخ الإسلام (١). لكن اشترط أبو يوسف أن يبين وقتاً معلوماً للشرط، فإن كان مجهولاً بطل الوقف. جاء في الاختيارات: "ويثبت خيار المجلس في البيع، ويثبت خيار الشرط في كل العقود، ولو طالت المدة ". القول الثاني: أن الوقف صحيح، والشرط باطل. وبه قال بعض الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وهو قول عند الشافعية (٤)، ووجه عند الحنابلة (٥).

стр. 652

القول الثالث: بطلان الوقف والشرط معاً. وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية (١)، وهو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). جاء في أوقاف الخصاف: " أرأيت الرجل إذا قال قد جعلت أرضي هذه صدقةً موقوفةً لله أبداً على كذا، وعلى كذا فسمى وجوهاً على أنه بالخيار في إبطال هذا متى رأيت؟ قال: الوقف باطل لا يجوز " (٤). وقال الطرابلسي: " اختلفت أئمتنا فيما لو وقف أرضه، أو داره وشرط الخيار لنفسه … قال محمد: لا يصح الوقف معلوماً كان الوقت أو مجهولاً، واختاره هلال " (٥). وقال النووي: " ولو وقف بشرط الخيار بطل على الصحيح " (٦). وجاء في روضة الطالبين: " فلو وقف بشرط الخيار، أو قال: وقفت بشرط أني أبيعه، أو أرجع فيه متى شئت فباطل، واحتجوا له بأنه إزالة ملك إلى الله كالعتق، أو إلى الموقوف عليه كالبيع والهبة، وعلى التقديرين، فهذا شرط مفسد، لكن في فتاوى القفال أن العتق لا يفسد بهذا الشرط، وفرق بينهما بأن العتق مبني على الغلبة والسراية " (٧).

стр. 653

وقال البهوتي: " وإن شرط الواقف في الوقف شرطاً فاسداً كخيار فيه بأن قال: وقفته بشرط الخيار أبدا أو مدة معينة لم يصح " (١). الأدلة: أدلة القول الأول: (صحة الوقف، والشرط) ١ - ما سيأتي من الأدلة على صحة شروط الواقفين، ولزومها (٢). ٢ - ما سبق من أدلة الرضا (٣). وجه الدلالة: حيث دلت هذه الأدلة على أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، والواقف لم يرضَ بإخراج ملكه إلا على هذا الوصف. أدلة القول الثاني: (بطلان الشرط) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - النصوص العامة الدالة على لزوم الوقف (٤). وجه الدلالة: دلت تلك النصوص على أن الوقف يقتضي اللزوم والدوام والاستمرار، فلا يجوز التصرف بعينه بما يحيله عن الوقفية، واشتراط الخيار فيه ينافي مقتضى عقد الوقف، فلم يصح كما لو شرط أن له بيعه متى شاء (٥). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: استثناء شرط الخيار؛ لما تقدم من أدلة الرأي الأول. الوجه الثاني: أن الأصل المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم، كما سيأتي في بيع الوقف واستبداله.

стр. 654

٢ - أن وقوف سلف هذه الأمة كانت وقوفاً بتاتاً في أصلها، وشروطهم فيها أن لا تباع ولا توهب ولا تورث، وإنما يريدون بذلك أنه لا رجعة لهم فيها، فكل ما كان الوقف على وقوفهم لا مثنوية فيه فهو جائز، وما كانت فيه الرجعة فلا يجوز، لأنه خلاف وقوفهم (١). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن هذه الوقوف لا رجعة فيها؛ لعدم اشتراطهم الخيار؛ إذ هذه الوقوف ليس فيها ما يدل على عدم ملك الرجوع مع اشتراط الخيار. الوجه الثاني: أنه ورد عن بعضهم الرجوع، كما سلف عن حسان ﵁ (٢). ٣ - أن الوقف إزالة ملك لله تعالى، فلم يصح اشتراط الخيار فيه كالعتق (٣). ونوقش: بعدم التسليم، فيصح الخيار في العتق. ٤ - القياس على المسجد، وذلك أن اشتراط الخيار في المسجد باطل واتخاذ المسجد صحيح، فكذلك في الوقف. ونوقش من وجهين: الأول: ونوقش بما نوقش به الدليل السابق. الثاني: أنه قياس مع الفارق؛ إذ المسجد يختلف عن غيره، فمثلا لو وقف أرضا أو بيتا على قوم بأعيانهم اختص بهم ولم يكن لغيرهم مشاركتهم، ولو فاضل بينهم في الغلة جاز، بخلاف المسجد فلو وقفه على قوم بأعيانهم جاز لغيرهم أن يصلي فيه، ولو فاضل بينهم في المسجد لم يصح.

