ويأتي مناقشته.
٢ - أنه لا يمكن صرف الوقف إلى من بعد الجهة المنقطعة؛ لعدم وجود شرط الانتقال إليها، ولا رده للواقف؛ لأنه تصدّق به، فكان أقارب الواقف أحق به (١).
ونوقش: بما نوقش به دليل القول الثاني.
ثانياً: دليلهم على أنه إذا كان على نحو ميت ونحوه ممن لا يعتبر انقراضه، صرف لمن بعده:
ما استدل به أهل القول الأول.
ثالثاً: دليل من قال: صرف للواقف إن كان حياً، ولورثته إن كان ميتاً، حتى ينقرض الأول فيصرف إلى من بعده:
أن شرط الانتقال إلى من يجوز الوقف عليه غير موجود؛ لعدم انقراض الذي قبله.
ونوقش: بما نوقش به الدليل الذي قبله.
دليل القول الرابع: (أنه يصرف للمصالح)
استدل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ … ﴾ (٢).
وجه الدلالة: دلت الآية على أن الصدقات مصرفها المصالح، ومن ضمنها الوقف.
ونوقش هذا الاستدلال: بما نوقش به دليل القول الثاني.
стр. 737
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- أن غلة الوقف المنقطع الابتداء أو الوسط تصرف إلى من بعد الجهة المنقطعة؛ لقوة دليله، ولأن فيه مراعاة شروط الواقفين ومقاصدهم.
стр. 738
المبحث الثالث: مصرف الوقف المنقطع الآخر
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم الوقف المنقطع الآخر
اختلف الفقهاء ﵏ في صحة الوقف المنقطع الآخر على قولين:
القول الأول: صحة الوقف المنقطع الآخر.
وهو قول جمهور أهل العلم: المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
جاء في الفواكه الدواني: " الوقف يتنوع إلى خمسة أنواع: منقطع الأول، منقطع الآخر ...... والثاني: كالوقف على أولاده ثم على معصية ...... والظاهر من مذهبنا أنه يبطل فيما لا يجوز الوقف عليه، ويصح إذا أمكن الوصول إليه، ولا يضر الانقطاع؛ لأن الوقف نوع من التمليك في المنافع أو الأعيان، فجاز أن يعم أو يخص كالعواري والهبات والوصايا " (٢).
وجاء في مغني المحتاج: " (ولو قال: وقفت على أولادي أو على زيد ثم نسله) ونحوه مما لا يدوم (ولم يزد) على ذلك من يصرف إليه بعدهم
стр. 739
(فالأظهر صحة الوقف)؛ لأن مقصود الوقف القربة والدوام، وإذا بين مصرفه ابتداء سهل إدامته على سبيل الخير ويسمى منقطع الآخر، والثاني بطلانه لانقطاعه" (١).
وجاء في كشاف القناع: " (ويصرف منقطع الآخر كما لو وقف على جهة تنقطع) كأولاده (ولم يذكر له مآلاً) إلى ورثة الواقف نسبًا بعد من عينهم (أو) وقف (على من يجوز) الوقف عليه كأولاده (ثم على من لا يجوز) أي يصح الوقف عليه ككنيسة، فيصرف إلى ورثة الواقف نسبًا بعد من يجوز الوقف عليه " (٢).
القول الثاني: عدم صحة الوقف المنقطع الآخر.
وهو الأرجح عند الحنفية (٣)، وهو قول في مذهب الشافعية (٤).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بصحة الوقف المنقطع الآخر بالأدلة التالية:
١ - أدلة الوقف، وهذه تشمل الوقف منقطع الآخر (٥).
٢ - الأدلة الدالة على لزوم الوقف، وعدم الرجوع فيه (٦).
٣ - القياس على الهبة والوصية بجامع التبرع، فلا يشترط فيها الاتصال.
стр. 740
٤ - أن منقطع الآخر وقف معلوم المصرف في الجملة فصح، كما لو كان متصل الانتهاء (١).
أدلة القول الثاني: (عدم صحة الوقف المنقطع الآخر)
استدل لهذا القول بالأدلة التالية:
(٢٠٢) ١ - رواه البخاري ومسلم من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " (٢).
وفي رواية: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (٣).
٢ - ما تقدم من أدلة مشروعية الوقف (٤).
وجه الدلالة: أن الوقف لم يرد في الشرع إلا مؤبداً، والمنقطع غير مؤبد.
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: الوقف لم يرد في الشرع إلا مؤبداً غير مسلم، كما تقدم في شروط صحة الوقف، وأنه يصح كون الوقف مؤقتاً.
الثاني: أن انقطاع مصرف الوقف لا يلزم منه إنقطاع الوقف، بل يبقى الوقف، ويصرف لمن بعد الجهة المنقطعة، كما سيأتي بيانه.
стр. 741
٣ - أن أوقاف الصحابة ﵃ لم يكن فيها انقطاع، وما كان فيه انقطاع يكون على خلاف سنة الوقف فيبطل (١).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: عدم التسليم، فقد روي عن الصحابة ﵃ وقف الحيوان، ومآله إلى الانقطاع.
الثاني: أن انقطاع جهة الصرف التي عينها الواقف لا يلزم منه انقطاع الوقف، فيصرف لمن بعد الجهة المنقطعة.
٤ - أن مقتضى الوقف التأبيد، فإذا كان منقطعاً صار وقفاً على مجهول، فلم يصح، كما لو وقف على مجهول في الابتداء (٢).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يسلم عدم صحة الوقف على المجهول ابتداءً، كما تقدم بيانه في شروط الموقوف عليه.
الوجه الثاني: أن الوقف المنقطع الآخر لا يكون وقفاً على مجهول؛ إذ مآله إلى العلم لكونه يصرف لمن بعده.
٥ - أنه يلزم منه توقيت الوقف، فكان مبطلاً له؛ لأنه ينافي موجبه كالتوقيت في البيع (٣).
ونوقش: بما تقدم في مناقشة الدليل الأول.
٦ - أن المقصود بالوقف إيصال الثواب على الدوام حتى يتميز عن العواري، ولا يحصل هذا مع الانقطاع (٤).
стр. 742
ونوقش هذا الاستدلال: بعدم اشتراط الدوام فيصح الوقف المؤقت كما تقدم في شروط صحة الوقف.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول بصحة الوقف المنقطع الآخر؛ إذ الأصل صحة الوقف، وللإجابة على أدلة المانعين من صحته.
