← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ولأن المقصود صلة الرحم (١). ونوقش: أن العصبة مقدمون على ذوي الأرحام، وصرف الوقف لهم من صلة الرحم. القول الثالث: أن المقصود بالقرابة من يستحق الإرث. وهذا هو الوجه الآخر عند الشافعية، ورواية عن أحمد هي المذهب (٢). لكن الحنابلة قالوا: يصرف لورثة الواقف نسباً، فقيدوه بالنسب، وبذلك يخرج من عداهم كالزوج، والزوجة والمعتق والمعتقة. وحجته: أن الورثة هم المقدمون في استحقاق المال بالميراث، فكذا الوقف. والأقرب: هو القول الأول؛ لقوة دليله. المسألة الثانية: اختصاص فقراء الأقارب. في ذلك قولان: القول الأول: يختص به الفقراء. وإليه ذهب المالكية، وهو أظهر قولين عند الشافعية، ووجه عند الحنابلة (٣). وحجته: أن الوقف مصرفه عادة الفقراء. القول الثاني: أنهم يشتركون. وهو القول الآخر عند الشافعية، والوجه الآخر عند الحنابلة (٤).

стр. 807

وحجته: عموم لفظه. والأقرب: الرجوع إلى العرف والقرائن، فإن لم يكن فالقول الأول أقرب؛ إذ الوقف صدقة، والصدقة مصرفها الفقراء.

стр. 808

المبحث الحادي عشر: إذا قال: هذا وقف على قومي، أو رحمي وفيه مطلبان: المطلب الأول: إذا قال: هذا وقف على قومي وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تعريف القوم لغة. القَوْمُ: الجماعة من الرجال والنساء جميعاً، وقيل: هو للرجال خاصة دون النساء، ويُقوِّي ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (١) أَي رجال من رجال ولا نساء من نِساء، فلو كانت النساء من القوم لم يقل ولا نساء من نساء، وكذلك قول زهير: وما أَدرِي وسوفَ إخالُ أَدري … أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِساء؟ (٢)

стр. 809

وقَوْمُ كل رجل شِيعته وعشيرته، وروي عن أَبي العباس النَّفَرُ والقَوْم والرَّهط هؤُلاء معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء. قال ابن الأَثير: " القوم في الأصل مصدر قام ثم غلب على الرجال دون النساء، ولذلك قابلن به وسموا بذلك؛ لأَنهم قوّامون على النساء بالأُمور التي ليس للنساء أَن يقمن بها " (١). قال الجوهري (٢): " القوم الرجال دون النساء لا واحد له من لفظه، قال: وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع؛ لأَن قوم كل نبي رجال ونساء والقوم يذكر ويؤَنث؛ لأَن أَسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت للآدميين تذكر وتؤنث مثل رهط ونفر وقوم، قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ (٣) فذكَّر، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ (٤) فأَنَّث، قال: فإن صَغَّرْتَ لم تدخل فيها الهاء، وقلت: قُوَيْم ورُهَيْط ونُفَير وإنما يلحَقُ التأْنيثُ فعله ويدخل الهاء فيما يكون لغير الآدميين مثل الإبل والغنم؛ لأَن التأنيث لازم له، وأَما جمع التكسير مثل جمال ومساجد، وإن ذكر وأُنث فإنما تريد الجمع إذا ذكرت وتريد الجماعة إذا أَنثت "، وقال ابن سيده: " وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ (٥) إِنما أَنث على معنى كذبت جماعة قوم نوح، وقال المرسلين: وإن كانوا كذبوا نوحاً وحده؛ لأَن من كذب رسولاً واحداً من رسل الله فقد كذب الجماعة وخالفها (٦) " (٧).

стр. 810

المسألة الثانية: مصرف هذا الوقف. اختلف العلماء في مصرف هذا القوم على أقوال: القول الأول: أنه كقوله وقف على قرابتي كما تقدم. وهذا هو المذهب عند الحنابلة (١). وحجته: أن قوم الرجل هم قبيلته. القول الثاني: قال أبو بكر من الحنابلة: إنهم بمثابة أهل بيته. وحجته: أن أهل بيته أقاربه، وأقاربه هم قومه. القول الثالث: أنه يشمل عصبته المتعصبين بأنفسهم من الرجال، وامرأة لو كانت رجلاً كانت عاصباً، ولو كانت عاصبة بالغير أو مع الغير. وهو مذهب المالكية (٢). وحجته: أن قومه هم عصبته. ونوقش: أنه استدلال في محل النزاع. والأقرب: الرجوع إلى العرف أو القرائن إن كان، فإن لم يكن توجه ما ذكره الحنابلة أن المراد بقومه هم قرابته، والله أعلم.

стр. 811

المطلب الثاني: إذا قال: هذا وقف على رحمي وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تعريف الرحم في اللغة. جاء في المصباح المنير: " والرَّحِمُ موضع تكوين الولد، ويُخَفَّف بسكون الحاء مع فتح الراء، ومع كسرها أيضا في لغة بني كلاب، وفي لغة لهم تُكْسَر الحاء اتباعًا لكسرة الراء، ثم سُمِّيَت القرابة والوصلة من جِهة الولاء رَحِمًا، فالرَّحِم خلاف الأجنبي، والرَّحِم أنثى في المعنيين، وقيل: مُذَكَّر وهو الأكثر في القرابة " (١). وجاء في لسان العرب: " قال الجوهري: الرَّحِمُ: القرابة، والرِّحْمُ بالكسر مثلُه، قال الأَعشى: إِمَّا لِطالِبِ نِعْمة يَمَّمْتَها … ووِصالَ رِحْمٍ قد بَرَدْتَ بِلالَها قال ابن بري: ومثله لقَيْل بن عمرو بن الهُجَيْم: وذي نَسَب ناءٍ بعيد وَصَلتُه … وذي رَحِمٍ بَلَّلتُها بِبِلاها. قال: وبهذا البيت سمي بُلَيْلاً، وأَنشد ابن سيده: خُذُوا حِذرَكُم يا آلَ عِكرِمَ واذكروا … أَواصِرَنا والرِّحْمُ بالغَيْب تُذكَرُ

