← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان " فلأن لا ينكر تغير الجهات الموقوف عليها بتغير الأزمنة واختلاف الحاجات من باب أولى (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن تعيين المصلحة تختلف فيها الاجتهادات، فيرجح ما اختاره القاضي. أدلة القول الثاني: (عدم الجواز) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - ما تقدم من أدلة وجوب العمل بشرط الواقف (٢)، وأنه هو الأصل. ونوقش هذا الاستدلال: بأن تغيير شرط الواقف من أدنى إلى أعلى عمل بشرط الواقف، وزيادة. ٢ - حديث ابن عمر ﵄، وفيه قول الرسول ﷺ لعمر ﵁: "تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره" (٣)، وإذا منع من تغيير الأصل فكذا الفرع، وهو الشرط فيه. ونوقش الاستدلال بهذا الحديث: أن المراد ببيع الوقف الممنوع إنما هو البيع المبطل لأصل الوقف، وعلى افتراض أن المراد به عموم بيع الوقف فإنه يخص منه حالة التعطل، وكذا حالة رجحان المصلحة لما تقدم من الدليل على ذلك. ٣ - قياس الموقوف على الحر المعتق، فكما أن العتيق الحر لا يقبل الرق بعد عتقه، فكذلك العين الموقوفة لا تقبل الملك بعد صحة الوقف (٤). وكذا شرط الوقف.

стр. 702

ونوقش هذا الاستدلال: أن هذا القياس قياس مع الفارق فلا يعتد به؛ لأن المعتق خرج عن المالية بالإعتاق بخلاف الوقف فلم يخرج عن المالية. وقال القاضي أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى الفراء: " احتجوا بأنه بالوقف زال ملكه على وجه القربة، فلا يجوز التصرف فيه كإزالته على وجه العتق. والجواب: أن الهدي الواجب بالنذر قد زال ملكه عنه، ويجوز التصرف فيه بالذبح قبل محله، وكذلك إذا نذر أن يتصدّق بدراهم بعينها جاز إبدالها بغيرها، وكذلك إذا جعل داره هدية إلى الكعبة جاز بيعها وصرف ثمنها إلى الكعبة، فأما العبد إذا أعتقه فلا سبيل إلى إعادة المالية فيه بعد عتقه؛ لأنه إتلاف للمالية بخلاف مسألتنا، فإن المالية فيه ثابتة، وإنما المنافع هي المقصودة فتوصل بماليته إلى حصول فائدته بإبداله وبيعه فصار شبهه بالهدي إذا عطب أولى من العبد إذا أعتق " (١). (٢٠١) ٤ - ما رواه الإمام أحمد من طريق الجهم، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵄ قال: " أهدي عمر بن الخطاب نجيباً (٢) فأعطى بها ثلاثمئة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيباً، فأعطيت بها ثلاثمئة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدناً؟ قال: " لا، انحرها إياها " (٣).

стр. 703

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ منع عمر بن الخطاب من تغيير الهدي، فيقاس عليه تغيير الوقف، وشرطه. ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به لأمرين: أحدهما: أن فيه الجهم بن الجارود، قال الذهبي: فيه جهالة (١). الثاني: أن الحديث فيه انقطاع، فقد ذكر البخاري في تاريخه: أنه لا يعرف لجهم سماع من سالم (٢). الوجه الثاني: لو فرض صحة الحديث، فإنه يقال: إن فرض المسألة كون العين التي وقع الاستبدال بها أرجح من الوقف وأولى، والعين التي أراد عمر الاستبدال بها ليست أرجح من النجيبة بالنسبة على القرب إلى الله تعالى، بل النجيبة كانت راجحة على ثمنها، وعلى البدن المشتراة به؛ وذلك

стр. 704

لأن خير الرقاب أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها، والمطلوب أعلى ما يؤخذ فيما يتقرب به إلى الله تعالى وتجنب الدون (١). الوجه الثالث: لو فرض صحة الحديث، ولو سلمنا كون الاستبدال بالهدي والأضحية ممنوعاً منه لم يلتزم عدم جواز الاستبدال في الأوقاف عند رجحان المصالح؛ وذلك أن الوقف مراد لاستمرار ريعه ودوام غلته بخلاف الهدي والأضحية (٢). ٥ - أن للواقف غرضاً وقصداً في تعيين الجهة التي يصرف إليها الوقف. ونوقش هذا الاستدلال: بأن مخالفة شرط الواقف إلى أعلى فيه تحقيق لغرض الواقف وزيادة. ٦ - أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فيمنع من تغيير شرط الواقف منعاً لئلا يتلاعب بالوقف. ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مسلم حال التلاعب، وتبقى المشروعية حال السلامة. الترجيح: من خلال هذا العرض تظهر قوة أدلة القول الأول القائل بجواز تغيير شرط الواقف عند رجحان المصلحة؛ لما يأتي من الأدلة على جواز تغيير الأصل، ففي الشرط من باب أولى، لكن سداً لذريعة التلاعب بالأوقاف، وخشية مخالفة غرض الواقف، وقصده يقيد بما يلي: ١ - أن يكون التغيير بإذن القاضي، أو فتاوى العلماء. ٢ - ظهور المصلحة التي يراد تغيير الشرط إليها.

стр. 705

وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " ويذكر فيه أن له أخا أوقف قطعة أرض لتكون مجمعا للأمطار لانتفاع أهل القرية بها، وأنه عند إعداد القطعة لغرض الوقف وبعد نزول المطر وتجمعه فيها لم يمكث إلا اثنتي عشرة ساعة، وبذلك تعذر قصد الواقف، ويرغب أخو الواقف تغيير الوقف إلى ما فيه منفعة للجهة الخيرية. ونفيدكم: أنه بعد تحقق ما ذكره المستفتي فلا بأس من نقل الوقف إلى ما يشبه ما أراده الواقف، كأن يبحث عن أرض صالحة لتجمع المياه فيها في مكان يمكن الانتفاع بها فيه فيشتري بثمن القطعة الموقوفة، فإن تعذر ذلك صرف إلى ما أراده الموقف من توفير الماء وسقيه على نظركم، والله الموفق، والسلام عليكم " (١).

