← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ونوقش من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن حديث بشير قضية في عين، وحكاية حال لا عموم لها، وإنما يثبت حكمها فيما يماثلها، ولا نعلم حال أولاد بشير، هل كان فيهم أنثى أو لا؟ ولعل النبي ﷺ قد علم أنه ليس له إلا ولد ذكر (١). وأجيب عنه: الأمر الأول: أن الأصل العموم، وعدم الخصوص. الأمر الثاني: أن هذا مما يضعف احتجاجكم بمثله على وجوب التسوية بين الأولاد، وإبطال الوقف بالتفضيل بينهم (٢). الوجه الثاني: أن تحمل التسوية التي أمر بها النبي ﷺ على القسمة على كتاب الله تعالى (٣). وأجيب: بأن هذا بعيد غاية البعد (٤). ونوقش: بعدم التسليم؛ بل هذا هو المتبادر المفهوم لدى الصحابة ﵃. الوجه الثالث: أنه يحتمل إرادة التسوية في أصل العطاء لا في صفته، فإن القسمة لا تقتضي التسوية من كل وجه. يدل على ذلك ما ورد عن عطاء قال: " ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله "، وهذا خبر عن جميعهم (٥). الوجه الرابع: علم النبي ﷺ بأنه لا أنثى له (٦).

стр. 842

وأجيب: بأنه يرده قوله ﷺ : " أكل ولدك أعطيت مثله " (١). (٢٢٥) ٢ - ما رواه البيهقي من طريق سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: "سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثراً لآثرت النساء على الرجال" (٢) (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث مرسل؛ والطريق المرفوعة ضعيفة (٤). الوجه الثاني: لو سلم بصحته، فإنه يحمل على التسوية بما جاء في كتاب الله، أو على التسوية في أصل العطاء لا في صفته (٥)، يدل عليه قول عطاء السابق في عمل الصحابة. وأجيب عن هذه المناقشة: بأن النبي ﷺ قابل التسوية بالتفضيل، فيراد بالتسوية ما لا يكون فيه تفضيل أصلاً، وقول عطاء محمول على القسمة في المرض، والكلام في وقف الصحيح، والمرسل حجة عندنا، ثم له طرق والمرسل إذا تعدد مخرجه كان حجة عند الجميع (٦).

стр. 843

(٢٢٦) ٣ - ما رواه الطحاوي: حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: حدثنا عبد الله بن معاذ، عن معمر، عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: كان مع رسول الله ﷺ رجل فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، ثم جاءت بنت له فأجلسها إلى جنبه، فقال رسول الله ﷺ : "فهلا عدلت بينهما" (١) (ضعيف). قال الطحاوي: " أفلا يرى أن رسول الله ﷺ قد أراد منه التعديل بين الابنة والابن، وأن لا يفضل أحدهما على الآخر، فذلك دليل على ما ذكرنا في العطية أيضا " (٢). ٤ - ولأنه لما شرع أن يساوي بينهم في أصل الوقف كذلك في مقدارها (٣). ٥ - ولأنه وقف في الحياة، فاستوى فيها الذكر والأنثى، كالنفقة والكسوة (٤). الترجيح: الراجح -والله أعلم- أنه يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين؛ لقوة ما استدلوا

стр. 844

به، ولأن ذلك هو حظ الأنثى لو أبقاه الواقف في يده، ولأنه فهم السلف -رحمهم الله تعالى-. فرع: وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " وقف أملاكه كلها على ورثته ..... وبتأمل الجميع ظهر عدم صحة هذه الوقفية؛ لأمور: أولاً: أن هذا مخالف لما درج عليه السلف في أوقافهم؛ لأنه لم يعرف عن أحد منهم أنه فعل مثل هذا. قال الميموني: سئل أحمد عن بعض المسائل في الوقف؟ فقال: ما أعرف الوقف إلا ما ابتغي به وجه الله، وقال أيضا: أحب إلي أن لا يقسم ماله ويدعه على فرائض الله. وقال القاسم بن محمد لمن سأله عن وصايا العباس بن عتبة: انظر ما وافق الحق منها فأمضه وما لا فرد؛ فإن عائشة حدثتني أن رسول الله ﷺ قال: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ". ثانياً: أن فيه حجراً على الورثة وتضييقاً عليهم، ومنعاً لهم من التصرف في ميراثهم الذي فرضه الله لهم، فهو يقصد بهذا منعهم من بيعه والتصرف فيه بالهبة وغير هذا من أنواع التصرفات من أن الله أباح لهم ذلك، فهو من تخوفه الفقر على ورثته يريد أن يتصرف تصرفاً أحسن مما شرعه رب العالمين: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (١)، ولا يبعد أن يكون بفعله هذا داخلاً في عموم تعدي حدود الله، وعدم الرضا بما فرضه الله، والسلام عليكم" (٢). المسألة الثالثة: الوقف على بعض الورثة دون الأولاد. إذا وقف على بعض ورثته دون بعض، كأن وقف على بعض إخوته دون

стр. 845

بعض، أو على بعض أعمامه دون بعض، ونحو ذلك في حال صحته، فهذا جائز باتفاق الأئمة. ودليل ذلك: ١ - ما تقدم من أدلة مشروعية الوقف (١). ٢ - ما تقدم من الأدلة في مسألة الوقف على بعض الأولاد دون بعض. وجه الدلالة: أنه إنما منع من تخصيص، أو تفضيل بعض الأولاد دون بعض؛ لورود النص، ولما يترتب على ذلك من محظور شرعي، وهذا منتف في مسألتنا. وإذا فرض وجود شيء من الحزن وضيق الصدر مما قد يترتب عليه شيء من التقاطع بسبب التخصيص، أو التفضيل يكون هذا الوقف على وجه السر. المطلب الثاني: الوقف على بعض ورثته دون بعض حال المرض وسيأتي بحث هذه المسألة في وقف المريض.

