← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

القول الأول: أنه يشمل النساء التي فارقهن أزواجهن. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (١). وقيده القاضي من الحنابلة بالبالغ. القول الثاني: أنه يشمل الرجال والنساء. واختاره ابن عقيل من الحنابلة (٢). الأدلة: ١ - المعروف من كلام الناس أنه للنساء، فلا يحمل اللفظ إلا عليه. ٢ - ولأن الأرامل جمع أرملة فلا يكون جمعاً للذكر؛ لأن ما يختلف لفظ الذكر والأنثى في واحده يختلف في جمعه. دليل القول الثاني: ورود ذلك في اللغة (٣)، قال الشاعر: هذه الأرامل قد قضيت حاجتها … فمن لحاجة الأرمل الذكر وقال الآخر: أحب أن أصطاد ضبًّا سحبلاً … رعى الربيع والشتاء أرملا ونوقش: بأن ابن الأنباري أنكر على قائل القول الثاني وخطأه فيه، والشعر الذي احتج به حجة عليه، فإنه لو كان لفظ الأرامل يشمل الذكر والأنثى لقال حاجتهم؛ إذ لا خلاف بين أهل اللسان في أن اللفظ متى كان للذكر والأنثى، ثم رد عليه ضمير غلب فيه لفظ التذكير وضميره، فلما رد الضمير على الإناث علم أنه موضع لهن على الإنفراد وسمي نفسه أرملاً

стр. 877

تجوزًا وتشبيهًا بهن، ولذلك وصف نفسه بأنه ذكر، وكذلك الشعر الآخر، ويدل على إرادة المجاز أن اللفظ عند إطلاقه لا يفهم منه إلا النساء، ولا يسمى به في العرف غيرهن، وهذا دليل على أنه لم يوضع لغيرهن، ثم لو ثبت أنه في الحقيقة للنساء والرجال، لكن أهل العرف قد خصوا به النساء، وتركت الحقيقة حتى صارت مهجورة لا تفهم من لفظ المتكلم، ولا يتعلق بها حكم كسائر الألفاظ العرفية" (١). وعلى هذا فالأقرب هو القول الأول؛ لدلالة العرف. المسألة الرابعة: اختصاصه بالفقراء: القول الأول: أنه شامل للأغنياء والفقراء. وهو ظاهر إطلاق المالكية، والحنابلة (٢). وحجته: إطلاق اللفظ. القول الثاني: أنه خاص بالفقراء. قال الرملي: "والوصية لليتامى، أو الأرامل، أو الأيامى، أو العميان، أو الحجاج، أو الزمنى، أو أهل السجون، أو الغارمين، أو لتكفين الموتى، أو حفر قبورهم تقتضي اشتراط فقرهم " (٣). وحجته: ١ - أن تخصيص هؤلاء بالذكر يوحي باشتراط فقرهم. ٢ - أَنَّ الحجَّ يستلزم السَّفر بل طوله غالبًا، وهو يستلزم الحاجة غالبًا، فكان مُشْعرًا بالفقر، فلذا اخْتَصَّ بفقرائهم (٤).

стр. 878

والأقرب: إن كان هناك عرف رجع إليه، فإن لم يكن اختص بالفقراء؛ إذ مصرف الصدقة غالباً للفقراء. المسألة الخامسة: مصرف الوقف إذا كان على الثيب والأبكار: وفيها أمران: الأمر الأول: ضابط البكر، والثيب عند الفقهاء. تحرير محل النزاع: أولاً: باتفاق الفقهاء أن من لم تزل بكارتها، فهي بكر. ثانياً: باتفاق الفقهاء أن من زالت بكارتها بوطء مباح أنها ثيب. ثالثاً: من وطئت في نكاح فاسد، فهي في حكم الثيب. رابعاً: من وطئت في الدبر، فهي في حكم البكر. واختلف العلماء فيما عدا ذلك، وتحت ذلك فروع: الفرع الأول: أن يكون زوالها بلا وطء، كأن تزول بسبب مرض، أو وثبة، أو شدة الحيضة، أو عبث المرأة، أو غير ذلك: فاختلف العلماء في كونها ثيباً أو بكراً على قولين: القول الأول: أن لها حكم البكر. وهو قول جمهور العلماء (١). وحجته: ١ - أنه زيد في القسم لها أكثر؛ لعدم تجربتها للرجال، ومن زالت بكارتها بغير وطء لم تَخْبُر المقصود، ولم تجرب الرجال، فهي في حكم البكر (٢).

стр. 879

٢ - أنه لم يوجد وطؤها في القبل، فأشبهت من لم تزل عذريتها (١) (٢). القول الثاني: أنها في حكم الثيب. وهذا وجه عند الشافعية (٣). ولعل حجته: أن بكارتها زالت، فأشبهت من وطئت في القبل. ونوقش: بالفرق، فإن من وطئت في القبل قد جربت الرجال، فزالت العلة، بخلاف من لم توطأ، فلم تجرب الرجال (٤). الترجيح: يترجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، وضعف القول الثاني بمناقشته. الفرع الثاني: أن يكون زوال البكارة بوطء محرم. اختلف العلماء ﵏ في الوطء المحرم هل تكون به المرأة في حكم الثيب؟ على قولين: القول الأول: إن كان الوطء محرماً مع رضا فهي في حكم الثيب، وإن كان محرماً مع إكراه فهي في حكم البكر. وبه قال بعض الحنابلة (٥). وحجته: أن علة زيادة البكر الحياء، كما دلت على ذلك السنة، وهو باق فيمن زالت بكارتها بالزنى مع الإكراه، دون من زالت بكارتها بالزنى مع الرضا.