стр. 706

المبحث الثالث: الصيغ التي يشترطها الواقف في وقفه أولاً: الشروط العشرة في الوقف: من جملة الشروط التي قد ترد في عقد الوقف: الشروط العشرة التي كثرت في أوقاف المتأخرين، وأفرد لها المؤلفون هذا العنوان، وهو (الشروط العشرة)، وهي تذكر في كتب الأوقاف بهذا العنوان. وفي كتب الفقه الحنفي في باب الوقف لها بحث مستقل في موضوع الشروط في الوقف، غير أن كتب الفقه من بقية المذاهب لم تخصصها بهذا الاسم، ولم تميزها ببحث مستقل عن سائر الشروط، وإنما تجدها متناثرة في ثنايا الكلام عن الشروط، وقد لا ينص عليها جميعاً، وأحيانا يكون الكلام عنها بشيء من الاقتضاب، وهذه الشروط أجازها فقهاء الحنفية ﵏. وأما بقية فقهاء المذاهب، فمنهم من وافق الحنفية في البعض وخالفهم في البعض الآخر. وهذه الشروط هي: ١ - الإدخال والإخراج. ٢ - الزيادة والنقصان. ٣ - الإعطاء والحرمان. ٤ - الإبدال والاستبدال. ٥ - التغيير والتبديل.

стр. 707

ويلحق بها التفضيل والتخصيص، وبعض المتأخرين يضعها في العشرة بدل الإبدال والتبديل (١). وإذا ذكر بعض هذه الشروط دون الآخر، فسر الشرط بعمومه، وإذا اجتمعت خصص كل واحد منها في دائرة محدودة (٢). وإليك بيان الأحكام الفقهية المتعلقة بالشروط العشر: ١ - الإدخال والإخراج: المراد بالإدخال هنا: جعل من ليس مستحقاً في الوقف من ذوي الاستحقاق مستحقاً. والإخراج: أن يخرج من هو من أصحاب الاستحقاق، فلا يكون مستحقاً في الوقف. وقد اختلف الفقهاء ﵏ في هذين الشرطين، فالحنفية أجازوا ذلك للواقف، وللناظر إن شرط الواقف له ذلك، ولكنهم قيدوا الواقف في استعمال هذين الشرطين بأنه لا يستعملهما إلا مرة واحدة فقط، إلا أن يذكر الواقف أن له الحق في استعمالهما كلما بدا له ذلك، فأجازوا هنا التكرار في الاستعمال بناءً على شرطه. جاء في البحر ما نصه: " وإذا شرط الزيادة والنقصان، والإدخال والإخراج كلما بدا له كان ذلك مطلقاً له غير محظور عليه، ويستقر الوقف على الحال الذي كان عليها يوم موته، وما شرطه لغيره من ذلك فهو له، ولو شرطه لنفسه ما دام حياً ثم للمتولي من بعده صح، ولو جعله للمتولي ما دام

стр. 708

الواقف حياً ملكاه مدة حياته، فإذا مات الواقف بطل، وليس للمشروط له ذلك أن يجعله لغيره أو يوصي به له " (١). ويؤخذ من النص السابق أن الواقف لو شرط لنفسه ذلك ولم يستعمل ما شرط ومات، أن الوقف يستقر على الحال الذي كان عليها يوم موته، وكذلك لو شرط للناظر ما دام حياً - أي الواقف - كان ذلك الشرط للناظر في حياة الواقف، وبعدها لا يملك الناظر استعمال الشرط بناءً على القيد الذي أورده الواقف في شرطه. وقال المالكية ﵏: بأن شرط الإدخال والإخراج معمول به في المذهب، ونقل الدسوقي -﵀-بأن في المتيطي ما يفيد المنع ابتداءً، ولكن إن وقع مضى (٢). وعند الشافعية: أن الشرطين باطلان على الصحيح من المذهب، وفي قول عندهم صحة الوقف وإلغاء الشرط. جاء في مغني المحتاج ما نصه: " … أو شرط أن يدخل من شاء ويخرج من شاء بطل على الصحيح .... ومقابل الصحيح يصح الوقف ويلغى الشرط" (٣). وبهذا قال الغمراوي ﵀-في شرحه للمنهاج (٤). وعند الحنابلة ﵏: لو شرط الواقف أن يخرج من شاء من أهل الوقف ويدخل من شاء من غيرهم لا يصح الوقف، وأما لو شرط أن يعطي من يشاء من أهل الوقف ويحرم من شاء منهم جاز عندهم الشرط.

стр. 709

وعللوا الجواز: بأن ذلك ليس بإخراج للموقوف عليه، وإنما علق استحقاق الوقف بصفة، فكأنه جعل له حقاً في الوقف، ولم يسلم الحارثي ﵀-بالفرق في الحالتين، وكانه يرى البطلان فيهما جميعاً (١). فرع: الحنابلة يقيدون حق الواقف في الإدخال والإخراج بالنسبة للموقوف عليهم فقط دون غيرهم، وعلى هذا فلا حق له في إدخال غير الموقوف عليهم في الوقف. ففي غاية المنتهى: " ولا يصح الوقف إن شرط فيه إدخال من شاء من غيرهم -أي من أهل الوقف- وإخراج من شاء منهم؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف، فأفسده " (٢). واختلفوا في حق الإدخال والإخراج هل هو حق مطلق؟ أي يدخل من يشاء منهم ويخرج من يشاء، أم أن ذلك مرتب على تحقق وصف مشترط في الموقوف عليه؟ على رأيين: الرأي الأول: أن حق الواقف في الإدخال والإخراج يجب أن يكون مرتباً على وصف مشترط (٣)، ولو جعله مطلقاً لم يصح؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد فأفسده، كما لو شرط أن لا ينتفع به. قال الحارثي: فرق المصنف -ابن قدامة- بين المسألتين، والفرق لا يتجه. ففي الكافي: "وتصرف الغلة على ما شرط الواقف: من التسوية

