الفصل الثاني: شروط الواقفين
وفيه مباحث:
المبحث الأول: المراد بشروط الواقفين، وحكمها، وأدلتها، وقواعد فيها.
المبحث الثاني: حكم تغيير شرط الواقف، وأقسامه.
المبحث الثالث: أقسام شروط الواقفين.
стр. 667
المبحث الأول: المراد بشروط الواقفين، وحكمها، وأدلتها
وفيه مطالب:
المطلب الأول: المراد بشروط الواقفين
الشرط في اللغة: هو إلزام شيء والتزامه في البيع ونحوه كالشريطة، والجمع شروط، وفي المثل: الشرط أملك، عليك أم لك.
والشرط بفتح الشين المشددة وفتح الراء: العلامة يجمع على أشراط، ومنه أشراط الساعة أي علاماتها، قال تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (١)(٢).
وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته (٣).
والمراد بشروط الواقفين اصطلاحاً: ما يشترطه الواقف في وقفه، مما فيه مصلحة.
مما تفيده وتشتمل عليه صيغة الوقف من القواعد التي يضعها الواقف للعمل بها في وقفه من بيان مصارفه، وطريقة استغلاله، وتعيين جهات
стр. 668
الاستحقاق، وكيفية توزيع الغلة على المستحقين، وبيان الولاية على الوقف، والإنفاق عليه، ونحو ذلك.
وقد تكون الصيغة اللفظية المفيدة للاشتراط صريحة بلفظ أشترط كذا، أو مع اشتراط كذا ونحوها، وقد تكون بأداة من أدوات الشرط اللغوية، مثل: وقفت داري على أولادي، ومن لم يحافظ على الصلاة فلا شيء له في الوقف.
ومثلها سائر المخصصات والمقيدات اللفظية المتصلة، كالاستثناء، مثل: وقفت على أولادي إلا زيداً.
والصفة، كالمتعلمين أو الفقراء ونحوهما.
وعطف البيان نحو: وقفت على ولدي أبي محمد عبد الله، وفي أولاده من كنيته أبو محمد غيره، فيختص به عندئذ عبد الله دون غيره.
ومثل بدل البعض: وقفت على أولادي فلان وفلان وعلى أولاد صلبه إذا كان له أولاد غير الثلاثة.
والجار والمجرور المتعلق بصيغة الوقف نحو: على أن لفلان كذا وفلان كذا.
ونحو ذلك من الصيغ اللفظية الدالة على إدخال شيء أو إخراجه، أو ترتيبٍ أو تقديم أو تأخير، أو جمعٍ، أو مساواةٍ أو تفضيل، أو إعطاءٍ أو حرمان أو تقييدٍ في النظر بشخص معين أو صفةٍ معينةٍ أو زمانٍ أو مكانٍ معينين (١).
стр. 669
المطلب الثاني: حكمها، وأدلتها، ومذاهب العلماء فيها
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: حكمها، وأدلتها.
يتفق الأئمة الأربعة على أن الأصل في شروط الواقف الحل والصحة، وأن العمل بها واجب على الواقف وعلى غيره ناظراً كان أو حاكماً أو قاضياً، ما لم تكن هذه الشروط مخالفة للشرع، أو لمقتضى الوقف، وما لم تقتض الضرورة أو المصلحة مخالفتها -كما سيأتي- (١).
وقد استدلوا على ذلك بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢)، والأمر بإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله، ووصفه، ومن وصفه: الشرط فيه.
٢ - قوله تعالى في شأن الوصية: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ (٣)، فبيّن أن التبديل في الوصية إثم، والوقف مثلها.
(١٩٤) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الليث قال: حدَّثنى يزيد
стр. 670
ابن أبى حبيب، عن أبى الخير، عن عقبة بن عامر ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " (١).
(١٩٥) ٤ - قوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم" (٢)، والواقف قد أوقف ماله على هذا الشرط، ولم يأذن في صرفه إلا وفقه، فوجب الالتزام به؛ لأن الأصل في الأموال العصمة.
٥ - وفعل عمر ﵁، فقد شرط في وقفه شروطاً، ولو لم يكن اتباع تلك الشروط واجباً على من يلي وقفه لكان اشتراطها خالياً من الفائدة وعبثاً (٣).
٦ - ما رواه مالك في الموطأ عن القاسم بن محمد أنه قال: " ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم، وفيما أعطوا "، قال مالك: " وعلى ذلك الأمر عندنا "، وقال الباجي: " أي عند علماء المدينة " (٤).
٧ - أن الناظر بمنزلة الوكيل عن الواقف، والوكيل يجب عليه تتبع تخصيصات موكله، كما لو قال له موكله: تصدق بهذا المال على فقراء البلد الفلاني، فإنه لا خلاف في وجوب التقيّد به، وعدم جواز تفريقه على غيرهم (٥)، فكذلك يجب على من يلي النظر في الوقف التقيد بشروط الواقف.
٨ - لما كان ابتداء الوقف إلى الواقف، فكذلك تفصيلاته، قال ابن قدامة: "لا نعلم في ذلك خلافاً" (٦).
стр. 671
المسألة الثانية: مذاهب العلماء فيها:
أولاً: مذهب الحنفية:
الحنفية: وإن كانت أصولهم في أغلبها مبنية على أن الأصل في العقود والشروط فيها الحظر إلا ما قام الدليل على إباحته، إلا أنهم توسعوا في شروط الوقف أكثر من سائر العقود.
وهم يقسمون شروط الواقفين من حيث صحتها وأثرها على الوقف إلى ثلاثة أقسام (١):
القسم الأول: شروط باطلة في نفسها، مبطلة للوقف مانعة من انعقاده:
وهي الشروط التي تنافي اللزوم والتأبيد، كأن يشترط الواقف عند إنشاء صيغة الوقف أن يكون له حق بيعه أو هبته، أو أن يعود إلى ورثته بعد موته، أو يصير ملكاً لهم عند احتياجهم، وغير ذلك من الشروط التي تنافي التأبيد؛ لأن الصيغة إذا اقترنت بهذه الشروط تصير غير منشئة للوقف؛ إذ بطل مدلوله وسقط مفهومه، ولم يثبت التزام على مذهبهم (٢).
القسم الثاني: شروط باطلة في نفسها، غير مبطلة للوقف، فإذا اقترنت به صح الوقف وبطلت هي من غير أن تؤثر فيه.
وهذه هي الشروط التي يكون منهياً عنها، أو تكون مخالفة للمقررات الشرعية، أو ليست في مصلحة المستحقين.
فكل ما كان كذلك من الشروط فهو فاسد لكونه ممنوعاً شرعاً، لا لكونه مناقضاً ومخالفاً لمقتضى الوقف، ولهذا حكم بفسادها هي وعدم تأثيرها على صحة الوقف تبرع، والتبرعات لا تبطلها الشروط الفاسدة.
ومن الأمثلة التي ضربها فقهاء الحنفية لهذه الشروط الباطلة مما شرطها
стр. 672
بعض الواقفين في أوقافهم، وأفتى المفتون فيها بالإبطال، وحكم القضاة بعد الأخذ بها ما يلي:
١ - إذا جعل الواقف النظر لشخص أو أشخاص، واشترط أن لا يعزلوا ولو خانوا.