ولأن في القول بالصحة استدامة للوقف بآثاره العظيمة.
المطلب الثاني: مصرف الوقف المنقطع الآخر
تقدم اختلاف أهل العلم في حكم الوقف المنقطع الآخر، وتقدم أن الراجح صحته، وعلى القول بالصحة اختلف العلماء في مصرفه على أقوال:
القول الأول: أنه يصرف إلى الفقراء والمساكين.
وهو مذهب الحنفية (١)، ووجه في مذهب الشافعية (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣).
القول الثاني: يرجع الوقف -على المشهور- حبساً على فقراء عصبة المحبّس نسباً، يوم المرجع الذي هو انقراض من حبس عليه، ولا يشاركهم
стр. 743
أغنياؤهم، ولا يدخل فيهم الواقف ولو فقيراً، ولا مواليه، ويدخل من النساء من لو كان رجلاً كان عاصباً، كالبنت والعمة.
وإن كان الوقف مؤقتاً كأن يقف على معينين مدة عشر سنين، فإذا مات أحدهم انتقل نصيبه إلى الباقين، فإن بقي واحد فله جميع الوقف، فإذا مات رجع الوقف للواقف ملكاً وورثته من بعده.
وهو مذهب المالكية (١).
القول الثالث: أنه يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف من الفقراء.
وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٢).
القول الرابع: إن كان الواقف حيًّا رجع إليه الوقف وقفا عليه، وإن كان ميتًا رجع إلى ورثة الواقف نسبًا وقفًا عليهم على قدر إرثهم.
وهو مذهب الحنابلة (٣).
وفي رواية عن الإمام أحمد: أنه يرجع إلى ورثة الموقوف عليه.
القول الخامس: أن يرجع إلى ملك واقفه الحي، وإلى ورثته من بعده.
وهو رواية عن أبي يوسف (٤)، وقول في مذهب الشافعية (٥)، ورواية عن الإمام أحمد (٦).
стр. 744
القول السادس: يصرف في مصالح المسلمين، ومنهم من خصه بمستحقي الزكاة.
وهو وجه للشافعية (١)، ورواية عن أحمد: يصرف لبيت المال (٢).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (يصرف للفقراء)
استدل لهذا الرأي بما يلي:
١ - حديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه " (٣).
دل الحديث على أن الوقف منقطع الآخر لا يرجع لواقفه؛ لأنه أخرجه لله، فيكون للفقراء.
٢ - أن الفقراء والمساكين مصارف مال الله وحقوقه من الصدقات والكفارات ونحوها، والوقف صدقة أخرجها الواقف لله تعالى، فإذا انقطع الوقف لانقراض الموقف عليه، أو لعدم صحة الوقف عليه، صُرِف إليهم (٤).
٣ - القياس على النذر، فمن نذر صدقة مطلقة صرفت إلى الفقراء والمساكين (٥).
٤ - أن الملك زال عن المالك على وجه القربة، فلا يعود ملكاً لواقفه، ولا لورثته من بعده، كالعتق، فيكون للفقراء.
стр. 745
أدلة القول الثاني، والثالث:
استدل القائلون بصرف الوقف المنقطع الآخر إلى أقارب الواقف بما يأتي:
١ - حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وفيه قول النبي ﷺ : " إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " (١).
فهذا دليل على أن أقارب الواقف أولى ببره وخيره، فيصرف الوقف إليهم.
٢ - ما رواه البخاري من طريق عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله ﵄، وفيه قول النبي ﷺ : «نعم لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة» (٢).
وجه الدلالة: كما سبق.
٣ - حديث أبي طلحة ﵁، وفيه قول النبي ﷺ لأبي طلحة ﵁: " أرى أن تجعلها في الأقربين " (٣).
٤ - القياس على الميراث، فإذا اختصوا بالميراث، فكذا الوقف المنقطع الآخر (٤).
دليل القول الرابع: يُستدل لرجوع الوقف بعد انقطاعه إلى واقفه في حياته وإلى ورثته من بعده " بأن بقاء الوقف بلا مصرف متعذر، وإثبات مصرف لم يذكره الواقف بعيد " (٥)، فيعود إلى الواقف إن كان حيّاً، وإلى ورثته إن كان ميتاً.
стр. 746
ونوقش هذا الدليل من وجوه:
الوجه الأول: أنه لا يسلم بقاء الوقف بلا مصرف، بل له مصرف، وهم الفقراء والمساكين من أقارب الواقف، أو من غيرهم، أو المصالح.
الوجه الثاني: أن رجوع المال إلى واقفه نوع من الرجوع في الصدقة، وهذا غير جائز؛ كما تقدم في أدلة الرأي الأول.
الوجه الثالث: أن القول بإرجاع الوقف إلى الورثة إبطال للوقف، وهذا مخالف لمقصود الواقف.
دليل القائلين بصرفه في المصالح: استدل القائلون بصرفه في المصالح بأنه مال لا مستحق له، فأشبه مال من لا وارث له، فيصرف في المصالح (١).
دليل القائلين برجوع الوقف إلى ورثة الموقوف عليه: يُستدل للقول برجوع الوقف إلى ورثة الموقوف عليه بأن المال الموقوف ملك للموقوف عليه، فإذا انقرض صرف لورثته من بعده (٢).
ونوقش: بأن هذا غير مسلم، فملكية العين ليست للموقوف عليه، بل هي لله، كما سبق تحريره.
دليل من قال: بأن الوقف منقطع الآخر يصرف لمستحقي الزكاة:
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٣) والوقف صدقة، فيصرف للفقراء والمساكين.
ونوقش: بأن الألف واللام في الآية للعهد، فيحمل على الصدقة المعهودة، وهي الصدقة الواجبة الزكاة.
стр. 747
الترجيح:
بعد هذا العرض يظهر لي -والله أعلم- أن القول الأول القائل بصرف ريع الوقف للفقراء من أقارب الواقف، فإن لم يكن فعلى المصالح هو القول الراجح؛ وذلك أن المقصود بالوقف الثواب الجاري على الواقف على وجه الدوام، فيجب علينا مراعاة جانب الواقف في صرف وقفه في أفضل القربات، ويتعين اعتبار الحاجة والمصلحة؛ لأن سد الحاجات والقيام بالمصالح أهم الخيرات، فإذا كان من أقاربه من هو من أهل الحاجة تعين تقديمه؛ لأن أقارب الشخص أولى الناس بزكاته وصلاته (١)؛ لما سبق من الأحاديث، ثم على المصالح إذا لم نجد مصرفاً من جهة شرط الواقف ولا من جهة إرادته وغرضه، ومن المصالح صرفها على العلم، وما يتعلق بنشره، والله أعلم.