стр. 846

المبحث الثالث عشر: مصرف الوقف على الآل، والأهل، والنسباء وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف مفردات العنوان لغة جاء في لسان العرب: " وآلُ الرجل أَهلُه وعيالُه، فإما أن تكون الألف منقلبة عن واو، وإما أن تكون بدلاً من الهاء، وتصغيره: أُوَيْل وأُهَيْل، وقد يكون ذلك لما لا يعقل. وآل النبي ﷺ : قال أبو العباس أحمد بن يحيى: اختلف الناس في الآل، فقالت طائفة: آل النبي ﷺ من اتبعه قرابة كانت أو غير قرابة، وآله ذو قرابته مُتَّبعاً أو غير مُتَّبع. وقالت طائفة: الآل والأهل واحد، واحتجوا: بأَن الآل إِذا صغر قيل أُهَيْل، فكأَن الهمزة هاء كقولهم هَنَرْتُ الثوب وأَنَرْته إذا جعلت له عَلَماً، قال: وروى الفراء عن الكسائي في تصغير آل أُوَيْل، قال أبو العباس: فقد زالت تلك العلة وصار الآل والأهل أصلين لمعنيين، فيدخل في الصلاة كل من اتبع النبي ﷺ قرابة كان أو غير قرابة، وروي عن غيره أنه سئل عن قول النبي ﷺ : (اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد)، مَنْ آلُ محمد؟ فقال: قال قائل: آله أهله وأزواجه كأنه ذهب إلى أن الرجل تقول له ألك أَهْلٌ؟

стр. 847

فيقول لا وإِنما يَعْنِي أَنه ليس له زوجة، قال: وهذا معنى يحتمله اللسان، ولكنه معنى كلام لا يُعْرَف إلاَّ أَن يكون له سبب كلام يدل عليه، وذلك أَن يقال للرجل تزوَّجتَ؟ فيقول: ما تأَهَّلت فَيُعْرَف بأول الكلام أنه أراد ما تزوجت، أو يقول: الرجل أجنبت من أهلي فيعرف أن الجنابة إنما تكون من الزوجة، فأَما أَن يبدأ الرجل، فيقول: أَهلي ببلد كذا، فأنا أزور أهلي وأَنا كريم الأهْل، فإِنما يذهب الناس في هذا إِلى أهل البيت. قال: وقال قائل: آل محمد أَهل دين محمد، قال: ومن ذهب إِلى هذا أَشبه أَن يقول قال الله لنوح: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ (١)، وقال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ (٢) فقال ﵎: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (٣) أَي ليس من أَهل دينك، قال: والذي يُذْهَب إليه في معنى هذه الآية أَن معناه أنه ليس من أهلك الذين أمرناك بحملهم معك، فإن قال قائل: وما دل على ذلك؟ قيل: قول الله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ (٤) فأعلمه أنه أمره بأن يَحْمِل من أهله من لم يسبق عليه القول من أهل المعاصي ثم بيّن ذلك، فقال: إنه عمل غير صالح، قال: وذهب ناس إلى أن آل محمد قرابته التي ينفرد بها دون غيرها من قرابته، وإذا عُدَّ آل الرجل ولده الذين إِليه نَسَبُهم ومن يُؤْويه بيته من زوجة أو مملوك أو مَوْلى أو أحد ضَمَّه عياله، وكان هذا في بعض قرابته من قِبَل أبيه دون قرابته من قِبَل أُمه لم يجز أن يستدل على ما أراد الله من هذا، ثم رسوله إلا بسنَّة رسول الله ﷺ ، فلما قال: إن الصدقة لا تحل لمحمد وآل محمد دل على أَن آل محمد (٥) هم الذين حرمت عليهم الصدقة

стр. 848

وعُوِّضوا منها الخُمس وهي صَلِيبة بني هاشم وبني المطلب، وهم الذين اصطفاهم الله من خلقه بعد نبيه صلوات الله عليه وعليهم أَجمعين، وفي الحديث: " لا تحل الصدقة لمحمد وآل محمد ". قال ابن الأثير: واختلف في آل النبي ﷺ الذين لا تحل الصدقة لهم فالأكثر على أنهم أَهل بيته، قال الشافعي: دل هذا الحديث أن آل محمد: هم الذين حرمت عليهم الصدقة وعوّضوا منها الخُمس، وقيل: آله أصحابه ومن آمن به، وهو في اللغة يقع على الجميع، وآل الرجل أيضا أَتباعه، ومنه قوله : ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ (١). قال أَبو عدنان: قال لي من لا أُحْصِي من أعراب قيس وتميم: إيلة الرجل بَنُو عَمِّه الأَدْنَوْن، وقال بعضهم: من أَطاف بالرجل وحلّ معه من قرابته وعِتْرته فهو إِيلته، وقال العُكْلي: وهو من إِيلتنا أَي من عِتْرَتنا ابن بزرج إِلَةُ الرجل الذين يَئِلُ إِليهم، وهم أَهله دُنيا وهؤُلاء إِلَتُكَ، وهم إِلَتي الذين وأَلْتُ إِليهم، قالوا: رددته إِلى إلته: أي إلى أصله وأنشد: ولم يكن في إِلَتِي عوالاً يريد أَهل بيته، قال: وهذا من نوادره، قال أَبو منصور: أَما إِلَة الرجل: فهم أَهل بيته الذين يئل إِليهم أَي يلجأُ إِليهم، والآل الشخص وهو معنى قول أَبي ذؤيب: يَمانِيَةٍ أَحْيا لها مَظَّ مائِدٍ … وآل قِراسٍ صَوْبُ أَرْمِيَةٍ كُحْلِ يعني ما حول هذا الموضع من النبات، وقد يجوز أَن يكون الآل الذي هو الأَهل " (٢).

стр. 849

وجاء في تاج العروس: "وخُصَّ أيضا بالإضافة إلى أعلام الناطقين دون النَّكرات والأمكنة والأزمنة، فيُقال: آلُ فُلانٍ ولا يقال: آلُ رَجُلٍ ولا آل زَمانِ كذا ولا آلُ موضع كذا كما يُقال: أهلُ بَلَدِ كذا وموضع كذا، وأصْلُه أَهْلٌ أُبْدِلَت الهاءُ هَمْزَةً، فصارت: أَأْلٌ توالت همزتان فأُبدِلت الثانية ألِفاً فصار: آل" (١). وقال الشيخ تقي الدين: " آله أهل بيته، وقال: هو نص أحمد، واختيار الشريف أبي جعفر وغيرهم، فمنهم بنو هاشم، وفي بني المطلب رواية الزكاة، قال في الفائق: آله أهل بيته في المذهب اختاره أبو حفص، وهل أزواجه من آله؟ على روايتين. انتهى. قال الشيخ تقي الدين: والمختار، دخول أزواجه في أهل بيته " (٢). تعريف الأهل في اللغة: " قال ابن سيده: أهْل الرجل عشيرته وذَوُو قُرْباه، والجمع أَهْلون وآهَالٌ وأَهَال وأهْلات وأهلات " (٣). وجاء في المصباح المنير: " ويُطْلَق الْأَهْل: على الزوجة، والأهل أهل البيت، والأصل فيه القرابة، وقد أُطْلِق على الأتباع، وأهل البلد مَن استوطنه " (٤). النسباء: هم الأقارب، وهم من ينتسبون بالرحم (٥).

