وكلا الاحتمالين وارد في هذه المسألة، وذلك أن الأحكام المرتبة على الأسماء العامة نوعان (١):
النوع الأول: ما يثبت لكل فرد من أفراد ذلك العام، نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ (٢).
فإن الخلق ثابت لكل واحد من الناس، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٣).
أي كل والدة ترضع ولدها.
النوع الثاني: ما يثبت لمجموع تلك الأفراد، كقول الواقف: وقفت على زيد وعمرو وبكر، ثم على المساكين، فإنه ليس بين المساكين وبين أولئك الثلاثة مساواة في العدد حتى يجعل كل واحد منهما مرتباً على الآخر، ولا مناسبة تقتضي أن يعين لزيد هذا المسكين، ولعمرو هذا، ولبكر هذا.
لكن قد يترجح أحد الاحتمالين على الآخر بأسباب أخرى، ومما يرجح الاحتمال الثاني في هذه المسألة:
أ- أن أكثر الواقفين ينقلون نصيب كل والد إلى ولده، لا يؤخرون الانتقال إلى انتقال الطبقة، والكثرة دليل القوة، بل الرجحان (٤).
ب- أن بين الوقف والميراث شبهاً من جهة أن الانتقال إلى ولد الولد مشروط بعدم الولد فيهما، ومثل هذه العبارة لو أطلقت في الميراث، كما أطلقها الله تعالى في قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٥)، وقوله:
стр. 772
﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (١).
لم يفهم منها إلا مقابلة التوزيع للأفراد على الأفراد، كما لو قال الفقيه لرجل: مالك ينتقل إلى ورثتك، ثم إلى ورثتهم، فإنه يفهم منه أن مال كل واحد ينتقل إلى وارثه، فليكن قول الواقف هنا كذلك (٢).
٢ - قال شيخ الإسلام: "وإنما الشبهة في أن الولد إذا مات في حياة أبيه وله ولد؛ ثم مات الأب عن ولد آخر وعن ولد الولد الأول: هل يشتركان؟ أو ينفرد به الأول؟
الأظهر في هذه المسألة أنهما يشتركان؛ لأنه إذا كان المراد أن كل ولد مستحق بعد موت أبيه -سواء كان عمه حيا أو ميتا- فمثل هذا الكلام إذا يشترط فيه عدم استحقاق الأب كما قال الفقهاء في ترتيب العصبة: إنهم الابن ثم ابنه ثم الأب ثم أبوه؛ ثم العم ثم بنو العم؛ ونحو ذلك؛ فإنه لا يشترط في الطبقة الثانية إلا عدم استحقاق الأولى. فمتى كانت الثانية موجودة والأولى لا استحقاق لها استحقت الثانية؛ سواء كانت الأولى استحقت أو لم تستحق ولا يشترط لاستحقاق الثانية استحقاق الأولى؛ وذلك لأن الطبقة الثانية تتلقى الوقف من الواقف لا من الثانية فليس هو كالميراث الذي يرثه الابن؛ ثم ينتقل إلى ابنه وإنما هو كالولاء الذي يورث به فإذا كان ابن المعتق قد مات في حياة المعتق؛ ورث الولاء ابن ابنه، وإنما يغلط من يغلط في مثل هذه المسألة حين يظن أن الطبقة الثانية تتلقى من التي قبلها؛ فإن لم تستحق الأولى شيئا لم تستحق الثانية، ثم يظنون أن الوالد إذا مات قبل الاستحقاق لم يستحق ابنه؛ وليس كذلك؛ بل هم يتلقون من الواقف؛ حتى لو كانت الأولى محجوبة بمانع من الموانع: مثل أن يشترط
стр. 773
الواقف في المستحقين أن يكونوا فقراء أو علماء أو عدولا؛ أو غير ذلك ويكون الأب مخالفا للشرط المذكور وابنه متصفا به فإنه يستحق الابن وإن لم يستحق أبوه. كذلك إذا مات الأب قبل الاستحقاق فإنه يستحق ابنه، وهكذا جميع الترتيب في الحضانة وولاية النكاح والمال وترتيب عصبة النسب والولاء في الميراث، وسائر ما جعل المستحقون فيه طبقات ودرجات فإن الأمر فيه على ما ذكر، وهذا المعنى هو الذي يقصده الواقفون إذا سئلوا عن مرادهم، ومن صرح منهم بمراده فإنه يصرح بأن ولد الولد ينتقل إليه ما ينتقل إلى ولده لو كان حيا لا سيما والناس يرحمون من مات والده ولم يرث حتى إن الجد قد يوصي لولد ولده؛ ومعلوم أن نسبة هذا الولد ونسبة ولد ذلك الولد إلى الجد سواء، فكيف يحرم ولد ولده اليتيم ويعطي ولد ولده الذي ليس بيتيم فإن هذا لا يقصده عاقل، ومتى لم نقل بالتشريك بقي الوقف في هذا الولد وولده؛ دون ذرية الولد الذي مات في حياة أبيه، والله أعلم.
٣ - وقال شيخ الإسلام: " إن قوله: على أولاده ثم على أولادهم مقتضٍ للترتيب، وهو أن استحقاق أولاد الأولاد بعد الأولاد، وهنا جمعان: أحدهما مرتب على الآخر، والأحكام المرتبة على الأسماء العامة نوعان: أحدهما: ما يثبت لكل فرد من أفراد ذلك العام سواء قدر وجود الفرد الآخر أو عدمه، والثاني: ما يثبت لمجموع تلك الأفراد؛ فيكون وجود كل منها شرطا في ثبوت الحكم للآخر.
مثال الأول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ (١)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٢).