стр. 748
المبحث الرابع: مصرف الوقف منقطع الطرفين
وهو أن يقف على من لا يصح الوقف عليه، ثم على من يصح، ثم على من لا يصح.
ومثاله: هذا وقف على المغنين، ثم على ولدي زيد، ثم على كتب البدع.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم الوقف منقطع الطرفين
اختلف العلماء ﵏ في حكم الوقف المنقطع الطرفين على قولين:
القول الأول: صحة الوقف المنقطع الطرفين.
وهو مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (١).
جاء في حاشية الصاوي على الشرح الصغير: " وكذا يكون منقطع الطرفين كالوقف على نفسه ثم على أولاده ثم على ميت لا ينتفع بالوقف.
стр. 749
والحاصل: أن الظاهر من مذهبنا أنه يبطل فيما لا يجوز الوقف عليه، ويصح فيما يصح عليه ولا يضر الانقطاع " (١).
وجاء في المغني: "وإن كان منقطع الطرفين صحيح الوسط كرجل وقف على عبيده، ثم على أولاده ثم على الكنيسة خرج في صحته أيضا وجهان، ومصرفه بعد من يجوز إلى مصرف الوقف المنقطع " (٢).
وجاء في الإنصاف: " الخامسة عكس الذي قبله منقطع الطرفين صحيح الوسط وأمثلتها واضحة، وكلها صحيحة على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب، وخرج وجه بالبطلان في الوقف المنقطع من تفريق الصفقة على ما تقدم، ورواية: بأنه يصرف في المصالح، قال في الرعاية في منقطع الآخر: صح في الأصح " (٣).
القول الثاني: عدم صحة الوقف المنقطع الطرفين.
وهو مذهب الحنفية، ومذهب الشافعية، وقول عند الحنابلة (٤).
جاء في بدائع الصنائع: " ومنها أن يجعل آخره بجهة لا تنقطع أبدًا عند أبي حنيفة ومحمد، فإن لم يذكر ذلك لم يصح عندهما وعند أبي يوسف ذكر هذا ليس بشرط، بل يصح وإن سمى جهة تنقطع ويكون بعدها للفقراء وإن لم يسمهم " (٥).
جاء في روضة الطالبين: " الرابعة: أن ينقطع الطرفان دون الوسط، وقف على رجل مجهول، ثم على أولاده فقط، فإن أبطلنا منقطع الأول، فهذا
стр. 750
أولى، وإلا فالأصح بطلانه أيضا، فإن صححنا ففيمن يصرف إليه الخلاف السابق" (١).
والحكم في هذه المسألة ينبني على ما تقدم بحثه من حكم الوقف منقطع الأول، وحكم الوقف منقطع الآخر، وتقدم صحة الوقف في المسألتين مع بيان أدلة كل قول، وعلى هذا يكون الراجح في هذه المسألة صحة الوقف منقطع الطرفين؛ للمرجحات السابقة في المسألتين.
المطلب الثاني: مصرف الوقف منقطع الطرفين
تقدم أن الحكم في مسألة منقطع الطرفين ينبني على مسألة الوقف منقطع الأول، والوقف منقطع الآخر.
وتقدم أن مصرف الوقف منقطع الأول أنه يصرف إلى من بعده (٢)، وأن الراجح في الوقف منقطع الآخر أنه يصرف في المصالح (٣)، وعلى هذا يصرف منقطع الطرفين إلى من بعد الأول، ثم إلى المصالح، ويدخل في ذلك فقراء الواقف، والله أعلم.
стр. 751
المبحث الخامس: مصرف الأوقاف التي ضاعت شروطها
إذا علم الوقف، والموقوف عليه، وجهل شرط الواقف، فللعلماء قولان:
القول الأول: أنه يقسم بين الموقوف عليهم بالسوية.
وبه قال المالكية، والشافعية، وبعض الحنابلة (١).
وقيد الشافعية ذلك بأمرين:
الأول: أن لا تطرد عادة بالتفضيل، فإن اطردت به عادة كما في المدارس اعتبرت العادة.
الثاني: أن لا يوجد اصطلاح سابق، فلو وجد في دفتر من تقدم من النظار تفاوت اتبع.
لأن الظاهر استناد تصرفهم إلى أصل.
وحجته: أن الاستحقاق ثابت لهم، ولا دليل على تفضيل بعضهم على بعض، فليس بعضهم أولى بالتقديم، والتفضيل من بعض.
القول الثاني: أنه ينظر إن كان هناك عادة جارية عمل بها، ثم بعرف البلد، فإن لم تكن عادة ولا عرف ببلد الواقف يسوى بين المستحقين.
стр. 752
وبه قال الحنابلة، واختاره شيخ الإسلام (١).
وحجته: أن العادة المستمرة، والعرف المستقر يدل على شرط الواقف أكثر مما يدل لفظ الاستفاضة، فإن لم يكن عرف وعادة، فيسوى فيه بين المستحقين؛ لأن الشركة ثابتة بينهم دون التفضيل.
القول الثالث: أنه إن أمكن التأنس بتصرف من تقدم ممن يوثق به رجع إليه.
وبه قال بعض الحنفية، والحارثي من الحنابلة (٢).
وحجته: أنه أرجح مما عداه، والظاهر صحة تصرفه، ووقوعه على الوفق.
والظاهر -والله أعلم- تقارب الأقوال، فيقال يعمل بما يلي:
١ - يستأنس بتصرف من تقدم.
٢ - إذا لم يمكن شيء من ذلك يرجع إلى العادة الجارية.
٣ - إذا لم يمكن شيء من ذلك يرجع إلى العرف الغالب.
٤ - إذا لم يمكن قسم بينهم بالسوية.
سئل الشيخ محمد بن إبراهيم عن دعاوى في أوقاف لم يكن لها وثائق من الناس ببعض القرى التي نهبت في آخر القرن الثالث عشر، وإنما بقي عندهم الولاية في الأملاك والأوقاف، فإذا حصل بينهم نزاع في الأوقاف وليس هناك نص واقف هل يكون حكمها حكم الوقف المنقطع الآخر، أم لا، وهل يجب يمين على المدعى عليه والأمر مشتهر أن الأوراق ضلت منه؟.