стр. 655

الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ إذ الأصل في الشروط في العقود الصحة، ومن ذلك عقد الوقف.

стр. 656

المبحث الرابع: اشتراط الواقف بيع الوقف، أو هبته، أو الرجوع فيه اختلف العلماء في حكم اشتراط الواقف في وقفه أن يبيعه أو يهبه أو يرجع فيه متى شاء، ومدى تأثيره على الوقف على ثلاثة أقوال هي: القول الأول: صحة الشرط والوقف معاً. وهذا هو قول المالكية (١)، اختاره شيخ الإسلام (٢). قال الدردير: " وللواقف في المرض الرجوع فيه؛ لأنه كالوصية بخلاف الواقف في الصحة، فلا رجوع له فيه قبل المانع ويجبر على التحويز، إلا إذا شرط لنفسه الرجوع فله ذلك " (٣). القول الثاني: أن الوقف صحيح، والشرط باطل، فلا يجوز الرجوع فيه ولو شرطه. وبه قال بعض الحنفية (٤)، وهو قول ضعيف عند الشافعية (٥)،

стр. 657

والحنابلة (١)، وهو قول الظاهرية (٢). القول الثالث: بطلان الشرط والوقف معاً. وهذا القول هو قول الحنفية (٣)، والصحيح عند الشافعية (٤)، وهو قول الحنابلة (٥). جاء في الفتاوى الهندية: " ولو شرط أن يبيعه ويجعل ثمنه في وقف أفضل إن رأى الحاكم بيعه أذن له فيه كذا في الوجيز، وذكر الخصاف في وقفه لو شرط أن يبيعها ويصرف ثمنها إلى ما رأى من أبواب الخير فالوقف باطل، ولو شرط في أصل الوقف أن يبيعه لم يبعه لا يجوز لمن وليه بعده أن يبيعه كذا في الذخيرة" (٦). وجاء في مغني المحتاج: " (ولو وقف بشرط الخيار) لنفسه في إبقاء وقفه والرجوع فيه متى شاء، أو شرط لغيره أو شرط عوده إليه بوجه ما، كأن شرط أن يبيعه أو شرط أن يدخل من شاء ويخرج من شاء (بطل على الصحيح) قال الرافعي: كالعتق والهبة، قال السبكي: وما اقتضاه كلامه من بطلان العتق غير معروف، وأفتى القفال: بأن العتق لا يبطل بذلك؛ لأنه مبني على الغلبة والسراية، ومقابل الصحيح يصح الوقف ويلغو الشرط، كما لو طلق على أن لا رجعة له " (٧).

стр. 658

وجاء في الإنصاف: " لو شرط في الوقف أن يبيعه أو يهبه أو يرجع فيه متى شاء بطل الشرط والوقف في أحد الأوجه، وهو الصحيح من المذهب نص عليه، وقدمه في الفروع وشرح الحارثي والفائق والرعايتين والحاوي الصغير، قال المصنف في المغنى: لا نعلم فيه خلافا، وقيل: يبطل الشرط دون الوقف وهو تخريج من البيع وما هو ببعيد. قال الشيخ تقي الدين ﵀: يصح في الكل، نقله عنه في الفائق " (١). الأدلة: أدلة القول الأول: (صحة الوقف، والشرط) استدل لهذا القول بما يلي: ١ - الأدلة الدالة على صحة الشروط في عقد الوقف، ولا يحرم منها ولا يبطل إلا ما جاء الدليل على إبطاله وتحريمه (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن شرط بيع الوقف أو هبته أو الرجوع فيه مناف لمقصود عقد الوقف؛ إذ المقصود بقاؤه ولزومه، كاشتراط الولاء لغير المعتق، وقد أبطله الشارع. وأجيب من وجهين: الوجه الأول: أن البيع أو الهبة أو الرجوع المنافي لمقصود عقد الوقف هو الذي خلا عن شرط الواقف، عن الرجوع ونحو ذلك، أما ما اقترن بشرط الواقف بالبيع ونحوه، فلم يقصد الواقف دوامه ولزومه إلا على هذا الوجه. الوجه الثاني: أن القياس على اشتراط الولاء لغير المعتق قياس مع الفارق؛ إذ لا يصح شرط الولاء لغير المعتق؛ لأن الولاء لحمة، أي التحام