ومثال الثاني قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٣)،
стр. 774
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١)، فإن الخلق ثابت لكل واحد من الناس؛ وكلا منهم مخاطب بالعبادة والطهارة؛ وليس كل واحد من الأمة أمة وسطا، ولا خير أمة، ثم العموم المقابل بعموم آخر قد يقابل كل فرد من هذا بكل فرد من هذا، كما في قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٢) فإن كل واحد من المؤمنين آمن بكل واحد من الملائكة والكتب والرسل، وقد يقابل المجموع بالمجموع بشرط الاجتماع منهما؛ كما في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ (٣) فإن الالتقاء ثبت لكل منهما حال اجتماعهما، وقد يقابل شرط الاجتماع من أحدهما كقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (٤) فإن مجموع الأمة خير للناس مجتمعين ومنفردين، وقد يقابل المجموع بالمجموع بتوزيع الأفراد على الأفراد، فيكون لكل واحد من العمومين واحد من العموم الآخر كما يقال: لبس الناس ثيابهم وركب الناس دوابهم، فإن كل واحد منهم ركب دابته ولبس ثوبه، وكذلك إذا قيل: الناس يحبون أولادهم، أي: كل واحد يحب ولده؛ ومن هذا قوله سبحانه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٥) أي كل والدة ترضع ولدها؛ بخلاف ما لو قلت: الناس يعظمون الأنبياء؛ فإن كل واحد منهم يعظم كل واحد من الأنبياء، فقول الواقف: على أولاده؛ ثم على أولادهم: قد اقتضى ترتيب أحد العمومين على الآخر، فيجوز أن يريد أن العموم الثاني بمجموعه مرتب على مجموع العموم الأول، وعلى كل فرد من أفراده فلا يدخل شيء من هذا العموم الثاني في الوقف حتى ينقضي جميع أفراد العموم الأول، ويجوز أن
стр. 775
يريد ترتيبا يوزع فيه الأفراد على الأفراد فيكون كل فرد من أولاد الأولاد داخلا عند عدم والده؛ لا عند عدم والد غيره؛ كما في قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (١) وقولهم: الناس يحبون أولادهم، واللفظ صالح لكلا المعنيين صلاحا قويا؛ لكن قد يترجح أحدهما على الآخر بأسباب أخرى كما رجح الجمهور ترتيب الكل على الكل في قوله: وقفت على زيد وعمرو وبكر ثم على المساكين، فإنه ليس بين المساكين وبين أولئك الثلاثة مساواة في العدد حتى يجعل كل واحد مرتبا على الآخر، ولا مناسبة تقتضي أن يعين لزيد هذا المسكين ولعمرو هذا ولبكر هذا؛ بخلاف قولنا: الناس يحبون أولادهم؛ فإن المراد هنا من له ولد، فصار أحد العمومين مقاوما للآخر، وفي أولادهم من الإضافة ما اقتضى أن يعين لكل إنسان ولده دون ولد غيره، وكما يترجح المعنى الثاني في قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ (٢) إلى آخره فإنه لم يحرم على كل واحد من المخاطبين جميع أمهات المخاطبين وبناتهم؛ وإنما حرم على كل واحد أمه وبنته، وكذلك قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٣) فإنه ليس لجميع الأزواج نصف ما ترك جميع النساء وإنما لكل واحد نصف ما تركت زوجته فقط وكذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٤) إنما معناه اتبع كل واحد ذريته؛ ليس معناه أن كل واحد من الذرية اتبع كل واحد من الآباء. وهذا كثير في الكلام: مثل أن يقول: الناس في ديارهم ومع أزواجهم يتصرفون في أموالهم
стр. 776
وينفقون على أولادهم وما أشبه ذلك، ثم الذي يوضح أن هذا المعنى قوي في الوقف ثلاثة أشياء: أحدها: أن أكثر الواقفين ينقلون نصيب كل والد إلى ولده لا يؤخرون الانتقال إلى انقضاء الطبقة؛ والكثرة دليل القوة؛ بل والرجحان، الثاني: أن الوقف على الأولاد يقصد به غالبا أن يكون بمنزلة الموروث الذي لا يمكن بيعه؛ فإن المقصود الأكبر انتفاع الذرية به على وجه لا يمكنهم إذهاب عينه، وأيضا فإن بين الوقف والميراث هنا شبه من جهة أن الانتقال إلى ولد الولد مشروط بعدم الولد فيهما، ثم مثل هذه العبارة لو أطلقت في الميراث كما أطلقها الله تعالى في قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (١) ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (٢) لما فهم منها إلا مقابلة التوزيع للأفراد على الأفراد؛ لا مقابلة المجموع بالمجموع، ولا مقابلة كل واحد بكل واحد ولا مقابلة كل واحد بالمجموع، كما لو قال الفقيه لرجل: مالك ينتقل إلى ورثتك ثم إلى ورثتهم؛ فإنه يفهم منه أن مال كل واحد ينتقل إلى وارثه، فليكن قوله: على أولادهم ثم على أولاد أولادهم كذلك؛ إما صلاحا وإما ظهورا.
الثالث: أن قوله: في أولادهم، محال أن يحصل في هذه الإضافة مقابلة كل فرد بكل فرد فإن كل واحد من الأولاد ليس مضافا إلى كل واحد من الوالدين؛ وإنما المعنى: ثم على ما لكل واحد من الأولاد، فإذا قال: وقفت على زيد وعمرو وبكر ثم على أولادهم، فالضمير عائد إلى زيد وعمرو وبكر وهذه المقابلة مقابلة التوزيع، وفي الكلام معنيان: إضافة وترتيب، فإذا كانت مقابلة الإضافة مقابلة توزيع أمكن أن يكون مقابلة الترتيب أيضا مقابلة توزيع
стр. 777
كما أن قوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (١) لما كان معنى إرضاع وإضافة، والإضافة موزعة: كان الإرضاع موزعا، وقوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٢) لما كان معنى إضافة موزعة: كان الاستحقاق موزعا، وهذا يبين لك أن مقابلة التوزيع في هذا الضرب قوية سواء كانت راجحة أو مرجوحة أو مكافية.
وللناس تردد في موجب هذه العبارة عند الإطلاق في الوقف، وإن كان كثير منهم أو أكثرهم يرجحون ترتيب الجمع على الجمع بلا توزيع ..... فأما صلاح اللفظ للمعنيين فلا ينازع فيه من تصور ما قلناه، وإذا ثبت أنه صالح فمن المعلوم أن اللفظ إذا وصل بما يميز أحد المعنيين الصالحين له وجب العمل به، ولا يستريب عاقل في أن الكلام الثاني يبين أن الواقف قصد أن ينقل نصيب كل والد إلى ولده؛ وإلا لم يكن فرق بين أن يموت أحد منهم عن ولد أو عن غير ولد، بل لم يكن إلى ذكر الشرط حاجة أصلا، أكثر ما يقال: إنه توكيد لو خلا عن دلالة المفهوم، فيقال: حمله على التأسيس أولى من حمله على التوكيد.
واعلم أن هذه الدلالة مستمدة من أشياء: أحدها: صلاح اللفظ الأول لترتيب التوزيع.