فأجاب: قال في "الإنصاف" عند قول "المقنع": وهل يدخل فيه ولد
стр. 753
البنت، فذكر كلامًا طويلاً، ثم قال: "فوائد" إلى أن قال: الرابعة: قال في "التلخيص": إذا جهل شرط الواقف وتعذر العثور عليه قسم على أربابه بالسوية، فإن لم يعرف جعل كوقف مطلق لم يذكر مصرفه، انتهى، وقال في "الكافي": لو اختلف أرباب الوقف فيه رجع إلى الواقف، فإن لم يكن تساووا فيه؛ لأن الشركة تثبت ولم يثبت التفضيل فوجب التسوية، كما لو شرك بينهم بلفظه، انتهى.
وقال الحارثي: إن تعذر الوقف على شرط الواقف وأمكن التأنس بصرف من تقدم ممن يوثق به رجع إليه؛ لأنه أرجح مما عداه، والظاهر صحة تصرفه ووقوعه على الوقف " انتهى.
فقد عرفت منه: أنه إذا كان الوقف في يد ثقة يصرفه مصرفًا معينًا في مثل هذه المسألة أنه يعمل بذلك، وأنه إذا لم يكن شيء من ذلك يصير حكمه كالوقف المنقطع، هذا إذا جهل أصل المصرف، وأما إن علم أصله، لكن جهل شرط الواقف أو التقديم أو التأخير أو التفضيل ونحو ذلك، فهذا يستأنس فيه بصرف الثقة الذي هو بيده ويعلمه كما تقدم، فإن لم يكن فيقسم بين أهل الجهة بالسوية كما تقدم " والله أعلم (١).
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: " القاعدة التاسعة: العرف والعادة يرجع إليه في كل حكم حكم به الشارع ولم يحده ..... ومن فروعها: أن الأوقاف يرجع في مصارفها إلى شروط الواقفين التي لا تخالف الشرع، فإن جهل شرط الموقف رجع في ذلك إلى العادة والعرف الخاص، ثم إلى العرف العام في صرفها في طرقها " (٢).
стр. 754
المبحث السادس: مصرف الوقف إذا كان على الولد
إذا قال: هذا وقف على ولدي، أو أولادي، أو ولد زيد، أو على ولد ولدي، أو على أولادي وأولاد أولادي، ونحو ذلك.
وفيه مطالب:
المطلب الأول: ما يقتضيه لفظ الولد بصيغة الإفراد
إذا قال: وقفت هذا البيت على ولدي، أو على ولد زيد، ثم المساكين.
تحرير محل النزاع:
لا خلاف بين الفقهاء في تناول هذه الصيغة للذكور والإناث من أولاد الموقف، كما لا خلاف بينهم في تناولها للطبقة الأولى، وهي طبقة أولاد الصلب، كما لا خلاف بينهم في تناولها للموجود من الأولاد (١).
واختلفوا فيما عدا ذلك.
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: تناول هذه الصيغة لمن يولد بعد الوقف:
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
стр. 755
القول الأول: أنها تتناول جميع الأولاد، من كان موجوداً حال الوقف ومن يولد بعد ذلك.
وإليه ذهب الحنفية (١)، وهو ظاهر مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول عند الحنابلة (٤).
واستدلوا: بأن هذه الصيغة جاءت بصيغة المفرد المضاف، والمفرد المضاف يعمّ، فتعمّ كل ولد كان موجوداً أو ولد فيما بعد (٥).
القول الثاني: أنه لا يتناول إلا الموجودين فقط حال الوقف.
وهو مذهب الحنابلة (٦).
ولعلهم استدلوا: بأن العبرة بوقت صدور الصيغة، فشمل الموجودين فقط.
ويناقش: بأن العبرة بما يقتضيه لفظه، ولفظه يعمّ كل ولد، كما تقرر في اللغة من أن المفرد المضاف يعمّ.
وعليه فالراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لقوة دليله، وضعف القول الثاني بمناقشته.
المسألة الثانية: تناول صيغة (الولد) للطبقة الثانية، وهكذا إذا وقف على ولده، أو ولد زيد:
فقد اختلف الفقهاء فيما يتناوله هذا اللفظ على أقوال أشهرها ثلاثة:
стр. 756
القول الأول: أنه يتناول أولاد الواقف المباشرين الذكور والإناث، كما يتناول اللفظ أولاد الأبناء دون أولاد البنات.
وإلى هذا القول ذهب المالكية (١)، والحنابلة في المشهور عندهم (٢)، وهو قول عند الشافعية (٣).
القول الثاني: أن هذا اللفظ لا يتناول إلا الطبقة الأولى فقط، وهي طبقة أولاد الواقف المباشرين من ذكور وإناث دون غيرهم، فلا يدخل أولاد الأولاد مطلقاً.
وإليه ذهب الحنفية (٤)، وهو قول عند المالكية (٥)، والأصح عند الشافعية (٦).
إلا أنه إذا لم يكن له حين الوقف إلا ولد ولده، فيصرف الريع عند الحنفية والحنابلة إلى ولد البنين، وعند الشافعية إلى ولد البنين والبنات.
القول الثالث: أنه يتناول الأولاد وأولاد الأولاد من الذكور والإناث، فيدخل فيهم أولاد البنات.
стр. 757
وهو قول عند المالكية (١)، ووجه عند الشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (دخول الطبقة الثانية)
١ - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٥)، فأولاد الأبناء يدخلون في لفظ الولد هنا بالإجماع، فكذا في لفظ الواقف.
٢ - قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ (٧).
(٢٠٣) ولما روى البخاري من طريق يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ارموا بني إسماعيل" (٨).
(٢٠٤) ولما روى البخاري من طريق الحسن، عن أبي بكرة ﵁، وفيه قوله ﷺ : "إن ابني هذا سيد" (٩).
فدل ذلك على أن أولاد الأبناء ينسبون إلى جدهم، فهم داخلون في مسمى ولده (١٠).
стр. 758
٣ - الاستقراء، فاستقراء الأدلة الشرعية يدل على دخول ولد الأبناء في لفظ الولد.
٤ - اللغة، فاللغة دالة على دخول أولاد البنين في لفظ الولد (١).
