← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

القول الخامس: أن فاضل الوقف يرجع إلى ملك الواقف. وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية (١). قال الطرابلسي: " لو بسط من ماله حصيراً في المسجد فخرب المسجد واستغني عنها، فإنها تكون له -إن كان حياً- ولورثته -إن كان ميتاً- عند محمد ﵀ … وهكذا الحكم لو اشترى قنديلاً ونحوه للمسجد واستغنى عنه " (٢). وقال الزيلعي: "حصير المسجد وحشيشه إذا استغني عنهما يرجع إلى مالكه عند محمد " (٣). الأدلة: أدلة الرأي الأول: (يصرف في مثله والمصالح) أولاً: الدليل على أنه يصرف في مثله: ١ - ما تقدم من الأدلة على وجوب العمل بشرط الواقف (٤). وجه الدلالة: أن غرض الواقف الانتفاع من العين على الدوام فيما وقفها عليه، فإذا فاض الوقف عن الحاجة صرف في مثل ما وقف عليه مراعاة لشرط الواقف وغرضه (٥). (٢٤٢) ٢ - ما رواه الطبري قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن الحسن: أن مكاتباً قام إلى أبي موسى الأشعري ﵁ وهو يخطب الناس يوم الجمعة- فقال له: " أيها

стр. 912

الأمير حث الناس عليّ فحث عليه أبو موسى، فألقى الناس عليه عمامة وملاءة وخاتماً، حتى ألقوا سواداً كثيراً، فلما رأى أبو موسى ما ألقي عليه، قال: اجمعوه فجمع، ثم أمر به فبيع، فأعطى المكاتب مكاتبته، ثم أعطى الفضل في الرقاب، ولم يردّه على الناس، وقال: إنما أعطى الناس في الرقاب " (١). وجه الدلالة: أن أبا موسى الأشعري ﵁ صرف الصدقة في جنس المتصدق به والأوقاف صدقة من الصدقات، إلا أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث. ثانياً: الدليل على أنه يصرف في سائر المصالح. ١ - ما تقدم من الدليل على تغيير شرط الواقف للمصلحة (٢). وجه الدلالة: أن صرف فاضل الوقف في غير ما وقف فيه للمصلحة تغيير لشرط الواقف وقد تقدم جوازه للمصلحة.

стр. 913

٢ - ما ورد أن عائشة ﵂ أنها قالت لشيبة الحجبي في كسوة الكعبة القديمة: " بعها واجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين " (١). وجه الدلالة: أن عائشة ﵂ أمرت شيبة الحجبي في صرف كسوة الكعبة في سبيل الله والمساكين، وسبيل الله يشمل كل طرق الخير والمصالح. ونوقش: بأنه ضعيف لا يثبت. دليل القول الثاني: (يصرف في جنس ما وقف عليه) ما تقدم من الدليل على أن فاضل الوقف يصرف في مثل ما وقف عليه (٢). أدلة القول الثالث: (يصرف في مثله، ويتصدق به) ١ - ما تقدم من الدليل على أن فاضل الوقف يصرف في مثل ما وقف فيه (٣). ٢ - ما ورد عن عمر ﵁: "أنه كان ينْزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج" (٤). وقالت عائشة ﵂ لشيبة الحجبي ﵁ في كسوة الكعبة القديمة: "بعها واجعل ثمنها في سبيل الله والمساكين" (٥). ونوقش هذان الأثران من وجهين: الأول: أنهما ضعيفان كما في تخريجهما.

стр. 914

الثاني: أنه على فرض ثبوتهما فلعلهما ﵄ رأيا أن الأصلح في ذلك الوقت الصدقة بهما على الفقراء. ٣ - أن الوقف مال الله تعالى لم يبق له مصرف، فصرف إلى المساكين، كالوقف المنقطع (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن المقيس عليه موضع خلاف بين أهل العلم. أدلة القول الرابع: (يجب حفظ الفاضل حتى يحتاج إليه فيما وقف فيه) ١ - ما تقدم من الدليل على أن فاضل الوقف يصرف في مثل ما وقف. ٢ - أن الوقف قد يحتاج إلى عمارة، ونحو ذلك، فيبقى له رصيد، لوقت الحاجة (٢). أدلة القول الخامس: (يرجع إلى ملك الواقف) ١ - أن المسجد إذا تعطلت منافعه عاد إلى ملك الواقف أو ورثته، فكذا آلاته. ٢ - أن هذا الوقف قصد به واقفه قربة بعينها، فإذا انقطع عاد إلى ملكه (٣). ونوقش: بأنه هذا الفاضل قد زال ملك الواقف عنه، وصار خالصاً لله تعالى، فلا يعود إلى ملكه بحال (٤). الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أنه يصرف في مثله،

стр. 915

وفي سائر المصالح، لكن صرفه في جنس الوقف أولى وأظهر ما لم تكن مصلحة أعلى؛ لتحقيق مقصود الواقف، وتحقيق مقصود الواقف يراعى ما أمكن ما دام مشروعاً. وإذا ظهرت مصلحة أعلى صرف؛ لما تقدم من الدليل على جواز تغيير شرط الواقف لظهور المصلحة الراجحة. لكن يقيد هذا الترجيح بما إذا لم تكن حاجة الوقف للفاضل قريبةً، كما لو كان يحتاج بعد فترة قريبة إلى إصلاح وترميم، ونحو ذلك من الحاجات، فإنه يظهر القول بإرصاد الفاضل من الوقف للوقف نفسه.