الثاني: أن المفهوم يشعر بالاختصاص، وهذا لا ينازع فيه عاقل وإن نازع في كونه دليلا، الثالث: أن التأسيس أولى من التوكيد وليس هذا من باب تعارض الدليلين؛ ولا من باب تقييد الكلام المطلق وإنما هو من باب تفسير اللفظ الذي فيه احتمال المعنيين ..... فإذا تأمل قوله: على أنه من مات منهم عن
стр. 778
غير ولد كان نصيبه لأهل طبقته، قال: إن كان مراد الواقف عموم الشياع كان هذا اللفظ مقيدا لبيان مراده، ومتى دار الأمر بين أن تجعل هذه الكلمة مفسرة للفظ الأول؛ وبين أن تكون لغوا: كان حملها على الإفادة والتفسير أولى؛ الوجهين: أحدهما: أني أعتبرها؛ واعتبار كلام الواقف أولى من إهداره، والثاني: أجعلها بيانا للفظ المحتمل حينئذ؛ فأدفع بها احتمالا كنت أعمل به لولا هي، وإذا كان الكلام محتملا لمعنيين كان المقتضي لتعيين أحدهما قائما سواء كان ذلك الاقتضاء مانعا من النقيض أو غير مانع، فإذا حملت هذا اللفظ على البيان كنت قد وفيت المقتضي حقه من الاقتضاء وصنت الكلام الذي يميز بين الحلال والحرام عن الإهدار والإلغاء، فأين هذا ممن يأخذ بما يحتمله أول اللفظ ويهدر آخره؛ وينسب المتكلم به إلى العي واللغو " (١).
أدلة القول الثاني: (أن أولاد الأولاد لا يستحقون شيئاً)
١ - أن الوقف على الأولاد كالوقف على الجهة، والجهة صادقة على القليل والكثير، فإذا وجد واحد من الأولاد لم يستحق أولاد الأولاد شيئاً.
ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم بأن الوقف على الأولاد كالوقف على الجهة، بل الوقف على الأولاد من قبيل ترتيب الأفراد على الأفراد، وليس من قبيل ترتيب كل فرد من الطبقة الأولى على مجموع الطبقة الثانية.
٢ - أن استحقاق البطن الثاني مشروط بانقراض البطن الأول للترتيب المستفاد من الأداة.
ونوقش: بأن استحقاق أولاد الأولاد بموت أبيهم لا يتعارض مع الترتيب؛ لما تقدم في أدلة القول الأول.
٣ - أن اختصاص الطبقة الأولى هو المتبادر من لفظ الواقف، فيكون حقيقة فيه، فيجب الوقوف معها.
стр. 779
ونوقش: بأن لفظ الواقف صالح لترتيب الأفراد على الأفراد، ولترتيب بطن على بطن.
٤ - أن الوقف ثبت بقول الواقف فيتبع فيه مقتضى كلامه؛ إذ إن (ثم)، و (الفاء) تفيدان الترتيب، وإعمال الترتيب في هذه المسألة يكون بترتيب استحقاق مجموع جملة الطبقة الثانية على انقراض مجموع جملة الطبقة الأولى" (١).
ونوقش: بأن الخلاف بيننا ليس في إفادة (ثم) والفاء للترتيب، ولكن هل تفيد (ثم) والفاء في مسألتنا ترتيب الجملة على الجملة، أو تفيد ترتيب الأفراد على الأفراد؟ كما سبق بيانه في أدلة القول الأول.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- أن من مات من الأولاد فإن أولاده يقومون مقامه؛ لقوة هذا القول، ومناقشة دليل القول الآخر.
المطلب الثامن: الوقف على بعض الأولاد
سيأتي بحثه في الوقف على بعض الورثة.
فرع:
وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " ثم من صيغ الوقف ما منعها بعض العلماء كالوقف على أولاده، فإذا كان حيلة فلا ينبغي، وإذا وقف على
стр. 780
جميعهم قد يكون فيه تحيل على نقص الزوجة من ميراثها، هذا راجع إلى أنه وصية لوارث، وإن لم يكن في وقت مرض وحتى لو كانوا ليس فيهم زوجة إذا كان هو المال كله فهذا أغلظ، فإن الله ملكهم وهو قصد حرمانهم، وإن كان يقصد كما يقصده بعض العوام حتى لا يضيع ببيع ولكن يحرم أزواج البنات وزوجات الأولاد، وهذا هو "وقف الجنف" " (١).
стр. 781
المبحث السابع: مصرف الوقف إذا كان على العقب
قال ابن منظور: " والعَقِبُ، والعَقْبُ، والعاقبة: ولد الرجل، وولد ولده الباقون بعده، وذهب الأخفش إلى أنها مؤنثة، وقولهم: ليست لفلان عاقبة: أي ليس له ولد " (١).
تحرير محل النزاع:
قال ابن قدامة: "وإن وقف على عقبه، أو ولد ولده، أو ذريته، أو نسله دخل فيه ولد البنين بلا خلاف علمناه " (٢).
وأما أولاد البنات فمحل خلاف على قولين:
القول الأول: أنهم لا يدخلون، وعليه فلا يستحقون من الوقف.
وهو المذهب عند الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وقول عند الشافعية (٥)، ومذهب الحنابلة (٦).
جاء في الدر المختار: "وفي الإسعاف والتاترخانية: لو وقف على عقبه
стр. 782
يكون لولده وولد ولده أبداً ما تناسلوا من أولاد الذكور دون الإناث، إلا أن يكون أزواجهن من ولد ولده الذكور، كل من يرجع نسبه إلى الواقف بالآباء فهو من عقبه، وكل من كان أبوه من غير الذكور من ولد الواقف فليس من عقبه انتهى" (١).
جاء في التاج والإكليل: " (وتناول الذرية وولد فلان وفلانة أو الذكور والإناث وأولادهم الحفيد) أما الذرية، فقال ابن رشد: اختلف الشيوخ في الذرية والنسل؛ فقيل إنهما بمنزلة العقب، والولد لا يدخل فيه ولد البنات على مذهب مالك، وقيل: إنهم يدخلون فيها " (٢).
وجاء في مغني المحتاج: " (ويدخل أولاد البنات) قريبهم وبعيدهم (في الوقف على الذرية، و) على (النسل، و) على (العقب) بكسر القاف بخطه ويجوز إسكانها وهو ولد الرجل الذي يبقى بعده قاله القاضي عياض (و) على (أولاد الأولاد) لصدق اللفظ بهم " (٣).
وجاء في الإنصاف: " (وإن وقف على عقبه أو ولد ولده أو ذريته دخل فيه ولد البنين) بلا نزاع في عقبه أو ذريته، وأما إذا وقف على ولده وولد ولده فهل يشمل أولاد الولد الثاني والثالث وهلم جرّا.
تقدم عن القاضي والمصنف والشارح وغيرهم أنه لا يشمل غير المذكورين.
وقوله (ونقل عنه لا يدخل فيه ولد البنات) إذا وقف على ولد ولده أو قال على أولاد أولادي وإن سفلوا، فنص الإمام أحمد ﵀-في رواية
стр. 783
المروذي: أن أولاد البنات لا يدخلون، وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب.