فإن اشتراط عدم عزلهم مع ثبوت خيانتهم مخالف للمقررات الشرعية؛ لما فيه من إقرار الخائن على خيانته، وهو أيضاً منافٍ لمصلحة الوقف والمستحقين (١).
٢ - إذا شرط الواقف أن للمتولى أن يؤجر الوقف بما يشاء، ولو كان أقل من أجرة المثل.
فهذا الشرط غير معتبر؛ لما فيه من إضرار بالوقف وبالمستحقين، حتى ولو كان المتولى هو المستحق (٢).
٣ - إذا اشترط الواقف في وقفه أن لا يُعَمَّر أو يرمم حتى ولو تهدم وتعطلت منافعه، أو اشترط أن عطاء الموقوف عليهم مقدم على عمارة الوقف وصيانته.
فهذه الشروط وأمثالها باطلة، لا يلتفت إليها؛ لما فيها من الإضرار بالوقف وبالمستحقين.
القسم الثالث: شروط صحيحة، وهي الشروط التي لا تنافي مقتضى الوقف وليس فيها مخالفة لنصوص الشرع وقواعده المقررة، ولا تؤدي إلى ضرر بالوقف أو بالمستحقين.
كاشتراط الغلة لجهة معينة، واشتراط أداء دين ورثته من الغلات إذا لزمتهم ديون، واشتراط أن يكون لمتولى الوقف الزيادة والنقصان في
стр. 673
المرتبات، واشتراط أن يكون الاستحقاق في الغلات على مقدار الحاجة، واشتراط الصرف لأقاربه الفقراء على جهة الأولوية في الأوقاف الخيرية.
فهذه الشروط وأمثالها يجب الأخذ بها، والعمل على تنفيذها، وعدم مخالفتها؛ لأنها تحدد المصرف، وتُعيِّن المستحقين، وتنظم التوزيع من غير أن يكون هناك ضرر على أحد، ولا ضرر بالوقف، وليس فيها معصية ولا مخالفة للمبادئ الشرعية المقررة (١).
هذا تقسيم الفقهاء الحنفية لشروط الواقفين من حيث صحتها وبطلانها، وأثرها على الوقف بطلاناً وعدمه.
وبعض المتأخرين منهم قد يوجبون تنفيذ ما لا يتفق مع مقاصد الشرع العامة، أو مع مصلحة المستحقين.
ومن ذلك: أن يشترط الواقف لاستحقاق زوجته في سكنى الوقف أو في الغلة أن لا تتزوج من بعده (٢).
ثانياً: مذهب المالكية:
يرون صحة ولزوم كل شرط جائز شرعاً في الوقف، ويعنون بالشرط الجائز ما لا يكون ممنوعاً شرعاً -وإن كان مكروهاً-، وما لا ينافي مقتضى الوقف، أو يكون فيه ضرر على الواقف أو المستحقين (٣).
وتتضح هذه القاعدة في حكم شروط الواقفين عندهم بما ضربوه من الأمثلة للشروط الممنوعة، فمنها:
١ - أن يشترط بأن له حق بيعه أو هبته في أي وقت يشاء، فهذا شرط
стр. 674
باطل، ومبطل للوقف؛ لأنه شرط منافٍ لمقتضى الوقف من اللزوم والدوام (١).
٢ - أن يشترط أن يكون إصلاح الوقف على مستحقه من غير غلته، فهذا الشرط ممنوع غير معتبر؛ لأنه يحول الوقف إلى كراء مجهول، وكراء المجهول ممنوع شرعاً، فالشرط باطل، والوقف صحيح.
٣ - أن يشترط الواقف تقديم الصرف على منافع أهله من غلة الموقوف، ويؤخر إصلاح ما تهدم منه إن كان عقاراً، أو الإنفاق عليه إن كان حيواناً، فهذا الشرط باطل لما فيه من الإضرار بالوقف، فلا يلزم الأخذ به، بل يجب تركه والبدء بمرمة الوقف والنفقة عليه من غلته حفاظاً على بقاء عينه (٢).
٤ - أن يشترط الواقف حرمان البنات من الاستحقاق في الوقف مطلقاً أو بعد الزواج .... فهذا الشرط باطل على الراجح في المذهب، ويبطل به الوقف؛ لما فيه من ارتكاب المنهي عنه شرعاً وهو حرمان البنات.
قال الدردير: " وبطل على معصية … أو على أن من تزوجت من بناته فلا حق لها في الوقف، وتخرج منه، ولا تعود له، ولو تأيمت " (٣).
ثالثاً: مذهب الشافعية:
بناء على كثير من أصولهم يذهبون إلى أن الأصل في الشروط في العقود الحظر؛ إلا ما قام دليل على جوازه وصحته.
ولكنهم يرون أن كل شرط في مصلحة الوقف والمستحقين، وليس منافياً لمقتضى الوقف فهو داخل تحت ما قام الدليل على صحته وجوازه، بل إنهم يرون أن الدليل الخاص قد قام على صحة بعض شروط الواقفين، ولو كانت
стр. 675
هناك قاعدة شرعية عامة تعارضها، مثل التفريق بين الأولاد في استحقاقات الوقف.
ولهذا كانت القاعدة الشرعية العامة عندهم في حكم شروط الواقفين أنها تكون مرعية إذا كانت تحقق مصلحة للوقف، أو للمستحقين، ما لم يكن فيها منافاة لمقتضى الوقف، كشرط الخيار فيه أو شرط أن يبيعه ونحوه، فالشرط باطل، وهل يبطل به الوقف؟ الصحيح في المذهب بطلان الوقف عندئذ، وقيل: يصح الوقف، ويلغو الشرط.
ففي مغني المحتاج: "والأصل فيه أن شروط الواقف مرعية ما لم يكن فيها ما ينافي الوقف".
وفيه: " (ولو وقف بشرط الخيار) لنفسه في إبقاء وقفه والرجوع فيه متى شاء أو شرطه لغيره أو شرط عوده إليه بوجهٍ ما كان شرط بيعه أو شرط أن يدخل من شاء ويخرج من شاء (بطل على الصحيح) … ومقابل الصحيح: يصح الوقف ويلغو الشرط، كما لو طلَّق على أن لا رجعة له " (١).
ومع أن الشافعية يرون صحة وجواز كل شرط يحقق مصلحة للوقف أو المستحقين، إلا أنهم قد يختلفون في أن شرطاً بعينه يحقق المصلحة فيصح، أو لا يحققها فلا يصح، ولو لم يعارض نصاً شرعياً.
ومن الصور المختلف فيها عندهم:
جاء في مغني المحتاج: "والأصح أنه إذا وقف بشرط أن لا يؤجر أصلاً، أو لا يؤجر أكثر من سنة صح الوقف واتبع شرطه كسائر الشروط المتضمنة للمصلحة، والثاني: لا يتبع شرطه؛ لأنه حجر على المستحق في المنفعة " (٢).