стр. 659

بين المعتِقِ والمعتَقِ، وهو عصوبة كعصوبة النسب، فلا يصح الولاء إلا للمعتق. ٢ - الأدلة الدالة على شرط الرضا في العقود (١). وجه الدلالة: أن الموقف لم يرض بإخراج هذا المال عن ملكه بالوقف إلا مع هذا الشرط. ٣ - بيع حسان حصته من وقف أبي طلحة من معاوية ﵁ (٢). قال ابن حجر: " يحتمل أن يقال شرط أبو طلحة عليهم لما وقفها عليهم أن من احتاج إلى بيع حصته منهم جاز له بيعها، وقد قال بهذا الشرط بعض العلماء كعلي وغيره، والله أعلم " (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الاحتمال الذي ذكره ابن حجر ﵀-ضعيف جدا؛ إذ لم يقم الدليل عليه، أما بيع حسان لحصته فقد سبق مناقشته حينما استدل به من قال بجواز الرجوع في الوقف مطلقاً، فلا حاجة لتكرار المناقشة هنا (٤). ٤ - قول عمر ﵁: "لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتها" (٥). فإنه يحتمل أن يكون عمر ﵁ كان يرى بصحة الوقف ولزومه، إلا أن شرط الواقف الرجوع فله أن يرجع، ذكره ابن حجر (٦).

стр. 660

ونوقش هذا الاستدلال: أن هذا الاحتمال الذي ذكره ابن حجر ضعيف أيضاً، فلا يوجد في سياق الخبر ما يفيد ذلك، ولم ينقل عن عمر ﵁ أنه كان يرى ذلك، هذا بالإضافة إلى أنه قد سبق تضعيف هذا الخبر عن عمر ﵁ ومناقشة استدلالهم به (١). ٥ - أنه وارد عن علي ﵁ (٢). أدلة القول الثاني: (بطلان الشرط، وصحة الوقف) استدل لهذا القول بما يلي: ١ - القياس على الشروط الفاسدة في البيع، فإن الشروط تبطل ويصح البيع (٣)؛ (١٩٣) لما روى البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقيه فأعينيني، فقالت: إن أحبّوا أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم -ورسول الله ﷺ جالس-، فقالت: إني عرضت ذلك عليهم، فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبي ﷺ ، فأخبرت عائشة النبي ﷺ ، فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق"، ففعلت عائشة ﵂، ثم قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرط ليس في كتاب

стр. 661

الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (١). فأبطل الرسول ﷺ الشرط ولم يبطل العقد. ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن هذا قياس مع الفارق فلا يحتج به، فإن عقد الوقف عقد إسقاط، وأما عقد البيع فهو عقد معاوضة، فلا تقاس عقود التبرعات على عقود المعاوضات. الوجه الثاني: أن في صحة البيع مع الشروط الفاسدة خلافا بين العلماء، فالذين قالوا بصحة البيع قالوا: بأن للبائع الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن وللمشترى الرجوع بزيادة الثمن إن كان هو المشترط؛ لأن البائع إنما سمح بالبيع بهذا الثمن لما يحصل له من الغرض بالشرط، والمشتري إنما سمح له بزيادة الثمن من أجل شرطه، وإذا لم يحصل غرضه ينبغي أن يرجع بما سمح به كما لو وجدوه معيبا، وثمن ما سمح به مجهول، فيصير ثمن العين مجهولاً (٢). الوجه الثالث: أن الشارع أبطل اشتراط الولاء في العتق؛ لأنه مخالف للشرع؛ لأن الولاء لحمة كلحمة النسب وعصوبة بين المعتق والمعتق، بخلاف بقية الشروط في العقود التي لم تخالف الشرع. ٢ - قياسه على العتق بشرط الرجوع، فإنه يقع العتق ويبطل الشرط (٣). ونوقش: بأن الأصل المقيس عليه موضع خلاف، فإن كثيراً من العلماء