قال في الفروع: لم يشمل ولد بناته إلا بقرينة اختاره الأكثر جزم به في الوجيز وغيره، وقدمه في الهداية والمستوعب والخلاصة والتلخيص والفروع، وصححه في تجريد العناية، قال في الفائق: اختاره الخرقي والقاضي وابن عقيل والشيخان يعني بهما المصنف، والشيخ تقي الدين وهو ظاهر ما قدمه الحارثي .... تنبيه ما تقدم من الخلاف إنما هو فيما إذا وقف على ولد ولده أو قال على أولاد أولادي، وكذا الحكم والخلاف والمذهب إذا وقف على عقبه أو ذريته، كما قال المصنف عند جماهير الأصحاب " (١).
واستدلوا بما يلي:
١ - أن عقب الرجل من ينتسب إليه من فروعه، وإنما ينسب إليه أولاده وأولاد أبنائه دون أولاد بناته لغة كما سبق.
٢ - أن ألفاظ الواقفين يرجع فيها إلى الدلالة العرفية، فإن لم يكن فإلى الدلالة اللغوية.
القول الثاني: أن أولاد البنات يدخلون في لفظ العقب.
وقول عند المالكية (٢)، وهو المذهب عند الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
واستدلوا بما يلي:
١ - أن لفظ العقب بمعنى الذرية، والذرية يدخل فيها أولاد البنات،
стр. 784
بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ (١) إلى أن ذكر عيسى، وليس هو إلا ولد بنت.
ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم، فهناك فرق في اللغة بين لفظ النسل ولفظ العقب، فالعقب: اسم للولد وولد الولد من الذكور دون الإناث، بخلاف النسل -كما سيأتي- فهو اسم لجميع نسل الإنسان من ذكر أو أنثى.
٢ - أن البنات أولاده، فأولادهن أولاد أولاده حقيقة، فيجب أن يدخلوا في اللفظ؛ لتناوله لهن (٢).
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه استدلال في محل النزاع.
والراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لتأييده بالعرف، والعرف يقضي بأن عقب الإنسان من ينتسب إليه، وإنما ينتسب إليه أولاده وأولاد أبنائه مهما نزلوا.
стр. 785
المبحث الثامن: مصرف الوقف إذا كان على النسل
تحرير محل النزاع:
قال ابن قدامة: "وإن وقف على عقبه، أو ولد ولده، أو ذريته، أو نسله دخل فيه ولد البنين بغير خلاف علمناه " (١).
وأما أولاد البنات ففي دخولهم اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: أنه يشمل أولاد البنات كما يشمل أولاد الأبناء.
وإليه ذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، وهو قول عند المالكية (٤)، والحنابلة (٥).
وحجته: أن اللفظ يصدق على أولاد البنات؛ لأن النسل بمعنى الذرية.
القول الثاني: أنه لا يشملهم فلا يستحقون من الوقف.
وهو المذهب عند المالكية (٦)، والحنابلة (٧).
стр. 786
واستدلوا: بأن نسل الرجل من ينتسب إليه، وإنما ينتسب إليه أولاده وأولاد أبنائه وإن نزلوا، بخلاف أولاد بناته فإنهم ينسبون لآبائهم.
ويظهر -والله أعلم- رجحان دخولهم؛ لعموم هذا اللفظ لكل من كان من فروعه.
стр. 787
المبحث التاسع: الوقف على الذرية
الذرية: اسم لجميع نسل الإنسان من ذكر وأنثى (١).
تحرير محل النزاع:
قال ابن قدامة: " وإن وقف على عقبه، أو ولد ولده، أو ذريته، أو نسله دخل فيه ولد البنين بغير خلاف علمناه " (٢).
وأما أولاد البنات ففي دخولهم مع الإطلاق خلاف على قولين:
القول الأول: دخول أولاد البنات.
وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، ورواية في مذهب الإمام أحمد (٦).
جاء في رد المحتار: " (قوله: لو وقف الوقف على الذرية) أي لو قال:
стр. 788
على ذرية زيد، أو قال: على نسله أبداً ما تناسلوا يدخل فيه ولده وولد ولده، وولد البنين وولد البنات في ذلك سواء خصاف " (١).
جاء في التاج والإكليل: " (وتناول الذرية وولد فلان وفلانة أو الذكور والإناث وأولادهم الحفيد) أما الذرية فقال ابن رشد: اختلف الشيوخ في الذرية والنسل؛ فقيل إنهما بمنزلة العقب، والولد لا يدخل فيه ولد البنات على مذهب مالك، وقيل: إنهم يدخلون فيها.
وفرق ابن العطار فقال: النسل كالولد والعقب لا يدخل فيه ولد البنات بخلاف الذرية فتشمل ولد البنات اتفاقاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَعِيسَى﴾ وهو ولد بنت " (٢).
جاء في مغني المحتاج: " (ويدخل أولاد البنات) قريبهم وبعيدهم (في الوقف على الذرية، و) على (النسل، و) على (العقب) بكسر القاف بخطه، ويجوز إسكانها وهو ولد الرجل الذي يبقى بعده قاله القاضي عياض (و) على (أولاد الأولاد) لصدق اللفظ بهم " (٣).
القول الثاني: عدم دخول أولاد البنات.
وهو المذهب عند الحنابلة (٤)، وقول عند المالكية (٥).
جاء في كشاف القناع: " (ولا يدخل ولد البنات) في ولده ولا في أولاده إذا وقف عليهم (كوصية) أي كما لو وصى ولد زيد أو أولاده فيدخل فيها
стр. 789
أولاد بنيه؛ لما تقدم دون أولاد بناته وأولاد بنات بنيه وبنات بني بنيه، فليس لهم شيء في الوقف ولا في الوصية لأنهم من رجل آخر " (١).
وجاء في الإنصاف: " (وإن وقف على عقبه أو ولد ولده أو ذريته دخل فيه ولد البنين) بلا نزاع في عقبه أو ذريته، وأما إذا وقف على ولده وولد ولده، فهل يشمل أولاد الولد الثاني والثالث وهلم جرّا.
تقدم عن القاضي والمصنف والشارح وغيرهم أنه لا يشمل غير المذكورين.
وقوله: (ونقل عنه لا يدخل فيه ولد البنات) إذا وقف على ولد ولده أو قال على أولاد أولادي وإن سفلوا، فنص الإمام أحمد -﵀-في رواية المروذي: أن أولاد البنات لا يدخلون، وهو المذهب وعليه جماهير الأصحاب.
قال في الهداية والمستوعب: وإن وصى لولد ولده، فقال أصحابنا لا يدخل فيه ولد البنات؛ لأنه قال في الوقف على ولد ولده لا يدخل فيه ولد البنات.