стр. 676
واستناداً إلى قاعدة مراعاة مصلحة الوقف والمستحقين في شروط الواقفين أفتى بعض الفقهاء منهم بأن يستثنى من هذا المثال حال الضرورة، كما لو اشترط أن لا تؤجر الدار أكثر من سنة، ثم انهدمت، وليس لها جهة عمارة إلا بإجارة سنتين، فابن الصلاح أفتى بالجواز مخالفة لشرط الواقف؛ لأن المنع في هذه الحال يفضي إلى تعطيل الوقف، وهو مخالف لمصلحته، ووافقه على ذلك السبكي والأذرعي (١).
رابعاً: مذهب الحنابلة:
مذهب الحنابلة أكثر المذاهب توسعاً في تصحيح الشروط في العقود، حيث لا يمنع إلا ما قام الدليل على منعه، وعندهم كل شرط منافٍ لمقتضى الوقف داخلٌ تحت ما ورد الشرع بمنعه فيبطل، وكذلك كل شرط محرم أو يفضي إلى أمر محرم، أو إلى إخلال بالمقصود الشرعي، وأن كل شرط غير منافٍ لمقتضى الوقف، ولا هو منهي عنه شرعاً، فهو شرط جائز معتبر.
جاء في شرح منتهى الإرادات للبهوتي: " وشرط بيعه أي الوقف متى شاء الواقف، أو شرط هبته متى شاء، أو شرط خيار فيه، أو شرط توقيته، كقوله: هو وقف يوماً أو سنة ونحوه، أو شرط تحويله، أي: الوقف، كوقفت داري على جهة كذا على أن أحولها عنها أو عن الوقفية بأن أرجع فيها متى شئت، مبطل للوقف، لمنافاته لمقتضاه " (٢).
وفيه –أيضاً-: " ويرجع في أمور الوقف إلى شرط واقف كشرطه لزيد كذا، ولعمرو كذا " (٣).
وفي المقنع والشرح الكبير: " ويرجع إلى شرط واقف في قسمة على
стр. 677
الموقوف عليهم، وفي التقديم والتأخير، والجمع والترتيب، والتسوية والتفضيل، وإخراج من شاء بصفة وإدخاله بصفة، وفي الناظر فيه، والإنفاق عليه، وسائر أحواله؛ لأنه ثبت بوقفه، فوجب أن يتبع فيه شرطه، ولأن ابتداء الوقف مفوض إليه، فكذلك تفضيله وترتيبه، وكذلك إن شرط إخراج بعضهم بصفة ورده بصفة، مثل أن يقول: من تزوج منهم فله، ومن فارق فلا شيء له، أو عكس ذلك .... أو من كان على مذهب كذا فله، ومن خرج منه فلا شيء له، وكذلك إن وقف على أولاده على أن للأنثى سهماً وللذكر سهمين أو على حسب ميراثهم، أو العكس، أو على أن للكبير ضعف ما للصغير، أو للفقير ضعف ما للغني، أو عكس ذلك، أو عَيَّن بالتفضيل واحداً معيناً، أو ولده، وما أشبه هذا، فهو على ما قال؛ لما ذكرنا، فكل هذا صحيح، وهو على ما شرط " (١).
فمذهب الحنابلة هو وجوب اعتبار شرط الواقف ما لم يكن منافياً لمقتضى الوقف أو منهياً عنه شرعاً، وأن الشروط المباحة واجبة الاعتبار، فلا يلزم لصحة الاشتراطات كونها مستحبة (٢).
ففي الإنصاف: " ويرجع إلى شرط الواقف في قسمة … وظاهر كلام المصنف وغيره أن الشرط المباح الذي لم يظهر قصد القربة منه يجب اعتباره في كلام الواقف، قال الحارثي: وهو ظاهر كلام الأصحاب، والمعروف في المذهب الوجوب، قال: وهو الصحيح " (٣).
وعند شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم تفصيل لشروط الواقفين، يختلف قليلاً عن المذهب الحنبلي من حيث النظر إلى الشروط المباحة، فهما
стр. 678
لا يريان وجوب الالتزام إلا بشرط مستحب شرعاً، تقعيدا منهما من اعتبار القربة في أصل الوقف.
يقول ابن تيمية: " الأعمال المشروطة في الوقف من الأمور الدينية، مثل الوقف على الأئمة والمؤذنين والمشتغلين بالعلم والقرآن والحديث والفقه، ونحو ذلك، أو بالعبادة، أو بالجهاد في سبيل الله تنقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: عمل يتقرب به إلى الله تعالى، وهو الواجبات والمستحبات التي رغب رسول الله ﷺ فيها، وحض على تحصيلها فمثل هذا الشرط يجب الوفاء به، ويقف استحقاق الوقف على حصوله في الجملة.
والثاني: عمل قد نهى رسول الله ﷺ عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه، فاشتراط مثل هذا العمل باطل باتفاق العلماء؛ لما قد استفاض عن رسول الله ﷺ أنه خطب على منبره، فقال: " ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط، كتاب الله أحق، وشرطه أوثق " (١).
ثم قال: ومن هذا الباب أن يكون المشترط ليس محرَّماً في نفسه، لكنه مناف لحصول المقصود المأمور به.
القسم الثالث: عمل ليس بمكروه في الشرع ولا مستحب، بل هو مباح مستوى الطرفين.
فهذا قال بعض العلماء بوجوب الوفاء به، والجمهور من العلماء من أهل المذاهب المشهورة وغيرهم على أنه شرط باطل، ولا يصح عندهم أن يشترط إلا ما كان قربة إلى الله تعالى؛ وذلك أن الإنسان ليس له أن يبذل ماله إلا لما فيه منفعته في الدين أو الدنيا، فما دام الرجل حياً فله أن يبذل ماله في تحصيل الأغراض المباحة؛ لأنه ينتفع بذلك، فأما الميت فما بقي بعد الموت
стр. 679
ينتفع من أعمال الأحياء إلا بعمل صالح قد أمر به، أو أعان عليه، أو قد أهدى إليه، ونحو ذلك، فأما الأعمال التي ليست طاعة لله ورسوله فلا ينتفع بها الميت بحال" (١).
والخلاصة أن شروط الواقفين تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن يكون مخالفاً للشرع:
كما لو شرط أن يصرف من ريعه على بناء القبور، أو الغناء، ونحو ذلك، فباطل.
قال ابن القيم ﵀: " شروط الواقفين أربعة أقسام: شروط محرمة في الشرع، وشروط مكروهة لله ورسوله ﷺ ، وشروط تتضمن ترك ما هو أحب إلى الله ورسوله ﷺ ، وشروط تتضمن فعل ما هو أحب إلى الله ورسوله ﷺ ، فالأقسام الثلاثة الأولى لا حرمة لها ولا اعتبار، والقسم الرابع هو الشرط المتبع الواجب الاعتبار " (٢).
وفي فتاوى محمد بن إبراهيم: " وبناء على ما سبق من إبطال الشرطين فالذي يخصهما من ثلث الغلة حكمه حكم الوقف المنقطع الآخر، فيصرف إلى ذرية الواقف، ثم من بعدهم، وهكذا على حسب ترتيب الواقف المذكور في الصك المشار إليه سابقاً، فأنتم إن شاء الله اعتمدوا تبليغ الناظرين على الوقف للعمل بمقتضى ما ذكرنا، وتسليم الصك وملحقه لمستحقي الوقف، وإعطائهم صورة من هذه الفتوى، والسلام عليكم " (٣).