стр. 662

قالوا بعدم وقوع العتق بشرط الرجوع، وحتى لو سلمنا وقوعه فإن العتق مخالف للوقف، وذلك أن العتق مبني على التغليب والسراية (١). ٣ - قياس اشتراط الرجوع في الوقف على اشتراط من طلق زوجته أن لا رجعة له (٢). فإن المطلق إذا أسقط حقه من الرجعة، أو طلق بشرط أن لا رجعة له وقع الطلاق، ولم يسقط حقه في الرجوع (٣). ونوقش: أن هذا القياس قياس مع الفارق فلا يصح؛ لأن اشتراط الرجوع في الوقف يعتبر إنشاء عقد لم يكن ثابتا له بخلاف اشتراط عدم الرجوع له فإنه إسقاط حكم أثبته الشارع، فلا يسقط لمجرد إسقاطه كالميراث (٤). أدلة القول الثالث: (بطلان الشرط، والوقف) استدل لهذا القول بما يلي: ١ - أن اشتراط حق بيع الوقف أو الرجوع فيه ينافي مقتضى الوقف الذي بينه الرسول ﷺ (٥) بقوله لعمر ﵁: " تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره ". ونوقش هذا الاستدلال: بأنه ينافي مقتضى العقد إذا لم يكن شرط، فإن كان هناك شرط، فإن العقد شامل للشرط.

стр. 663

٢ - قياس الوقف على الصدقة بجامع أن كلا منهما إخراج مال على وجه القربة، فلم يصح مع هذه الشروط. ونوقش: بأن الأصل المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم. ٣ - أن الوقف إزالة ملك إلى الله كالعتق، أو إلى الموقوف عليه كالبيع والهبة، وعلى التقديرين فهذا شرط مفسد (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه استدلال في محل النزاع. الترجيح: بعد استعراض أقوال العلماء في هذه المسألة، واستعراض أدلة كل قول نجد أن القول الأول هو القول الراجح؛ لقوة أدلته في مقابل أدلة الأقوال الأخرى.

стр. 664

المبحث الخامس: ظهور دين على الواقف تقدم أن عقد الوقف عقد لازم، وأنه لا يجوز الرجوع فيه وإبطاله، لكن إذا ظهر على الواقف دين، فهل يجوز إبطال الوقف لوفاء الدين؟. للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: أنه لا يجوز إبطال الوقف لوفاء الدين. وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). وحجته: ما تقدم من الأدلة على لزوم الوقف، وعدم جواز الرجوع فيه، وهذا يشمل ما إذا ظهر على الواقف دين (٢). القول الثاني: أنه يجوز الرجوع في الوقف إذا ظهر على الواقف دين، فإنه يباع لوفاء دينه. وبه قال بعض الحنابلة (٣). قال شيخ الإسلام: " إن كان الوقف في الصحة، فهل يباع لوفاء الدين؟ فيه خلاف بين العلماء في مذهب أحمد وغيره، ومنعه قول قوي " (٤).

стр. 665

وحجته: حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: أعتق رجل من الأنصار غلاماً له عن دبر وكان محتاجاً، وكان عليه دين، فباعه رسول الله ﷺ بثمانمئة درهم فأعطاه، فقال: " اقض دينك، وأنفق على عيالك " (١). قال شيخ الإسلام: " وليس هذا بأبلغ من التدبير، وقد ثبت أن النبي ﷺ باع المدبر في الدين " (٢). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن الرسول ﷺ إنما باع المدبر في هذا الحديث؛ لأن الذي دبر ليس له مال غيره، فكان تدبيره سفهاً من فاعله، فرده عليه النبي ﷺ ، فهو نظير رد الرسول ﷺ صدقة كعب ﵁، فقد روى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن كعب قال: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " (٣). الوجه الثاني: أنه لا دلالة في الحديث؛ إذ الدين بعد الوقف، فلم يكن مبطلاً، وفي الحديث التدبير مقارن للصدقة بالمال. الترجيح: الراجح -والله أعلم- عدم جواز الرجوع في الوقف؛ لظهور دين على الواقف؛ لأن لزوم الوقف سابق، ولأن الدين لا يجب وفاؤه على المعسر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤).

стр. 666

الفصل الثاني: شروط الواقفين وفيه مباحث: المبحث الأول: المراد بشروط الواقفين، وحكمها، وأدلتها، وقواعد فيها. المبحث الثاني: حكم تغيير شرط الواقف، وأقسامه. المبحث الثالث: أقسام شروط الواقفين.