قال الزركشي: مفهوم كلام الخرقي أنه لا يدخل ولد البنات وهو أشهر الروايات، واختاره القاضي في التعليق والجامع والشيرازي وأبو الخطاب في خلافه الصغير. انتهى.
قال في الفروع: لم يشمل ولد بناته إلا بقرينة اختاره الأكثر جزم به في الوجيز وغيره، وقدمه في الهداية والمستوعب والخلاصة والتلخيص والفروع، وصححه في تجريد العناية، قال في الفائق: اختاره الخرقي والقاضي وابن عقيل والشيخان يعني بهما المصنف، والشيخ تقي الدين وهو ظاهر ما قدمه الحارثي .... تنبيه ما تقدم من الخلاف إنما هو فيما إذا وقف على ولد ولده
стр. 790
أو قال على أولاد أولادي، وكذا الحكم والخلاف والمذهب إذا وقف على عقبه أو ذريته كما قال المصنف عند جماهير الأصحاب " (١).
وجاء في الفتاوى الهندية: " إذا وقف أرضه على أهل بيته دخل تحت الوقف كل من يتصل به من قبل آبائه إلى أقصى أب له في الإسلام، ويستوي فيه المسلم والكافر والذكر والأنثى والمحرم وغير المحرم والقريب والبعيد ولا يدخل الأب الأقصى، ويدخل فيه ولد الواقف ووالده، ولا يدخل أولاد البنات وأولاد الأخوات، وكذلك لا يدخل أولاد من سواهن من الإناث إلا إذا كان أزواجهم من بني أعمام الواقف كذا في الذخيرة.
وذكر شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله تعالى- في شرح السير الكبير إذا ذكر أهل البيت في الوقف أو الوصية يرجع إلى مراده إن أراد بيت السكنى، فأهل بيته من يعوله وينفق عليه في بيته، وإن لم تكن بينهما قرابة وإن أراد بيت النسب، فأهل بيته جميع أولاد أبيه المعروفين به " (٢).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل القائلون بدخول البنت في الوقف على الذرية بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾ (٣)، فذكر الله سبحانه عيسى ﵇ في ذرية إبراهيم ﵇ وهو ولد بنته (٤).
стр. 791
روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده، عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي ﷺ ، تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده، قال: أليس تقرأ في سورة الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ … ﴾ حتى بلغ: ﴿وَيَحْيَى وَعِيسَى .. ﴾؟ قال: بلى. قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صدقت (١).
٢ - اللغة: فإن الذرية: اسم لجميع نسل الإنسان من ذكر أو أنثى.
دليل القول الثاني: (عدم دخول أولاد البنات)
استدل القائلون بعدم دخول ولد البنت:
أن ذرية المرء من ينتسب إليه، وإنما ينتسب إليه أولاده لصلبه وأولاد بنيه دون أولاد بناته؛ لأن أولاد البنات ينسبون إلى آبائهم لا إلى آباء أمهاتهم (٢).
ونوقش هذا الاستدلال: بعدم التسليم باختصاص لفظ الذرية بمن ينتسب إليه، بل هو عام لجميع النسل؛ بدليل الآية التي استدل بها أصحاب القول الأول.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، وضعف دليل القول الثاني بمناقشته.
وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: "وسئل أيضا عن رجل وقف على المستضعفين من ذريته، والمجدول له ابن هو الآن غني، وولدان، وأولاد بنت يريد أن ينزلوا منزلته.
فأجاب: الكلام في المسالة في مقامات: فأما "المقام الأول": فإنه
стр. 792
لا ريب في صحة مثل هذا الوقف، وكلام العلماء في ذلك معروف، وقد استدل عليه بوقف الزبير ﵁ حيث جعل للمردودة السكني.
وأما " المقام الثاني ": فإنه يدخل في هذا الوقف المستضعف في أولاد بنيه وإن نزلوا بلا نزاع، كما في " الإنصاف "، وأما " أولاد البنات " فالمذهب أنهم لا يدخلون، وعن الإمام أحمد رواية أنهم يدخلون … قال في "الإنصاف": ونقل عنه في الوصية يدخلون، وذهب إليه بعض أصحابنا، وهذا مثله، قلت: بل هي هنا رواية منصوصة من رواية حرب، قال في " القواعد ": ومال إليه صاحب المغني، وهي طريقة ابن أبي موسى والشيرازي.
قال الشارح: القول بأنهم يدخلون أصح وأقوى دليلاً … وأما "المقام الثالث": فإن استحقاقهم يكون على الترتيب بطناً بعد بطن، هذا هو الذي يدل عليه كلام الأصحاب؛ فإنهم صرحوا بذلك فيما إذا وقف على أولاده، قال ابن ذهلان: وإذا قال: هذا وقف على الضعيف من أولادي أو أولاد زيد فللبطن الأعلى فالأعلى والذكر كالأنثى أي كل ضعيف منهم " (١) انتهى.
стр. 793
المبحث العاشر: الوقف على القرابة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: أن يقول هذا وقف على قرابتي
إذا قال: هذا وقف على قرابتي، فاختلف الفقهاء -رحمهم الله تعالى- في المراد بالقرابة على أقوال:
القول الأول: أنه يدخل في ذلك كل من عرف بقرابته من جهة أبيه وأمه من غير تقييد.
وهو احتمال ذكره في الكافي، وصححه الحارثي من الحنابلة (١).
وعند المالكية (٢) أنهم قرابته من جهة أبيه ومن جهة أمه.
فيشمل كل من يقرب لأبيه، وأمه.
ورواية عن أحمد، وفي قول للمالكية: كل قرابته من قبل الأب الذين ينتسبون إلى الأب الأدنى دون قرابته من قبل الأم.
قال الخرشي: " إذا قال هذا حبس على أقاربي، فإنه يدخل أقاربه من
стр. 794
الجهتين، فيدخل كل من يقرب لأبيه من جهة أبيه، أو من أمه من الذكور والإناث، ويدخل كل من يقرب لأمه من جهة أمها، أو من جهة أبيها من الذكور والإناث، فتدخل العمات والخالات وأولادهن، والأخوة، وبنات الأخ، وبنات الأخت، والخال وابنه، ولا فرق بين المسلم والذمي " (١).
وجاء في الإنصاف: " وفي الكافي: احتمال بدخول كل من عرف بقرابته من جهة أبيه وأمه من غير تقييد بأربعة آباء ونحوه في المغني والشرح، وكذلك القاضي في المجرد، قال الحارثي: وهو الصحيح إن شاء الله تعالى " (٢).