стр. 850

المطلب الثاني: مصرف الوقف إذا قال: هذا وقف على آلي، أو أهلي وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الوقف على الآل، والأهل. اختلف العلماء في مصرف الوقف على الآل، والأهل على أقوال: القول الأول: أنه إذا قال: وقف على آلي، أو أهل بيتي، فهو كقوله: على قرابتي. وهذا هو مذهب الحنابلة (١). واختار ابن الجوزي: أن أهل بيته قرابة أبويه. واختار الشيرازي من الحنابلة: أنه يعطى من كان يصله في حياته. وقيل: كذوي رحمه. وعن الإمام أحمد: دخول الزوجات في أهل البيت، وصححها شيخ الإسلام. القول الثاني: أنه يشمل العصبة كلهم من ابن، وأب، وجد، وإخوة، وأعمام، وبنيهم الذكور، وشمل امرأة لو كانت رجلاً كانت عاصباً كأخت، وعمة، وبنت عم، ولو بعدت، وجدة من جهة الأب، وكذا بنت وبنت ابن. وهو قول المالكية (٢).

стр. 851

القول الثالث: أنه إذا قال على آلي يحتمل أن يكون كالوصية للقرابة، وإذا قال: على أهل بيتي يحمل على ما يحمل عليه الآل، لكن الأصح دخول الزوجة، وإذا قال: أهلي فوجهان: الأول: الحمل على الزوجة فقط. والثاني: يحمل على كل من تلزمه نفقته. وهو قول الشافعية (١). القول الرابع: إذا قال وقف على آلي، وأهل بيتي: يشمل كل من يداخله في نسبه بمحض الآباء إلى أقصى أب في الإسلام من الرجال والنساء، والصبيان، إذا كان موجوداً حال الوقف، أو حدث بعد ذلك لأقل من ستة أشهر من مجيء الغلة، أسلم أو لم يسلم. وهو قول الحنفية (٢). جاء في الفتاوى الهندية: " إذا وقف أرضه على أهل بيته دخل تحت الوقف كل من يتصل به من قبل آبائه إلى أقصى أب له في الإسلام، ويستوي فيه المسلم والكافر والذكر والأنثى والمحرم وغير المحرم والقريب والبعيد، ولا يدخل الأب الأقصى ويدخل فيه ولد الواقف ووالده ولا يدخل أولاد البنات وأولاد الأخوات، وكذلك لا يدخل أولاد من سواهن من الإناث إلا إذا كان أزواجهم من بني أعمام الواقف كذا في الذخيرة، وذكر شمس الأئمة السرخسي -رحمه الله تعالى- في شرح السير الكبير إذا ذكر أهل البيت في الوقف أو الوصية يرجع إلى مراده إن أراد بيت السكنى فأهل بيته من يعوله

стр. 852

وينفق عليه في بيته وإن لم تكن بينهما قرابة، وإن أراد بيت النسب فأهل بيته جميع أولاد أبيه المعروفين به " (١). المسألة الثانية: دخول زوجة الرجل في أهل بيته إذا وقف على أهل بيته. اختلف العلماء ﵏ على قولين: القول الأول: دخول الزوجة في أهل البيت. وهو الصحيح عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة (٢). القول الثاني: عدم دخول الزوجة في أهل البيت. وبه قال الحنفية، والمالكية، وقول للشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (٣). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - قول الله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ (٤). وجه الدلالة: أن المراد بأهل البيت زوجات النبي ﷺ . ٢ - قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ (٥). وجه الدلالة: فالمراد بأهل البيت إبراهيم وزوجته سارة (٦).

стр. 853

قال القرطبي " وهذه الآية تعطي أن زوجة الرجل من أهل البيت ". (٢٢٧) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال: " … يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا" (١). (٢٢٨) ٤ - ما رواه مسلم من طريق حصين بن سبرة، وعمر بن مسلم، عن زيد بن أرقم ﵁ أن الرسول ﷺ قال: " أذكركم الله في أهل بيتي" (٢). قال ابن حزم في الإحكام بعد أن ذكر قوله ﷺ : " أذكركم الله في أهل بيتي "، وفسره زيد بن أرقم أنهم بنو هاشم. أدلة القول الثاني: (٢٢٩) ما رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن زبيد، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ جلل على علي وحسن وحسين وفاطمة كساء، ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا ". فقالت أم سلمة فقلت: يا رسول الله، أنا منهم؟ قال: "إنك إلى خير" (٣). ونوقش: بأنه ضعيف.

стр. 854

والأقرب: هو القول الأول؛ لقوة دليله، وضعف دليل القول الثاني بمناقشته. المسألة الثالثة: الوقف على النسباء. إذا قال هذا وقف على نسبائي، فاختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنهم قرابته. وهذا المشهور من مذهب الحنابلة. وحجته: أن قوم الرجل قبيلته، وهم نسباؤه. القول الثاني: أنهم كذوي رحمه. وبه قال بعض الحنابلة. ولم أقف له على دليل. القول الثالث: أنهم قرابته من قبل الأب، والأم. وبه قال بعض الحنابلة. ولم أقف له على دليل. القول الرابع: أنهم أهل بيته. وبه قال أبو بكر من الحنابلة. وحجته: أن أهل بيته أقاربه، وأقاربه هم قومه ونسباؤه (١). والأقرب: القول الأول؛ لدلالة اللغة.

стр. 855

المبحث الرابع عشر: مصرف الوقف إذا كان في سبيل البر، أو في طرق الخير إذا قال الواقف: هذا وقف في سبيل البر، أو الخير، أو الثواب، اختلف العلماء في تعيين مصرف ذلك على أقوال: القول الأول: أنها تصرف في القرب كلها، يبدأ من ذلك بالغزو. وهذا قول الحنفية، والمذهب عند الحنابلة (١). وعن الإمام أحمد: أنه يصرف في أربع جهات: الأقارب، والمساكين، والحج والجهاد، ويبدأ بالغزو. ولو أوصى بالثلث في وجوه الخير قال الحنفية: يصح ويصرف إلى القنطرة، أو بناء مسجد أو طلبة العلم. ونص الحنفية في فتاوى أبي الليث: أن كل ما ليس فيه تمليك فهو من أعمال البر، حتى يجوز صرفه إلى عمارة المسجد وسراجه، ولا يجوز الصرف إلى بناء السجون. القول الثاني: أنها تصرف في أقارب الواقف، فإن لم يوجدوا أعطي أهل الزكاة.