стр. 812

وذهب سيبويه إِلى أَن هذا مطرد في كلِّ ما كان ثانيه من حروف الحَلْقِ بَكْرِيَّةٌ، والجمع منهما أَرْحامٌ " (١). المسألة الثانية: مصرف الوقف إذا قال على رحمي. اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- فيما إذا قال على رحمي على قولين: القول الأول: أنه يصرف إلى قرابته من جهة أبيه وجهة أمه. وهذا قول الجمهور: المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). ونقل صالح عن الإمام أحمد: أنه يختص بمن يصله من أهل أبيه وأمه. القول الثاني: أنه يصرف إلى قرابته لأبويه وولده. وبه قال بعض الحنابلة (٥). والأقرب في هذه المسألة أن يقال: إن الرحم في اللغة القرابة، وعلى هذا يصرف إلى قرابته، وتقدم في المبحث العاشر من هذا الفصل بيان كلام العلماء ﵏ في مصرف الوقف إذا كان على القرابة، وأدلتهم.

стр. 813

المبحث الثاني عشر: مصرف الوقف إذا كان على بعض الورثة وفيه مطلبان: المطلب الأول: أن يكون الوقف في حال الصحة وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن يقف على بعض أولاده دون بعض. تحرير محل النزاع: أولاً: يشرع للأب أن يقف على أولاده؛ لما في ذلك من البر والإحسان، وصلة الرحم، ونحو ذلك. ثانياً: اتفق الفقهاء -رحمهم الله تعالى- على استحباب التسوية بين الأولاد في الوقف في حال الصحة (١)، وأن التفضيل أو التخصيص لبعضهم على بعض خلاف السنة. ثالثاً: اتفقوا على أن للأب أن يحابي بعض أولاده في الوقف حال

стр. 814

صحته برضا بقية الأخوة (١)؛ وذلك لأن المنع من التفضيل إنما هو من أجل المفضولين، فإذا أذنوا زال المحذور (٢). رابعاً: اختلفوا في وقف الأب لبعض أولاده في الوقف حال صحته من غير رضا البقية، بأن فضّل بعضهم على بعض فيها، أو أعطى البعض وحَرَم البعض الآخر، وفي ذلك أمران: الأمر الأول: حكم ذلك من حيث الحرمة والجواز. اختلف العلماء ﵏ في ذلك على أقوال: القول الأول: وجوب العدل بين الأولاد، وحرمة التخصيص، أو التفضيل. وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد أخذ بها بعض أصحابه (٣). وعند بعض المالكية، وبعض الشافعية: إذا وقف على بنيه دون بناته يبطل الوقف ويعود ملكاً للواقف. وعند بعض المالكية: إذا وقف على بنيه دون بناته يكون وقفاً على البنين والبنات. القول الثاني: جواز التفضيل، أو التخصيص بين الأولاد مع الكراهة،

стр. 815

إلا إذا كان التفضيل لسبب يقتضيه كزيادة في الدين، أو اشتغال بالعلم، أو حاجة. وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). وعند المالكية: يصح الوقف على البنات دون البنين، أو على بعض البنين دون بعض البنات، فإن كان الوقف على البنين دون البنات، فباطل ما لم يحكم حاكم بصحته، أو يحصل حوز قبل المانع فلهم قولان. القول الثالث: جواز التفضيل إذا لم يقصد المضارة. وهو قول أبي يوسف من الحنفية (٢). الأدلة: أدلة الرأي الأول: (عدم جواز التفضيل، أو التخصيص) (٢٠٩) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير ﵁ وهو على المنبر يقول: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ ، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله قال: " أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟ قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، قال: فرجع أبي فرد عطيته " (٣).

стр. 816

(٢١٠) وروى البخاري ومسلم من طريق الشعبي، عن النعمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: " فأرجعه " (١). وفي رواية لمسلم قال: " فاردده " (٢). (٢١١) وروى مسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن النعمان، عن النعمان بن بشير ﵄ قال: " أتى بي أبي رسول الله ﷺ ، فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً، فقال: "أكل بنيك نحلت؟ قال: لا، قال: "فاردده" (٣). وروى مسلم من طريق الشعبي، حدثني النعمان بن بشير، وفيه قوله ﷺ : " فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جور" (٤). (٢١٢) وروى مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر ﵄، وفي قوله ﷺ : " فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق " (٥). (٢١٣) وروى مسلم من طريق الشعبي، عن النعمان بن بشير، وفيه قوله ﷺ : "أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ " قال: بلى، قال: " فلا إذاً" (٦). وجه الدلالة من وجهين: الوجه الأول: قال ابن قدامة: "وهو دليل على التحريم؛ لأنه ﷺ سماه

стр. 817

جوراً، وأمر برده، وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب " (١)، والوقف ملحق بالهبة. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ أمره بتقوى الله المؤذن بأن ما فعله ليس من تقوى الله . الوجه الثالث: أن الحديث دل على أن التعديل طريق للبر، فيفهم منه أن التفضيل طريق للقطع والعقوق، فيكون محرماً (٢)، كما حرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها للمعنى نفسه (٣). وقال ابن حزم: " فكانت هذه الآثار متواترة متظاهرة الشعبي، وعروة، ومحمد بن النعمان، وحميد كلهم سمعه من النعمان، ورواه عن هؤلاء -الحفلاء من الأئمة- كلهم متفق على أمر رسول الله ﷺ بفسخ تلك الصدقة والعطية وردها، وبين بعضهم أنها ردت -وأنه ﵊ أخبر أنها جور، والجور لا يحل إمضاؤه في دين الله تعالى، ولو جاز ذلك لجاز إمضاء كل جور وكل ظلم، وهذا هدم الإسلام جهاراً " (٤). ونوقش هذا الاستدلال من أوجه: الوجه الأول: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال ولده، ولذلك منعه، فليس فيه حجة على منع التفضيل. ونوقش: بأن كثيراً من طرق حديث النعمان صرح بالبعضية (٥)، ففي بعضها: "بعض ماله"، وفي بعضها: "بعض الموهبة من ماله" (٦)، وفي