стр. 880

القول الثاني: أنه لا فرق بين الوطء الحلال والحرام فهي في حكم الثيب. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (١). وحجته: (٢٣٧) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق خالد، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ ولو شئت أن أقول: قال النبي ﷺ ولكن قال: "السُّنَّة إذا تزوَّج البِكْر أقام عندها سبعاً، وإذا تزوَّج الثَّيِّب أقام عندها ثلاثًا " (٢). والموطوءة بزنى مطلقاً ثيب لغة وشرعاً (٣). ويمكن أن يناقش: بأنه لا يسلم فيمن وطئت بزنى بإكراه لوجود علة التفضيل وهي الحياء، فليس المناط بقاء البكارة، أو زوالها، ولهذا من زالت بكارتها بغير وطء في حكم البكر. ٢ - أنه لو وصى لثيب النساء دخلت في الوصية الموطوءة بزنى، ولو وصى للأبكار لم تدخل. ويمكن أن يناقش: بأنه استدلال في محل النِّزاع. ٣ - أنه لو اشترطها في التزويج أو الشراء بكراً، فوجدها مصابة بالزنى ملك الفسخ. ويمكن أن يناقش: بوجود الفرق، فوجود البكارة في البيع والزواج أمر مقصود للزوج. ٤ - أنها موطوءة في القبل أشبهت الموطوءة بشبهة (٤).

стр. 881

ويمكن أن يناقش: أنه لا يسلم أن الموطوءة بشبهة في حكم الثيب؛ لبقاء علة التفضيل وهي الحياء. القول الثالث: أن الموطوءة بزنى في حكم البكر. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢). وحجته: (٢٣٨) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج قال: سمعت ابن أبى مليكة يقول: قال ذكوان مولى عائشة: سمعت عائشة ﵂ تقول: سألت رسول الله ﷺ الجارية يُنْكِحُها أهلها أتُسْتَأْمَر أم لا؟ فقال لها رسول الله ﷺ : «نعم تُسْتأمر»، فقالت عائشة: فقلت له: فإنَّها تسْتَحْيِى، فقال رسول الله ﷺ : «فذلك إذْنُها إذا هي سكتت» (٣). وجه الدلالة: دل هذا الحديث أن الحياء في البكر علة وضع النطق؛ لأن قوله ﷺ : «إذنها إذا هي سكتت» خرج جواباً لقول عائشة: «تستحيي» أي عن الإذن بالنكاح نطقاً، والجواب يقتضي إعادة السؤال؛ لأن الجواب لا يتم بدون السؤال، كأنه قال ﷺ : إذا كانت البكر تستحي عن الإذن بالنكاح نطقاً، فإذنها صمتها (٤). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن التعليل بالحياء لا يصح، فإنه أمر خفي لا يمكن

стр. 882

اعتباره بنفسه، وإنما يعتبر بمظنته وهي البكارة، ثم هذا التعليل يفضي إلى إبطال منطوق الحديث فيكون باطلاً في نفسه (١). ورد: بأن إبطال التعليل بالحياء غير مُسلَّم؛ لورود الحديث به، والقول بأنه يؤدي إلى إبطال الحديث غير مُسلَّم. وقيام الصمت مقام الإذن علة منصوصة، وعلة النص لا تتقيد بمحل النص كالطواف في الهرة ونحو ذلك (٢)، وإذا كان كذلك فالحياء موجود فيمن زالت بكارتها بالزنى؛ لأنها لم تباشر الإذن بالنكاح. الوجه الثاني: أن هذا مُسلَّم فيما إذا كان الزنى عن إكراه، أما إذا كان عن رضا فقد جربت الرجال وزال حياؤها. الترجيح: يترجح -والله أعلم- ما ذهب إليه أهل القول الأول؛ إذ فيه الجمع بين الأدلة. الفرع الثالث: أن يكون الوطء بشبهة، وذلك بأن يطأ امرأة يظنها زوجته فتتبين غير زوجته. اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنها في حكم البكر. وهو ظاهر قول المالكية (٣). وحجة هذا القول: ما تقدم من أنه زيد في قسم البكر لعلة الحياء، وهذا موجود فيمن وطئت بشبهة (٤).

стр. 883

القول الثاني: أنها في حكم الثيب. وهو قول جمهور أهل العلم (١). وحجة هذا القول: ما تقدم من أن الموطوءة ثيب لغة وشرعاً. وتقدم الجواب عنه (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لبقاء علة الحكم في حقها. الأمر الثاني: اختصاصه بالرجال دون النساء: اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- فيما إذا وقف على الثيب أو الأبكار هل خاص بالنساء أو شامل للرجال والنساء على قولين: القول الأول: أنه خاص بالنساء. وهذا هو الأصح عند الشافعية (٣). وحجته: دلالة العرف. القول الثاني: أنه شامل للرجال وللنساء. وبه قال بعض الشافعية (٤)، وهو قول الحنابلة (٥). وحجته: دلالة اللغة.

стр. 884

قال ابن الجوزي: يقال في اللغة: "رجل أيم، وامرأة أيم، ورجل بكر، وامرأة بكر إذا لم يتزوجا، ورجل ثيب، وامرأة ثيبة إذا كانا قد تزوجا " (١). والأقرب: الرجوع إلى العرف، فإن لم يكن فإلى اللغة.

стр. 885

المبحث الثامن عشر: إذا قال: هذا وقف على الأطفال، أو الصبيان، أو الصغار، أو الذراري، أو الغلمان، والحفيد، والسبط، والشباب، والشيوخ وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف مفردات العنوان لغة أولاً: الأطفال: جاء في المصباح المنير: " الطِّفْلُ: الولد الصغير من الإنسان والدواب. قال ابن الأنباري: ويكون الطفل بلفظ واحد للمذكر والمؤنث والجمع، قال تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (١)، ويجوز المطابقة في التثنية والجمع والتأنيث، فيقال: طِفْلة وأطفال وطِفْلات وأطْفلت كل أنثى إذا ولدت فهي مُطْفِل، قال بعضهم: ويبقى هذا الاسم للولد حتى يميز، ثم لا يقال له بعد ذلك طِفْل، بل صبي وحزور ويافع ومراهق وبالغ، وفي التهذيب يقال له: طفل إلى أن يحتلم " (٢).