ومن أمثلة الشروط ذلك: " إذا شرط الواقف أن يصلي الموقوف عليه في هذا المكان المعين الصلوات الخمس ولو كان وحده إلى جانبه المسجد
стр. 680
الأعظم وجماعة المسلمين لم يجب عليه الوفاء بهذا الشرط، بل ولا يحل له التزامه إذا فاتته الجماعة، فإن الجماعة إما شرط لا تصح الصلاة بدونها وإما واجبة يستحق تاركها العقوبة وإن صحت صلاته، وإما سنة مؤكدة يقاتل تاركها وعلى كل تقدير فلا يصح التزام شرط يخل بها،
وكذلك اذا شرط الواقف العزوبية وترك التأهل لم يجب الوفاء بهذا الشرط بل ولا التزامه، بل من التزمه رغبة عن السنة فليس من الله ورسوله في شيء، فإن النكاح عند الحاجة اليه إما فرض يعصي تاركه، وإما سنة الاشتغال بها أفضل من صيام النهار وقيام الليل وسائر أوراد التطوعات، وأما سنة يثاب فاعلها كما يثاب فاعل السنن والمندوبات، وعلى كل تقدير فلا يجوز اشتراط تعطيله أو تركه إذ يصير مضمون هذا الشرط أنه لا يستحق تناول الوقف إلا من عطل ما فرض الله عليه وخالف سنة رسول الله ﷺ ، ومن فعل ما فرضه الله عليه وقام بالسنة لم يحل له أن يتناول من هذا الوقف شيئا ولا يخفى ما في التزام هذا الشرط والالزام به من مضادة الله ورسوله،
ومن ذلك اشتراط إيقاد سراج أو قنديل على القبر، فلا يحل للواقف اشتراط ذلك ولا للحاكم تنفيذه ولا للمفتي تسويغه ولا للموقوف عليه فعله والتزامه ........ ".
القسم الثاني: ما ينافي مقتضى العقد:
ومن ذلك: إذا شرط الرجوع فيه، أو شرط بيعه أو هبته، أو شرط حق الخيار.
وقد تقدم الكلام على هذه الشروط (١).
стр. 681
القسم الثالث: ما يخالف مصلحة الوقف (١):
ومن ذلك: ما إذا شرط عدم عمارة الوقف (٢)، أو شرط أن لا يؤجر إلا مدة معينة، أو عدم استبداله، أو استثماره عند المصلحة والحاجة.
المطلب الثالث: قول الفقهاء: نص الواقف كنص الشارع
هذا الضابط الذي ذكره الفقهاء ليس على إطلاقه، وإلا فلا يجوز العمل بموجبه إذا خالف نص الواقف نصوص الشريعة، ولذلك حكى العلامة قاسم الحنفي، وشيخ الإسلام ابن تيمية: إجماع الأمة على أن من شروط الواقفين ما هو صحيح معتبر يعمل به، ومنها ما ليس كذلك (٣).
ولذلك فسّر كثير من العلماء قول الفقهاء: نصوص الواقف كنصوص الشارع: بأنها كالنصوص في المفهوم والدلالة على مراد الواقف لا في وجوب العمل بها (٤).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: اتفاق المسلمين على تكفير جاعل نصوص الواقف، كنصوص الشارع في وجوب العمل بها، فقال: " وإما أن تجعل نصوص الواقف أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب
стр. 682
العمل بها، فهذا كفر باتفاق المسلمين؛ إذ لا أحد يطاع في كل ما يأمر به من البشر -بعد رسول الله ﷺ ، والشروط إن وافقت كتاب الله كانت صحيحة، وإن خالفت كتاب الله كانت باطلة " (١).
فلم يجز أحد من أهل العلم العمل بنصوص الواقف إذا خالفت شرع الله تعالى، سواء في ذلك الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، وغيرهم من أهل العلم.
قال الكمال ابن الهمام الحنفي: "شرائط الواقف معتبرة إذا لم تخالف الشرع، والواقف مالك، له أن يجعل ملكه حيث شاء ما لم يكن معصية" (٦).
وقال الدردير المالكي: "واتبع وجوباً شرطه إن جاز شرعاً، ومراده بالجواز: ما قابل المنع " (٧).
وقال ابن حجر الهيثمي الشافعي: " إن قلت: شرائط الواقف مراعى كنص الشارع، قلت: محل مراعاته حيث لم يخالف غرض الشارع " (٨).
وقال: "أما ما خالف الشرع كشرط العزوبة في سكان المدرسة -مثلاً- فلا يصح" (٩).
стр. 683
وقال ابن البلباني الحنبلي: "ويجب العمل بشرط واقف إن وافق الشرع" (١).
وقال ابن القيم ﵀: " وكذلك الإثم مرفوع عمن أبطل من شروط الواقفين ما لم يكن اصلاحاً، وما كان فيه جنف (٢)، أو إثم، ولا يحل لأحد أن يجعل هذا الشرط الباطل المخالف لكتاب الله بمنزلة نص الشارع، ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام، بل قد قال إمام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله: " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط، كتاب الله أحق، وشرط الله أوثق " (٣).
فإنما ينفذ من شروط الواقفين ما كان لله طاعة، وللمكلف مصلحة، وأما ما كان بضد ذلك فلا حرمة له كشرط التعزب والترهب المضاد لشرع الله ودينه … والمقصود: أن الله تعالى رفع الإثم عمن أبطل الوصية الجائفة الآثمة، وكذلك هو مرفوع عمن أبطل شروط الواقفين التي هي كذلك، فإذا شرط الواقف القراءة على القبر كانت القراءة في المسجد أولى وأحب إلى الله ورسوله وأنفع للميت، فلا يجوز تعطيل الأحب إلى الله الأنفع لعبده واعتبار ضده " (٤).
وعلى كل حال: فإن ما يختلف فيه العلماء من اعتبار بعض الشروط أو ردها، فإنما هو ناتج عن اختلافهم هل هي من الشروط المخالفة لأمر الله تعالى، أو من الشروط المرغوبة عند الشارع، أو من الشروط المباحة، فالجميع متفقون على عدم اعتبار ما خالف الشرع -وإن اختلفوا في ضابط
стр. 684
ما خالف الشرع-، كما أن الجميع متفقون على مراعاة ما وافق الشرع، واختلفوا في اعتبار ما ليس بمكروه ولا مستحب، والله أعلم.
وذهب بعض الفقهاء إلى أن شرط الواقف كنص الشارع في وجوب العمل، وفي الفهم والدلالة، وممن ذهب إلى ذلك ابن نجيم في قول له، وابن عابدين.
قال ابن عابدين: " قال في النهر بعد نقله كلام العلامة قاسم: وأراد بشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية الحنبلي، فإنه في موضع آخر عزا هذا إلى أبي عبد الله الدمشقي عن شيخه شيخ الإسلام، وأبو داود عبد الله بن مفلح وشيخه هو ابن تيمية، وهذا كما ترى لا يلزم أن يكون رأيا للحنفية، وأي مانع من أنه كنص الشارع في وجوب العمل به، فإذا شرط عليه أداء خدمة كقراءة أو تدريس وجب عليه، أما العمل أو الترك لمن يعمل حتى لو لم يعمل أو لم يترك ينبغي أن لا يتردد في إثمه، ولا سيما إن كانت الخدمة مما يلزم بتعطيلها ترك شعيرة من شعائر الإسلام، كالأذان ونحوه فتدبره " (١).