стр. 856

وهذا مذهب الشافعية (١)، وقال في التهذيب: " يجوز صرفه إلى ما فيه صلاح المسلمين من أهل الزكاة، وإصلاح القناطر، وسد الثغور، ودفن الموتى وغيرها ". وعن بعض الشافعية: جواز صرفه إلى ما فيه صلاح المسلمين من أهل الزكاة، وإصلاح القناطر، وسد الثغور، ودفن الموتى. وعن بعض الشافعية: أنه إذا أوصى إلى جهة الخير، تصرف على مصارف الزكاة ولا يبنى بها مسجد ولا رباط، وإن أوصى إلى جهة الثواب صرف إلى أقاربه. القول الثالث: أنه يصرف في ذوي الحاجة في سبيل الله. وهذا قول المالكية (٢). وعن مالك جعله في الفقراء. الأدلة: استدل أصحاب القول الأول بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٣). قال السعدي: " هذا حث من الله لعباده على الإنفاق في طرق الخيرات، فقال: ﴿لَنْ تَنَالُوا﴾ أي: تدركوا وتبلغوا البر الذي هو كل خير من أنواع الطاعات وأنواع المثوبات الموصل لصاحبه إلى الجنة ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أي: من أموالكم النفيسة التي تحبها نفوسكم " (٤).

стр. 857

وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١)، قال ابن كثير: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾، أي الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة، وهذا شامل لكل طرق الخير" (٢). (٢٣٠) ٢ - ما رواه سعيد بن منصور قال: حدثنا حماد بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي حبيبة قال: كنت عند أبي الدرداء وأنا أريد الغزو فجاءه رجل، فقال: إن أخي مات وأوصى بطائفة من ماله يتصدق به، وقال: لا تقضي شيئاً حتى تأتي أبا الدرداء، ففي أي شيء ترى أن نجعله؟ قال: ما من شيء يجعل فيه خير من سبيل الله، قال: فلم أقم من ثمة إلا بصرة، قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يهدي بعد الشبع " (٣). ولكنه ضعيف. ٣ - أن الغزو أفضل القرب؛ وذلك لما جاء فيه من الأدلة الكثيرة الدالة على عظم أجره وكبير فضله (٤). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الغزو أفضل القرب لا يعني أن يصرف إليه

стр. 858

دون غيره؛ إذ قد يكون قصد الواقف شمول أبواب كثيرة من النفقات والتبرعات، ولو صرف الكل للأفضل لتعطل المفضول. أدلة القول الثاني: ١ - أن النبي ﷺ أشار على أبي طلحة ﵁ أن يجعلها في الأقربين (١)، فدل ذلك على عظم حقهم، وأنهم أولى من غيرهم، ولذا جاء عن بعض التابعين نحو من ذلك، فعن الحسن أنه قال: " من أوصى بثلثه وله ذو قرابة محتاجون أعطوا ثلث الثلث " (٢)، بل جاء عن طاووس: " أنه لو أوصى لغيرهم وهم محتاجون انتزع لهم " (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن جعلها في الأقربين بناء على إذن أبي طلحة على جعلها فيهم. وأما ما ورد عن التابعين فلا تعدو أن تكون آراء لهم لا يُستدل بها، بل يُستدل لها، وقول أصحاب رسول الله ﷺ أولى بالأخذ منها. (٢٣١) ٢ - ما رواه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: " تصدقن معشر النساء ولو من حليكن " فسألته زينب امرأة عبد الله، وامرأة من الأنصار، أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما؟ فقال رسول الله ﷺ : " لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة " (٤) (٥). ٣ - أن جعلها بعد القرابة في أهل الزكاة من وجوه:

стр. 859

الأول: أن باب الوقف والزكاة فيه تقارب من جهة صلة الموصى له، ومن تصرف له الزكاة. الثاني: أنه لم يحدد جهة معينة، فكان التعيين للشارع، وقد جعل مثيلها في الأصناف الثمانية في باب الزكاة. الثالث: أن أهل الزكاة جهات متعددة ومتنوعة، يمكن القول بأنها تفي بمقصود الموقف، كما أنها أصول أبواب البر العامة. ونوقش هذا الاستدلال: بأن الزكاة تفارق الوقف في أشياء كثيرة، فالوقف يصرف للأغنياء بخلاف الزكاة، كما أن الوقف يصلح به الطرق، ويبنى به المساجد، والمدارس بخلاف الزكاة، فلم يصلح القياس. كما أنه لا يمكن القول بأن أهل الزكاة تشمل أبواب البر أو جماعها؛ إذ إن أبواباً كثيرة من البر تدخل في عموم الصدقة والوصية والوقف، ولا تصرف فيها الزكاة كإصلاح القناطر وسد الثغور وغيرها. ٤ - أنه إذا لم يوجد أقارب للواقف، فيصرف إلى أهل الزكاة؛ لأن أهل الزكاة أهل حاجة منصوص عليهم في القرآن، فكان من نصّ الله تعالى في كتابه أولى من غيره، وإن ساواه في الحاجة (١). دليل القول الثالث: أنه أوقف وقفاً مطلقاً يعم أبواباً كثيرة. فكان البداءة بالأهم، وليس ثم أبدى وأولى من ذوي الحاجة، ومن هم في سبيل الله. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول القائل بصرف ريع الوقف المحبس على

стр. 860

الخير والثواب، وفي سبيل البر على المصالح كلها، ويدخل في ذلك الأقارب، ولأن أقارب الميت أكثر الجهات ثواباً. وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: "وأما إذا قال: في أعمال البر وسكت، فقد أجاب على مثل ذلك الشيخ عبد الله أبا بطين بما نصه: الذي وقف على جهة بر ولم يعين مصرفاً، فالذي أرى أنه يصرف في فقراء أقاربه، لاسيما فقراء ورثته، ويصرف في غير ذلك من وجوه البر كفطر صوم، ونحو ذلك" (١).

стр. 861

المبحث الخامس عشر: مصرف الوقف إذا كان في سبيل الله إذا قال هذه الوصية تصرف في سبيل الله: اتفق الفقهاء على أن الغزاة ممن يشملهم مصرف سبيل الله. واختلفوا فيما عدا ذلك على أقوال عدة: القول الأول: المراد بالمصرف في سبيل الله هو الغزو. وهو قول أبي يوسف من الحنفية (١)، ومذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عند الحنابلة (٤)، رجحها ابن قدامه (٥). القول الثاني: المراد بمصرف سبيل الله هو الغزو والحج والعمرة. وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية (٦)، ومذهب الحنابلة (٧). القول الثالث: المراد بمصرف سبيل الله جميع القرب والطاعات. وهو منسوب لبعض الفقهاء، وقال به بعض المعاصرين (٨).