стр. 818

بعضها: "أن الموهوب كان غلاماً، وأنه وهبه لما سألته الأم الهبة من بعض ماله" (١)، وهذا يعلم منه على القطع أنه كان له مال غيره (٢). الوجه الثاني: اضطرب متن الحديث اضطراباً شديداً، فلا حجة فيه على الوجوب "ففي حديث جابر أن بشيراً شاور النبي ﷺ قبل الهبة فدله على الأولى به" (٣)، وروى الطحاوي (٤) نحوه عن النعمان، وهو خلاف جميع ما روي عن النعمان أنه نحله قبل أن يجيء به إلى النبي ﷺ (٥). كما اختلفت الروايات في هذه الهبة فجاء في أكثرها أنها غلام (٦)، وروي أنها حديقة. واختلف في وقتها، ففي رواية: "أنه وهب حين نفست امرأته بالنعمان" (٧)، وفي رواية: "أنه التوى بها سنة" (٨)، وفي رواية: "بعد حولين"، وفي رواية: " فأخذ بيدي وأنا غلام " (٩)، وفي أخرى: " انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ " (١٠). وأجيب: بأن هذه الروايات وإن اختلفت ألفاظها لكنها متحدة المعنى، فجابر ﵄ لم ينف الهبة، وإنما اختصر الرواية.

стр. 819

وأما أنه جاء في رواية أنه "التوى بها سنة"، وفي أخرى "بعد حولين"، فيجمع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئاً، فجبر الكسر تارة وألغاه أخرى. ويجمع بين قوله: "فأخذ بيدي وأنا غلام"، وقوله: "انطلق بي أبي يحملني" بأنه أخذ بيده فمشى معه بعض الطريق وحمله في بعضها لصغر سنه، أو عبّر عن استتباعه إياه بالحمل. وجمع بعضهم بين كون العطية غلاماً وبين كونها حديقة بالحمل على واقعتين: إحداهما: عند ولادة النعمان، وكانت العطية حديقة، والأخرى: بعد أن كبر، وكانت العطية غلاماً. إلا أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد ﵁ مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي ﷺ فيستشهد على العطية الثانية. وجمع بينهما ابن حجر ﵀-بأن عمرة لما امتنعت من تربية النعمان ﵁ إلا أن يهب له شيئاً يخصه به وهبه الحديقة المذكورة تطييباً لخاطرها، فارتجعها، ولم يقبضها منه أحد غيره، فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنة أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاماً أو رضيت عمرة بذلك إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضا، فقالت له: "أشهد على ذلك رسول الله ﷺ " تريد تثبيت العطية، وأن تأمن من رجوعه فيها (١)، ويكون مجيئه إلى النبي ﷺ للإشهاد مرة واحدة، وهي الأخيرة. وغاية ما فيه أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة، وبعضها أخرى، فسمع كل ما رواه فاقتصر عليه. الوجه الثالث: أن العطية المذكورة لم تنجز، وإنما جاء بشير يستشير النبي ﷺ ،

стр. 820

(٢١٤) فقد روى النسائي: أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد قال: حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري أن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن حدثاه عن بشير بن سعد ﵁، وفيه: "إني نحلت ابني هذا غلاماً فإن رأيت أن تنفذه أنفذته " (١). ونوقش هذا الاستدلال بأمرين: الأمر الأول: بأن أكثر طرق الحديث ينابذ ما في هذه الرواية (٢)، ثم إن في أول الحديث: "نحلني أبي غلاماً" (٣)، وفي وسطه: "إني نحلت ابني هذا غلاما" (٤) .... فكيف يقال: لم يتم النحل، وأما قوله: "فإن أذنت لي … " فلعله نمى إلى علمه أن رسول الله ﷺ لا يجيز هذا النوع من العطايا، وما لا يجيزه رسول الله ﷺ غير معتبر، فلذلك جاء مستفسراً. الأمر الثاني: قول بشير: "فإن أذنت لي أن أجيزه أجزته" قول صحيح، وقول مؤمن لا يعمل إلا ما أباحه له رسول الله ﷺ على ظاهره بلا تأويل، نعم إن أجازه النبي ﷺ أجازه بشير، وإن لم يجزه ﵊ رده بشير ولم يجزه كما فعل (٥). الوجه الرابع: أن النعمان كان كبيراً، ولم يكن قبض النحل فجاز لأبيه الرجوع (٦).

стр. 821

وأجيب: بأن هذا خلاف أكثر طرق الحديث خصوصاً قوله: "أرجعه" (١)، فإنه يدل على تقدم وقوع القبض (٢). ثم إن صغر النعمان أشهر من الشمس؛ لأنه ولد بعد الهجرة بلا خلاف بين أحد من أهل العلم (٣). وفي حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: "وأنا يومئذ غلام" (٤) ولا تطلق هذه اللفظة على رجل بالغ أصلاً (٥). الوجه الخامس: أن قوله: "أرجعه" دليل على الصحة، ولو لم تصح الهبة لم يصح الرجوع، وإنما أمره بالرجوع؛ لأن للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده، وإن كان الأفضل خلاف ذلك، ولكن استحباب التسوية رجح على ذلك فلذلك أمره به (٦). وأجيب: بأن معنى "أرجعه" أي لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة (٧). وهذا هو الموافق لقوله ﷺ : "فليس يصلح هذا"، وقوله: "فرده" فإن الرد ظاهر في الفسخ، كما في قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٨) أي مردود مفسوخ (٩).