٥ - أنه لو وقف على ولد فلان وهم قبيلة دخل فيهم ولد البنين، فكذا إذا لم يكونوا قبيلة (٢).
٦ - ما يأتي من الأدلة على عدم دخول أولاد البنات في لفظ الولد.
أدلة القول الثاني: (لا يتناول إلا الطبقة الأولى)
١ - أن الواقف اقتصر على طبقة واحدة، فلا يتناول غيرها إلا بشرط.
ونوقش: بأن اقتصاره على لفظ الولد لا يعني اقتضاء اللفظة للطبقة الأولى فقط؛ بدليل استعمال ذلك في عرف الناس، والمقصود معرفة مراد الواقف، والعرف يدل على مراده، فيعمل به.
٢ - أن لفظ الولد حقيقة في الأولاد المباشرين، مجاز في غيرهم، وإعمال الحقيقة أولى من المجاز (٣)؛ بدليل أنه يصح نفيه، فيقال: ما هذا ولدي، وإنما هو ولد ولدي، والأحكام تتعلق بحقائق الأسماء دون مجازها.
ونوقش: بعدم التسليم، فولد الولد حقيقة في الولد شرعاً ولغة كما تقدم.
أدلة القول الثالث: (دخول أولاد البنات)
١ - أما دخول ولد البنين، فلما تقدم من الدليل على ذلك.
٢ - وأما دخول أولاد البنات، فلما يأتي من الدليل على ذلك، وتأتي مناقشته.
стр. 759
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لقوة دليله، وضعف دليل القول المخالف بمناقشته.
المطلب الثاني: ما يقتضيه لفظ الأولاد بصيغة الجمع
أما أولاد البنات فسيأتي الكلام عليهم، وأما أولاد الأبناء، فاختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه يتناول أولاد الصلب الذكور والإناث، وأولاد الأبناء وإن نزلوا بمحض الذكور.
وهو قول جمهور الفقهاء: من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة.
وحجته: ما تقدم من الأدلة على دخول أولاد الأبناء في الأولاد، ولأنهم ينسبون إليه.
القول الثاني: أنه يفرق بين لفظ المفرد ولفظ الجمع، فالمفرد يتناول الطبقة الأولى فقط، ولفظ الجمع يتناول من ينتسب إليه من أولاده وأولاد بنيه.
وهو قول بعض الحنفية.
وحجته: أنه بلفظ المفرد اقتصر على طبقة واحدة، ولا قرينة تجعله يشمل ما هو أنزل من الطبقة الأولى (١).
стр. 760
وهو الراجح؛ لوجاهة ما عللوا به، وهو القياس على الميراث (١).
المطلب الثالث: اقتضاء التفضيل أو التسوية في لفظ الولد أو الأولاد
إذا نص الواقف على التفضيل أو على التسوية فلا إشكال، بأن قال: وقفت هذا الشيء على أولادي للذكر مثل حظ الأنثيين، أو قال: لا يفضل الذكر على الأنثى، أو قال: يقسم بينهم بالسوية، ونحو ذلك مما ينفي الاحتمال، فحينئذ يتبع شرطه على ما نص.
قال ابن قدامة: " ولا نعلم فيه خلافاً " (٢).
وإذا لم ينص الواقف على تفضيل ولا على تسوية، بل أطلق، فالذي عليه عامة أهل العلم أن الإطلاق يقتضي التسوية بينهم دون تفضيل، قال ابن قدامة: " ولا أعلم فيه خلافاً " (٣).
والدليل على ذلك:
أنه شرك بينهم دون ما يدل على التفضيل، وإطلاق التشريك، كما لو أقر
стр. 761
لهم بشيء، وكولد الأم في الميراث حين شرك الله بينهم بقوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (١) تساووا فيه ولم يفضل بعضهم على بعض (٢).
والأفضل للمسلم إذا وقف على أولاده أن يفضل بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، اقتداء بقسمة الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٣).
وإلحاقاً لحال الحياة بحال الموت (٤).
المطلب الرابع:
دخول أولاد البنات في لفظ الأولاد
تحرير محل النزاع:
إذا نص الواقف على دخول أولاد البنات فهو على ما نص، كما إذا قال: وقفت على أولادي بما فيهم أولاد البنات، فإنهم يدخلون بلا خلاف (٥).
وهكذا لو نص على عدم دخولهم فإنهم لا يدخلون، كما إذا قال: وقفت على أولادي لصلبي، أو على من سينسب إلي، ونحو ذلك، فإنهم لا يدخلون أيضا، وبالتالي لا يستحقون من الوقف شيئاً (٦).
стр. 762
وكذا لو قامت قرينة تقتضي دخولهم أو خروجهم عمل بها، كما لو قال: يفضل أولاد الذكور على أولاد البنات، ونحو ذلك.
وأما إذا أطلق فقد اختلف الفقهاء في دخولهم على قولين:
القول الأول: أنهم لا يدخلون.
وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
واستدلوا بما يلي:
١ - الإجماع على أن أولاد البنات لا ميراث لهم في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٥)، فكل موضع ذكر فيه الولد في الإرث والحجب يدخل فيه ولد البنين دون ولد البنات (٦).
قالوا: والمطلق من كلام الآدمي إذا خلا عن قرينة يحمل على المطلق من كلام الله، ويفسر بما يفسر به.
٢ - ولأن الولد في الحقيقة الشرعية لا يقع إلا على من يرجع نسبه إليه من ولد الأبناء دون ولد البنات (٧).
القول الثاني: أنهم يدخلون فيهم.
стр. 763
وهو قول عند المالكية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
واستدلوا بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ (٤)، وبنت البنت محرمة بالإجماع، مما يدل على أنهن بنات ووجب دخولهن في الوقف على الأولاد (٥).
٢ - قوله ﷺ في الحسن بن علي ﵁: " إن ابني هذا سيد " (٦)، حيث سماه ابناً وهو ابن ابنته (٧).
ونوقش هذا الاستدلال بهذه الأدلة: أنه يسلم أن أولاد البنات أولاد، لكن لا يلزم منه دخولهم في الوقف.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- عدم دخولهم عند الإطلاق؛ لآية الميراث، وقوة دليله، ومناقشة دليل القول الثاني.
стр. 764
المطلب الخامس: أن يقول: وقفت على أولادي، وأولاد أولادي
أو يقول: هذا وقف على الأولاد وأولادهم.