стр. 886

ثانياً: الصبيان: جاء في لسان العرب: " والصِّبْوَة جمع الصَّبيِّ والصِّبْيةُ لغة، والمصدر الصِّبا يقال: رأيته في صِباهُ أي في صِغَرِه، وقال غيره: رأيته في صَبائِه أي في صِغَره، والصَّبيُّ من لدن يُولَد إلى أن يُفْطَم، والجمع أصْبِيَة وصِبْوة وصِبْيَة " (١). ثالثاً: الصغار: جمع صغير، وهو الصبي (٢). رابعاً: الذراري: جاء في اللسان: " قال ثعلب في قوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ (٣) معناه يُكَثِّرُكُم فيه أي في الخلق، قال: والذُّرِّيَّة والذِّرِّيَّة منه، وهي نسل الثَّقَلَيْن، قال: وكان ينبغي أن تكون مهموزة فكثرت، فأُسقط الهمز، وتركت العرب همزها وجمعها ذَراريُّ " (٤). خامساً: الغلمان: جاء في المصباح المنير: " الغلام: الابن الصغير، وجمع القلة غِلْمَة بالكسر، وجمع الكثرة غِلْمَان، ويطلق الغلام على الرجل مجازا باسم ما كان عليه كما يقال للصغير: شيخ مجازا باسم ما يؤول إليه وجاء في الشعر غلامة بالهاء للجارية ..... قال الأزهري: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكرا: غلام، وسمعتهم يقولون للكهل: غلام، وهو فاشٍ في كلامهم " (٥). سادساً: الحفيد: جاء في المصباح المنير: " حَفَدَ حَفْدًا من باب ضَرَبَ أسرع، وفي

стр. 887

الدُّعاء: وإليك نسعى ونحْفد: أي نسرع إلى الطاعة، وأحفد إحفادا مثله، وحفد حَفْدا خَدَمَ، فهو حافد، والجمع حَفَدَة، مثل: كافر وكفرة، ومنه قيل: للأعوان حَفَدَة، وقيل: لأولاد الأولاد حَفَدَة؛ لأنهم كالخُدَّام في الصغر " (١). وجاء في اللسان: "والحَفَدُ والحَفَدَة: الأَعوان والخدَمة واحدهم حافد، وحفَدة الرجل: بناته وقيل: أولاد أولاده، وقيل: الأصهار والحفيد ولد الولد، والجمع: حُفَداءُ ..... وقال الضحاك: الحفدة بنو المرأة من زوجها الأَوَّل، وقال عكرمة: الحفدة من خدمك من ولدك وولد ولدك، وقال الليث: الحفدة ولد الولد، وقيل: الحفدة البنات وهنَّ خدم الأبوين في البيت، وقال ابن عرفة: الحفَدُ عند العرب الأعوان فكل من عمل عملاً أَطاع فيه وسارع فهو حافد" (٢). سابعاً: السبط: جاء في المصباح المنير: "سَبِطَ الشَّعْرُ سَبَطًا من باب تَعِبَ، فهو سَبِط بكسر الباء، وربما قيل: سَبَط بالفتح وصْفا بالمصدر إذا كان مسترسلا، وسَبُط سُبُوطة فهو سَبْط، مثل: سَهُل سُهُولة فهو سَهْل لغة فيه، وَالسِّبْطُ ولد الولد، والجمع أسْبَاط مثل: حِمْلٍ وأحْمَال" (٣). وفي لسان العرب: " قال أَبو العباس: سأَلت ابن الأَعرابي ما معنى السِّبْط في كلام العرب؟ قال: السِّبْطُ والسّبْطان والأَسْباط خاصّة الأولاد .... ، وقيل: السِّبْطُ واحد الأسْباط وهو وَلد الوَلدِ، ابن سيده: السِّبْطُ: ولد الابن والابنة ..... وقيل أَولاد: البنات " (٤).

стр. 888

ثامناً: الشباب: جاء في المصباح المنير: " شَبَّ الصبي يَشِبُّ من باب ضَرَبَ شَبَابًا وَشَبِيبَةً وهو شَاب، وذلك سنٌّ قبل الكُهُولَةِ، وقوْمٌ شُبَّان مثل: فارس وفرْسَان، والأنثى شَابَّةٌ، والجمع شَوَابُّ مثل: دابَّة وَدَوَابَّ " (١). وفي لسان العرب: " الشَّباب: الفَتاء والحداثةُ شبَّ يشِبُّ شبابًا وشبيبةً، وفي حديث شريح: تجوز شهادة الصِّبيان على الكبار يُسْتشَبُّون أي يُسْتشْهَدُ من شبَّ منهم وكَبر إذا بَلَغ، كأنه يقول إذا تحمَّلوها في الصِّبا وأَدَّوْها في الكِبر جاز، والاسم الشَّبيبة وهو خلاف الشَّيب، والشباب جمع شابٍّ، وكذلك الشُّبان " (٢). وفي تاج العروس: " الشَّبَاب: الفَتَاء والحَدَاثَة كالشَّبِيبَة، وقد شَبَّ الغلام يَشِبُّ شَبَاباً وشُبُوباً وشَبِيباً، وأشَبَّهُ الله وأشَبَّ الله قَرْنَه بمعنىً والأخير مجاز والقَرْن زيادة في الكلام، وقال محمد بن حبيب: زمن الغُلُومِيَّة سبع عشرة سنةً منذ يُولَدُ إلى أن يَسْتَكْمِلَها، ثم زمن الشَّبَابِيَّة منها إلى أن يَسْتَكْمِلَ إحدى وخمسين سنة، ثم هو شَيْخ إلى أن يموت، وقيل: الشَّابُّ: البالِغ إلى أن يُكَمِّل ثلاثين، وقيل: ابن سِتَّ عشرة إلى اثْنَتَيْن وثلاثين ثُمَّ هو كَهْلٌ. انتهى" (٣). تاسعاً: الشيوخ: جاء في المصباح المنير: " الشَّيْخ فوق الكَهْل، وَجَمْعُهُ: شُيُوخ وشِيخَان بالكسر" (٤).