стр. 822

الوجه السادس: أن قوله: "أشهد على هذا غيري" إذا بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد؛ لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم (١). وأجيب: بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمل الشهادة، ولا من أدائها إذا تعينت عليه، وقد صرح المحتج بهذا أن الإمام إذا شهد عند بعض نوابه جاز (٢). وأما قوله: " أشهد " فليست صيغة إذا، فليس كذلك بل هو للتوبيخ؛ لما يدل عليه بقية ألفاظ الحديث، حيث أمر برد تلك الصدقة، وأخبر أنها جور فالمراد به: التوبيخ والوعيد (٣)، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ (٤) ليس على إباحة الشهادة على الجور والباطل، لكن كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٥)، وقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٦) ثم على فرض أن قوله: " أشهد على هذا غيري " صيغة أمر، فالمراد به نفي الجواز (٧) كقوله ﷺ : (٢١٥) فيما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: " خذيها فأعتقيها واشترطي لهما الولاء، فإن الولاء لمن أعتق " (٨).

стр. 823

وبدليل قوله ﷺ : " أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ " قال: بلى، قال: " فلا إذاً " وهذا نهي صحيح، وكما تدل عليه بقية الروايات. "وكيف يجوز أن يأمر ﷺ بتأكيده مع أمره برده، وتسميته جوراً؟ وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي ﷺ على التناقض والتضاد، ولو أمر النبي ﷺ بإشهاد غيره لامتثل بشير أمره ولم يرده، وإنما هذا تهديد له على هذا، فيفيد ما أفاد النهي عن إتمامه " (١). الوجه السابع: (٢١٦) ما رواه النسائي: أخبرنا عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن فطر قال: حدثني مسلم بن صبيح قال: سمعت النعمان، وفيه قوله ﷺ : " ألا سويت بينهم " (٢)، فدل على أن المراد بالأمر الاستحباب، وبالنهي التنزيه (٣). وأجيب: بأن هذا جيد، لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة، ولا سيما أن تلك الرواية بعينها، وردت بصيغة الأمر أيضا (٤) حيث قال: " سو بينهم " (٥). الوجه الثامن: ما جاء في رواية مسلم، قال ابن عون: فحدثت به محمداً -ابن سيرين- فقال: " إنما تحدثنا أنه قال: قاربوا بين أولادكم " (٦).

стр. 824

وأجيب عن ذلك بثلاثة أمور: الأول: أنه منقطع (١). الثاني: أنه لو صح، فإن المقاربة: الاجتهاد في التعديل، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ (٢) فصح أن المجتهد في التعديل بين أولاده إن لم يصادف حقيقة التعديل كان مقارباً إذا لم يقدر على أكثر من ذلك. الثالث: أن المخالفين لا يوجبون المقاربة كما لا يوجبون التسوية (٣). الوجه التاسع: التشبيه الواقع في التسوية بينهم، بالتسوية منهم في بر الوالدين قرينة تدل على أن الأمر للندب (٤). وأجيب: بأن هذا خلاف إطلاق الجور على عدم التسوية، وخلاف المفهوم من قوله: "لا أشهد إلا على حق" (٥)، وقد قال في آخر الرواية التي وقع فيها التشبيه قال: "فلا إذا" (٦). الوجه العاشر: أن معنى "لا أشهد على جور" أي لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض (٧).

стр. 825

وأجيب: بأن هذا فيه بعد، ويرده قوله في الرواية الثانية: " لا أشهد إلا على حق " (١). الوجه الحادي عشر: أنه جاء في رواية جابر أن بشير بن سعد ﵁ أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن بنت فلان سألتني أن أنحل ابني غلاماً، وقالت: أشهد رسول الله ﷺ فقال: " أله إخوة؟ قال: نعم، قال: أو كلهم أعطيته؟ قال: لا، قال فإن هذا لا يصلح، فإني لا أشهد إلا على حق " (٢). ففي حديث جابر أن بشيراً ذكر ذلك لرسول الله ﷺ قبل أن يهب، فأمره النبي ﷺ بالأولى، وحديث جابر أولى؛ لأنه كان كبيراً وكان النعمان صغيراً، والكبير أحفظ وأضبط (٣). وأجيب بما يلي: أولاً: أنه لا يسلم أن الحديث يدل على ما ذكروه، بل يدل على أنه لم يأت لرسول الله ﷺ إلا بعد أن أعطى ابنه؛ يدل لذلك أن الرسول ﷺ قال له: "أفكلهم أعطيته؟ " مما يدل على أن الأمر قد وقع، ولو كان لم يعطه لقال: "أفكلهم ستعطيه"؛ لأن الأمر ما زال أنفاً. ثانياً: وأما كون النعمان كان صغيراً وجابر أسن منه، فيرده أن النعمان هو صاحب القصة، وصاحب القصة أعلم بما روى. الوجه الثاني عشر: عمل الصحابة: ومنهم أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر ﵃ بعد النبي ﷺ على عدم التسوية قرينة ظاهرة تدل على أن الأمر للندب (٤).

стр. 826

ونوقش: بعدم التسليم بأن ترك العدل من عملهم، وقد بينا حين المناقشة لكل أثر عدم صحة ذلك. ما ورد عن الصحابة: (٢١٧) ٢ - ما رواه عبد الرزاق من طريق ابن سيرين أن سعد بن عبادة ﵁ قسم ماله بين بنيه في حياته فولد له ولد بعد ما مات، فلقي عمر أبا بكر، فقال: " ما نمت الليلة من أجل ابن سعد هذا المولود لم يترك له شيئًا؟ فقال أبو بكر: وأنا والله ما نمت الليلة -أو كما قال- من أجله، فانطلق بنا إلى قيس بن سعد نكلمه في أخيه، فأتياه فكلماه، فقال قيس: أما شيء أمضاه سعد فلا أرده أبداً، ولكن أشهدكما أن نصيبي له " (١). قال ابن حزم: " قد زاد قيس على حقه، وإقرار أبي بكر لتلك القسمة دليل على صحة اعتدالها " (٢). ونوقش من وجوه: الوجه الأول: منقطع؛ فابن سيرين لم يدرك سعد بن عبادة، ولا أبا بكر ولا عمر، ولم يثبت سماعه من قيس، وإن كان قد أدرك زمانه. الوجه الثاني: أنه لو صح فأين منه وجوب اشتراك المولود بعد الهبة، وغاية ما فيه أن أبا بكر وعمر كلما قيساً في أخيه، وليس ذلك إلا مجرد شفاعة له. الوجه الثالث: قوله: "ولكن أشهد كما أن نصيبي له" فهبة مستأنفة من