المطلب الرابع: قواعد في شروط الواقفين
ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- قواعد في شروط الواقفين مع ما سبق من القاعدة الكبيرة: أن الأصل في شروط الواقفين الحل والصحة:
الأولى: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " مع أن التحقيق أن لفظ
стр. 685
الواقف والموصي والناذر والحالف، وكل عاقد يحمل على مذهبه وعادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها وافق لغة العرب أو لغة الشارع أو لا، والعادة المستمرة والعرف المستقر في الواقف يدل على شرط الواقف أكثر مما يدل لفظه لاستفاضته " (١).
الثانية: أن ألفاظ الواقفين تبنى على عرفهم، وبهذا قال فقهاء الحنفية وغيرهم، وقد تقدم عن شيخ الإسلام ما يدل على ذلك (٢).
وذهب السبكي ﵀-إلى أن المعتبر بألفاظ الواقفين اللغة وعرف الشرع، فقال: " ولو كان فهم العوام حجة لم ينظر في شيء من كتب الأوقاف، ولا غيرها مما يصدر منهم، ولكننا ننظر في ذلك ونجري الأمر على ما يدل عليه لفظها لغة وشرعاً، سواء أعلمنا أن الواقف قصد ذلك أم جهله، وما ذاك إلا أن من تكلم بشيء التزم حكمه، وإن لم يلتزم تفاصيله حين النطق به " (٣).
الثالثة: إذا شرط الواقف شرطين متعارضين ولم يمكن العمل بهما، يعمل بالمتأخر منهما (٤)؛ لأن الشرط الأخير يسفر عن المراد وعن غرض الواقف، وقد قال الفقهاء بوجوب مراعاة غرض الواقف وأنه يصلح مخصصاً (٥)، ويظهر فائدة هذا –أيضا- فيما إذا كان للفظ محتملان، فإنه يجب تعيين أحدهما بالغرض (٦).
وقالوا أيضا: إذا تعارضت عبارتان في كلام الواقف، إحداهما تقتضي
стр. 686
حرمان بعض الموقوف عليهم، والأخرى تقتضي عدمه، فالأقرب إلى مقاصد الواقفين أنهم لا يقصدون حرمان أحد من ذريتهم، فيترجح جانب العطاء؛ لأن الحرمان ليس من مقاصد الواقفين غالباً (١).
الرابعة: قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: " القاعدة التاسعة: العرف والعادة يرجع إليه في كل حكم حكم به الشارع ولم يحده ..... ومن فروعها: أن الأوقاف يرجع في مصارفها إلى شروط الواقفين التي لا تخالف الشرع، فإن جهل شرط الموقف رجع في ذلك إلى العادة والعرف الخاص، ثم إلى العرف العام في صرفها في طرقها " (٢).
стр. 687
المبحث الثاني: حكم تغيير شرط الواقف، وأقسامه
الأصل: وجوب العمل بشرط الواقف، وعدم جواز تغييره وتبديله -كما سبق قريباً- وقد عد الهيتمي ترك العمل بشرط الواقف من الكبائر، قال: " وذكري لها من الكبائر ظاهر، وإن لم يصرحوا به؛ لأن مخالفته يترتب عليها أكل أموال الناس بالباطل وهو كبيرة " (١)؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢)، والإيفاء بالعقد يتضمن الإيفاء بأصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه، ولما رواه أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " المسلمون على شروطهم " (٣)، ولأن عمر ﵁: " وقف وقفاً واشترط فيه شروطاً " (٤)، فلو لم يجب إتباع شرطه لم يكن في اشتراطه فائدة.
وفصل ابن القيم -رحمه الله تعالى- فيما يجب اتباعه من شروط الواقفين وما لا يجب فيشرع تغييره: " إذا سئل عن مسألة فيها شرط واقف لم يحل له أن يلزم بالعمل به، بل ولا يسوغه على الإطلاق حتى ينظر في ذلك الشرط:
١ - فإن كان يخالف حكم الله ورسوله، فلا حرمة له ولا يحل له تنفيذه ولا يسوغ تنفيذه.
٢ - وإن لم يخالف حكم الله ورسوله، فلينظر هل فيه قربة أو رجحان
стр. 688
عند الشارع أم لا، فإن لم يكن فيه قربة ولا رجحان لم يجب التزامه ولم يحرم فلا تضر مخالفته.
٣ - وإن كان فيه قربة وهو راجح على خلافه، فلينظر هل يفوت بالتزامه والتقييد به ما هو أحب الى الله ورسوله وأرضى له وأنفع للمكلف وأعظم تحصيلا لمقصود الواقف من الأجر، فإن فات ذلك بالتزامه لم يجب التزامه ولا التقييد به قطعا وجاز العدول، بل يستحب إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله وأنفع للمكلف وأكثر تحصيلا لمقصود الواقف.
٤ - وإن كان فيه قربة وطاعة ولم يفت بالتزامه ما هو أحب الى الله ورسوله منه وتساوى هو وغيره في تلك القربة، ويحصل غرض الواقف بحيث يكون هو وغيره طريقين موصلين إلى مقصوده ومقصود الشارع من كل وجه لم يتعين عليه التزام الشرط، بل له العدول عنه إلى ما هو أسهل عليه وأرفق به.
٥ - وإن ترجح موجب الشرط وكان قصد القربة والطاعة فيه أظهر وجب التزامه.
فهذا هو القول الكلى في شروط الواقفين وما يجب التزامه منها وما يسوغ وما لا يجب " (١).
وعليه تغيير شرط الواقف ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تغييره من أعلى إلى أدنى:
فهذا محرم ولا يجوز بالاتفاق (٢)؛ لما تقدم من الدليل على وجوب العمل بشرط الواقف.
مثل: أن يقفه على فقراء أقاربه، فيصرف إلى فقراء الأجانب، ونحو ذلك.
стр. 689
القسم الثاني: تغييره من مساوٍ إلى مساوٍ:
وهذا أيضا محرم ولا يجوز بالاتفاق (١)؛ إذ الأصل: وجوب العمل بشرط الواقف؛ لما تقدم من الدليل على ذلك.
مثل: أن يقف على فقراء بلد، فيصرفه إلى فقراء بلد آخر، ونحو ذلك.
القسم الثالث: تغييره من أدنى إلى أعلى:
مثل: أن يقفه على العُباَّد، فيصرفه إلى العلماء؛ إذ العلم عبادة متعدية، بخلاف مجرد التعبد بالصلاة أو الاعتكاف ونحو ذلك، قال شيخ الإسلام: "حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية، واحتاج الناس إلى الجهاد صرف إلى الجند" (٢).
فاختلف العلماء في حكم ذلك على قولين:
القول الأول: جواز ذلك.
وهو قول الحنفية في بعض المواضع (٣)، حيث أجاز الحنفية مخالفة شرط الواقف في سبعة مواضع، كثير منها يدور على المصلحة.