стр. 889

وجاء في لسان العرب: " الشيْخ: الذي استبانت فيه السن، وظهر عليه الشيبُ، وقيل: هو شَيْخ من خمسين إلى آخره، وقيل: هو من إحدى وخمسين إِلى آخر عمره، وقيل: هو من الخمسين إلى الثمانين، والجمع: أشياخ وشِيخان وشُيوخ وشِيَخَة وشِيخة ومَشْيَخٍة ومَِشِيخة ومَشْيُوخاء، ومَشايِخُ وأنكره ابن دريد" (١). المطلب الثاني: مصرف هذا الوقف وفيه مسائل: المسألة الأولى: مصرف الوقف على الأطفال، والصبيان، والذراري، والغلمان. إذا وقف على الأطفال، أو الصغار، أو الغلمان، أو الذراري، أو الصبيان: فإنه يعطى من لم يبلغ؛ إذ إن حقائق هذه الأعيان يرجع فيها إلى اللغة ما لم يكن هناك عرف. ونص المالكية: أنه شامل للذكور والإناث (٢)، وهو ظاهر إطلاق الشافعية، والحنابلة (٣). جاء في الشرح الكبير للدردير: " وتناول طفل، وصغير، وصبي في قوله: "وقف على أطفالي، أو أطفال فلان، أو صغاري، أو صبياني من لم يبلغ ....

стр. 890

وشمل أي قوله: "طفل وما بعده: الأنثى، فلا يختص بالذكر كالأرمل يشمل الأنثى؛ لأن المراد الشخص الأرمل ..... " (١). وقال النووي: " غلمان القبيلة، وصبيانهم، والأطفال، والذراري هم الذين لم يبلغوا " (٢). وقال المرداوي: " الصبي، والغلام من لم يبلغ " (٣). المسألة الثانية: مصرف الوقف إذا كان على الحفيد أو السبط. قال أيضا: " الحَفِيد: يقع على ولد الابن والبنت، وَكذلك "السِّبْط" ولد الابن والبنت " (٤). المسألة الثالثة: إذا قال: وقف على الشباب، أو الشيوخ. جاء في الشرح الكبير للدردير: " وتناول شاب وحدث بالغاً للأربعين أي لتمامها، وإلا بأن زاد على الأربعين فكهل للستين، وإلا بأن زاد على الستين فشيخ " (٥). قال النووي: "واختلفوا في الشيوخ والشبان، والفتيان، ففي المهذب والتهذيب: أن الشيوخ من جاوزوا أربعين سنة، والفتيان والشبان من جاوز البلوغ إلى الثلاثين، والمفهوم منه: أن الكهول من الثلاثين إلى الأربعين، ونقل الأستاذ عن الأصحاب أنهم قالوا: إن الرجوع في ذلك إلى اللغة واعتبار لون الشعر في السواد والبياض والاختلاط، ويختلف ذلك باختلاف أمزجة الناس، قلت: هذا المنقول عن المهذب والتهذيب، قاله أيضا

стр. 891

آخرون، وهو الأصح المختار، وصرح الروياني وغيره بأن الكهول من جاوز ثلاثين إلى أربعين، وكذا قال أهل اللغة: إنه من جاوز الثلاثين، لكن قال ابن قتيبة: إنه يبقى حتى يبلغ خمسين " (١). قال المرداوي في الإنصاف: " الرابعة: الشاب، والفتى: هما من البلوغ إلى الثلاثين على الصحيح من المذهب، وقيل: إلى خمس وثلاثين. والكهل من حد الشاب إلى خمسين، والشيخ: منها إلى السبعين على الصحيح من المذهب، قدمه في الفروع. وقال في الكافي: إلى آخر العمر، وهو ظاهر كلامه في الرعاية الصغرى، والحاوي الصغير، والفائق، فإنهم قالوا: ثم الشيخ بعد الخمسين. قال الحارثي: لا يزال كهلا حتى يبلغ خمسين سنة، ثم هو شيخ حتى يموت، واقتصر عليه، فعلى المذهب: يكون الهرم منها إلى الموت " (٢). والأقرب في هذه المسائل: الرجوع إلى العرف، فإن لم يكن عرف مطرد رجع إلى الدلالة اللغوية، وكلام أهل اللغة لا يخرج عن كلام الفقهاء (٣).

стр. 892

المبحث التاسع عشر: إذا قال: هذا وقف على العلماء، أو الجيران وفيه مطلبان: المطلب الأول: إذا قال: هذا وقف على العلماء إذا قال: هذا وقف على العلماء، فاختلف العلماء في مصرفه على قولين: القول الأول: أنهم حملة الشريعة، ولو كانوا أغنياء. وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: أنهم العلماء بالتفسير، والحديث، والفقه، ولو كانوا أغنياء. وهو قول الشافعية، وبه قال بعض الحنابلة (٢). ولم أقف له على دليل. والأقرب: القول الأول؛ لعموم اللفظ إلا إذا كان هناك عرف.