стр. 862

القول الرابع: المراد بذلك المصالح العامة. وهو قول بعض المعاصرين (١). القول الخامس: المراد بذلك الجهاد بمعناه العام (جهاد اليد والمال واللسان) فيشمل ذلك القتال في سبيل الله، والدعوة إلى الله، وهو ما صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي، والندوة الأولى لقضايا الزكاة المعاصرة (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣). أن المراد من سبيل الله عند الإطلاق هو الغزو، وأكثر ما جاء في القرآن هو من ذلك (٤). ونوقش: بعدم التسليم؛ فالواجب عند عدم النقل الشرعي الأخذ بالمعنى اللغوي، وهو يدل على العموم. (٢٣٢) ٢ - ما رواه أبو داود من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه بها فأهدى منها لغني " (٥). (الصواب مرسل، قاله الدارقطني وغيره).

стр. 863

وجه الدلالة: أنه ذكر منهم الغازي، وليس في الأصناف الثمانية من يعطى باسم الغزاة إلا الذين نعطيهم من سهم سبيل الله تعالى (١). ونوقش: بأن غاية ما يدل عليه أن المجاهد يعطى من سهم سبيل الله ولو كان غنيًّا، وسبل الله كثيرة لا تنحصر في الجهاد في سبيل الله. أدلة القول الثاني: ١ - حديث أم مَعْقِل: إنك قد علمت أن علي حجة وأن عندك بكرا فأعطني فلأحج عليه، قال: فقال لها: إنك قد علمت أني قد جعلته في سبيل الله، قالت: فأعطني صرام نخلك، قال: قد علمت أنه قوت أهلي، قالت: فإني مكلمة النبي ﷺ وذاكرته له، قال: فانطلقا يمشيان حتى دخلا عليه، قال: فقالت له: يا رسول الله، إن علي حجة وإن لأبي معقل بكرا، قال أبو معقل: صدقت، جعلته في سبيل الله، قال: " أعطها فلتحج عليه، فإنه في سبيل الله "، قال: فلما أعطاها البكر قالت: يا رسول الله، إني امرأة قد كبرت وسقمت، فهل من عمل يجزئ عني عن حجتي؟ قال: فقال: "عمرة في رمضان تجزئ لحجتك" (٢). ونوقش: أولاً: بضعف الحديث.

стр. 864

ثانياً: أن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين؛ محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمين لقضاء ديونهم، أو من يحتاج إليه، كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين، والحج من الفقير لا نفع للمسلمين فيه (١). ولا حاجة به إلى الزكاة؛ لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه، وتكليفه مشقة قد رفعها الله عنه وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الأصناف، أو دفعه في سائر المسلمين أولى (٢). (٢٣٣) ٢ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق ابن عون، عن أنس بن سيرين: أن امرأة أوصت بثلاثين درهماً في سبيل الله، فلما كان زمن الفرقة، قلت لابن عمر: امرأة أوصت بثلاثين درهماً في سبيل الله، فنعطيها في الحج، فقال: " أما إنه من سبيل الله " (٣). (٢٣٤) ٣ - ما رواه أبو عبيد من طريق مجاهد، عن ابن عباس ﵄ أنه «كان لا يرى بأساً أن يعطي الرجل من زكاة ماله في الحج، وأن يعتق منه الرقبة» (٤). ٤ - ورود بعض الآثار الدالة على أن الحج من سبيل الله، كما ورد عن ابن عباس وابن عمر ﵄. ونوقش: بأن أثر ابن عباس لا يصح، وأما آثار ابن عمر فإن سبيل الله الوارد في الآية يفسر بالجهاد؛ لأنه الغالب عند الإطلاق.

стр. 865

دليل القول الثالث: أن اللفظ عام فلا يجوز قصره على بعض أفراده إلا بدليل. ونوقش: بأن هذا غير مسلم، فهذا العموم مقيد بظاهر الاستعمال، كما أنه يلزم منه أن يكون كل مصلٍّ وصائم، ومتصدق مستحقًّا للزكاة، ولم يقل بهذا أحد. أدلة القول الرابع: ١ - أنه لا يعرف لكلمة سبيل الله في القرآن معنى غير البر العام. ونوقش: بأن هذا غير مسلم، فقد جاءت لمعان متعددة، وقد كان الجهاد هو أكثر ما وردت فيه. (٢٣٥) ٢ - ما رواه البخاري من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل، عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه: أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر، من جهد أصابهم، فأخبر محيصة أن عبد الله قتل وطرح في فقير أو عين، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: ما قتلناه والله ..... فقال رسول الله ﷺ : «إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب»، فكتب رسول الله ﷺ إليهم به، فكتب ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: «أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟»، قالوا: لا، قال: «أفتحلف لكم يهود؟»، قالوا: ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله ﷺ من عنده مئة ناقة حتى أدخلت الدار، قال سهل: فركضتني منها ناقة " (١). وجه الدلالة: أنه إذا جاز دفع الزكاة في دية قتيل دفعاً للنزاع أي من

стр. 866

أجل المحافظة على الأمن، فمن باب أولى جواز صرفها للمحافظة على أمن الناس وحياتهم في الدولة الإسلامية، ورعاية مصالحهم العامة. ونوقش من وجوه: الوجه الأول: بأن الحديث جاء بلفظ آخر عند البخاري: "وفيه أنه وداه من عنده "، وقد جمع بين الروايتين بأن الرسول ﷺ اشترى تلك الإبل من أهل الصدقة بعد أن ملكوها، ثم دفعها لأهل القتيل. الثاني: على التسليم بأنه وداه من أموال الزكاة، فليس ذلك من المصالح العامة. الثالث: أن المقصود من إعطاء الدية ليس دفع النزاع فقط، بل هو جزء من العلة، فإصلاح ذات البين، وتطييب نفوس أولياء المقتول من المقاصد الشرعية لإعطاء الدية، ثم إن علة المحافظة على أمن الناس لا يتحقق في كل المصالح العامة (١). أدلة القول الخامس: ١ - أن إرادة المعنى الخاص، وهو الجهاد وما في معناه هو الظاهر من أسلوب الحصر، فالتعميم يشمل جهات كثيرة، وهذا ينافي أسلوب الحصر. (٢٣٦) ٢ - ما رواه أحمد من طريق حماد، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " (٢).

стр. 867

وهذا يدل على أن الجهاد لا ينحصر بالسيف والسنان، بل يشمل العلم والبيان. ٢ - أن الدعوة إلى الله يراد بها نصرة دين الله وإعلاء كلمته. الترجيح: الراجح -والله أعلم- أن يقال إن مصارف الوقف أوسع من مصارف الزكاة؛ إذ الحصر إنما ورد في مصارف الزكاة، وعلى هذا فيشمل قوله في سبيل الله كل ما يقرب إلى الله من أعمال البر، ويدخل في ذلك دخولا أوليّاً الجهاد في سبيل الله بالسيف والسنان، والعلم والبيان.