وبه قال جمع من المالكية (٤)، وبعض الشافعية (٥)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٦)، وهو قياس اختيار شيخ الإسلام (٧) في إبدال الوقف عند ظهور المصلحة.
стр. 690
جاء في البحر الرائق: " والحاصل أن تصرف الواقف في الأوقاف مقيد بالمصلحة، لا أنه يتصرف كيف شاء، فلو فعل ما يخالف شرط الواقف فإنه لا يصح إلا لمصلحة ظاهرة "، وتغيير شرط الواقف من أدنى إلى أعلى مصلحة ظاهرة.
قال ابن نجيم: " لو شرط الواقف أن القاضي لا يعزل الناظر على الوقف، فله عزل غير الأهل، أو شرط أن لا يؤجر وقفه أكثر من سنة، والناس لا يرغبون في استئجاره سنة، أو كان في الزيادة نفع للفقراء فللقاضي المخالفة دون الناظر، أو شرط أن يتصدق بفاضل الغلة على من يسأل في مسجد كذا كل يوم لم يراع شرطه، وللناظر التصدق على سائلي غير ذلك المسجد أو خارج المسجد أو على من يسأل، أو شرط للمستحقين خبزاً أو لحماً معيناً كل يوم فللناظر أن يدفع القيمة من النقد، وقيل: بل لهم طلب العين أو أخذ القيمة، وفي المنتقى أنه الراجح، أو شرط الواقف عدم الاستبدال فللقاضي الاستبدال إذا كان أصلح، وتجوز الزيادة من القاضي على ما عين للإمام إذا كان لا يكفيه وكان عالماً تقياً " (١).
وجاء في الفواكه الدواني: " ويجوز عندنا لناظر أن يفعل في الوقف كل ما كان قريباً لغرضه، وإن خالف شرطه كما لو وقف ماء على الغسل والوضوء، فيجوز للناظر أن يمكن العطشان يشرب منه؛ لأنه لو كان حياً لما منع منه … ".
فيؤخذ من هذا أنه يجوز تغيير شرط الواقف من أدنى إلى أعلى؛ لأنه يحقق غرض الواقف وزيادة.
قال العيدروسي من المالكية: " يجوز أن يحدث في الحبس ما يغلب على
стр. 691
الظن أن لو كان المحبس حياً وعرض عليه ذلك لرضيه واستحسنه "، وفي هذا مراعاة شرط الواقف.
وجاء في مواهب الجليل عن البرزلي قوله في مسائل الحبس: " سئل القابسي عمن حبس كتباً وشرط في تحبيسه أن لا يعطى إلا كتاب بعد كتاب، فإذا احتاج الطالب إلى كتابين فهل يعطى؟ فأجاب: إن كان الطالب مأموناً واحتاج إلى أكثر من كتاب أخذه؛ لأن غرض المحبس ألا يضيع، وإن كان غير معروف فلا يدفع إليه إلا كتاب واحد خشية الوقوع في ضياع أكثر من واحد .... قال صاحب المواهب: .... ظاهر ما في هذا السؤال أن يراعى قصد المحبس لا لفظه، ومنه ما جرى به العرف في بعض الكتب المحبسة، يشترط عدم خروجها من المدرسة، وجرت العادة في هذا الوقت بخروجها بحضرة المدرسين ورضاهم، وربما فعلوا ذلك في أنفسهم ولغيرهم .... ومثله ما فعلته في مدرسة الشيخ التي بالقنطرة غيرت بعض أماكنها مثل الميضأة .... وأشياء أخرى بحيث لو كان المحبس حاضراً لارتضاه … " (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اختياراته: " ومع الحاجة يجب إبدال الوقف بمثله وبلا حاجة يجوز بخير منه؛ لظهور المصلحة، وهو قياس الهدي، وهو وجه في المناقلة، ومال إليه أحمد، ونقل صالح ينقل المسجد لمنفعة الناس، ولا يجوز أن يبدل الوقف بمثله لفوات التعيين بلا حاجة " (٢).
وقال في فتاويه: " وأما ما وقف للغلة إذا أبدل بخير منه: مثل أن يقف داراً، أو حانوتاً، أو بستاناً أو قرية يكون مغلها قليلاً فيبدلها بما هو أنفع للوقف: فقد أجاز ذلك أبو ثور وغيره من العلماء: مثل أبي عبيد بن حربويه
стр. 692
قاضي مصر، وحكم بذلك، وهو قياس قول أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى عرصة للمصلحة … وهو قياس قوله في إبدال الهدى بخير منه " (١).
وفي فتاوى محمد بن ابراهيم: "بخصوص المرأة … وبناتها، وطلبها إعطاءها قدر حاجتها وحاجة بناتها من غلال أوقاف أسلافها الموقفة على مساجد في تلك الجهات، وعليه فلا بأس أن تعطى من غلال هذه الأوقاف ما يكفيها ويكفي بناتها إن لم يكن لها ولبناتها ما يغنيهما عنها، فإن كان لهن دخل لا يكفيهم فيعطين من الغلال ما يسد كفايتهن " (٢).
القول الثاني: عدم جواز تغيير شرط الوقف من أدنى إلى أعلى.
وهو قول الحنفية في غير ما سبق (٣)، وبه قال جمع من المالكية (٤)، هو الأصح عند الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
قال النووي: " ولو شرط الواقف أن لا يؤجر الوقف، فأوجه، أصحها: يتبع شرطه كسائر الشروط " (٧).
وجاء في الإقناع للشربيني: " وهو أي الوقف على ما شرطه الواقف من تقديم وتأخير، وتسوية وتفضيل، وجمع وترتيب، وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بصفة ".
وجاء في كشاف القناع: " ويُرجع -بالبناء للمفعول- عند التنازع في شيء
стр. 693
من أمر الوقف إلى شرط واقف … ولأن الوقف متلقى من جهته فاتبع شرطه، ونصه كنص الشارع، … واستثناء كشرط فيرجع إليه … وكذا مخصص من صفة كما لو وقف على أولاده الفقهاء أو المشتغلين بالعلم، فإنه يختص بهم فلا يشاركهم من سواهم ".
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة منها:
(١٩٦) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق زيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين باباً شرقياً وباباً غربياً وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة " (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ومعلوم أن الكعبة أفضل وقف على وجه الأرض، ولو كان تغييرها وإبدالها بما وصفه ﷺ واجباً لم يتركه، فعلم أنه كان جائزاً، وأنه كان أصلح لولا ما ذكره من حدثان عهد قريش بالإسلام، وهذا فيه تبديل بنائها ببناء آخر، فعلم أنه جائز في الجملة، وتبديل التأليف بتأليف آخر هو أحد أنواع الإبدال " (٢).
وقال ابن قاضي الجبل: " هذا الحديث دل على مساغ مطلق الإبدال في الأعيان الموقوفات للمصالح الراجحات " (٣).
стр. 694
وإذا كان هذا في أصل الوقف، ففي وصفه، وهو الشرط فيه من باب أولى، فيجوز تغيير الشرط من أدنى إلى أعلى.