стр. 710

والتفضيل، والتقديم والتأخير، والجمع والترتيب، وإدخال من أدخله بصفة، وإخراج من أخرجه بصفة " (١). الرأي الثاني: أن حق الواقف في الإدخال والإخراج حق مطلق، فيرجع إلى شرطه في إخراج من شاء من أهل الوقف مطلقاً أو بصفة، كإخراج من تزوجت من البنات ونحوه، وإدخال من شاء منهم - أي من أهل الوقف - مطلقاً، كوقفت على أولادي أخرج من أشاء منهم وأدخل من أشاء، أو بصفة كصفة فقر أو اشتغال بعلم؛ لأنه ليس بإخراج للموقوف عليه في الوقف، وإنما علق الاستحقاق بصفة، فكأنه جعل له حقاً في الوقف إذا اتصف بإرادته أعطاه، ولم يجعل له حقاً: إذا اتفقت تلك الصفة فيه، وليس هو تعليقاً للوقف بصفة، بل هو وقف مطلق، والاستحقاق له صفة (٢). قال ابن قدامة: " وتصرف الغلة على ما شرط الواقف: من التسوية والتفضيل، والتقديم والتأخير، والجمع والترتيب، وإدخال من أدخله بصفة، وإخراج من أخرجه بصفة " (٣). ملاحظة: يستثنى من ذلك الوقف على الأولاد، فإذا كان الإدخال والإخراج يؤدي إلى عدم العدل بين الأولاد فلا يجوز، كما سيأتي في الوقف على الأولاد. ٢ - الزيادة والنقصان: المراد منهما تغيير مقادير الأنصبة للمستحقين، بزيادة أنصبة بعض المستحقين ونقص أنصبة البعض، بشرط ألا يؤدي ذلك التغيير إلى حرمان أحد من ذوي الاستحقاق، فالمستحق في الوقف –مثلاً- أربعة قراريط والآخر

стр. 711

ثلاثة قراريط، فللواقف أو الناظر أن يجعل للأول ثلاثة قراريط وللثاني أربعة قراريط بناء على الشرط الوارد في عقد الوقف، وإن غير من شرط له التغيير في مقادير الأنصبة زيادة ونقصاً مرة واحدة لا يملك التكرار إلا إن ورد الشرط بذلك. جاء في البحر ما نصه: " وإذا شرط الزيادة والنقصان … كلما بدا له كان ذلك مطلقاً له غير محظور عليه " (١). ومن زاده الواقف أو الناظر -بشرط من الواقف- على ما جعل له فله أن ينقصه بعد ذلك، ومن نقصه فله أن يزيده بعد ذلك (٢). ويلاحظ في هذا ما لوحظ في الإدخال والإخراج. ٣ - الإعطاء والحرمان: المراد بالإعطاء: جعل ريع الوقف كله أو بعضه لبعض الموقوف عليهم مدة معينة، أو دائماً. والحرمان: منع الغلة عن بعض المستحقين مدة معينة، أو دائماً. وليس لغير الواقف الحق في استعمال هذا الشرط، إلا إذا شرط له (٣). والظاهر: أن اشتراط الإعطاء والحرمان مثل اشتراط الإدخال والإخراج في الحكم، فالقول بجوازه مشروط بأن لا يؤدي إلى الإخلال بأي شرط من شروط صحة أصل الوقف. ولذا نرى الحنفية يمنعونه، بل يبطلون الوقف بسببه إذا أدى إلى صرف غلته كلها في غير جهة القربة، كمن وقف على أولاده وشرط أن يعطي من

стр. 712

يشاء منهم، ويحرم من يشاء، ثم أعطى الغلة كلها للأغنياء، ففي هذه الصورة يبطل الوقف عندهم. ملاحظة: يستثنى من ذلك الوقف على الأولاد لوجوب العدل بينهم، كما سيأتي. ٤ - الإبدال والاستبدال: المراد بالإبدال: بيع عين من أعيان الوقف لشراء عين أخرى تكون وقفاً بدلها. والاستبدال: جعل العين الأخرى وقفاً مكان الأولى. والإبدال والاستبدال متلازمان، فالاستبدال لازم للإبدال؛ لأن خروج العين الموقوفة بالبيع يستلزم أن يحل محلها أخرى (١). وللاستبدال شروط وأحكام خاصة ذكرت في باب استبدال الوقف. ٥ - التغيير والتبديل: يراد بالتغيير هنا: التغيير في شروط الوقف، فللواقف -بناءً على هذا الشرط- أن يغير ما شاء مما اشترطه في وقفه، فله أن يزيد وينقص في الأنصبة، ويدخل من شاء ويخرج من شاء، وأن يغير أيضا في طرق الصرف، فلو وقف على مستشفى على أن يشتري بالغلّة أسرة للمرضى، يجوز باشتراطه لنفسه التغيير أن يجعل الغلة لشراء أدوات جراحية، أو تصرف مرتبات للأطباء. وأما التبديل فهو: التغيير في العين الموقوفة، فالدار المعدة للإسكان يجعلها داراً للاستغلال حيث شرط ذلك لنفسه، والأرض التي كانت معدة للزراعة يجعلها مساكن وعمائر، والتغيير في طرق صرف غلة الوقف والتبديل

стр. 713

من أرض زراعية إلى دور للاستغلال، إن قصد به المصلحة والنفع فلا حرج منه، كما سيأتي في مبحث تغيير هيئة الوقف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ويجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد صرف إلى الجند " (١). ويفهم من عبارته أن الذي قام بالتغيير إلى ما هو أصلح وأنفع ولي الأمر، فالواقف حيث اشترط لنفسه ذلك التغيير إن كان إلى ما هو أصلح وأنفع من باب أولى. وقال شيخ الإسلام: " وجوّز جمهور العلماء تغيير صورة الوقف للمصلحة، كجعل الدور حوانيت والحكورة المشهورة " (٢). وهذان الشرطان -وهما التغيير والتبديل- يعمّان عموماً شاملاً الإدخال والإخراج، والزيادة والنقصان، والإعطاء والحرمان، والإبدال والاستبدال؛ لأن شرط التغيير يشمل كل تغيير في المصرف، وشرط التبديل يشمل كل تبديل في الأعيان (٣). ثانياً: من الصيغ التي يشترطها الواقف: الأولى: تحديد الأنصباء (٤): الصيغ اللفظية التي تقتضي الإشراك في الوقف مع تحديد أنصباء الموقوف عليهم في الشيء الموقوف سواءً كانوا أفراداً أو جماعاتٍ أو