القول الثاني: أنهم قرابته من جهة أبيه، وجهة أمه الذين ينتسبون إلى الأب الأدنى، ما خلا الأب والأم وولد الصلب إن كان الوقف على غير قرابة الواقف، وورثته إن كان الوقف على قرابته.
وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٣)، وفي وجه لهم أن المراد بالقرابة: قرابته من قبل الأب، الذين ينتسبون إلى الأب الأدنى دون قرابته من قبل الأم في الوقف على العربي دون الأعجمي.
القول الثالث: كل من يناسبه إلى أقصى أب له في الإسلام من قبل أبويه، سوى أبويه وولده لصلبه.
وهو المذهب عند الحنفية، وزاد أبو يوسف: الجد، وابن الابن، وقال أبو حنيفة: كل ذي رحم محرم من قبل الأب والأم، ما خلا أبويه وجده وولده دون الكافر، ويسوي بينهم (٤).
стр. 795
جاء في فتح القدير: " ولو وقف على قرابته فهو لمن يناسبه إلى أقصى أب في الإسلام من قبل أبيه، أو إلى أقصى أب له في الإسلام من قبل أمه، لكن لا يدخل أبو الواقف ولا أولاده لصلبه، وفي دخول الجد روايتان، وظاهر الرواية لا يدخل، ويدخل أولاد البنات وأولاد العمات والخالات والأجداد الأعلون والجدات ورحمي وأرحامي، وكل ذي نسب مني كالقرابة وعلى عيالي يدخل كل من كان في عياله من الزوج والولد والجدات، ومن كان يعوله من ذوي الرحم وغير ذوي الرحم " (١).
القول الرابع: قرابة الرجل: أولاده، وأبوه، وجده، وجد أبيه، وأولادهم.
وهو المذهب عند الحنابلة (٢).
وفي رواية عن أحمد: يختص بثلاثة آباء.
وعن الإمام أحمد: يختص بولده وقرابة أبيه وإن علا.
وعن أحمد: أنه يختص بمن يصله منهم (٣).
قال ابن قدامة: " وإن وقف على قرابته أو قرابة فلان، فهو للذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وجده، وجد أبيه، ويستوي الذكر والأنثى" (٤).
جاء في الإنصاف: " (وإن وقف على قرابته أو قرابة فلان فهو للذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه وجده وجد أبيه) يعنى بالسوية بين كبيرهم وصغيرهم وذكرهم وأنثاهم وغنيهم وفقيرهم، بشرط أن يكون مسلماً، وهذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب، قال الحارثي: هذا المذهب عند كثير
стр. 796
من الأصحاب الخرقي والقاضي وأبي الخطاب وابن عقيل والشريفين أبي جعفر والزيدي وغيرهم.
قال الزركشي: هذا اختيار الخرقي والقاضي وعامة أصحابه، وجزم به في الوجيز وغيره، وقدمه في الهداية والمذهب والمستوعب والشرح والفروع والرعايتين والحاوي الصغير وغيرهم، وعنه: يختص بولده وقرابة أبيه وإن علا مطلقًا. اختاره الحارثي، وقدمه في المحرر والنظم، قال المصنف والشارح: فعلى هذه الرواية يعطي من يعرف بقرابته من قبل أبيه وأمه الذين ينتسبون إلى الأب الأدنى " (١).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (أنهم كل من عرف بقرابته من جهة أبيه أو أمه)
(٢٠٥) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (٢) أتى النبي ﷺ الصفا فصعد عليه، ثم نادى: "يا صباحاه"، فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ : "يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟ "، قالوا: نعم، قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" (٣).
(٢٠٦) ولما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (٤) دعا رسول الله ﷺ قريشاً، فعمّ وخصّ، فقال: " يا معشر
стр. 797
قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني -والله- لا أملك لكم من الله شيئاً، إلا أن لكم رحماً سأبلها ببلالها " (١).
وجه الدلالة: قال ابن حجر: " موضع الشاهد منه قوله فيه: " ويا صفية، ويا فاطمة " فإنه سوى ﷺ في ذلك بين عشيرته فعمهم أولاً، ثم خص بعض البطون، ثم ذكر عمه العباس، وعمته صفية، وابنته، فدل على دخول النساء في الأقارب وعلى دخول الفروع أيضا، وعلى عدم التخصيص بمن يرث ولا بمن كان مسلما ".
نوقش: قال ابن حجر: " يحتمل أن يكون لفظ الأقربين صفة لازمة للعشيرة، والمراد بعشيرته قومه، وهم قريش .... ، وعلى هذا فيكون قد أُمِرَ بإنذار قومه، فلا يختص ذلك بالأقرب منهم دون الأبعد، فلا حجة فيه في مسألة الوقف؛ لأن صورتها ما إذا وقف على قرابته، أو على أقرب الناس إليه -مثلاً-، والآية تتعلق بإنذار العشيرة، فافترقا " (٢).
٢ - ما رواه أنس ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣) قال أبو طلحة: أرى ربنا يسألنا من أموالنا، فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت أرضي بيرحاء لله، فقال رسول الله ﷺ : " اجعلها في قرابتك "، فجعلها في حسان بن ثابت، وأبي بن كعب (٤).
стр. 798
ويجتمع أبو طلحة مع حسان في الأب الثالث، ومع أبيّ في الأب السادس (١).
٣ - صدق اسم القرابة على كل من عرف بقرابته، فيشمل الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والمحرم وغير المحرم (٢).
ودليل المالكية: أن المراد بالقرابة كل قريب من جهة الأب أو الأم: ما تقدم من دليل القول الأول.
ودليل من قال القرابة من ينسب إلى الأدنى: أن العرب لا تفهم من مطلق اسم القرابة إلا قرابة الأب؛ لأن العرب تفتخر بآبائها بخلاف قرابة الأم.
أدلة القول الثاني: (قرابته من جهة أبيه وأمه … ما خلا الأب والأم، وولد الصلب … )
١ - الدليل على أن المراد بالقرابة كل قريب من جهة الأب والأم: ما تقدم من دليل القول الأول.
٢ - واستدلوا لإخراج الأب والأم وولد الصلب: بأنهم لا يسمون أقارب عرفاً، بل القريب من ينتمي بواسطة (٣).
٣ - واستدلوا لإخراج الورثة إن كان الوقف على قرابته: بعرف الشرع؛ لأن الوارث لا يُوصى له، فيختص بالباقين، وكذلك الوقف (٤).
стр. 799
ونوقش هذا بأنه مردود شرعاً ولغةً:
الوجه الأول: أنه مردود شرعاً، فإن النبي ﷺ دعا ابنته فاطمة ﵂ لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (١).