(١٩٧) ٢ - ما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، أخبرنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵄: "أن رجلاً قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله، إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: "صلّ هاهنا" ثم أعاد عليه، فقال: "صلّ هاهنا" ثم أعاد عليه، فقال: "شأنك إذن" (١).
стр. 695
وجه الدلالة: دل الحديث على جواز إبدال النذر بخير منه، فكذلك الوقف.
(١٩٨) ٣ - وروى أبو داود من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله ابن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن عمارة بن عمر بن حزم، عن أبي بن كعب ﵁ قال: بعثني النبي ﷺ مصدّقاً، فمررت برجل، فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقلت له: أدّ ابنة مخاض، فإنها صدقتك، فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها، فقلت له: ما أنا بآخذ ما لم أؤمر، وهذا رسول الله ﷺ منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت عليّ فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن ردّه عليك رددته، قال: فإني فاعل، فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله ﷺ ، فقال له: يا نبي الله، أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي، وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسوله قط قبله، فجمعت له مالي فزعم أن علي فيه ابنة مخاض، وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى عليّ، وها هي ذِهْ قد جئتك بها يا رسول الله خذها، فقال له رسول الله ﷺ : " ذاك الذي عليك، فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلنا منك "، قال: فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها، قال: فأمر رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له في ماله بالبركة " (١) ..................................................
стр. 696
وجه الدلالة: دل الحديث على جواز إبدال جنس الواجب في الزكاة، بخير منه من نوعه، فإذا وجبت بنت مخاض فأدى بنت لبون، أو وجبت بنت لبون فأدى حقة جاز، قال ابن قاضي الجبل: " ويتناول بمعناه الأعيان الموقوفات إذا ظهرت مصلحة الاستبدال بها على غيرها " (١).
وإذا ثبت هذا في أصل الوقف، ففي وصفه وهو الشرط فيه من باب أولى.
٤ - ما رواه البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عليه، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النبي ﷺ فقال: "لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (٢).
قوله: "فأضاعه": يقتضي أن الذي كان عنده قصّر في حقه حتى ضعف فبيع؛ لضياعه وضعفه، ولم ينكر الرسول ﷺ ذلك، وإنما نهى عمر ﵁ عن شرائه لكونه تصدق به.
стр. 697
والظاهر من الحمل في سبيل الله: أن المراد بذلك حقيقة الحبس، بل هو المتبادر من السبيل خصوصاً وقد سماه صدقة في قوله: "ولا تعد في صدقتك"، ولفظ الصدقة من ألفاظ الوقف، كما في حديث عمر في الوقف "فتصدق بها عمر" (١)، فالتمسك بذكر الهبة، لمشابهة ارتجاع الوقف للهبة؛ لما في ذلك من الارتجاع في العين بعد خروجها (٢)، فإذا جاز الإبدال في أصل الوقف، فكذا في شرطه.
ونوقش: بعدم التسليم؛ بل عمر ﵁ ملكه إياه بدليل أنه أراد بيعه والوقف لا يباع.
(١٩٩) ٥ - ما أورده شيخ الإسلام نقلاً عن الشافي: حدثنا الخلال، حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن هارون، ثنا المسعودي عن القاسم قال: لما قدم عبد الله بن مسعود ﵁ على بيت المال كان سعد بن مالك قد بنى القصر، واتخذ مسجداً عند أصحاب التمر، قال: فنقب بيت المال فأخذ الرجل الذي نقبه، فكتب إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر أن لا تقطع الرجل وأن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصلّ " (٣)، وكان هذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه فكان كالإجماع (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إذا كان يجوز في المسجد الموقوف الذي
стр. 698
يوقف للانتفاع بعينه، وعينه محترمة شرعاً، أن يبدل به غيره للمصلحة، فلأن يجوز الإبدال بالأصلح والأنفع فيما يوقف للاستغلال أولى وأحرى " (١).
قال ابن قاضي الجبل: " هذا الأثر كما أنه يدل على مساغ بيع الوقف عند تعطل نفعه، فهو دليل أيضا على جواز الاستبدال عند رجحان المبادلة؛ لأن هذا المسجد لم يكن نفعه متعطلاً، وإنما ظهرت المصلحة في نقله لحراسة بيت المال الذي جعل في قبلة المسجد الثاني " (٢)، وإذا جاز في أصل الوقف، ففي شرطه أولى.
٦ - أن الصحابة ﵃ غيروا كثيراً من بناء مسجد النبي ﷺ بأمكن منه للمصلحة الراجحة في ذلك (٣)، فقد ثبت أن عمر وعثمان ﵄ غيرا بناءه، أما عمر فبناه بنظير بنائه الأول باللبن والجذوع، وأما عثمان فبناه بمادة أعلى من تلك كالساج (٤)، وبكل حال فاللبن والجذوع التي كانت وقفاً أبدلها الخلفاء الراشدون بغيرها، وهذا من أعظم ما يشتهر من القضايا ولم ينكره منكر، ولا فرق بين إبدال البناء ببناء، وإبدال العرصة بعرصة إذا اقتضت المصلحة ذلك (٥).
وإذا جاز في أصل الوقف ففي شرطه أولى.
٧ - أن بعض الصحابة ﵃ سوغ نقل الملك في أعيان موقوفة تارة بالتصدق بها، وتارة ببيعها،
стр. 699
(١٩٩*) فقد ورد عن عمر ﵁ " أنه كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج " (١).
(٢٠٠) ما رواه البيهقي من طريق على بن عبد الله المدينى، حدثنى أبى أخبرني علقمة بن أبى علقمة، عن أمه قالت: " دخل شيبة بن عثمان الحجبى على عائشة ﵂ فقال: يا أم المؤمنين إن ثياب الكعبة تجتمع علينا فتكثر، فنعمد إلى آبار فنحتفرها فنعمقها، ثم ندفن ثياب الكعبة فيها كيلا يلبسها الجنب والحائض، فقالت له عائشة ﵂: ما أحسنت، ولبئس ما صنعت، إن ثياب الكعبة إذا نزعت منها لم يضرها أن يلبسها الجنب والحائض، ولكن بعها واجعل ثمنها في المساكين وفي سبيل الله، قالت: فكان شيبة بعد ذلك يرسل بها إلى اليمن فتباع هناك ثم يجعل ثمنها في المساكين وفي سبيل الله وابن السبيل " (٢).
стр. 700
قال ابن قاضي الجبل: وهذا ظاهر في مطلق نقل الملك عند رجحان المصلحة (١)، فكذا مع شرطه.
٨ - إلحاق محل النزاع بموقع الإجماع، حيث جوز الأئمة الكبار، بل أجمع العلماء على جواز بيع دواب الحبس الموقوفة إذا لم تعد صالحة لما وقفت له، فالفرس الحبيس ونحوه إذا عاد عاطلاً عن الصلاحية للجهاد يجوز بيعه إجماعاً، وإن كان فيه نفع من وجه آخر من أنواع الانتفاع من الحمل والدوران ونحوه، ومن المعلوم أن الفرس الحبيس ونحوه لو لم يبق فيه نفع مطلقاً لما أمكن بيعه؛ إذ لا يجوز بيع ما لا نفع فيه، فعلم أن منفعته ضعفت وجاز الاستبدال بأرجح منه، فعلم أن ذلك دائر مع رجحان المصلحة في جنس الاستبدال (٢)، وإذا كان التغيير في أصل الوقف للمصلحة، فكذا في شرطه.