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: دخول أولاد البنات.
وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢).
القول الثاني: عدم دخول أولاد البنات.
وهو قول المالكية (٣)، والحنابلة (٤).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (دخول أولاد البنات)
١ - ما تقدم من الأدلة على دخول أولاد البنات في لفظ الأولاد، فمن باب أولى إذا قال: هذا وقف على أولادي وأولاد أولادي، أو هذا وقف على أولادي وأولادهم.
٢ - أن قوله: هذا وقف على أولادي وأولادهم يدخل فيه البنات في
стр. 765
الكلمة الأولى، فإذا أضاف كلمة وأولادهم، أو وأولاد أولادي كان المعنى وأولاد أولادي من الأولاد والبنات.
دليل القول الثاني: (عدم دخول أولاد البنات)
١ - ما تقدم من الأدلة على دخول البنات في لفظ الأولاد، فمن باب أولى إذا قال: هذا وقف على أولادي وأولاد أولادي، أو هذا وقف على أولادي وأولادهم.
٢ - أن الولد لا يقع إلا على الذكر دون الأنثى في اعتقاد أكثر الناس وعرفهم، فيخص عموم لفظ المحبس، ويحمل على أنه أراد ولد ولده الذكور دون الإناث.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- الرجوع إلى عادات الناس وأعرافهم، وقرائن الأحوال، فإن لم يكن يتوجه دخول أولاد البنات.
المطلب السادس: اقتضاء التسوية، أو الترتيب بين البطون
إذا جاء لفظ الولد وولد الولد، أو الأولاد وأولاد الأولاد مطلقاً عما يفيد الترتيب، فإنهم يستحقون الانتفاع بالوقف على جهة الاشتراك بالتساوي فيما بينهم (١).
стр. 766
وأما إذا نص على الترتيب، كما إذا قال: الأقرب فالأقرب، أو على الأعلى فالأعلى، أو بطناً بعد بطن، أو الأول فالأول، أو قال: ولا يعطى أولاد الأولاد شيئاً ما بقي من الأولاد أحد، ونحو هذه الألفاظ التي تقتضي ترتيب البطون، فحينئذ لا يستحق البطن الثاني شيئاً قبل انقراض البطن الأول.
والمراد: لا يستحق منهم في الدرجة الثانية مع وجود أحد من الدرجة الأولى.
وهذا يكاد يتفق عليه العلماء.
ووجه ذلك: أن الوقف ثبت بقول الواقف، فيتبع فيه ما يقتضيه كلامه، وهذا هو ما تقتضيه ألفاظه في هذه الصيغ (١).
وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " رجل سبل ثلث ما خلف على عياله وعيالهم ما تناسلوا، فهل يستحقونه والحالة ما ذكر مرتباً بطناً بعد بطن، أم يشتركون فيه قريبهم وبعيدهم، وهل يدخل أولاد البنات في ذلك؟
والجواب: الحمد لله، إذا سبل على عياله وعيالهم ما تناسلوا.
فالذي يظهر التشريك؛ لأن الواو تقتضي التشريك، إلا إذا وجد عرف أو لغة تقتضي خلاف ذلك، فإنما يحكم على العامة بما تقتضيه لغتهم ويدل عليه عرفهم؛ لأن المعتبر هو القصد؛ لحديث " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " (٢).
وخالف بعض الشافعية في بعض هذه الألفاظ مثل: بطناً بعد بطن، أو
стр. 767
نسلاً بعد نسل، فقالوا: إن هذه الصيغ تقتضي التسوية والتشريك بلا ترتيب، وعليه فيشارك البطن الأسفل البطن الأعلى؛ معللين بأن (بعد) بمعنى (مع).
ورد جمهورهم ذلك معللين بأن (بعد) في اقتضاء الترتيب أصرح من (ثم، والفاء)، فهي أولى بالترتيب (١).
ولو قال في هذه الصيغ: ومن مات فنصيبه لولده، استحق كل ولد نصيب أبيه بعد وفاته.
ولو لم ينقرض من في درجة أبيه لنص الواقف على ذلك، ويكون حينئذ من باب ترتيب الأفراد لا من باب ترتيب الجمل (٢).
المطلب السابع: قيام ولد الولد مقام الولد إذا مات
اتفق أهل العلم على أن الواقف إذا قال: وقفت على أولادي، ثم أولاد أولادي وإن نزلوا.
أو قال: " على أولادي فأولاد أولادي وإن نزلوا "، ثم وصل قوله هذا بما يقيده ويقتضي ترتيب الأفراد على الأفراد مثل قوله: " على من مات منهم عن ولد كان نصيبه لولده، فالعبرة بما قيده ووصل الكلام به، وقد نقل هذا الاتفاق شيخ الإسلام ابن تيمية " (٣).
لكنهم اختلفوا إذا رتب الواقف بين طبقات المستحقين للوقف بقوله:
стр. 768
وقفت على أولادي ثم أولاد أولادي وإن نزلوا، أو قال: على أولادي فأولاد أولادي وإن نزلوا، دون أن يخصص ذلك بشرط أو صفة أو نحو ذلك، هل يكون الترتيب في هذه المسألة ترتيب جملة على جملة، أي ترتيب استحقاق جملة الطبقة الثانية على انقراض جملة الطبقة الأولى.
أو أن الترتيب في هذه المسألة ترتيب أفراد على أفراد، أي ترتيب الفرع على أصله، فيحجب الأصل الفرع من نسله، ولا يحجب الأسفل من غير نسله، فمن كان أصله حيّاً لم يستحق شيئاً، ومن لم يكن أصله حيّاً استحق ما كان أصله يستحقه.
أقوال الفقهاء في هذه المسألة:
القول الأول: أن الترتيب في هذه المسألة ترتيب أفراد على أفراد؛ أي ترتيب الفرع على أصله، فما دام الأصل حيّاً لا يستحق الفرع شيئاً، وإذا مات الأصل استحق فرعه ما كان يستحقه الأصل.
وبه قال المالكية (١)، وبعض الشافعية، وهو وجه عند الحنابلة، اختاره شيخ الإسلام (٢).
قال الحطاب: " ولا يقال: إن أولاد الأولاد لا يدخلون في الوقف إلا بعد انقراض جميع الأولاد " (٣).