стр. 827

قيس تبرعاً لا دليل على وجوبه عليه، وليس هذا من الاشتراك في ما تركه أبوه كما لا يخفى (١). ٣ - ما ورد أن أبا بكر الصديق قال لعائشة أم المؤمنين: " يا بنية، إني نحلتك نخلاً من خيبر، وإني أخاف أن أكون آثرتك على ولدي، وإنك لم تكوني احتزتيه فرديه على ولدي، فقالت: يا أبتاه لو كانت لي خيبر بجدادها ذهباً لرددتها " (٢). ونوقش: بأن هذا احتجاج ساقط "؛ لأن في الأثر قوله: "وإنك لم تكوني احتزتيه" وهو يدل أنها لو حازته لكان ما فعله نافذاً، وإنما أبطله أبو بكر بنص قوله: إنها لم تحزه (٣). (٢١٨) ٤ - ما رواه ابن حزم من طريق محمد بن أحمد بن الجهم، أنا إبراهيم الحربي، أنا مؤمل بن هشام، نا إسماعيل بن إبراهيم -ابن عليَّة-، عن بهز بن حكيم، عن أبيه حكيم، عن أبيه، معاوية بن حيدة " أنَّ أباه حيدة كان له بنون لعلات أصاغر ولده وكان له مال كثير فجعله لبني علة واحدة، فخرج ابنه معاوية حتى قدم على عثمان بن عفان فأخبره بذلك، فخير عثمان الشيخ بين أن يرد إليه ماله، وبين أن يوزعه بينهم؟ فارتد ماله، فلما مات تركه الأكابر لإخوتهم " (٤).

стр. 828

ونوقش: بأنَّه إنما يتم الاحتجاج بأثر عثمان، لو ثبت أن الذين جعل لهم حيدة ماله من بنيه كانوا صغاراً غير محتملين، أو كباراً قد سلم إليهم ما وهبه لهم، ولا يدل على ذلك قوله -" فارتد ماله " لكونه محتملاً لرد الهبة دون العين، ومن ادعى غير ذلك فعليه البيان-، ويحتمل أنَّ هذه الهبة كانت منه في مرض قد خاف منه عثمان على نفسه؛ لأنه كان من المعمرين، فأمره برد الهبة لكونها كالوصية للوارث، فلما برأ من مرضه ذلك تمت هبته الأولى، ولذلك تركه الأكابر لإخوتهم بعد موته، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال (١). ٥ - أن العقوق محرم وتفضيل الوالد بعض أولاده يورث الوحشة والعقوق فيكون محرماً، وإلى هذا أشار النبي ﷺ في قوله لبشير ﵁: " أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ " قال: بلى، قال: " فلا إذاً " (٢). ٦ - ولأنَّ تفضيلَ بعضهم يورث العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم، فمنع منه كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها (٣). ونوقش من أمرين: الأمر الأول: بأن هذا إذا قصد الإضرار لهم، وإلا فلا، وأيضا فأوجبوا التسوية بين سائر الأقارب من الإخوة والأخوات وأولاد البنين والبنات، ولم يقل أحد بذلك مع أن التفضيل يوقع الوحشة والعداوة كما في الأولاد.

стр. 829

الأمر الثاني: لو كانت العلة هذه فقولوا بجواز التفضيل بينهم سراً حتى لا يطلع عليه غير الموهوب له، وأما تزويج المرأة على عمتها أو خالتها فإن المنافسة بين الضرائر لا بد منها عادة، وأمر النكاح مبني على الإشهار والإعلام (١). وأجيب: أما الأمر الأول: فلا يسلم بحصول الوحشة بين سائر الأقارب ولو حصل فليس في منزلة الوحشة بين الأولاد. أما الأمر الثاني: فليس كل العلة حصول القطيعة بين الأولاد، بل من العلة ما أشار إليه النبي ﷺ من تحقيق العدل بين الأولاد الذي تكون ثمرته برهم جميعاً لوالدهم. أدلة القول الثاني: (جواز التفضيل، أو التخصيص) ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (٢). ووقفه لبعض ولده من إيتاء ذي القربى (٣). ونوقش: بأنا لا نمنع من إيتاء ذي القربى، وإنما نمنع من إيتائهم على غير الوجه المشروع، وما يؤدي إلى وقوع العداوة والبغضاء بين ذوي القربي. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ (٤). وجه الدلالة: دلت الآية على أن الزوجة إذا طابت نفساً بشيء من مهرها للزوج جاز له، وكذا الأب مع أولاده. ونوقش: بما نوقش به الدليل الأول.