стр. 714

جهاتٍ، كأن يقول الواقف: وقفت هذه الدار على زيد وعمرو وبكر، لزيد نصفها، ولعمر ثلثها، ولبكر سدسها، أو يقول: وقفت هذه المزرعة تصرف غلتها على المساجد والمدارس والفقراء، للمساجد نصف الغلة، وللمدارس ربعها، وللفقراء ربعها … وهكذا، أو يقول: وقفت هذا على أولادي، أو أولاد زيد، على أن للذكر مثل حظ الأنثيين، أو يقول: وقفت غلة هذه الدكان على المسجد الفلاني وإمامه ومؤذنه، على أن للإمام النصف، وللمؤذن الربع، وللمسجد الربع، ونحو ذلك. ومقتضى هذه الصيغ: أن يتبع شرط الواقف بالنسبة المذكورة، فينتفع الموقوف عليهم بغلة الموقوف على ما تقتضيه النسبة المضافة إلى كل واحد أو كل جهة (١). الثانية: التسوية والجمع: الصيغ المقتضية للتسوية والجمع بين الموقوف عليهم بحرف، أو لفظ، أو عبارة تقتضي التسوية والجمع دون ترتيب: كالإشراك بينهم بحرف العطف، كأن يقول: وقفت هذه الأرض على زيد وعمرو وبكر، أو يقول: وقفت هذه العمارة على أولادي والمساكين. أو يقول: وقفت هذه الأرض على أولادي وأولادهم. فهذه الصيغ تقتضي الإشراك مع التساوي بينهم بلا تفضيل، فلا يفضل أحد منهم على الآخر؛ لأن الواو تقتضي الاشتراك مع المساواة. ففي المثال الأول: يشترك الثلاثة في غلة الأرض بالسوية. وفي المثال الثاني: تكون غلة العمارة بين أولاد الواقف والمساكين نصفين.

стр. 715

وهكذا في المثال الثالث: يشترك الأولاد وأولادهم في غلة الموقوف بالسوية، فلا يفضل البطن الأول على البطن الثاني (١). وسيأتي بيان مزيد في مصرف الوقف على الأولاد. الثالثة: الترتيب: الصيغ المقتضية للترتيب بين الموقوف عليهم سواءً أكان بالحرف المقتضي للترتيب، أو بعبارة تقتضيه، وسواءً أكان الوقف على أفراد أو على جهات، كأن يقول: وقفت هذه المزرعة على زيد ثم عمرو ثم بكر، أو يقول: وقفت العقار الفلاني على طلاب العلم ثم على المساكين. فهذه الصيغ ونحوها تقتضي الترتيب بين الموقوف عليهم، فلا يستحق من جاء بعد حرف العطف المقتضي للترتيب مع وجود المعطوف عليه، وهكذا لا يستحق البطن الثاني شيئاً من الوقف حتى ينقرض البطن الأول؛ فيما إذا قال: بطناً بعد بطن، ومثل ذلك لو قال: وقفت هذا الشيء على زيد وعمرو وبكر، يبدأ بزيد، فإن مات فعمرو، فإن مات فبكر (٢). الرابعة: التخصيص: الصيغ المقتضية للتخصيص بذكر وصف مخصص للبعض، كأن يقول: أوقفت هذا العقار على أولادي الفقهاء، أو الصلحاء، أو على المحتاج من أولادي، أو على من لم تتزوج من بناتي، ونحو ذلك. فهذه الصيغ تقتضي اشتراك من يتصف بالصفة المذكورة دون غيرهم،

стр. 716

فكل من اتصف بهذه الصفة يستحق من غلة الوقف، ولا يستحق من لم يتصف بها من الوقف شيئاً، فإن وجد شخص واحد يتصف بهذه الصفة استحق غلة الوقف وحده، وإن تعدد المتصفون بها استحقوا الغلة على سبيل المساواة بينهم؛ لعدم ما يدل على التفضيل (١). والتخصيص قد يكون بالصفة كما سبق. وقد يكون بالاستثناء، كأن يقول: وقفت على أولاد زيد إلا بكراً، فيعمل بمقتضاه، فيختص بالوقف ما عدا بكرا. وقد يكون التخصيص بعطف البيان، كأن يقول: وقفت على صديقي أبي عبد الله محمد، فإذا كان له أكثر من صديق يكنى بأبي عبد الله، فعطف البيان هنا خصص الوقف بمحمد. ومثله التخصيص بالتوكيد، كأن يقول: وقفت على أولاد زيد نفسه، فيختص الوقف بأولاده لصلبه دون أولاد أولاده. ومثله التخصيص بالجار والمجرور، كأن يقول: وقفت هذه الكتب على من اشتغل بالعلم من أولادي، فيختص الوقف بطلاب العلم من أولاده، دون من اشتغل بالعلم من غيرهم. وهذا لو ذكر عدة جمل ثم تعقبها شرط أو صفة ونحوهما، فإن الحكم يعود إلى جميع الجمل المذكورة (٢). ومنه التخصيص بالبدل، نحو أوقفت هذا العقار على طلبة العلم فلان وفلان. ومنه التخصيص بتقديم الخبر، كقوله وقفت داري على أولادي، والساكن منهم عند حاجته بلا أجرة فلان.

стр. 717

ملاحظة: يستثنى من ذلك تخصيص بعض الأولاد بالتعيين بالوقف؛ لوجود العدل بينهم كما سيأتي في مصرف الوقف على الأولاد. الخامسة: الإطلاق: الصيغ المقتضية للاشتراك في الموقوف دون تخصيص، كأن يقول: وقفت هذا العقار على الفقراء، أو على المساكين، أو على طلاب العلم، أو على المسافرين، ونحو ذلك من كل صيغة تقتضي التشريك بين جماعة يشملهم لفظ عام. ومقتضى هذه الصيغ التشريك بين هؤلاء الجماعة دون تخصيص، حينئذ فإن كان يمكن استيعاب هؤلاء الجماعة وجب استيعابهم، وإن كان لا يمكن استيعابهم كما في الأمثلة المذكورة، فإنه يصرف على جنسهم، ولا يجب استيعابهم، وإنما يجتهد الناظر على الموقف أن يقدّم الأحوج فالأحوج مما يشملهم لفظ الواقف (١). السادسة: التقديم والتأخير: الصيغ التي تقتضي تقديم بعضهم على بعض أو تأخيره، كأن يقول: وقفت هذا الشيء على زيد وبكر وعمرو ويقدّم زيد، فإن فضل شيء عن حاجته فبكر، فإن فضل فعمرو، أو يقول: وقفت على أبناء فلان بن فلان ويقدّم الأعلم أو الأصلح. وفي هذه الصيغ ونحوها يستحق الموقوف عليهم الموقوف بالاشتراك، غير أنه يقدّم من قدّمه الواقف، فيأخذ المقدم كفايته، والباقي يصرف للموقوف عليهم يأخذون كفايتهم إن بلغ كفايتهم، وإلا قسم بينهم. وهكذا ما يقتضي التأخير، كأن يقول: وقفت هذه الدار على أبنائي