الوجه الثاني: أن أصل الرجل وفروعه يدخلون في أقرب الأقارب، فكيف لا يكونون من الأقارب (٢)؟!.
الوجه الثالث: دخول الأب والأم والولد خصوصاً والورثة عموماً في اسم القرابة وصدقه عليهم، قال ابن منظور: "وأقارب الرجل عشيرته الأدنون" (٣).
أدلة القول الثالث: (كل من يناسبه إلى أقصى أب له في الإسلام)
١ - استدل القائلون بأن القرابة ما كان من قبل الأب وحده: بأن العرب لا تفهم من مطلق اسم القرابة إلا قرابة الأب؛ لأن العرب تفتخر بآبائها، بخلاف قرابة الأم، فإنهم لا يفتخرون بها، ولا يعدونها قرابة (٤).
ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:
الوجه الأول: أن عرف الناس في اسم القرابة ينطلق على ما كان من الجهتين (٥).
الوجه الثاني: صدق اسم القرابة على ما كان من قبل الأم، وتناوله لهم، فيدخلون في عمومه.
الوجه الثالث: أن النبي ﷺ فاخر بسعد بن أبي وقاص ﵁،
стр. 800
(٢٠٧) فقد روى الترمذي من طريق مجالد، عن عامر الشعبي، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أقبل سعد، فقال النبي ﷺ : "هذا خالي فليرني امرؤٌ خاله" (١).
قال الترمذي ﵀: " وكان سعد بن أبي وقاص من بني زهرة، وكانت أم النبي ﷺ من بني زهرة، فلذلك قال النبي ﷺ : هذا خالي " (٢).
٢ - واستدل القائلون بتناول القرابة لكل من يناسب الواقف إلى أقصى أب له في الإسلام: بأن الاسم يتناول كل قريب، إلا أنه لا يمكن العمل
стр. 801
بعمومه؛ لتعذر إدخال جميع أولاد آدم ﵇، فتعتبر النسبة إلى أقصى أب في الإسلام؛ لأنه لما ورد الإسلام صارت المعرفة بالإسلام، والشرف به، فصار الجد المسلم هو النسب، فلا يعتبر من كان قبله (١).
ونوقش هذا الدليل من وجهين:
الوجه الأول: أن تناول القرابة لكل من يناسب الواقف إلى أقصى أب في الإسلام كان يستقيم في زمان صاحبي أبي حنيفة ﵏؛ لأن أقصى أب كان قريباً، يصل إليه بثلاثة آباء أو أربعة آباء، فأما في زماننا فلا يستقيم؛ لأن عهد الإسلام قد بعد (٢).
قال الكاساني: " إن الوالد والولد لا يسميان قرابتين عرفاً وحقيقة؛ لأن الأب أصل والولد فرعه وجزؤه، والقريب من غيره لا من نفسه ".
الوجه الثاني: مخالفته الظاهرة للعرف، فإن الواقف لا يريد أن يشمل بوقفه قرابته الذين ينتسبون إلى أقصى أب في الإسلام، مع تعددهم وانتشارهم إلى حد يتعذر معه إدراكه لهم ومعرفته بهم، فضلاً عن الرغبة في برهم وصلتهم.
٣ - قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٣).
وجه الدلالة: قال الكاساني: " عطف الأقربين على الوالد، والعطف يقتضي المغايرة في الأصل " (٤).
стр. 802
وإذا أخرج الأب من أن يكون قريباً للابن خرج الابن من أن يكون قريباً للأب.
ونوقش: بأن إفراد الوالدين بالذكر لمزيد العناية بهما، والتأكيد على حقهما، لا لأنهما من غير القرابة.
ونوقش: بما نوقش به دليل الشافعية المتقدم (١).
٤ - واستدل لأبي حنيفة ﵀: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ (٣) قال السرخسي: " فلما كان مأموراً بصلة القرابة، وإنما تجب الصلة ممن كان ذا رحم منه، فانصرفت الوصية إليه دون غيره؛ لأن القرابة المطلقة هي قرابة ذي الرحم المحرم؛ لاختصاصها بأحكام مخصوصة، من عدم جواز المناكحة، والعتق عند الملك، وعدم الرجوع في الهبة ووجوب النفقة عند العشرة، فانصرفت الوصية إليه" (٤).
٥ - قال الكاساني: " القرابة المطلقة هي قرابة ذي الرحم المحرم، ولأن معنى الاسم يتكامل بها، وأما غيرها من الرحم غير المحرم فناقص، فكان الاسم للرحم المحرم لا لغيره؛ لأنه لو كان حقيقة لغيره فإما أن يعتبر الاسم مشتركاً أو عاماً، ولا سبيل إلى الاشتراك لأن المعنى متجانس، ولا إلى العموم لأن المعنى متفاوت، فتعين أن يكون الاسم حقيقة لما قلنا، ولغيره مجازاً " (٥).
стр. 803
ونوقش هذا الدليل من وجوه:
الوجه الأول: " أن القريب اسم مشتق من معنى، وهو: القرب، وقد وجد القرب، فيتناول الرحم المحرم وغيره " (١).
الوجه الثاني: فعل النبي ﷺ لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (٢)، فإنه جمع قريشاً، فعمّ وخصّ، وأنذرهم، وفيهم ذو الرحم المحرم وغيره.
(٢٠٨) وروى البخاري لما نزل قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٣) أعطى أولاده، وأولاد عبد المطلب، وأولاد هاشم، ذكرهم وأنثاهم، فشمل بعطائه ذا الرحم المحرم وغيره (٤).
الوجه الثالث: " أن اسم القرابة يقع على غيرهم عرفاً وشرعاً، وقد تحرم على الرجل ربيبته، وأمهات نسائه، وحلائل آبائه وأبنائه، ولا قرابة لهم، وتحل له ابنة عمه وعمته، وابنة خاله وخالته، وهن من أقاربه " (٥).
أدلة القول الرابع: (أولاده، وأولاد أبيه، وجده، وجد أبيه)
١ - استدل القائلون بأن المراد بالقرابة: أولاد الواقف وأبوه وجده وجد أبيه وأولادهم: بأن الله تعالى لما قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٦).
قال في الشرح الكبير: " يعني قربى النبي ﷺ ، أعطى النبي ﷺ أولاده،
стр. 804
وأولاد عبد المطلب، وأولاد هاشم، ذكرهم وأنثاهم، ولم يعط من هو أبعد منهم كبني عبد شمس وبني نوفل شيئاً، ولم يعط قرابة أمه وهو بنو زهرة شيئاً ...... ، ولم يعط منهم إلا مسلماً، فحمل مطلق كلام الواقف على ما حمل عليه المطلق من كلام الله تعالى، وفُسِّر بما فسر به " (١).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن إعطاء النبي ﷺ بعض قرابته سهم ذوي القربى لا يلزم منه حصر لفظ ذوي القربى فيهم، بل هو أوسع كما في أدلة الرأي الأول.