стр. 830

٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله أثنى على إعطاء المال للأجنبيين وذوي القربى، ولا أقرب من الولد (٢). (٢١٩) ٤ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " لا يحلبن أحد شاة إلا بإذنه " (٣). والأب قد أذن في هبة بعض أولاده دون بعض. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن إذن المكلف مقيد بإذن الشارع. الوجه الثاني: بأن هذا صحيح، ولكن الذي قال هذا هو الذي حكم بإيجاب الزكاة، وفسخ أجر البغي، وحلوان الكاهن، وبيع الخمر، وبيع الربا، وهو الذي فسخ الصدقة، والعطية المفضل فيها بعض الولد على بعض (٤). ٥ - حديث النعمان ﵁، وفيه قوله ﷺ : "فأشهد على هذا غيري" (٥) فأمره بتأكيدها دون الرجوع فيها (٦)، ولو لم يكن جائزاً لكانت الشهادة عليها

стр. 831

باطلة من الناس كلهم (١). ونوقش: بأن هذا ليس بأمر؛ لأن أدنى أحوال الأمر الاستحباب والندب ولا خلاف في كراهة هذا، وكيف يجوز أن يأمره بتأكيده مع أمره برده، وتسميته إياه جوراً، وحمل الحديث على هذا حمل لحديث النبي ﷺ على التناقض والتضاد، ولو أمر النبي ﷺ بإشهاد غيره لامتثل بشير أمره ولم يرد، وإنما هذا تهديد له على هذا، فيفيد ما أفاده النهي عن إتمامه (٢). ٦ - ومثله قوله ﷺ في حديث النعمان: "فأرجعه" (٣)، فلولا نفوذ الهبة لما أمره بالاسترجاع (٤). ونوقش: بأن معنى "أرجعه" أي لا تمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة (٥) يدل عليه الرواية الصحيحة أيضا " فاردده " (٦) والرد ظاهر في الفسخ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فهو رد " (٧) أي مردود مفسوخ (٨). ٧ - ما رواه مسلم من طريق الشعبي، عن النعمان بن بشير ﵁، وفيه

стр. 832

قوله ﷺ : " أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ " (١)، فدل أن ذلك من قبيل البر والعطف، لا من قبيل اللزوم والوجوب (٢). ويمكن أن يناقش: بأن هذا يستقيم لو خلت روايات الحديث عن غير هذه اللفظة، والأمر بخلاف ذلك فمنها: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، "اردده"، "أرجعه"، "هذا جور". ثم قد يقال: إن في هذا اللفظ ما يشير إلى وجوب العدل، ذلك أنه جعل ترك العدل سبباً لاختلاف درجات البر. ٨ - ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: إن أبا بكر ﵁ كان نحلها جاد عشرين وسقاً (٣) من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة، قال: " والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقاً، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله " (٤)، قالوا: وهذا دليل على جواز التفضيل (٥). قال الطحاوي: " فهذا أبو بكر قد أعطى عائشة دون سائر ولده، ورأى

стр. 833

أن ذلك جائز، ورأته هي كذلك ولم ينكر عليهما أحد من أصحاب رسول الله " (١). ونوقش من أوجه: الوجه الأول: أن الأثر قد ورد على خلاف ما أوردوه (٢)، كما سيأتي (٣). الوجه الثاني: أن إخوة عائشة كانوا راضين بذلك (٤). وأجيب: بأن هذا ليس بكاف؛ لأنهم وإن رضوا فذو بطن بنت خارجة (٥) لم يكن راضياً وهو من أهل الاستحقاق، ولو سلم فما الدليل على أنه لو لم يكونوا راضين لم يفعل أبو بكر ذلك، ولما كان جائزاً، وبالجملة تأثير رضا الأخوة في جواز هذا الفعل دعوى لا بد لها من دليل (٦). الوجه الثالث: احتمال أنه خصها بعطيته لحاجتها وعجزها عن التكسب والتسبب فيه، مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ ، وغير ذلك من فضائلها (٧). الوجه الرابع: يحتمل أن يكون قد نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك.

стр. 834

قالوا: ويتعين حمل الأثر على أحد هذه الوجوه؛ لأن حمله على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات (١). الوجه الخامس: أنه لو صح ولم يمكن حمله على الوجوه السابقة، فإنه يعارض قول النبي ﷺ ولا يحتج به معه (٢). ٩ - ما جاء في كتاب وقف عمر ﵁: "تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها أن لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذوي القربى، لا حرج على من وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقاً منه" (٣). وجه الدلالة: أن هذا الكتاب " فيه دليل على تخصيص حفصة دون إخوتها وأخواتها " (٤). ونوقش: بأن عمر ﵁ لم يخص بعض الورثة بوقفه، والنزاع إنما هو في تخصيص بعضهم، وأما جعل الولاية إلى حفصة فليس ذلك وقفاً عليها، فلا يكون ذلك وارداً في محل النزاع " (٥). (٢٢٢) ١٠ - ما علقه البيهقي، قال الشافعي: "وفضل عمر عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه " (٦). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يثبت.

стр. 835

الوجه الثاني: بما أجيب به عن أثر أبي بكر مع عائشة ﵄ (١). (٢٢٣) ١١ - ما رواه الطحاوي: حدثنا يونس قال: حدثنا سفيان، عن عمرو قال: أخبرني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن: "أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ فضل بني أم كلثوم بنحل قسمه بين ولده " (٢). قال الطحاوي: ولم ينكر عليه منكر (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الأثر منقطع (٤). الوجه الثاني: لو صح فليس فيه أنه لم يسو قبل ولا بعد بينهم (٥). (٢٢٤) ١٢ - ما رواه البيهقي من طريق ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن نافع: " أن ابن عمر قطع ثلاثة أرؤس أو أربعة لبعض ولده دون بعض، قال بكير: وحدثني عبد الله بن القاسم: أنه انطلق هو وابن عمر حتى أتوا رجلاً من الأنصار فساوموه بأرض له فاشتراها منه، فأتاه رجل، فقال: إني رأيت أنك اشتريت أرضاً وتصدقت بها، وعن القاسم بن عبد الرحمن قال ابن عمر: هذه الأرض لابني واقد فإنه مسكين، نحله إياه دونه ولده" (٦). ونوقش الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أنه من طريق ابن لهيعة (٧).