стр. 718

يعطون من غلتها وما فضل للفقراء، فهنا يستحق الأبناء غلة الدار، وما فضل عن حاجتهم يصرف للفقراء، وهكذا (١). السابعة: التفضيل: والمراد بالتفضيل: تمييز بعض الموقوف عليهم عن البعض الآخر في أنصبتهم من الريع، مع عدم حرمان المفضول من الريع؛ لأن مفهوم التفضيل لا يستلزم الحرمان، بل المشاركة في الاستحقاق بالنسبة للجميع، ولكن بعضهم مفضّل على بعض، وهذا الشرط قال به فقهاء المالكية ﵏؛ حيث قالوا بوجوب العمل بشرط الواقف من تفاضل وتسوية (٢). وبالعمل به قال فقهاء الشافعية ﵏؛ حيث قيدوا صرف الاستحقاق وطريقة توزيعها بالرجوع إلى شرط الواقف من تفضيل وتسوية وغير ذلك (٣). وبوجوب العمل به قال فقهاء الحنابلة ﵏ (٤). الثامنة: النظر: فإذا عُيّن ناظرا للوقف تعيّن، ويأتي.

стр. 719

الفصل الثالث: مصرف الوقف وفيه مباحث:

стр. 720

المبحث الأول: مصرف الوقف المطلق وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم الوقف المطلق الوقف المطلق: هو الذي لم يحدد له ربه مصرفاً. مثل أن يقول: أوقفت هذه الأرض لله، أو: جعلت هذا البيت وقفاً، ولم يذكر مصرفاً. اختلف العلماء في حكم هذا الوقف على قولين: القول الأول: صحة الوقف المطلق. وإلى هذا ذهب أبو يوسف ومحمد، وهلال الرأي من الحنفية، وهو قول المالكية (١)، ومقابل الأظهر عند الشافعية صححه الشيرزاي وغيره (٢)، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٣).

стр. 721

قال ابن الهمام: " وموقوفة فقط لا تصح إلا عند أبي يوسف فإنه يجعله بمجرد هذا اللفظ وقفا على الفقراء، وهو قول عثمان البتي وإذا كان مفيدا لخصوص المصرف أعني الفقراء لزم كونه مؤبدا؛ لأن جهة الفقراء لا تنقطع. قال الصدر الشهيد: ومشايخ بلخ يفتون بقول أبي يوسف، ونحن نفتي بقوله أيضا لمكان العرف " (١). واحتجوا بما يلي: ١ - حديث عمر ﵁ في وقفه (٢). قال ابن حجر: " مما يستفاد من حديث عمر في الوقف أنه لا يشترط تعيين المصرف لفظاً " (٣). ٢ - عمومات أدلة الوقف، وهذه تشمل الوقف المطلق (٤). ٣ - حديث أبي طلحة ﵁، وفيه قوله في حديقة بيرحاء: " إنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله " (٥). ٤ - أن الوقف إزالة ملك على وجه القربة لله تعالى، فصحّ قياساً على الأضحية والهدي (٦). ٥ - القياس على النذر بالصدقة من غير ذكر مصرف، فيصحّ، فكذا الوقف.

стр. 722

٦ - القياس على العتق، فيصح مطلقاً، وكذا الوقف. ٧ - القياس على الوصية، فلو أوصى بثلثه، ولم يذكر مصرفاً، صحّ، وكذا الوقف (١). ونوقش: بأن القياس على الوصية قياس مع الفارق؛ لأنها مبنية على التساهل. وأجيب: بأن الوقف يراد به وجه الله تعالى، فإذا أطلق كان مصرفه طرق الخير أو المساكين من قرابته أو من غيرهم. ٨ - أن ما أطلق من كلام الآدميين يحمل على المعهود في الشرع وقد أمكن ذلك هنا، فلا يبطل (٢). القول الثاني: أن الوقف يبطل. وإليه ذهب بعض الحنفية (٣)، وهو الأظهر عند الشافعية (٤). واحتجوا بالآتي: ١ - أن الوقف تمليك فلا يصح مطلقاً، كما لو قلت بعت داري ووهبت مالي؛ إذ إن الوقف تمليك للمنافع فلا بد من متملك معين (٥). ونوقش: بالفرق بين البيع والوقف، فإن الأول تمليك على سبيل المعاوضة ليست في أصله من القرب فلا بد من التعيين فيه، بخلاف الوقف فهو إزالة ملك على وجه القربة رجاء الثواب ومصارفه معلومة في الشرع فلا

стр. 723

جهالة إذا، وكذا الهبة القياس عليها قياس على أصل مختلف فيه، وأيضا فرق بين الهبة والوقف: فالوقف مصارفه معلومة في الشرع فلا جهالة إذا، بخلاف الهبة. ٢ - أن جهالة المصرف كقوله مثلاً " وقفت على من شاء الله " أو على من شئت ولم يعينه عند الوقف يبطله، فعدمه أولى (١). ونوقش: بأنه استدلال في محل النزاع. ٣ - أن الوقف تمليك، فلا يصح لمجهول. ونوقش: بأنه تمليك لله، وتصدق بالمنفعة على جهة القربة، وهي معلومة في الشرع. ٤ - أن الأرض توقف للدِّين والوصايا ولحبس الأصل، فإذا لم يذكر سبيله لم يتبيّن المراد (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بما نوقش به الدليل الثاني. الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة الوقف المطلق؛ إذ الأصل صحة عقود التبرعات، ولأن الوقف قربة، فلا يمنع منه إلا لدليل.