٩ - أن الأعيان الموقوفة كالدور والمزارع والمنقولات إنما وقفت؛ ليعود ريعها على مستحقيه جرياً على مناهج المعروف وطلباً لاتصال الريع إلى مستحقية فالمطلوب من ذلك حصول النماء إلى أهله ووقوعه في أيدي مستحقية مع زيادته واستنمائه، فإذا ظهرت المصلحة في زيادة الريع وتنمية المغل ولم يعارض معارض ظهرت مصلحة الاستبدال طلباً لتنمية المصالح وتكميلاً للمقاصد، ومثل هذا يقال في شرط الوقف (٣).
١٠ - أن المقصود من الوقف هو القربة، فما كان أصلح فهو أولى وأفضل في الثواب.
١١ - ما تقرر من أن شدة الحاجة للوقف تتغير، وإذا كان من المقرر أنه "
стр. 701
لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان " فلأن لا ينكر تغير الجهات الموقوف عليها بتغير الأزمنة واختلاف الحاجات من باب أولى (١).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن تعيين المصلحة تختلف فيها الاجتهادات، فيرجح ما اختاره القاضي.
أدلة القول الثاني: (عدم الجواز)
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - ما تقدم من أدلة وجوب العمل بشرط الواقف (٢)، وأنه هو الأصل.
ونوقش هذا الاستدلال:
بأن تغيير شرط الواقف من أدنى إلى أعلى عمل بشرط الواقف، وزيادة.
٢ - حديث ابن عمر ﵄، وفيه قول الرسول ﷺ لعمر ﵁: "تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره" (٣)، وإذا منع من تغيير الأصل فكذا الفرع، وهو الشرط فيه.
ونوقش الاستدلال بهذا الحديث: أن المراد ببيع الوقف الممنوع إنما هو البيع المبطل لأصل الوقف، وعلى افتراض أن المراد به عموم بيع الوقف فإنه يخص منه حالة التعطل، وكذا حالة رجحان المصلحة لما تقدم من الدليل على ذلك.
٣ - قياس الموقوف على الحر المعتق، فكما أن العتيق الحر لا يقبل الرق بعد عتقه، فكذلك العين الموقوفة لا تقبل الملك بعد صحة الوقف (٤).
وكذا شرط الوقف.
стр. 702
ونوقش هذا الاستدلال: أن هذا القياس قياس مع الفارق فلا يعتد به؛ لأن المعتق خرج عن المالية بالإعتاق بخلاف الوقف فلم يخرج عن المالية.
وقال القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى الفراء: " احتجوا بأنه بالوقف زال ملكه على وجه القربة، فلا يجوز التصرف فيه كإزالته على وجه العتق.
والجواب: أن الهدي الواجب بالنذر قد زال ملكه عنه، ويجوز التصرف فيه بالذبح قبل محله، وكذلك إذا نذر أن يتصدّق بدراهم بعينها جاز إبدالها بغيرها، وكذلك إذا جعل داره هدية إلى الكعبة جاز بيعها وصرف ثمنها إلى الكعبة، فأما العبد إذا أعتقه فلا سبيل إلى إعادة المالية فيه بعد عتقه؛ لأنه إتلاف للمالية بخلاف مسألتنا، فإن المالية فيه ثابتة، وإنما المنافع هي المقصودة فتوصل بماليته إلى حصول فائدته بإبداله وبيعه فصار شبهه بالهدي إذا عطب أولى من العبد إذا أعتق " (١).
(٢٠١) ٤ - ما رواه الإمام أحمد من طريق الجهم، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵄ قال: " أهدي عمر بن الخطاب نجيباً (٢) فأعطى بها ثلاثمئة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيباً، فأعطيت بها ثلاثمئة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدناً؟ قال: " لا، انحرها إياها " (٣).
стр. 703
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ منع عمر بن الخطاب من تغيير الهدي، فيقاس عليه تغيير الوقف، وشرطه.
ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به لأمرين:
أحدهما: أن فيه الجهم بن الجارود، قال الذهبي: فيه جهالة (١).
الثاني: أن الحديث فيه انقطاع، فقد ذكر البخاري في تاريخه: أنه لا يعرف لجهم سماع من سالم (٢).
الوجه الثاني: لو فرض صحة الحديث، فإنه يقال: إن فرض المسألة كون العين التي وقع الاستبدال بها أرجح من الوقف وأولى، والعين التي أراد عمر الاستبدال بها ليست أرجح من النجيبة بالنسبة على القرب إلى الله تعالى، بل النجيبة كانت راجحة على ثمنها، وعلى البدن المشتراة به؛ وذلك
стр. 704
لأن خير الرقاب أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها، والمطلوب أعلى ما يؤخذ فيما يتقرب به إلى الله تعالى وتجنب الدون (١).
الوجه الثالث: لو فرض صحة الحديث، ولو سلمنا كون الاستبدال بالهدي والأضحية ممنوعاً منه لم يلتزم عدم جواز الاستبدال في الأوقاف عند رجحان المصالح؛ وذلك أن الوقف مراد لاستمرار ريعه ودوام غلته بخلاف الهدي والأضحية (٢).
٥ - أن للواقف غرضاً وقصداً في تعيين الجهة التي يصرف إليها الوقف.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن مخالفة شرط الواقف إلى أعلى فيه تحقيق لغرض الواقف وزيادة.
٦ - أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فيمنع من تغيير شرط الواقف منعاً لئلا يتلاعب بالوقف.
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مسلم حال التلاعب، وتبقى المشروعية حال السلامة.
الترجيح:
من خلال هذا العرض تظهر قوة أدلة القول الأول القائل بجواز تغيير شرط الواقف عند رجحان المصلحة؛ لما يأتي من الأدلة على جواز تغيير الأصل، ففي الشرط من باب أولى، لكن سداً لذريعة التلاعب بالأوقاف، وخشية مخالفة غرض الواقف، وقصده يقيد بما يلي:
١ - أن يكون التغيير بإذن القاضي، أو فتاوى العلماء.
٢ - ظهور المصلحة التي يراد تغيير الشرط إليها.
стр. 705
وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " ويذكر فيه أن له أخا أوقف قطعة أرض لتكون مجمعا للأمطار لانتفاع أهل القرية بها، وأنه عند إعداد القطعة لغرض الوقف وبعد نزول المطر وتجمعه فيها لم يمكث إلا اثنتي عشرة ساعة، وبذلك تعذر قصد الواقف، ويرغب أخو الواقف تغيير الوقف إلى ما فيه منفعة للجهة الخيرية.
ونفيدكم: أنه بعد تحقق ما ذكره المستفتي فلا بأس من نقل الوقف إلى ما يشبه ما أراده الواقف، كأن يبحث عن أرض صالحة لتجمع المياه فيها في مكان يمكن الانتفاع بها فيه فيشتري بثمن القطعة الموقوفة، فإن تعذر ذلك صرف إلى ما أراده الموقف من توفير الماء وسقيه على نظركم، والله الموفق، والسلام عليكم " (١).