٢ - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٢) فلم يدخل فيه الكفار إذا كان الميت مسلماً، وإذا لم يدخلوا في لفظ القرآن مع عمومه لم يدخلوا في لفظ الواقف.
٣ - أن الظاهر من حال الواقف أنه لا يريد الكفار؛ لما بينه وبينهم من عداوة الدين، وعدم الوُصْلة المانعة من الميراث ووجوب النفقة، ولذلك خرجوا من عموم اللفظ في الأولاد والإخوة والأزواج، وسائر الألفاظ العامة في الميراث، فكذا هنا (٣).
٤ - أنه يسوي بين قريبهم وبعيدهم وذكرهم وإناثهم؛ لأن اللفظ يشملهم.
٥ - ودليل اختصاص الوقف بمن يصله من أقاربه: بأن صلته إياهم في حال حياته قرينة دالة على إرادتهم بصلته هذه، فوجب حمل عموم لفظه على خصوص فعله (٤).
стр. 805
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- أن المراد بالقرابة كل من عرف بقرابته من جهة أبيه وأمه من المسلمين؛ لقوة دليله، ومناقشة دليل القول المخالف.
قال مالك: " يقسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد " (١).
المطلب الثاني: إذا قال: هذا وقف على أقرب قرابتي
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الأقرب، أو أحق الأقارب.
في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن المراد به أقرب عصبة الواقف.
وإليه ذهب المالكية، والحنابلة في رواية (٢).
وحجته: أن العصبة هم المقدمون في ولاية المال، فكذا استحقاقه.
القول الثاني: أن المقصود بالقرابة قرابة الرحم، فيقدم ابن البنت على ابن العم.
وهذا أصح الوجهين عند الشافعية (٣).
وحجته: قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٤).
стр. 806
ولأن المقصود صلة الرحم (١).
ونوقش: أن العصبة مقدمون على ذوي الأرحام، وصرف الوقف لهم من صلة الرحم.
القول الثالث: أن المقصود بالقرابة من يستحق الإرث.
وهذا هو الوجه الآخر عند الشافعية، ورواية عن أحمد هي المذهب (٢).
لكن الحنابلة قالوا: يصرف لورثة الواقف نسباً، فقيدوه بالنسب، وبذلك يخرج من عداهم كالزوج، والزوجة والمعتق والمعتقة.
وحجته: أن الورثة هم المقدمون في استحقاق المال بالميراث، فكذا الوقف.
والأقرب: هو القول الأول؛ لقوة دليله.
المسألة الثانية: اختصاص فقراء الأقارب.
في ذلك قولان:
القول الأول: يختص به الفقراء.
وإليه ذهب المالكية، وهو أظهر قولين عند الشافعية، ووجه عند الحنابلة (٣).
وحجته: أن الوقف مصرفه عادة الفقراء.
القول الثاني: أنهم يشتركون.
وهو القول الآخر عند الشافعية، والوجه الآخر عند الحنابلة (٤).
стр. 807
وحجته: عموم لفظه.
والأقرب: الرجوع إلى العرف والقرائن، فإن لم يكن فالقول الأول أقرب؛ إذ الوقف صدقة، والصدقة مصرفها الفقراء.
стр. 808
المبحث الحادي عشر: إذا قال: هذا وقف على قومي، أو رحمي
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: إذا قال: هذا وقف على قومي
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: تعريف القوم لغة.
القَوْمُ: الجماعة من الرجال والنساء جميعاً، وقيل: هو للرجال خاصة دون النساء، ويُقوِّي ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (١) أَي رجال من رجال ولا نساء من نِساء، فلو كانت النساء من القوم لم يقل ولا نساء من نساء، وكذلك قول زهير:
وما أَدرِي وسوفَ إخالُ أَدري … أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِساء؟ (٢)
стр. 809
وقَوْمُ كل رجل شِيعته وعشيرته، وروي عن أَبي العباس النَّفَرُ والقَوْم والرَّهط هؤُلاء معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء.
قال ابن الأَثير: " القوم في الأصل مصدر قام ثم غلب على الرجال دون النساء، ولذلك قابلن به وسموا بذلك؛ لأَنهم قوّامون على النساء بالأُمور التي ليس للنساء أَن يقمن بها " (١).
قال الجوهري (٢): " القوم الرجال دون النساء لا واحد له من لفظه، قال: وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع؛ لأَن قوم كل نبي رجال ونساء والقوم يذكر ويؤَنث؛ لأَن أَسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين تذكر وتؤنث مثل رهط ونفر وقوم، قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ (٣) فذكَّر، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (٤) فأَنَّث، قال: فإن صَغَّرْتَ لم تدخل فيها الهاء، وقلت: قُوَيْم ورُهَيْط ونُفَير وإنما يلحَقُ التأْنيثُ فعله ويدخل الهاء فيما يكون لغير الآدميين مثل الإبل والغنم؛ لأَن التأنيث لازم له، وأَما جمع التكسير مثل جمال ومساجد، وإن ذكر وأُنث فإنما تريد الجمع إذا ذكرت وتريد الجماعة إذا أَنثت "، وقال ابن سيده: " وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ (٥) إِنما أَنث على معنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال المرسلين: وإن كانوا كذبوا نوحاً وحده؛ لأَن من كذب رسولاً واحداً من رسل الله فقد كذب الجماعة وخالفها (٦) " (٧).
стр. 810
المسألة الثانية: مصرف هذا الوقف.
اختلف العلماء في مصرف هذا القوم على أقوال:
القول الأول: أنه كقوله وقف على قرابتي كما تقدم.
وهذا هو المذهب عند الحنابلة (١).
وحجته: أن قوم الرجل هم قبيلته.
القول الثاني: قال أبو بكر من الحنابلة: إنهم بمثابة أهل بيته.
وحجته: أن أهل بيته أقاربه، وأقاربه هم قومه.
القول الثالث: أنه يشمل عصبته المتعصبين بأنفسهم من الرجال، وامرأة لو كانت رجلاً كانت عاصباً، ولو كانت عاصبة بالغير أو مع الغير.
وهو مذهب المالكية (٢).
وحجته: أن قومه هم عصبته.
ونوقش: أنه استدلال في محل النزاع.
والأقرب: الرجوع إلى العرف أو القرائن إن كان، فإن لم يكن توجه ما ذكره الحنابلة أن المراد بقومه هم قرابته، والله أعلم.