стр. 724

المطلب الثاني: مصرف الوقف المطلق تقدم صحة الوقف المطلق، وقد اختلف العلماء في مصرفه على أقوال: القول الأول: أنه يصرف في وجوه الخير والبر. وهو قول في مذهب المالكية (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢)، ووجه في مذهب الحنابلة (٣). القول الثاني: أنه إذا تعذّر سؤال المحبس، صرف فيما يقصد بالتحبيس غالباً في عرفهم، كأهل العلم والقراءة، فإن لم يكن غالب بأن لم يكن لهم أوقاف، أو كان ولا غالب فيها، صرف للفقراء بالاجتهاد. وهذا مذهب المالكية (٤). القول الثالث: أن يصرف إلى الفقراء. وهو مذهب الحنفية (٥)، وهو قول الإمام مالك (٦)، ووجه في مذهب الشافعية (٧).

стр. 725

القول الرابع: أن يصرف إلى أقرب الناس من الواقف، كما في المنقطع الآخر، كما سيأتي. وبه قال الشافعية، والحنابلة في المذهب (١). الأدلة: دليل القول الأول: (يُصرف في وجوه الخير والبر) استدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ (٢). فدلت الآية على أن مصرف الصدقة وجوه البر، ومن ذلك الوقف المطلق. أدلة القول الثاني: (سؤال المحبس … ) استدل لهذا القول بما يلي: ١ - أنه إذا لم يمكن سؤال المحبس صرف لغالب ما يقصد به التحبيس في عرفه؛ للقاعدة: أن (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً). ٢ - أنه إذا لم يكن الصرف إلى الغالب صرف للفقراء؛ لأن الغالب صرف الأوقاف إليهم، كما سيأتي في أدلة القول الثالث. أدلة القول الثالث: (أنه يصرف للفقراء والمساكين) استدل لهذا القول بما يلي:

стр. 726

١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ … ﴾ (١). فدلت الآية على أن مصرف الصدقات في الجملة الفقراء والمساكين، ومن ذلك الوقف المطلق. ٢ - القياس على النذر المطلق، فمن نذر صدقة مطلقة، صرفت للفقراء والمساكين، والوقف صدقة جارية، فإذا أطلقه الواقف فلم يذكر سبيله صرف إليهم (٢). ٣ - القياس على الكفّارات، فإن مصرفها الفقراء والمساكين .... ، فكذا الوقف المطلق. ٤ - القياس على الوصية، فإن من أوصى بإخراج ثلث ماله ولم يذكر في أي الجهات صُرف إلى الفقراء والمساكين، فكذلك إذا وقف وقفاً مطلقاً صرف إلى الفقراء والمساكين (٣). ونوقشت هذه الأدلة: بالتسليم، لكن قد توجد جهة أصلح من جهة الفقراء والمساكين. أدلة القول الرابع: (يصرف إلى أقرب الناس) استدل لهذا القول: بالأدلة التي استدل بها من قال: بأن الوقف المنقطع الآخر يصرف إلى أقارب الواقف؛ إذ الوقف المطلق إذا لم يذكر مصرفه كالوقف منقطع الآخر، وتأتي مناقشته. الترجيح: كل قول من هذه الأقوال له وجه من القوة، ويمكن الجمع بينها بأن

стр. 727

يقال: إن ظهر قصد الواقف اتبع؛ مراعاة لشرطه، ولئلا يفوت غرضه، وإلا صرف في المصالح العامة، ومن المصالح العامة الفقراء من أقارب الواقف؛ لما استدلوا به، والله أعلم.

стр. 728

المبحث الثاني: مصرف الوقف المنقطع الابتداء، والوسط الوقف المنقطع الابتداء: أن يقف على من لا يجوز الوقف عليه، ثم على من يجوز الوقف عليه. والوقف المنقطع الوسط: أن يقف على من يجوز الوقف عليه، ثم على من لا يجوز عليه، ثم على من يجوز الوقف عليه. مثاله: أن يقول: هذا وقف على زيد، ثم المغنين، ثم المساكين. وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم الوقف المنقطع الابتداء، والوسط اختلف العلماء ﵏ في صحة الوقف المنقطع الوسط على قولين: القول الأول: صحة الوقف المنقطع الابتداء، والوسط. وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، وقول للشافعية، والحنابلة (١).

стр. 729

جاء في بدائع الصنائع: " ومنها: أن يجعل آخره بجهة لا تنقطع أبدا عند أبي حنيفة ومحمد، فإن لم يذكر ذلك لم يصح عندهما، وعند أبي يوسف ذكر هذا ليس بشرط، بل يصح وإن سمى جهة تنقطع، ويكون بعدها للفقراء وإن لم يسمهم " (١). وجاء في الفواكه الدواني: " علم مما قررنا أنه لا يشترط في الوقف التأبيد خلافا لظاهر كلام ابن عرفة في تعريفه، وكذا قال القرافي في الذخيرة: الوقف يتنوع إلى خمسة أنواع: منقطع الأول، منقطع الآخر، منقطع الطرفين، منقطع الوسط، منقطع الطرفين والوسط، فالأول: كالوقف على نفسه أو على معصية، أو على ميت لا ينتفع ثم على الفقراء ..... والرابع: كالوقف على أولادهم، ثم على معصية ثم على الفقراء، والظاهر من مذهبنا أنه يبطل فيما لا يجوز الوقف عليه، ويصح إذا أمكن الوصول إليه، ولا يضر الانقطاع؛ لأن الوقف نوع من التمليك في المنافع أو الأعيان، فجاز أن يعم أو يخص كالعواري والهبات والوصايا " (٢). وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: " ومذهبنا: أن الوقف إذا كان فيه انقطاع في أوله، أو آخره، أو وسطه يبطل فيما لا يجوز الوقف عليه ويصح فيما لا يصح الوقف عليه إن حصل منه حوز قبل حصول المانع للواقف ولا يضر الانقطاع؛ لأن الوقف نوع من التمليك في المنافع، فجاز أن يعمم فيه أو يخص كالعواري والهبات والوصايا " (٣). وجاء في الشرح الكبير لابن قدامة: " إذا وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز فهو وقف منقطع الابتداء كالوقف على عبده وأم ولده أو مجهول،