стр. 893

المطلب الثاني: إذا قال: هذا وقف على الجيران قال في الفتاوى الهندية: " إذا أوقف على جيرانه ففي القياس يصرف إلى الملاصق، وفي الاستحسان يصرف إلى من يجمعه وإياهم مسجد المحلة " (١). للعلماء في ضابط الجار المستحق لهذا الوقف أقوال: القول الأول: أن حد الجوار أربعون داراً من كل جانب. وهو الصحيح عند الشافعية (٢)، والمنصوص عليه في مذهب الحنابلة وعليه أكثر الأصحاب (٣)، وقال به الحسن (٤)، والزهري، والأوزاعي (٥). القول الثاني: الجار الملاصق فقط. قال به أبو حنيفة، وزفر (٦)، وبه قال المالكية، إلا أنهم زادوا في حد الجوار، فقالوا:

стр. 894

ما واجه الدار فهو جار أيضا (١)، وهو قول الشافعية كما قال النووي (٢). القول الثالث: الجار: هو الملاصق وغيره ممن يجمعهم المسجد إذا كانوا أهل محلة واحدة. وبه قال القاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٣)، وهو قول عند المالكية (٤). وقد فصل في هذا القول: فقيل بأنه من يسمع النداء (٥). وقيل (٦): إن من يسمع الإقامة فهو جار لذلك المسجد (٧). وقيل: من صلى معك صلاة الصبح فهو جار (٨). القول الرابع: أن من ساكن غيره في محلة أو مدينة فهو جار (٩).

стр. 895

القول الخامس: أن جيران الإنسان قبيلته، وقيل: الأفخاذ (١). القول السادس: أن الجار هو من ليس بينك وبينه درب (٢) يغلق، وقيل: الجيران هم أهل الزقاق (٣) غير النافذ (٤). القول السابع: الجار: الدار والداران (٥)، وهو مروي عن قتادة. القول الثامن: الجار هو من قاربت داره دار جاره، ويرجع في ذلك إلى العرف، وهو اختيار ابن قدامة من الحنابلة، وصوبه في (الإنصاف) (٦). الأدلة: أدلة القول الأول: (أربعون داراً) (٢٣٩) ١ - ما رواه أبو يعلى من طريق عبد السلام بن أبي الجنوب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " حق الجوار أربعون داراً هكذا هكذا وهكذا، يميناً وشمالاً وقداماً وخلفاً " (٧).

стр. 896

وجه الاستدلال: أنه هذا الحديث نص على أن حد الجوار أربعون داراً من كل جانب، والنص لا يجوز العدول عنه (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الحديث لو صح لكان فيصلاً في المسألة، ولما دام كذلك فيسقط به الاستدلال. (٢٤٠) ٢ - ما رواه الطبراني في الكبير من طريق يوسف بن السفر، عن الأوزاعي، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: أتى النبي ﷺ رجل، فقال: " يا رسول الله إني نزلت في محلة بني فلان، وإن أشدهم لي أذى أقدمهم لي جواراً، فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليّاً يأتون المسجد فيقومون على بابه، فيصيحون ألا أن أربعين داراً جار، ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه " (٢) (٣).

стр. 897

وجه الاستدلال: أن الحديث نص على أن الجيرة أربعون داراً. ونوقش الاستدلال بهذا الحديث: هذا الحديث كالحديث السابق لا تنهض به حجة لضعفه. واستدلوا للقول الثاني بما يلي: (٢٤٠*) ١ - ما رواه البخاري من طريق عمرو بن الشَّريد، عن أبي رافع ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الجار أحق بسقبه" (١). وجه الاستدلال بهذا الحديث: أنه قد جاء لبيان حق الشفعة، وهي لا تثبت لأحد من الجيران إلا للملاصق، فدل على أنه هو المقصود بالجار. وأجيب عن هذا الاستدلال: بأنه قد ورد تفسير (الجار) هنا بالشريك (٢)، وبالتالي فلا يختص الجار في هذا الحديث بالملاصق. ٢ - أن انصراف الجار إلى الملاصق فقط هو مقتضى القياس، فتحمل عليه النصوص الواردة في الموضوع، فإن الجار من المجورة وهي الملاصقة حقيقة، والاتصال بين الملكين بلا حائل بينهما، فأما مع الحائل فلا يكون مجاوراً حقيقة، ولهذا ثبتت الشفعة للجار الملاصق دون غيره؛ لأنه ليس بجار حقيقة (٣). وأجيب: بأن استعمال الجار لغير الملاصق ثابت في النصوص الشرعية (٤)، وبالتالي فلا يختص معنى الجار بالملاصقة.

стр. 898

وأما قولهم عن الشفعة تثبت للجار الملاصق دون غيره، فهذه مسألة خلافية. ٣ - أنه يترتب على الجوار حقوق يلزم أداؤها (١) للجار، ولما كان متعذراً صرفها لكل من يطلق عليه اسم الجار لغة، فإن مسمى الجار الشرعي يصرف إلى أخص الخصوص وهو الملاصق (٢). وقد أجيب عن هذا الدليل: بأنه لا يلزم من تعذر صرفه إلى الجميع (٣) تعذر صرفه إلى بعض الجيران غير الملاصقين كأهل مسجد المحلة الواحدة (٤)، فإنهم جيران للمسجد وإن لم يكونوا ملاصقين له. أدلة القول الثالث: (٢٤١) ١ - ما رواه الدارقطني من طريق سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٥).

стр. 899

وأجيب: بأنه دلالة فيه على اختصاص جار المسجد بلفظ الجار؛ لأن الحديث إنما ورد في حكم الصلاة (١)، ثم إنه لو سلم بذلك، فالحديث ضعيف لا يقوم به الاستدلال. ٢ - أن المقصود من الجوار البر بالجيران والإحسان إليهم، وهذا ينتظم الجار الملاصق وغيره، ولا يتحقق معنى المجاورة إلا باختلاط الجيران، وذلك لا يتم إلا إذا جمعهم مسجد واحد (٢). وأجيب: بأننا نسلم لكم أن بر الجيران فيما بينهم من مقاصد الجوار، ولكن المقصود بالجيران الملاصقين لا غير؛ لأن الجار من المجاورة وهي الملاصقة، فكيف ينتظم الملاصق وغيره (٣). ويمكن أن يؤخذ على هذا القول: أنه أخرج الذمي من مسمى الجار؛ لأن المسجد لا يضمه مع أن النصوص الواردة في الجار جاءت عامة، إلا إذا أريد باتحاد المسجد سماع الأذان (٤).