стр. 836

وأجيب: بأن رواية ابن وهب عنه صحيحة. ورد: رواية العبادلة عنه أصح من غيرها، ولا يلزم من ذلك الثبوت. الوجه الثاني: أنه ليس فيها أنه لم ينحل الآخرين قبل ولا بعد بمثل ذلك، بل فيها أنه قال: " واقد ابني مسكين " فصح أنه لم يكن نحله بعد، كما نحل إخوته، فألحقه بهم وأخرجه عن المسكنة (١). وأجيب عنه: بأن في الأثر ما يدل على أنه لم ينحل الآخرين، كقوله: قطع ثلاثة أرؤس، وكقوله: " نحله إياه دون ولده " (٢). ورد بما تقدم قريباً. الوجه الثالث: أن الموقوف إذا عارض المرفوع فلا عبرة به. ١٣ - ولأن الأصل تصرف الإنسان في ماله مطلقاً (٣). ١٤ - ولأن الإجماع منعقد على أن للرجل أن يهب في صحته جميع ماله للأجانب دون أولاده، فإذا كان ذلك للأجنبي فهو للولد أحرى (٤). ونوقش هذان الدليلان: بأنهما قياس مع وجود النص، فلا يلتفت إليه (٥). ١٥ - ولأنه لما جاز أن يعطي جميعهم جاز أن يفعل ذلك ببعضهم كالأجانب (٦).

стр. 837

ونوقش: بالفارق من وجهين: الوجه الأول: أنه إذا أعطى الجميع زال المعنى الذي يحصل مع التخصيص. الوجه الثاني: النص المانع فيما نحن فيه. ١٦ - ولأنه لما جاز وقف بعض الأولاد للأب، جاز وقف الأب لبعض الأولاد (١). وهو مناقش: بالفارق أيضا، وهو وجود النص في مسألتنا، ثم زوال المعنى الذي يوجد في حالة تخصيص الأب لبعض أبنائه دون الآخرين. ١٧ - ولأنها عطية تلزم بموت الأب، فكانت جائزة كما لو سوى بينهم (٢). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم بلزومها بموت الأب، كما سيأتي (٣). الوجه الثاني: لو سلم باللزوم، فلتعذر الرجوع، بخلاف الأول. دليل القول الثالث: لم أقف على دليل للقول بتخصيص عدم الجواز بقصد المضارة. ويمكن أن يناقش: بأن الأدلة عامة في وجوب العدل بين الأولاد، وتحريم التفضيل بينهم سواء قصد المفضل المضارة أو لم يقصد إلا أن التحريم يعظم مع قصد المضارة. الترجيح: الذي يظهر لي رجحانه ما ذهب إليه أهل القول الأول من حرمة

стр. 838

التخصيص أو المفاضلة في الوقف؛ وذلك لقوة ما بني عليه من استدلال، ومنه حديث النعمان ﵄ الصريح، مع ضعف ما أورد على الاستدلال به. قال ابن القيم: " لو لم تأت السنة الصريحة التي لا معارض لها بالمنع، لكان القياس وأصول الشريعة وما تضمنته من المصالح ودرء المفاسد يقتضي تحريمه" (١)، واشتمال أكثره على تكلف زائد، لو فتح على الكثير من النصوص لاختل أكثر الاستدلال. ثم ما ذكروه أيضا من وقوع الوحشة، والعداوة، وإيغار الصدور، والواقع شاهد بذلك، والله أعلم. المسألة الثانية: التعديل المشروع في الوقف بين الأولاد. اتفق العلماء ﵏ كما سبق على مشروعية التعديل بين الأولاد، لكن اختلفوا في كيفية هذا التعديل على قولين: القول الأول: أن كيفية التعديل المشروع أن يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين. وبه قال محمد بن الحسن (٢)، وقول للشافعية (٣)، ومذهب الحنابلة (٤). وهو قول شريح، وعطاء، وإسحاق (٥)، واختيار ابن تيمية (٦). القول الثاني: أن كيفية التعديل المشروع أن يعطى الذكر كالأنثى.

стр. 839

وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والظاهرية (٤)، وهو قول ابن المبارك، والثوري (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: (للذكر مثل حظ الأنثيين) ١ - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٦). وجه الدلالة: أن الله تعالى قسم بينهم فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وأولى ما اقتدي به قسمة الله. ونوقش: بأن هذا ليس من المواريث في شيء، ولكل نص حكمه، فقسمة الميراث مختصة بما بعد الموت، والكلام في عطية الحياة فافترقا (٧). ٢ - ولأن الوقف في الحياة أحد حالي العطية، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، كحالة الموت، يعني الميراث، يحققه أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت فينبغي أن تكون على حسبه، كما أن معجل الزكاة قبل وجوبها يؤديها على صفة أدائها بعد وجوبها، وكذلك الكفارات المعجلة (٨). ٣ - ولأن الذكر أحوج من الأنثى من قبل أنهما إذا تزوجا جميعاً فالصداق والنفقة، ونفقة الأولاد على الذكر، والأنثى لها ذلك، فكان أولى

стр. 840

بالتفضيل؛ لزيادة حاجته، وقد قسم الله تعالى الميراث، ففضل الذكر مقرونا بهذا المعنى فعلل به، ويتعدى ذلك إلى العطية في الحياة (١). ونوقش: بأن الذكر أقدر على الكسب من الأنثى وهي عاجزة عنه، فكانت أحق بالتفضيل (٢)، وإليه أشار النبي ﷺ في الحديث بقوله: " فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء" (٣). ٤ - أنه حظها من ذلك المال لو أبقاها الواقف في يده حتى مات (٤). أدلة القول الثاني: (الذكر كالأنثى سواء) ١ - حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال لبشير بن سعد ﵁: "سو بينهم"، وعلل ذلك بقوله: "أيسرك أن يستووا في برك؟ " قال: نعم، قال: "فسو بينهم" (٥)، والبنت كالابن في استحقاق برها، وكذلك في وقفها (٦). وفي رواية: فقال النبي ﷺ : "ألك ولد غيره"؟ فقال: نعم، فقال: "ألا سويت بينهم؟ " (٧)، ولم يقل: ألك ولد غيره ذكر أو أنثى، وذلك لا يكون إلا وحكم الأنثى فيه كحكم الذكر، ولولا ذلك لما ذكر التسوية إلا بعد علمه أنهم كلهم ذكور، فلما أمسك عن البحث عن ذلك ثبت استواء حكمهم في ذلك عنده (٨).