стр. 730

فإن لم يذكر له مآلا فالوقف باطل، وكذلك إن جعل له مآلا لا يجوز الوقف عليه؛ لأنه أخل بأحد شرطي الوقف فبطل، كما لو وقف ما لا يجوز وقفه، وإن جعل له مآلا يجوز الوقف عليه كمن يقف على عبده ثم على المساكين، ففي صحته وجهان بناء على تفريق الصفقة " (١). القول الثاني: عدم صحة الوقف المنقطع الابتداء، والوسط. وهو قول في مذهب الشافعية (٢)، ووجه في مذهب الحنابلة (٣). القول الثالث: أنه لا يصح الوقف منقطع الابتداء، ويصح منقطع الوسط. وهو مذهب الشافعية (٤). جاء في مغني المحتاج: " (ولو كان الوقف منقطع الأول كوقفته على) ولدي ولا ولد له أو على مسجد سيبنى، أو على (من سيولد لي) ثم الفقراء (فالمذهب بطلانه)؛ لأن الأول باطل؛ لعدم إمكان الصرف إليه في الحال فكذا ما ترتب عليه، والطريق الثاني فيه قولان: أحدهما: الصحة، وصححه المصنف في تصحيح التنبيه، ولو وقف على بعض ورثته في المرض ولم يجز الباقون، أو على مبهم ثم الفقراء فمنقطع الأول. (أو) كان الوقف (منقطع الوسط) بفتح السين (كوقفت على أولادي ثم) على (رجل) منهم (ثم) على (الفقراء فالمذهب صحته) لوجود المصرف في الحال والمآل " (٥).

стр. 731

وجاء في المنهاج للنووي: " ولو كان الوقف منقطع الأول كوقفته على من سيولد لي فالمذهب بطلانه، أو منقطع الوسط كوقفت على أولادي ثم رجل ثم الفقراء، فالمذهب صحته " (١). الأدلة: أدلة القول الأول: (الصحة) استدل لهذا القول بما يلي: ١ - الأدلة الدالة على صحة الوقف المطلق، وصحة الوقف المنقطع الأول والآخر، فإذا صح الوقف في هذه الأشياء، فمنقطع الوسط من باب أولى (٢). ٢ - أن وجود من لا يصح الوقف عليه كعدمه، فيكون كأنه وقف على الجهة الصحيحة من غير ذكر للباطلة (٣). ٣ - أن الواقف جمع بين من يجوز الوقف عليه، ومن لا يجوز الوقف عليه، فصحّ، كما لو باع حراً وعبداً. ٤ - أن لكل واحد من الموقوف عليهم حكماً لو انفرد، فإذا جمع بينهم ثبت لكل واحد منهم حكمه (٤). أدلة القول الثاني: (عدم الصحة) استدل لهذا القول بما يلي: ١ - أن أوقاف الصحابة ﵃ ليس فيها انقطاع. ونوقش هذا الاستدلال: أنه لا يسلم، فقد ورد عن الصحابة وقف

стр. 732

الحيوان، ومصيره إلى الانقطاع، وأيضا ذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يقتضي التخصيص. ٢ - أن حقيقة الوقف نقل تلك المنافع إلى الموقوف عليه، وتمليك المعدوم باطل (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن تمليك المعدوم ليس ممنوعاً مطلقاً. ٣ - أن الواقف جمع بين من يجوز الوقف عليه وبين من لا يجوز الوقف عليه، أشبه تفريق الصفقة (٢). ونوقش: بأن مسائل تفريق الصفقة يصح العقد فيها فيما أذن فيه، ويبطل فيما لم يؤذن فيه، كما لو جمع في بيع بين مباح ومحرم، فيصح في المباح ويبطل في المحرم، وكذا الوقف. ٤ - أنه يلزم منه تمليك لمعدوم. ونوقش: بأن الوقف على المعدوم جائز، كما حرر (٣). ٥ - أن التأبيد شرط جواز الوقف لما سيذكر، وتسمية جهة تنقطع توقيت له معنى فيمنع الجواز (٤). أدلة القول الثالث: (التفصيل) ١ - أن الوقف على الأول باطل، والثاني فرع لأصل باطل، فكان باطلاً (٥). ونوقش: بعدم التسليم بأن الثاني فرع للأول، فإن استحقاق الثاني ثبت من الواقف مباشرة، وغاية ما فيه أن رتب استحقاقه على زوال الأول.

стр. 733

٢ - أن الابتداء إذا كان باطلاً لم يمكن ترتيب الآخر على الأول لو كان فرعاً له، وليس الأمر كذلك كما تقدم. ٣ - أن الوقف المنقطع الابتداء باطل؛ لعدم إمكان الصرف في الحال؛ لأنه لم يوجد من مستحق وابتداء صحيح يبنى عليه (١). ونوقش: أن وجود من لا يصح الوقف عليه كعدمه، فكأن الواقف وقف على من بعده ممن يجوز الوقف عليه ابتداء فيصرف إليه في الحال. ونوقش: بعدم التسليم؛ إذ الوقف المؤقت صحيح، كما تقدم في شرط التأبيد. الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة الوقف منقطع الابتداء والوسط؛ إذ الأصل صحة الوقف، وأنه فعل خير وقربة فلا يمنع منه. المطلب الثاني: مصرف الوقف المنقطع الابتداء، والوسط اختلف العلماء المصححون للوقف المنقطع الابتداء والوسط في مصرفه على أقوال: القول الأول: أنه يصرف إلى من بعد الجهة المنقطعة ممن يجوز الوقف عليه.

стр. 734

وهو مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢). القول الثاني: أنه يصرف إلى الفقراء. وبه قال الحنفية (٣). القول الثالث: أنه يصرف إلى أقرب الناس من الواقف، إن كان على نحو عبد معين ممن يمكن أن ينقرض، فإذا انقرض صرف إلى من يجوز الوقف عليه، وإن كان على نحو ميت ومجهول ممن لا يعتبر انقراضه صرف إلى من بعده. وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٤). وفي وجه للشافعية: يصرف للواقف، ثم إلى ورثته من بعده، حتى ينقرض الأول، فإذا انقرض صرف إلى من بعده. القول الرابع: أنه يصرف إلى المصالح العامة. وهو وجه في مذهب الشافعية (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل القائلون بصرف الغلة إلى من بعد الجهة المنقطعة بالأدلة التالية: ١ - ما تقدم من الأدلة على صحة الوقف (٦).