стр. 900

واستدل القول الرابع: بقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾ (١). وجه الاستدلال بهذه الآية: أن الله جعل اجتماعهم في المدينة جواراً (٢). وأجيب عن هذا الاستدلال: أن الجوار يترتب عليه بعض الحقوق والآداب الواجبة والمستحبة، وبالتالي فلا ينضبط هذا الأمر إذا قلنا بهذا القول، ولئن أمكن ذلك فيما مضى فلا يمكن الآن وبخاصة مع اتساع العمران. ولم أقف على دليل للقول الخامس والسادس والسابع. ويمكن أن يستدل للقول الثامن: بأن الاستدلالات المذكورة في هذه المسألة لا تخلو من ضعف، وبالتالي فلا تنهض للاحتجاج، فلم يبق إلا العرف، وقد عهد من أحوال الشريعة الأخذ به في أمثال هذه المسائل. واعترض الشوكاني ﵀ على هذا القول فقال: " وأما الأعراف في مسمى الجوار فهي تختلف باختلاف أهله، ولا يصح حمل القرآن على أعراف متعارفة، واصطلاحات متواضعة " (٣). ويمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض: بأن محله فيما ورد فيه نص، فأما ما لا نص فيه فإن العرف حجة، كما قرر ذلك في علم الأصول (٤).

стр. 901

الترجيح: الراجح -والله أعلم- أن مسمى الجار يرجع فيه إلى العرف؛ إذ ما ورد مطلقا على لسان الشارع، فإنه يرجع إلى العرف في تحديده وضبطه.

стр. 902

المبحث العشرون: مصرف الوقف إذا كان لمحصورين، أو لغير محصورين وفيه مطلبان: المطلب الأول: إذا كان الموقوف عليهم محصورين إذا كان الوقف على محصورين فيجب استيعابهم باتفاق المذاهب الأربعة في الجملة (١). ودليله: أدلة وجوب العمل بشرط الواقف، ولإطلاق لفظه. وهل يجب عليه أن يسوي بينهم؟ فيه مسألتان: المسألة الأولى: أن يفضل الواقف بعضهم على بعض.: إذا لم يكن الموقوف عليهم أولاداً للواقف (٢)، وفضل بعضهم على

стр. 903

بعض، فيجب التفضيل باتفاق المذاهب الأربعة (١)؛ مراعاة لشرط الواقف. المسألة الثانية: أن لا يفضل الواقف بعضهم على بعض. إذا لم يكن الموقوف عليهم أولاداً للواقف، ولم يفضل بعضهم على بعض، فقد اختلف الفقهاء ﵏ في حكم التسوية بينهم على قولين: القول الأول: وجوب التسوية بين الموقوف عليهم. وهو قول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والمذهب عند الحنابلة (٥). القول الثاني: جواز التفضيل للحاجة فيما إذا كان الوقف مقصوداً به سد الخلة. وهو رواية عن الإمام أحمد (٦). الأدلة: أدلة القول الأول: (وجوب التسوية بين الموقوف عليهم) ١ - أن اللفظ يقتضي التسوية وأمكن الوفاء به، فوجب العمل بمقتضاه (٧).

стр. 904

٢ - القياس على وجوب التسوية فيما إذا أقر شخص بشيء لعدة أشخاص (١). ٣ - القياس على وجوب التسوية فيما إذا وهب شخص شيئاً لعدة أشخاص (٢). دليل القول الثاني: النظر إلى قصد الواقف، فالواقف إنما قصد من وقفه نفع الموقوف عليهم، فإذا وجد ما يقتضي تفضيل بعضهم جاز. ونوقش: بأن الواقف لو أراد تفضيل بعضهم لبيّنه، فلما أطلق الوقف دل على أنه إنما أراد التسوية بين الموقوف عليهم. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول وهو وجوب التسوية بين الموقوف عليهم؛ لقوة الأدلة التي استدلوا بها، وسلامتها من الاعتراض، مع ضعف ما استُدل للمخالف؛ لمناقشته. المطلب الثاني: إذا كان الموقوف عليهم غير محصورين إذا كان الموقوف عليهم غير محصورين، فلا يلزم استيعابهم باتفاق المذاهب الأربعة.

стр. 905

وذلك لتعذره وعدم إمكانه (١). قال ابن قدامة: " لأنَّ وقفه عليهم مع علمه بتعذُّر استيعابهم دليل على أنَّه لم يرده، ومن جاز حرمانه جاز تفضيل غيره عليه ". وكذلك اتفقت المذاهب الأربعة (٢) على عدم وجوب التسوية بينهم. واختلفوا فيمن يجزئ الدفع إليه منهم على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجزئ الدفع إلى واحد من الموقوف عليهم. وهو قول أبي يوسف من الحنفية (٣)، وقول المالكية (٤)، والحنابلة (٥). قال ابن قدامة: " فإن وقف على من لا يُمكن حصرهم، كالمساكين، أو قبيلة كبيرة كبني تميم وبني هاشم، جاز الدَّفع إلى واحد وإلى أكثر منه، وجاز التَّفضيل والتَّسوية ". القول الثاني: لا يجزئ الدفع إلى واحد من الموقوف عليهم، بل لا بد من الدفع إلى اثنين فصاعدا. وهو قول محمد بن الحسن (٦).