стр. 667

المبحث الأول: المراد بشروط الواقفين، وحكمها، وأدلتها وفيه مطالب: المطلب الأول: المراد بشروط الواقفين الشرط في اللغة: هو إلزام شيء والتزامه في البيع ونحوه كالشريطة، والجمع شروط، وفي المثل: الشرط أملك، عليك أم لك. والشرط بفتح الشين المشددة وفتح الراء: العلامة يجمع على أشراط، ومنه أشراط الساعة أي علاماتها، قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (١) (٢). وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته (٣). والمراد بشروط الواقفين اصطلاحاً: ما يشترطه الواقف في وقفه، مما فيه مصلحة. مما تفيده وتشتمل عليه صيغة الوقف من القواعد التي يضعها الواقف للعمل بها في وقفه من بيان مصارفه، وطريقة استغلاله، وتعيين جهات

стр. 668

الاستحقاق، وكيفية توزيع الغلة على المستحقين، وبيان الولاية على الوقف، والإنفاق عليه، ونحو ذلك. وقد تكون الصيغة اللفظية المفيدة للاشتراط صريحة بلفظ أشترط كذا، أو مع اشتراط كذا ونحوها، وقد تكون بأداة من أدوات الشرط اللغوية، مثل: وقفت داري على أولادي، ومن لم يحافظ على الصلاة فلا شيء له في الوقف. ومثلها سائر المخصصات والمقيدات اللفظية المتصلة، كالاستثناء، مثل: وقفت على أولادي إلا زيداً. والصفة، كالمتعلمين أو الفقراء ونحوهما. وعطف البيان نحو: وقفت على ولدي أبي محمد عبد الله، وفي أولاده من كنيته أبو محمد غيره، فيختص به عندئذ عبد الله دون غيره. ومثل بدل البعض: وقفت على أولادي فلان وفلان وعلى أولاد صلبه إذا كان له أولاد غير الثلاثة. والجار والمجرور المتعلق بصيغة الوقف نحو: على أن لفلان كذا وفلان كذا. ونحو ذلك من الصيغ اللفظية الدالة على إدخال شيء أو إخراجه، أو ترتيبٍ أو تقديم أو تأخير، أو جمعٍ، أو مساواةٍ أو تفضيل، أو إعطاءٍ أو حرمان أو تقييدٍ في النظر بشخص معين أو صفةٍ معينةٍ أو زمانٍ أو مكانٍ معينين (١).

стр. 669

المطلب الثاني: حكمها، وأدلتها، ومذاهب العلماء فيها وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكمها، وأدلتها. يتفق الأئمة الأربعة على أن الأصل في شروط الواقف الحل والصحة، وأن العمل بها واجب على الواقف وعلى غيره ناظراً كان أو حاكماً أو قاضياً، ما لم تكن هذه الشروط مخالفة للشرع، أو لمقتضى الوقف، وما لم تقتض الضرورة أو المصلحة مخالفتها -كما سيأتي- (١). وقد استدلوا على ذلك بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢)، والأمر بإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله، ووصفه، ومن وصفه: الشرط فيه. ٢ - قوله تعالى في شأن الوصية: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ (٣)، فبيّن أن التبديل في الوصية إثم، والوقف مثلها. (١٩٤) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الليث قال: حدَّثنى يزيد

стр. 670

ابن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " (١). (١٩٥) ٤ - قوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم" (٢)، والواقف قد أوقف ماله على هذا الشرط، ولم يأذن في صرفه إلا وفقه، فوجب الالتزام به؛ لأن الأصل في الأموال العصمة. ٥ - وفعل عمر ﵁، فقد شرط في وقفه شروطاً، ولو لم يكن اتباع تلك الشروط واجباً على من يلي وقفه لكان اشتراطها خالياً من الفائدة وعبثاً (٣). ٦ - ما رواه مالك في الموطأ عن القاسم بن محمد أنه قال: " ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم، وفيما أعطوا "، قال مالك: " وعلى ذلك الأمر عندنا "، وقال الباجي: " أي عند علماء المدينة " (٤). ٧ - أن الناظر بمنزلة الوكيل عن الواقف، والوكيل يجب عليه تتبع تخصيصات موكله، كما لو قال له موكله: تصدق بهذا المال على فقراء البلد الفلاني، فإنه لا خلاف في وجوب التقيّد به، وعدم جواز تفريقه على غيرهم (٥)، فكذلك يجب على من يلي النظر في الوقف التقيد بشروط الواقف. ٨ - لما كان ابتداء الوقف إلى الواقف، فكذلك تفصيلاته، قال ابن قدامة: "لا نعلم في ذلك خلافاً" (٦).
следующие страницы →