стр. 735

وجه الدلالة: دلت هذه الأدلة على صحة الوقف في الجملة، وهذا يقتضي صحة الصرف إلى من بعد الجهة المنقطعة. ٢ - الأدلة الدالة على وجوب العمل بشروط الواقف (١). وجه الدلالة: أن هذه الأدلة دلت على اعتبار شرطه وقصده، وترك الصرف إلى الجهة الصحيحة تفويت لغرض الواقف. ٣ - أن الجهة الباطلة وجودها كعدمها، فكأنه وقف على الجهة الصحيحة. دليل القول الثاني: (يصرف إلى الفقراء) قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ … ﴾ (٢). وجه الدلالة: دلت الآية على أن الفقراء محل الصدقات في الجملة، وهذا يقتضي صرف الوقف المنقطع لهم. ونوقش: بعدم التسليم مطلقاً؛ لدلالة أدلة الرأي الأول على صرف الوقف على الجهة الصحيحة. أدلة القول الثالث: (يصرف إلى أقرب الناس) استدل لهذا القول بما يلي: أولاً: دليلهم على أنه يصرف لأقرب الناس من الواقف إن كان على نحو عبد معين ممن يمكن انقراضه: ١ - ما يأتي من أدلة على أن الوقف المنقطع الآخر يصرف لأقرب الناس من الواقف، إلحاقاً له بالمنقطع الآخر.

стр. 736

ويأتي مناقشته. ٢ - أنه لا يمكن صرف الوقف إلى من بعد الجهة المنقطعة؛ لعدم وجود شرط الانتقال إليها، ولا رده للواقف؛ لأنه تصدّق به، فكان أقارب الواقف أحق به (١). ونوقش: بما نوقش به دليل القول الثاني. ثانياً: دليلهم على أنه إذا كان على نحو ميت ونحوه ممن لا يعتبر انقراضه، صرف لمن بعده: ما استدل به أهل القول الأول. ثالثاً: دليل من قال: صرف للواقف إن كان حياً، ولورثته إن كان ميتاً، حتى ينقرض الأول فيصرف إلى من بعده: أن شرط الانتقال إلى من يجوز الوقف عليه غير موجود؛ لعدم انقراض الذي قبله. ونوقش: بما نوقش به الدليل الذي قبله. دليل القول الرابع: (أنه يصرف للمصالح) استدل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ … ﴾ (٢). وجه الدلالة: دلت الآية على أن الصدقات مصرفها المصالح، ومن ضمنها الوقف. ونوقش هذا الاستدلال: بما نوقش به دليل القول الثاني.

стр. 737

الترجيح: الراجح -والله أعلم- أن غلة الوقف المنقطع الابتداء أو الوسط تصرف إلى من بعد الجهة المنقطعة؛ لقوة دليله، ولأن فيه مراعاة شروط الواقفين ومقاصدهم.

стр. 738

المبحث الثالث: مصرف الوقف المنقطع الآخر وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم الوقف المنقطع الآخر اختلف الفقهاء ﵏ في صحة الوقف المنقطع الآخر على قولين: القول الأول: صحة الوقف المنقطع الآخر. وهو قول جمهور أهل العلم: المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). جاء في الفواكه الدواني: " الوقف يتنوع إلى خمسة أنواع: منقطع الأول، منقطع الآخر ...... والثاني: كالوقف على أولاده ثم على معصية ...... والظاهر من مذهبنا أنه يبطل فيما لا يجوز الوقف عليه، ويصح إذا أمكن الوصول إليه، ولا يضر الانقطاع؛ لأن الوقف نوع من التمليك في المنافع أو الأعيان، فجاز أن يعم أو يخص كالعواري والهبات والوصايا " (٢). وجاء في مغني المحتاج: " (ولو قال: وقفت على أولادي أو على زيد ثم نسله) ونحوه مما لا يدوم (ولم يزد) على ذلك من يصرف إليه بعدهم

стр. 739

(فالأظهر صحة الوقف)؛ لأن مقصود الوقف القربة والدوام، وإذا بين مصرفه ابتداء سهل إدامته على سبيل الخير ويسمى منقطع الآخر، والثاني بطلانه لانقطاعه" (١). وجاء في كشاف القناع: " (ويصرف منقطع الآخر كما لو وقف على جهة تنقطع) كأولاده (ولم يذكر له مآلاً) إلى ورثة الواقف نسبًا بعد من عينهم (أو) وقف (على من يجوز) الوقف عليه كأولاده (ثم على من لا يجوز) أي يصح الوقف عليه ككنيسة، فيصرف إلى ورثة الواقف نسبًا بعد من يجوز الوقف عليه " (٢). القول الثاني: عدم صحة الوقف المنقطع الآخر. وهو الأرجح عند الحنفية (٣)، وهو قول في مذهب الشافعية (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: استدل القائلون بصحة الوقف المنقطع الآخر بالأدلة التالية: ١ - أدلة الوقف، وهذه تشمل الوقف منقطع الآخر (٥). ٢ - الأدلة الدالة على لزوم الوقف، وعدم الرجوع فيه (٦). ٣ - القياس على الهبة والوصية بجامع التبرع، فلا يشترط فيها الاتصال.

стр. 740

٤ - أن منقطع الآخر وقف معلوم المصرف في الجملة فصح، كما لو كان متصل الانتهاء (١). أدلة القول الثاني: (عدم صحة الوقف المنقطع الآخر) استدل لهذا القول بالأدلة التالية: (٢٠٢) ١ - رواه البخاري ومسلم من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " (٢). وفي رواية: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (٣). ٢ - ما تقدم من أدلة مشروعية الوقف (٤). وجه الدلالة: أن الوقف لم يرد في الشرع إلا مؤبداً، والمنقطع غير مؤبد. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: الوقف لم يرد في الشرع إلا مؤبداً غير مسلم، كما تقدم في شروط صحة الوقف، وأنه يصح كون الوقف مؤقتاً. الثاني: أن انقطاع مصرف الوقف لا يلزم منه إنقطاع الوقف، بل يبقى الوقف، ويصرف لمن بعد الجهة المنقطعة، كما سيأتي بيانه.
следующие страницы →