стр. 906

القول الثالث: لا يجزئ الدفع إلى واحد من الموقوف عليهم، بل لا بد من الدفع إلى ثلاثة فصاعدا. وهو قول الشافعية (١)، ووجه عند الحنابلة (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: (٢٤١*) ١ - ما رواه مسلم من طريق كنانة بن نعيم العدوى، عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» (٣). ٢ - قوله ﷺ لسلمة بن صخر ﵁ حين ظاهر من امرأته ولم يجد ما يطعم: "انطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك" (٤). وجه الدلالة من الحديثين السابقين: دل الحديثان على جواز الاقتصار على واحد من الموقوف عليهم؛ لأن النبي ﷺ دفع الصدقة إلى نفس واحدة، والوقف من قبيل الصدقة. ٣ - أن مقصود الواقف عدم مجاوزة الجنس؛ وذلك حاصل بالدفع إلى واحد منهم (٥). دليل القول الثاني: دليل القول بعدم إجزاء الدفع إلى واحد من الموقوف عليهم ووجوب

стр. 907

الدفع إلى اثنين فصاعدا: أن الفقراء اسم جمع وأقل الجمع ثلاثة، ومراعاة معنى الجمع واجبة ما أمكن إلا أن اثنين في باب الوقف يقومان مقام الثلاثة كالميراث، والجمع في باب الميراث يتناول الاثنين فصاعدا، فكذلك في الوقف (١). ونوقش: بأن مراعاة معنى الجمع إنما تجب عند الإمكان، فأما عند التعذر فلا، بل يحمل اللفظ على مطلق الجنس، كما في قوله: والله لا أتزوج النساء، وقوله: إن كلمت بني آدم، أو إن اشتريت العبيد أنه يحمل على الجنس، ولا يراعى فيه معنى الجمع، حتى يحنث بوجود الفعل منه في واحد من الجنس، ههنا لا يمكن اعتبار معنى الجمع؛ لأن ذلك مما لا غاية له ولا نهاية، فيحمل على الجنس (٢). دليل القول الثالث: عدم إجزاء الدفع إلى واحد من الموقوف عليهم ووجوب الدفع إلى ثلاثة فصاعدا: أن الثلاثة أقل الجمع، فلا يجزئ الدفع إلى أقل منها (٣). ويمكن أن يناقش: بما نوقش به دليل القول الثاني. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول، وهو إجزاء الدفع إلى واحد من الموقوف عليهم؛ لقوة الأدلة التي استدلوا بها، وسلامتها من الاعتراض مع ضعف أدلة المخالفين؛ لما ورد عليها من المناقشة.

стр. 908

المبحث الحادي والعشرون: مصرف فاضل الوقف إذا فضل شيء من الوقف كزيته، وحصره، وثمنه، ونحو ذلك، فاختلف العلماء ﵏ في مصرفه على أقوال: القول الأول: أنه يجوز صرفه في مثله دون الصدقة به، ويجوز صرفه في سائر المصالح. وبه قال شيخ الإسلام. قال المرداوي: " وعنه -أي الإمام أحمد- يجوز صرفه في مثله دون الصدقة به، واختاره الشيخ تقي، وقال أيضا: يجوز صرفه في سائر المصالح " (١). القول الثاني: أن فاضل الوقف يصرف في جنس ما وقف فيه. وبه قال أبو يوسف من الحنفية (٢)، وهو مذهب المالكية (٣)، وبه قال بعض الشافعية (٤)، وبعض الحنابلة (٥). إلا أن الشافعية قالوا: إذا لم يمكن صرف للموقوف عليه.

стр. 909

قال الطرابلسي الحنفي: " لو بسط من ماله حصيراً في المسجد فخرب المسجد واستغنى عنها ..... ولو اشترى قنديلاً ونحوه للمسجد واستغنى عنه عند أبي يوسف يباع، ويصرف ثمنه في حوائج المسجد، وإن استغنى عنه هذا المسجد يحوّل إلى مسجد آخر " (١). قال ابن المواق: " وسئل ابن علاق عن حبس على طلاب العلم للغرباء أنه لم يوجد غرباء دفع لغير الغرباء، قال: ويشهد لهذا فتيا سحنون في فضل الزيت على المسجد أنه يؤخذ منه في مسجد آخر، وفتيا ابن دحون في حبس على حصن تغلب عليه يدفع في حصن آخر" (٢). وقال الدردير: " من وقف شيئاً من الأنعام على الفقراء أو معينين لينتفع بألبانها وأصوافها وأوبارها فنسلها كأصلها في التحبيس، فما فضل من ذكور نسلها عن النزو، وما كبر منها أو من نسلها من الإناث، فإنه يباع ويعوض بدله إناث صغار، تحصيلاً لغرض الواقف " (٣). وقال ابن حجر الهيثمي -فيما فضل من قيمة بدل الوقف-: " وما فضل من القيمة يشترى به شقص كالأرض … ، فإن لم يمكن شراء شقص بالفاضل صرف للموقوف عليه فيما يظهر " (٤). وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀-في مسجد يبنى فيبقى منه خشبة أو قصبة أو شيء من نقضه، قال: "يعان به في مسجد آخر"، أو كما قال (٥).

стр. 910

وقال المرداوي فيما فضل من حصر المسجد وزيته: " وعنه: يجوز صرفه في مثله دون الصدقة به " (١). القول الثالث: أنه يجوز صرف فاضل الوقف في مثله، والصدقة به على المساكين. وهو المذهب عند الحنابلة (٢). قال ابن قدامة: " وما فضل من حصر المسجد، وزيته، ولم يحتج إليه جاز أن يجعل في مسجد آخر، أو يتصدق من ذلك على فقراء جيرانه وغيرهم" (٣). القول الرابع: أنه يجب حفظ فاضل الوقف حتى يحتاج إليه فيما وقف فيه. وهذا قول كثير من الحنفية (٤)، وبه قال الشافعية (٥). قال المرغياني: " وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف -إن احتاج إليه-، وإن استغنى عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته فيصرفه فيهما " (٦). وقال ابن مودود: " وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرف في عمارته مثل الآجر والخشب والقار والأحجار ليبقى على التأبيد، فإن استغنى عنه حبس لوقت حاجته " (٧).