وجاء في فتاوى السبكي: " (مسألة من دمشق) وقف على شخص، ثم أولاده، ثم أولاد أولاده، وأولاد أولاد أولاده، وأولاد أولاد أولاد أولاده، ونسله وعقبه بطنا بعد بطن، ثم مات الموقوف عليه، ثم أولاده، وبقي من نسله ابن ابنه وآخرون أسفل درجة منه.
стр. 769
(أجاب) يحجب الأعلى منهم الأسفل من نسله، ولا يحجب الأسفل من غير نسله، فمن كان أصله حيا لم يستحق شيئا، ومن لم يكن أصله حيا استحق ما كان أصله يستحقه، وقل من يعرف هذه المسألة في الشام أو مصر، وقد كتبت فيها تصنيفا يختص بهذه الواقعة في ورقتين، وتصنيفا في طبقة بعد طبقة قبل ذلك في نحو كراس" (١).
وقال شيخ الإسلام: "والأظهر فيمن وقف على ولديه نصفين ثم على أولادهما، وأولاد أولادهما، وعقبهما بطناً بعد بطن، أنه ينتقل نصيب كل إلى ولده وإن لم ينقرض جميع البطن الأول، وهو أحد الوجهين لمذهب أحمد" (٢).
القول الثاني: أن الترتيب في هذه المسألة هو ترتيب جملة على جملة، أي: ترتيب استحقاق جملة الطبقة الثانية على انقراض جملة الطبقة الأولى.
وإليه ذهب الحنفية، وجمهور الشافعية (٣)، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٤).
جاء في حاشية ابن عابدين ﵀: " وقف على ولديه ثم على أولادهما أبداً ما تناسلوا، … إذا مات أحدهما عن ولد يصرف نصف الغلة إلى الباقي، والنصف على الفقراء، وإذا مات الآخر يصرف الجميع إلى أولاد أولاد الواقف؛ لأن مراعاة شرط الواقف لازم، والواقف إنما جعل أولاد الأولاد بعد انقراض البطن الأول، إذا مات أحدهما يصرف النصف إلى الفقراء " (٥).
стр. 770
وقال النووي ﵀: "ولو قال: على أولادي، ثم على أولاد أولادي، ثم على أولاد أولاد أولادي ما تناسلوا، أو بطناً بعد بطن، فهو للترتيب، ولا يصرف للبطن الثاني شيء ما بقي من الأول واحد، ولا إلى الثالث ما بقي من الثاني أحد، كذا أطلقه الجمهور " (١).
وقال الشربيني ﵀: "وحيث وجد لفظ الترتيب فلا يصرف للبطن الثاني شيء ما بقي من البطن الأول أحد " (٢).
وقال المرداوي: " لو وقف على أولاده ثم على أولادهم، ثم على الفقراء، فالصحيح من المذهب: أن هذا ترتيب جملة على مثلها لا يستحق البطن الثاني شيئاً قبل انقراض الأول، قدمه في الفروع والفائق " (٣).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١ - أن قوله على أولادي ثم أولاد أولادي، أو على أولادي فأولاد أولادي، يحتمل أمرين (٤):
الاحتمال الأول: أن المراد بترتيب أولاد أولاده على أولاده بـ (ثم) أو الفاء ترتيب جملة على جملة، أي أن استحقاق جملة الطبقة الثانية (أولاد أولاده) مرتب على انقراض جملة الطبقة الأولى (أولاده).
الاحتمال الثاني: أن المراد بترتيب أولاد أولاده على أولاده ب (ثم) أو الفاء ترتيب فرد على فرد، أي أن كل فرد من أولاد أولاده يستحق عند عدم والده، لا عند عدم والد غيره.
стр. 771
وكلا الاحتمالين وارد في هذه المسألة، وذلك أن الأحكام المرتبة على الأسماء العامة نوعان (١):
النوع الأول: ما يثبت لكل فرد من أفراد ذلك العام، نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ (٢).
فإن الخلق ثابت لكل واحد من الناس، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٣).
أي كل والدة ترضع ولدها.
النوع الثاني: ما يثبت لمجموع تلك الأفراد، كقول الواقف: وقفت على زيد وعمرو وبكر، ثم على المساكين، فإنه ليس بين المساكين وبين أولئك الثلاثة مساواة في العدد حتى يجعل كل واحد منهما مرتباً على الآخر، ولا مناسبة تقتضي أن يعين لزيد هذا المسكين، ولعمرو هذا، ولبكر هذا.
لكن قد يترجح أحد الاحتمالين على الآخر بأسباب أخرى، ومما يرجح الاحتمال الثاني في هذه المسألة:
أ- أن أكثر الواقفين ينقلون نصيب كل والد إلى ولده، لا يؤخرون الانتقال إلى انتقال الطبقة، والكثرة دليل القوة، بل الرجحان (٤).
ب- أن بين الوقف والميراث شبهاً من جهة أن الانتقال إلى ولد الولد مشروط بعدم الولد فيهما، ومثل هذه العبارة لو أطلقت في الميراث، كما أطلقها الله تعالى في قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٥)، وقوله:
стр. 772
﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (١).
لم يفهم منها إلا مقابلة التوزيع للأفراد على الأفراد، كما لو قال الفقيه لرجل: مالك ينتقل إلى ورثتك، ثم إلى ورثتهم، فإنه يفهم منه أن مال كل واحد ينتقل إلى وارثه، فليكن قول الواقف هنا كذلك (٢).