стр. 868

المبحث السادس عشر: مصرف الوقف إذا كان على أهل الزكاة إذا قال: هذا وقف على أهل الزكاة صُرف لأهل الزكاة الذين بيّنهم الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ (١). فالفقير والمسكين يعطى عند الحنابلة، والمالكية: كفايته وكفاية من يمونه من النفقات، والحوائج الأصلية، أو تمام الكفاية مدة عام. وعند الشافعية: يعطى كل منهما كفاية العمر، وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام. وعند الحنفية: أن من ملك نصابًا زكويّاً لا يعطى. وفي رواية عند الحنابلة: أنه من ملك خمسين درهمًا أو قيمتها من الذهب لا يعطى. والعامل عليها: هم السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزكاة، وحفظها، وكتابتها، وقسمتها، ونحو ذلك، فيعطى بقدر أجرته. وأما المؤلف قلبه فيشمل صوراً: الصورة الأولى: السيد المطاع في عشيرته. الصورة الثانية: من يرجى كف شره عن المسلمين. الصورة الثالثة: من يرجى بعطيته قوة إيمانه، أو إسلام نظيره فيعطى بقدر

стр. 869

ما يحصل به التأليف. وأما الرقاب فيشمل صوراً: الصورة الأولى: المكاتب الذي اشترى نفسه من سيده بمال منجم، فيعطى ما يحصل فكاك رقبته. الصورة الثانية: أن يشترى رقيقاً فيعتقه. الصورة الثالثة: أن يفك منها الأسير المسلم. وأما الغارم فنوعان: النوع الأول: الغارم لإصلاح ذات البين، وتحته صور: الصورة الأولى: أن يتحمل في ذمته فيعطى. الصورة الثانية: أن يستقرض ويوفي الحمالة، فيعطى ما يسدد به غرمه. الصورة الثالثة: أن يدفع من ماله، فموضع خلاف بين العلماء: والأقرب: إن نوى الرجوع فيعطى. النوع الثاني: الغارم لنفسه، وتحته صورتان: الصورة الأولى: أن يغرم لنفسه في شراء ما يحتاج إليه من النفقات والحوائج الأصلية، ولا يقدر على السداد فيعطى ما يسدد به غرمه. الصورة الثانية: أن تصيب أمواله جوائح فيلحقه الغرم، ولا يقدر على السداد فيعطى. وأما في سبيل الله فقد تقدم الكلام عليها في المبحث السابق. وأما ابن السبيل فهو المسافر الذي انقطع به سفره، فيعطى ما يوصله إلى مقصوده ويوصله إلى بلده. وأما المنشئ للسفر فيعطى لفقره إذا كان محتاجاً للسفر (١).

стр. 870

المبحث السابع عشر: مصرف الوقف إذا كان على الأيتام، أو الأيامى، أو العزاب، أو الأرامل، أو الثيب والأبكار وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف مفردات العنوان لغة أولاً: اليتيم: جاء في المصباح المنير: "يتِمَ يَيْتَمُ من بابي تَعِبَ وَقَرُبَ، يُتْمًا بضمِّ الياء وفتحها، لكن الْيُتْمُ في النَّاس من قبل الأب، فَيُقَال: صَغِيرٌ يَتِيمٌ، والجمع أيتام وَيَتَامَى، وصغيرة يَتِيمَة، وجمعها يتامى، وفي غير الناس من قبل الأمِّ، وَأَيْتَمَتْ المرأة إيتَامًا فهي مُوتِمٌ صار أولادها يَتَامَى، فإن مات الأبوان فالصغير لَطِيم، وإن ماتت أُمُّه فقط فهو عَجِيٌّ وَدُرَّةٌ يَتِيمَةٌ أي لا نظير لها، ومن هنا أُطْلِقَ الْيَتِيمُ على كُلِّ فرد يَعِزُّ نظيره" (١). وفي لسان العرب: " اليُتْمُ: الانفرادُ عن يعقوب، واليَتيم: الفَرْدُ، واليُتْمُ واليَتَمُ: فِقْدانُ الأب، وقال ابن السكيت: اليُتْمُ في الناس من قِبَل

стр. 871

الأب، وفي البهائم من قِبَل الأُم، ولا يقال لمن فقد الأُمَّ من الناس يَتيم، ..... ، ويقال: يَتَمَ ويَتِمَ وأَيْتَمَه اللهُ وهو يَتِيم حتى يبلغَ الحُلُم، الليث: اليَتيمُ الذي مات أَبوه فهو يَتيمٌ حتى يبلغ، فإذا بلغ زال عنه اسم اليُتْم، والجمع أيتام ويَتامى ويَتَمة " (١). ثانياً: الأيامى: جاء في المصباح المنير: " الْأَيِّمُ الْعَزَبُ رجلًا كان أو امرأةً، قال الصَّغاني: وَسَوَاءٌ تزوَّج من قبل أو لم يتزوَّج، فيُقَال: رجل أَيِّمٌ وامرأة أَيِّمٌ، قال الشاعر: فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ … وَنِسْوَانُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمٌ وقال ابن السِّكِّيت أيضا: فُلَانَة أَيِّم إذا لم يكن لها زوج بكْرًا كانت أو ثَيِّبًا، ويُقال أيضا: أَيِّمَةٌ للأنثى، وَآمَ يَئِيمُ مثل سار يسير، وَالْأَيِّمَةُ اسم منه، وَتَأَيَّمَ مكث زمانًا لا يتزوَّج " (٢). وفي لسان العرب: " الأيامى: الذين لا أَزواج لهم من الرجال والنساء، وأَصله أَيايِمُ فقلبت؛ لأن الواحد رجل أَيِّمٌ سواء كان تزوَّج قبل أَو لم يتزوج، ابن سيده: الأَيِّمُ من النساء التي لا زوج لها بِكْراً كانت أو ثَيِِّباً ومن الرجال الذي لا امرأَة له، وجمع الأَيِّم من النساء أَيايِمُ وأيامى" (٣). ثالثاً: العزاب: جاء في المصباح المنير: " عَزَبَ الشيء عُزُوبًا من باب قَعَدَ بَعُدَ، وَعَزَبَ من بابي قتل، وَضَرَبَ غَابَ وَخَفِيَ فهو عَازِب، وبه سُمِّي فقولهم عَزَبَت النيَّة أي غاب عنه ذكرها " (٤).