стр. 911

القول الخامس: أن فاضل الوقف يرجع إلى ملك الواقف. وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية (١). قال الطرابلسي: " لو بسط من ماله حصيراً في المسجد فخرب المسجد واستغني عنها، فإنها تكون له -إن كان حياً- ولورثته -إن كان ميتاً- عند محمد ﵀ … وهكذا الحكم لو اشترى قنديلاً ونحوه للمسجد واستغنى عنه " (٢). وقال الزيلعي: "حصير المسجد وحشيشه إذا استغني عنهما يرجع إلى مالكه عند محمد " (٣). الأدلة: أدلة الرأي الأول: (يصرف في مثله والمصالح) أولاً: الدليل على أنه يصرف في مثله: ١ - ما تقدم من الأدلة على وجوب العمل بشرط الواقف (٤). وجه الدلالة: أن غرض الواقف الانتفاع من العين على الدوام فيما وقفها عليه، فإذا فاض الوقف عن الحاجة صرف في مثل ما وقف عليه مراعاة لشرط الواقف وغرضه (٥). (٢٤٢) ٢ - ما رواه الطبري قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن الحسن: أن مكاتباً قام إلى أبي موسى الأشعري ﵁ وهو يخطب الناس يوم الجمعة- فقال له: " أيها

стр. 912

الأمير حث الناس عليّ فحث عليه أبو موسى، فألقى الناس عليه عمامة وملاءة وخاتماً، حتى ألقوا سواداً كثيراً، فلما رأى أبو موسى ما ألقي عليه، قال: اجمعوه فجمع، ثم أمر به فبيع، فأعطى المكاتب مكاتبته، ثم أعطى الفضل في الرقاب، ولم يردّه على الناس، وقال: إنما أعطى الناس في الرقاب " (١). وجه الدلالة: أن أبا موسى الأشعري ﵁ صرف الصدقة في جنس المتصدق به والأوقاف صدقة من الصدقات، إلا أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث. ثانياً: الدليل على أنه يصرف في سائر المصالح. ١ - ما تقدم من الدليل على تغيير شرط الواقف للمصلحة (٢). وجه الدلالة: أن صرف فاضل الوقف في غير ما وقف فيه للمصلحة تغيير لشرط الواقف وقد تقدم جوازه للمصلحة.

стр. 913

٢ - ما ورد أن عائشة ﵂ أنها قالت لشيبة الحجبي في كسوة الكعبة القديمة: " بعها واجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين " (١). وجه الدلالة: أن عائشة ﵂ أمرت شيبة الحجبي في صرف كسوة الكعبة في سبيل الله والمساكين، وسبيل الله يشمل كل طرق الخير والمصالح. ونوقش: بأنه ضعيف لا يثبت. دليل القول الثاني: (يصرف في جنس ما وقف عليه) ما تقدم من الدليل على أن فاضل الوقف يصرف في مثل ما وقف عليه (٢). أدلة القول الثالث: (يصرف في مثله، ويتصدق به) ١ - ما تقدم من الدليل على أن فاضل الوقف يصرف في مثل ما وقف فيه (٣). ٢ - ما ورد عن عمر ﵁: "أنه كان ينْزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج" (٤). وقالت عائشة ﵂ لشيبة الحجبي ﵁ في كسوة الكعبة القديمة: "بعها واجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين" (٥). ونوقش هذان الأثران من وجهين: الأول: أنهما ضعيفان كما في تخريجهما.

стр. 914

الثاني: أنه على فرض ثبوتهما فلعلهما ﵄ رأيا أن الأصلح في ذلك الوقت الصدقة بهما على الفقراء. ٣ - أن الوقف مال الله تعالى لم يبق له مصرف، فصرف إلى المساكين، كالوقف المنقطع (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم. أدلة القول الرابع: (يجب حفظ الفاضل حتى يحتاج إليه فيما وقف فيه) ١ - ما تقدم من الدليل على أن فاضل الوقف يصرف في مثل ما وقف. ٢ - أن الوقف قد يحتاج إلى عمارة، ونحو ذلك، فيبقى له رصيد، لوقت الحاجة (٢). أدلة القول الخامس: (يرجع إلى ملك الواقف) ١ - أن المسجد إذا تعطلت منافعه عاد إلى ملك الواقف أو ورثته، فكذا آلاته. ٢ - أن هذا الوقف قصد به واقفه قربة بعينها، فإذا انقطع عاد إلى ملكه (٣). ونوقش: بأنه هذا الفاضل قد زال ملك الواقف عنه، وصار خالصاً لله تعالى، فلا يعود إلى ملكه بحال (٤). الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أنه يصرف في مثله،

стр. 915

وفي سائر المصالح، لكن صرفه في جنس الوقف أولى وأظهر ما لم تكن مصلحة أعلى؛ لتحقيق مقصود الواقف، وتحقيق مقصود الواقف يراعى ما أمكن ما دام مشروعاً. وإذا ظهرت مصلحة أعلى صرف؛ لما تقدم من الدليل على جواز تغيير شرط الواقف لظهور المصلحة الراجحة. لكن يقيد هذا الترجيح بما إذا لم تكن حاجة الوقف للفاضل قريبةً، كما لو كان يحتاج بعد فترة قريبة إلى إصلاح وترميم، ونحو ذلك من الحاجات، فإنه يظهر القول بإرصاد الفاضل من الوقف للوقف نفسه.
следующие страницы →