стр. 841

ونوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن حديث بشير قضية في عين، وحكاية حال لا عموم لها، وإنما يثبت حكمها فيما يماثلها، ولا نعلم حال أولاد بشير، هل كان فيهم أنثى أو لا؟ ولعل النبي ﷺ قد علم أنه ليس له إلا ولد ذكر (١). وأجيب عنه: الأمر الأول: أن الأصل العموم، وعدم الخصوص. الأمر الثاني: أن هذا مما يضعف احتجاجكم بمثله على وجوب التسوية بين الأولاد، وإبطال الوقف بالتفضيل بينهم (٢). الوجه الثاني: أن تحمل التسوية التي أمر بها النبي ﷺ على القسمة على كتاب الله تعالى (٣). وأجيب: بأن هذا بعيد غاية البعد (٤). ونوقش: بعدم التسليم؛ بل هذا هو المتبادر المفهوم لدى الصحابة ﵃. الوجه الثالث: أنه يحتمل إرادة التسوية في أصل العطاء لا في صفته، فإن القسمة لا تقتضي التسوية من كل وجه. يدل على ذلك ما ورد عن عطاء قال: " ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله "، وهذا خبر عن جميعهم (٥). الوجه الرابع: علم النبي ﷺ بأنه لا أنثى له (٦).

стр. 842

وأجيب: بأنه يرده قوله ﷺ : " أكل ولدك أعطيت مثله " (١). (٢٢٥) ٢ - ما رواه البيهقي من طريق سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثراً لآثرت النساء على الرجال" (٢) (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث مرسل؛ والطريق المرفوعة ضعيفة (٤). الوجه الثاني: لو سلم بصحته، فإنه يحمل على التسوية بما جاء في كتاب الله، أو على التسوية في أصل العطاء لا في صفته (٥)، يدل عليه قول عطاء السابق في عمل الصحابة. وأجيب عن هذه المناقشة: بأن النبي ﷺ قابل التسوية بالتفضيل، فيراد بالتسوية ما لا يكون فيه تفضيل أصلاً، وقول عطاء محمول على القسمة في المرض، والكلام في وقف الصحيح، والمرسل حجة عندنا، ثم له طرق والمرسل إذا تعدد مخرجه كان حجة عند الجميع (٦).

стр. 843

(٢٢٦) ٣ - ما رواه الطحاوي: حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: حدثنا عبد الله بن معاذ، عن معمر، عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: كان مع رسول الله ﷺ رجل فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، ثم جاءت بنت له فأجلسها إلى جنبه، فقال رسول الله ﷺ : "فهلا عدلت بينهما" (١) (ضعيف). قال الطحاوي: " أفلا يرى أن رسول الله ﷺ قد أراد منه التعديل بين الابنة والابن، وأن لا يفضل أحدهما على الآخر، فذلك دليل على ما ذكرنا في العطية أيضا " (٢). ٤ - ولأنه لما شرع أن يساوي بينهم في أصل الوقف كذلك في مقدارها (٣). ٥ - ولأنه وقف في الحياة، فاستوى فيها الذكر والأنثى، كالنفقة والكسوة (٤). الترجيح: الراجح -والله أعلم- أنه يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين؛ لقوة ما استدلوا

стр. 844

به، ولأن ذلك هو حظ الأنثى لو أبقاه الواقف في يده، ولأنه فهم السلف -رحمهم الله تعالى-. فرع: وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " وقف أملاكه كلها على ورثته ..... وبتأمل الجميع ظهر عدم صحة هذه الوقفية؛ لأمور: أولاً: أن هذا مخالف لما درج عليه السلف في أوقافهم؛ لأنه لم يعرف عن أحد منهم أنه فعل مثل هذا. قال الميموني: سئل أحمد عن بعض المسائل في الوقف؟ فقال: ما أعرف الوقف إلا ما ابتغي به وجه الله، وقال أيضا: أحب إلي أن لا يقسم ماله ويدعه على فرائض الله. وقال القاسم بن محمد لمن سأله عن وصايا العباس بن عتبة: انظر ما وافق الحق منها فأمضه وما لا فرد؛ فإن عائشة حدثتني أن رسول الله ﷺ قال: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ". ثانياً: أن فيه حجراً على الورثة وتضييقاً عليهم، ومنعاً لهم من التصرف في ميراثهم الذي فرضه الله لهم، فهو يقصد بهذا منعهم من بيعه والتصرف فيه بالهبة وغير هذا من أنواع التصرفات من أن الله أباح لهم ذلك، فهو من تخوفه الفقر على ورثته يريد أن يتصرف تصرفاً أحسن مما شرعه رب العالمين: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (١)، ولا يبعد أن يكون بفعله هذا داخلاً في عموم تعدي حدود الله، وعدم الرضا بما فرضه الله، والسلام عليكم" (٢). المسألة الثالثة: الوقف على بعض الورثة دون الأولاد. إذا وقف على بعض ورثته دون بعض، كأن وقف على بعض إخوته دون

стр. 845

بعض، أو على بعض أعمامه دون بعض، ونحو ذلك في حال صحته، فهذا جائز باتفاق الأئمة. ودليل ذلك: ١ - ما تقدم من أدلة مشروعية الوقف (١). ٢ - ما تقدم من الأدلة في مسألة الوقف على بعض الأولاد دون بعض. وجه الدلالة: أنه إنما منع من تخصيص، أو تفضيل بعض الأولاد دون بعض؛ لورود النص، ولما يترتب على ذلك من محظور شرعي، وهذا منتف في مسألتنا. وإذا فرض وجود شيء من الحزن وضيق الصدر مما قد يترتب عليه شيء من التقاطع بسبب التخصيص، أو التفضيل يكون هذا الوقف على وجه السر. المطلب الثاني: الوقف على بعض ورثته دون بعض حال المرض وسيأتي بحث هذه المسألة في وقف المريض.
следующие страницы →