стр. 872

وجاء في لسان العرب: "رجل عَزَب ومِعْزابة لا أهل له ونظيرهُ مِطْرابة ومِطْواعة ومِجْذامة ومِقْدامة، وامرأَة عَزبَة وعَزَب لا زوج لها، قال الشاعر في صفة امرأة: إِذا العَزَبُ الهَوْجاءُ بالعِطْرِ نافَحَتْ … بَدَتْ شَمْسُ دَجْنٍ طَلَّةً ما تَعَطَّرُ وقال الراجز: يا مَنْ يَدُلُّ عَزَباً على عَزَبْ … على ابْنَةِ الحُمارِسِ الشَّيْخِ الأَزَبّ قوله: الشيخ الأَزَبّ: أَي الكَريهُ الذي لا يُدْنى من حُرْمَتِه، ورجلان عَزَبانِ، والجمع أعْزاب والعُزَّاب الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء " (١). رابعاً: الأرامل: جاء في المصباح المنير: " وأَرْمَل الرجل بالألف إذا نَفِدَ زاده وافتقر فهو مُرْمِل، وجاء أرْمَل على غير قياس، والجمع الأرَامِل، وأَرْمَلَت المرأة فهي أرْمَلَة للَّتِي لا زوج لها لافتقارها إلى من يُنْفِق عليها، قال الأزهري: لا يُقَال لها أَرْمَلَة إلا إذا كانت فقيرةً، فإن كانت موسرةً فليست بأرْمَلَة، والجمع أرَامِل حتَّى قيل: رجل أَرْمَل إذا لم يكن له زوج، قال ابن الأنباري: وهو قليل؛ لأنَّه لا يذهب زاده بفقد امرأته لأنَّها لم تكن قَيِّمَة عَلَيْه، قال ابن السِّكِّيت: والأرَامِل المساكين رجالًا كانوا أو نساءً " (٢). وفي لسان العرب: "ويقال للفقير الذي لا يقدر على شيء من رجل أو امرأَة أَرْمَلة، ولا يقال للمرأة التي لا زوج لها وهي مُوسِرة أَرْمَلة، والأَرامل المساكين ويقال: جاءت أَرْمَلة من نساء ورجال محتاجين، ويقال للرجال المحتاجين الضعفاء: أرْمَلة وإن لم يكن فيهم نساء، وحكى ابن

стр. 873

بري عن ابن قتيبة قال: إذا قال الرجل هذا المال لأَرامل بني فلان فهو للرجال والنساء؛ لأن الأَرامل يقع على الذكور والنساء، قال: وقال ابن الأنباري: يُدْفَع للنساء دون الرجال؛ لأَن الغالب على الأرامل أنهن النساء وإن كانوا يقولون رَجُل أَرْمَل، كما أن الغالب على الرجال أنهم الذكور دون الإناث … وهو بالنساء أخص وأكثر استعمالاً وقد تكرر ذكر ذلك، والأرْمَل الذي ماتت زوجته، والأرْمَلة التي مات زوجُها، وسواء كانا غَنِيَّيْن أو فقيرين" (١) (٢). خامساً: الثيب: جاء في المصباح المنير: " وقيل: للإنسان إذا تَزَوَّج ثَيِّب وهو فَيْعِلٌ اسم فاعل من ثَابَ وإطلاقه على المرأة أكثر؛ لأنَّها ترجع إلى أهلها بوجهٍ غير الأوَّل، ويستوي في الثَّيِّب الذَّكر والأنثى، كما يُقَال: أَيِّمٌ وبكْرٌ للذَّكر والأنثى، وجمع المذكر ثَيِّبُونَ بالواو والنُّون، وجمع المؤنَّث ثَيِّبَات، والمُوَلَّدُونَ يقولون ثُيَّب وهو غير مسموع، وأيضا فَفَيْعِلٌ لا يُجْمَعُ على فُعُلٍ" (٣). وجاء في لسان العرب: " الثَّيِّبُ من النساء التي تَزَوّجَتْ وفارقت زوجها بأَيِّ وجْهٍ كان بَعْدَ أنْ مَسَّها، قال أَبو الهيثم: امرأَةٌ ثَيِّبٌ كانت ذاتَ زَوْج ثم ماتَ عنها زوجها أو طُلِّقت ثم رجَعَتْ إِلى النكاح، قال صاحب العين: ولا يقال ذلك للرجل إلا أَن يقال ولَدُ الثَّيِّبَيْنِ وولد البِكْرَيْنِ، وجاء في الخبر: الثَّيِّبانِ يُرْجَمانِ والبِكْرانِ يُجْلَدانِ ويُغَرَّبانِ، وقال الأَصمعي: امرأَة ثَيِّبٌ ورجل ثيّب إذا كان قد دُخِلَ به، أو دُخِلَ بها الذكر والأنثى في ذلك سواء " (٤).

стр. 874

سادساً: البكر: جاء في المصباح المنير: "والْبِكْر خلاف الثَّيِّب رجلًا كان أو امرأةً، وهو الذي لم يتزوَّج " (١). وجاء في لسان العرب: "والبِكْرُ من النساء التي لم يقربها رجل، ومن الرجال الذي لم يقرب امرأة بعد، والجمع أَبْكارٌ … والذكر والأنثى فيه سواء" (٢). المطلب الثاني: مصرف هذا الوقف وفيه مسائل: المسألة الأولى: مصرف الوقف إذا كان على الأيتام: إذا وقف على الأيتام: فالمراد بهم من لا أب له ممن لم يبلغ. ونص شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: " أنه يعطى من ليس له أب يعرف ببلاد الإسلام، قال: ولا يعطى الكافر " (٣). قال ابن مفلح: " ويتجه وجه: وليس ولد الزنى يتيماً؛ لأن اليتم انكسار يدخل على القلب بفقد الأب، قال الإمام أحمد ﵀-فيمن بلغ خرج عن حد اليتم " (٤).

стр. 875

المسألة الثانية: مصرف الوقف إذا كان على الأيامى، والعزاب: اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الأيامى والعزاب من لا أزواج لهم، لكن يختص الأيامى بالنساء، والعزاب بالرجال. وهذا أوجه القولين عند الشافعية (١)، واختاره ابن قدامة، وقال في الشرح الكبير: "وهذا أولى" (٢). القول الثاني: أن الأيامى والعزاب من لا زوج له من الرجال والنساء. وهذا هو المذهب عند الحنابلة (٣). الأدلة: دليل القول الأول: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٤). ٢ - أن العرف يخص النساء بهذا الاسم، والحكم بالاسم العرفي. دليل القول الثاني: دلالة اللغة على ذلك (٥). ونوقش: بأن الدلالة العرفية مقدمة على الدلالة اللغوية. وعلى هذا فالأقرب هو القول الأول. المسألة الثالثة: إذا قال: هذا وقف على الأرامل: اختلف العلماء في مصرف الوقف إذا قال هذا وقف على الأرامل على قولين:

стр. 876

القول الأول: أنه يشمل النساء التي فارقهن أزواجهن. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (١). وقيده القاضي من الحنابلة بالبالغ. القول الثاني: أنه يشمل الرجال والنساء. واختاره ابن عقيل من الحنابلة (٢). الأدلة: ١ - المعروف من كلام الناس أنه للنساء، فلا يحمل اللفظ إلا عليه. ٢ - ولأن الأرامل جمع أرملة فلا يكون جمعاً للذكر؛ لأن ما يختلف لفظ الذكر والأنثى في واحده يختلف في جمعه. دليل القول الثاني: ورود ذلك في اللغة (٣)، قال الشاعر: هذه الأرامل قد قضيت حاجتها … فمن لحاجة الأرمل الذكر وقال الآخر: أحب أن أصطاد ضبًّا سحبلاً … رعى الربيع والشتاء أرملا ونوقش: بأن ابن الأنباري أنكر على قائل القول الثاني وخطأه فيه، والشعر الذي احتج به حجة عليه، فإنه لو كان لفظ الأرامل يشمل الذكر والأنثى لقال حاجتهم؛ إذ لا خلاف بين أهل اللسان في أن اللفظ متى كان للذكر والأنثى، ثم رد عليه ضمير غلب فيه لفظ التذكير وضميره، فلما رد الضمير على الإناث علم أنه موضع لهن على الإنفراد وسمي نفسه أرملاً

стр. 877

تجوزًا وتشبيهًا بهن، ولذلك وصف نفسه بأنه ذكر، وكذلك الشعر الآخر، ويدل على إرادة المجاز أن اللفظ عند إطلاقه لا يفهم منه إلا النساء، ولا يسمى به في العرف غيرهن، وهذا دليل على أنه لم يوضع لغيرهن، ثم لو ثبت أنه في الحقيقة للنساء والرجال، لكن أهل العرف قد خصوا به النساء، وتركت الحقيقة حتى صارت مهجورة لا تفهم من لفظ المتكلم، ولا يتعلق بها حكم كسائر الألفاظ العرفية" (١). وعلى هذا فالأقرب هو القول الأول؛ لدلالة العرف. المسألة الرابعة: اختصاصه بالفقراء: القول الأول: أنه شامل للأغنياء والفقراء. وهو ظاهر إطلاق المالكية، والحنابلة (٢). وحجته: إطلاق اللفظ. القول الثاني: أنه خاص بالفقراء. قال الرملي: "والوصية لليتامى، أو الأرامل، أو الأيامى، أو العميان، أو الحجاج، أو الزمنى، أو أهل السجون، أو الغارمين، أو لتكفين الموتى، أو حفر قبورهم تقتضي اشتراط فقرهم " (٣). وحجته: ١ - أن تخصيص هؤلاء بالذكر يوحي باشتراط فقرهم. ٢ - أَنَّ الحجَّ يستلزم السَّفر بل طوله غالبًا، وهو يستلزم الحاجة غالبًا، فكان مُشْعرًا بالفقر، فلذا اخْتَصَّ بفقرائهم (٤).

стр. 878

والأقرب: إن كان هناك عرف رجع إليه، فإن لم يكن اختص بالفقراء؛ إذ مصرف الصدقة غالباً للفقراء. المسألة الخامسة: مصرف الوقف إذا كان على الثيب والأبكار: وفيها أمران: الأمر الأول: ضابط البكر، والثيب عند الفقهاء. تحرير محل النزاع: أولاً: باتفاق الفقهاء أن من لم تزل بكارتها، فهي بكر. ثانياً: باتفاق الفقهاء أن من زالت بكارتها بوطء مباح أنها ثيب. ثالثاً: من وطئت في نكاح فاسد، فهي في حكم الثيب. رابعاً: من وطئت في الدبر، فهي في حكم البكر. واختلف العلماء فيما عدا ذلك، وتحت ذلك فروع: الفرع الأول: أن يكون زوالها بلا وطء، كأن تزول بسبب مرض، أو وثبة، أو شدة الحيضة، أو عبث المرأة، أو غير ذلك: فاختلف العلماء في كونها ثيباً أو بكراً على قولين: القول الأول: أن لها حكم البكر. وهو قول جمهور العلماء (١). وحجته: ١ - أنه زيد في القسم لها أكثر؛ لعدم تجربتها للرجال، ومن زالت بكارتها بغير وطء لم تَخْبُر المقصود، ولم تجرب الرجال، فهي في حكم البكر (٢).

стр. 879

٢ - أنه لم يوجد وطؤها في القبل، فأشبهت من لم تزل عذريتها (١) (٢). القول الثاني: أنها في حكم الثيب. وهذا وجه عند الشافعية (٣). ولعل حجته: أن بكارتها زالت، فأشبهت من وطئت في القبل. ونوقش: بالفرق، فإن من وطئت في القبل قد جربت الرجال، فزالت العلة، بخلاف من لم توطأ، فلم تجرب الرجال (٤). الترجيح: يترجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، وضعف القول الثاني بمناقشته. الفرع الثاني: أن يكون زوال البكارة بوطء محرم. اختلف العلماء ﵏ في الوطء المحرم هل تكون به المرأة في حكم الثيب؟ على قولين: القول الأول: إن كان الوطء محرماً مع رضا فهي في حكم الثيب، وإن كان محرماً مع إكراه فهي في حكم البكر. وبه قال بعض الحنابلة (٥). وحجته: أن علة زيادة البكر الحياء، كما دلت على ذلك السنة، وهو باق فيمن زالت بكارتها بالزنى مع الإكراه، دون من زالت بكارتها بالزنى مع الرضا.

стр. 880

القول الثاني: أنه لا فرق بين الوطء الحلال والحرام فهي في حكم الثيب. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (١). وحجته: (٢٣٧) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق خالد، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ ولو شئت أن أقول: قال النبي ﷺ ولكن قال: "السُّنَّة إذا تزوَّج البِكْر أقام عندها سبعاً، وإذا تزوَّج الثَّيِّب أقام عندها ثلاثًا " (٢). والموطوءة بزنى مطلقاً ثيب لغة وشرعاً (٣). ويمكن أن يناقش: بأنه لا يسلم فيمن وطئت بزنى بإكراه لوجود علة التفضيل وهي الحياء، فليس المناط بقاء البكارة، أو زوالها، ولهذا من زالت بكارتها بغير وطء في حكم البكر. ٢ - أنه لو وصى لثيب النساء دخلت في الوصية الموطوءة بزنى، ولو وصى للأبكار لم تدخل. ويمكن أن يناقش: بأنه استدلال في محل النِّزاع. ٣ - أنه لو اشترطها في التزويج أو الشراء بكراً، فوجدها مصابة بالزنى ملك الفسخ. ويمكن أن يناقش: بوجود الفرق، فوجود البكارة في البيع والزواج أمر مقصود للزوج. ٤ - أنها موطوءة في القبل أشبهت الموطوءة بشبهة (٤).
следующие страницы →