٢ - قال شيخ الإسلام: "وإنما الشبهة في أن الولد إذا مات في حياة أبيه وله ولد؛ ثم مات الأب عن ولد آخر وعن ولد الولد الأول: هل يشتركان؟ أو ينفرد به الأول؟
الأظهر في هذه المسألة أنهما يشتركان؛ لأنه إذا كان المراد أن كل ولد مستحق بعد موت أبيه -سواء كان عمه حيا أو ميتا- فمثل هذا الكلام إذا يشترط فيه عدم استحقاق الأب كما قال الفقهاء في ترتيب العصبة: إنهم الابن ثم ابنه ثم الأب ثم أبوه؛ ثم العم ثم بنو العم؛ ونحو ذلك؛ فإنه لا يشترط في الطبقة الثانية إلا عدم استحقاق الأولى. فمتى كانت الثانية موجودة والأولى لا استحقاق لها استحقت الثانية؛ سواء كانت الأولى استحقت أو لم تستحق ولا يشترط لاستحقاق الثانية استحقاق الأولى؛ وذلك لأن الطبقة الثانية تتلقى الوقف من الواقف لا من الثانية فليس هو كالميراث الذي يرثه الابن؛ ثم ينتقل إلى ابنه وإنما هو كالولاء الذي يورث به فإذا كان ابن المعتق قد مات في حياة المعتق؛ ورث الولاء ابن ابنه، وإنما يغلط من يغلط في مثل هذه المسألة حين يظن أن الطبقة الثانية تتلقى من التي قبلها؛ فإن لم تستحق الأولى شيئا لم تستحق الثانية، ثم يظنون أن الوالد إذا مات قبل الاستحقاق لم يستحق ابنه؛ وليس كذلك؛ بل هم يتلقون من الواقف؛ حتى لو كانت الأولى محجوبة بمانع من الموانع: مثل أن يشترط
стр. 773
الواقف في المستحقين أن يكونوا فقراء أو علماء أو عدولا؛ أو غير ذلك ويكون الأب مخالفا للشرط المذكور وابنه متصفا به فإنه يستحق الابن وإن لم يستحق أبوه. كذلك إذا مات الأب قبل الاستحقاق فإنه يستحق ابنه، وهكذا جميع الترتيب في الحضانة وولاية النكاح والمال وترتيب عصبة النسب والولاء في الميراث، وسائر ما جعل المستحقون فيه طبقات ودرجات فإن الأمر فيه على ما ذكر، وهذا المعنى هو الذي يقصده الواقفون إذا سئلوا عن مرادهم، ومن صرح منهم بمراده فإنه يصرح بأن ولد الولد ينتقل إليه ما ينتقل إلى ولده لو كان حيا لا سيما والناس يرحمون من مات والده ولم يرث حتى إن الجد قد يوصي لولد ولده؛ ومعلوم أن نسبة هذا الولد ونسبة ولد ذلك الولد إلى الجد سواء، فكيف يحرم ولد ولده اليتيم ويعطي ولد ولده الذي ليس بيتيم فإن هذا لا يقصده عاقل، ومتى لم نقل بالتشريك بقي الوقف في هذا الولد وولده؛ دون ذرية الولد الذي مات في حياة أبيه، والله أعلم.
٣ - وقال شيخ الإسلام: " إن قوله: على أولاده ثم على أولادهم مقتضٍ للترتيب، وهو أن استحقاق أولاد الأولاد بعد الأولاد، وهنا جمعان: أحدهما مرتب على الآخر، والأحكام المرتبة على الأسماء العامة نوعان: أحدهما: ما يثبت لكل فرد من أفراد ذلك العام سواء قدر وجود الفرد الآخر أو عدمه، والثاني: ما يثبت لمجموع تلك الأفراد؛ فيكون وجود كل منها شرطا في ثبوت الحكم للآخر.
مثال الأول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ (١)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٢).
ومثال الثاني قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٣)،
стр. 774
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١)، فإن الخلق ثابت لكل واحد من الناس؛ وكلا منهم مخاطب بالعبادة والطهارة؛ وليس كل واحد من الأمة أمة وسطا، ولا خير أمة، ثم العموم المقابل بعموم آخر قد يقابل كل فرد من هذا بكل فرد من هذا، كما في قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٢) فإن كل واحد من المؤمنين آمن بكل واحد من الملائكة والكتب والرسل، وقد يقابل المجموع بالمجموع بشرط الاجتماع منهما؛ كما في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ (٣) فإن الالتقاء ثبت لكل منهما حال اجتماعهما، وقد يقابل شرط الاجتماع من أحدهما كقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤) فإن مجموع الأمة خير للناس مجتمعين ومنفردين، وقد يقابل المجموع بالمجموع بتوزيع الأفراد على الأفراد، فيكون لكل واحد من العمومين واحد من العموم الآخر كما يقال: لبس الناس ثيابهم وركب الناس دوابهم، فإن كل واحد منهم ركب دابته ولبس ثوبه، وكذلك إذا قيل: الناس يحبون أولادهم، أي: كل واحد يحب ولده؛ ومن هذا قوله سبحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٥) أي كل والدة ترضع ولدها؛ بخلاف ما لو قلت: الناس يعظمون الأنبياء؛ فإن كل واحد منهم يعظم كل واحد من الأنبياء، فقول الواقف: على أولاده؛ ثم على أولادهم: قد اقتضى ترتيب أحد العمومين على الآخر، فيجوز أن يريد أن العموم الثاني بمجموعه مرتب على مجموع العموم الأول، وعلى كل فرد من أفراده فلا يدخل شيء من هذا العموم الثاني في الوقف حتى ينقضي جميع أفراد العموم الأول، ويجوز أن
стр. 775
يريد ترتيبا يوزع فيه الأفراد على الأفراد فيكون كل فرد من أولاد الأولاد داخلا عند عدم والده؛ لا عند عدم والد غيره؛ كما في قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (١) وقولهم: الناس يحبون أولادهم، واللفظ صالح لكلا المعنيين صلاحا قويا؛ لكن قد يترجح أحدهما على الآخر بأسباب أخرى كما رجح الجمهور ترتيب الكل على الكل في قوله: وقفت على زيد وعمرو وبكر ثم على المساكين، فإنه ليس بين المساكين وبين أولئك الثلاثة مساواة في العدد حتى يجعل كل واحد مرتبا على الآخر، ولا مناسبة تقتضي أن يعين لزيد هذا المسكين ولعمرو هذا ولبكر هذا؛ بخلاف قولنا: الناس يحبون أولادهم؛ فإن المراد هنا من له ولد، فصار أحد العمومين مقاوما للآخر، وفي أولادهم من الإضافة ما اقتضى أن يعين لكل إنسان ولده دون ولد غيره، وكما يترجح المعنى الثاني في قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ (٢) إلى آخره فإنه لم يحرم على كل واحد من المخاطبين جميع أمهات المخاطبين وبناتهم؛ وإنما حرم على كل واحد أمه وبنته، وكذلك قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٣) فإنه ليس لجميع الأزواج نصف ما ترك جميع النساء وإنما لكل واحد نصف ما تركت زوجته فقط وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٤) إنما معناه اتبع كل واحد ذريته؛ ليس معناه أن كل واحد من الذرية اتبع كل واحد من الآباء. وهذا كثير في الكلام: مثل أن يقول: الناس في ديارهم ومع أزواجهم يتصرفون في أموالهم