стр. 916

المبحث الثاني والعشرون: صرف فاضل ريع الوقف إذا كان على معين ذكر الحنابلة مصرف فاضل ريع الوقف على معين، وبينوا أنه لا يكون ريع الوقف على معين فاضلا إلا إذا كان استحقاقه مقدرا، كأن يقول الواقف: يعطى من ريعه كل شهر مئة، وريعه أكثر من ذلك (١). وذكروا أن مصير هذا الفاضل يجب إرصاده (٢). جاء في مطالب أولي النهى: " (وفضل غلة موقوف على معين استحقاقه) مقدر من الواقف (يتعين إرصاده) واقتصر عليه الحارثي وقال: وأما فضل غلة الموقوف على معين أو معينين أو طائفة معينة فيتعين إرصاده، ذكره القاضي أبو الحسين في فضل غلة الموقوف على نفقة إنسان، وإنما يتأتى إذا كان الصرف مقدرا أما عند عدم التقدير فلا فضل؛ إذ الغلة متفرقة. قال في الإنصاف: وهو واضح، وقطع به في المنتهى (وقال الشيخ) تقي الدين: (إن علم أن ريعه يفضل دائما وجب صرفه؛ لأن بقاءه فساد له وإعطاؤه) أي: المستحق (فوق ما قدر له الواقف جائز)؛ لأن تقديره لا يمنع استحقاقه " (٣).

стр. 917

دليل هذا القول: أن هذا الفاضل ربما يحتاج إليه، كأن يكون الريع في أحد الأعوام أقل من المقدر (١). وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أنه يجب صرف فاضل الريع للمستحق إذا علم أن الريع يفضل دائماً (٢). قال الرحيباني الحنبلي بعد أن ذكر وجوب رصد فاضل غلة الموقوف على معين: "وقال الشيخ تقي الدين: إن علم أن ريعه يفضل دائماً وجب صرفه" (٣). دليل هذا القول: أن بقاء فاضل الريع بلا صرف فساد له، وإعطاء المستحق فوق ما قدر له الواقف جائز؛ لأن تقديره لا يمنع استحقاقه (٤). وقد اقتصر جمع من فقهاء الحنابلة على ذكر إرصاد غلة الموقوف على معين دون تعرض لصرفه للمستحق (٥). وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " .... أنهم يوقفون أوقافا يجعلون فيها معينات من حجج وأضاحي، وما زاد من الغلة لم يذكر له مصرف، وتسأل عن مصرف الزائد من تلك المعينات؟ والجواب: أن ما فضل بعد تلك المعينات حكمه حكم غلة الوقف المنقطع الآخر من كونه لأقرب ورثة الواقف نسبا لا بالولاء ولا بالزوجية،

стр. 918

ويكون وقفا عليهم للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأنه لم يجعله إليهم بنص منه وإنما استحقوه بالقرابة، والذي يستحق يكون كقسمة الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين. وكيفية استحقاقهم: أنه متى حصل غلة من هذا الوقف فحينئذ يقدر الواقف كأنه مات الآن، فينظر في أمر ورثته الموجودين، فمن كان يرثه إذاً أخذ من هذه الغلة بحسب ميراثه، ويجري الحجب بينهم في ذلك، وهذا المفتى به عندنا، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀-في غلة الوقف المنقطع الآخر، وأما إصلاح ما خرب من تلك الأوقاف فيقدم على ما يأخذه الأقارب من الغلة، وهذا المفتى به عندنا " (١).

стр. 919

المبحث الثالث والعشرون: إرث حق الانتفاع بسبب الوقف إذا مات الموقوف عليه منفعة عين -غلة أو سكنى- قبل أن يأخذ الغلة، أو تنتهي مدة السكنى، فهل تورث عنه تلك المنفعة أو لا؟. هذا الوقف لا يخلو: إما أن يكون على جهة عامة، أو على معين يستحق بالصفة، أو على معين يستحق بالعمل. وفيه مطالب: المطلب الأول: إذا كان الوقف على جهة عامة إذا كان الوقف على جهة عامة كالفقراء، والمساكين، وقبيلة غير محصورة، ونحو ذلك، فمات واحد منهم قبل أن يأخذ الغلة، فإن نصيبه لا يورث عنه؛ لأن ذلك صلة مستحقة بالصفة على وجه العموم، غير واجبة التعميم فتسقط بالموت، كنفقة القريب. في الأشباه والنظائر لابن نجيم: " قد علمت أن الموصى له وإن ملك المنفعة لا يؤجر، وينبغي أن له الإعارة، وأما المستأجر فيؤجر ويعير ما لا يختلف باختلاف المستعمل، والموقوف عليه السكنى لا يؤجر ويعير، والشافعية جعلوا لذلك أصلا وهو: أن من ملك المنفعة ملك الإجارة

стр. 920

والإعارة، ومن ملك الانتفاع ملك الإعارة لا الإجارة، ويجعلون المستعير والموصى له بالمنفعة مالكا للانتفاع فقط " (١). قال التسولي: " الحبس على قسمين: منه ما قصد به المحبِّس خصوص تمليك الانتفاع لمن قام به الوصف كالفقراء، فهذا لا يجوز لمن استحقه أن يهبه، ولا أن يؤاجره، ولا أن يعيره المدة الكثيرة، ومنه ما قصد به تمليك المنفعة، وذلك كالحبس على شخص معين، وأعقابه مثلاً، فهذا تجوز فيه الهبة، والإجارة، والإعارة ..... " (٢). في حاشية الدسوقي: " (ولا يقسم) من كراء الوقف (إلا ماض زمنه) إذ لو قسم ذلك قبل وجوبه لأدى ذلك إلى إحرام من يولد، أو إعطاء من لا يستحق إذا مات، وهذا إذا كان الوقف على معينين، وأما لو كان على غيرهم كالفقراء جاز للناظر كراؤه بالنقد أي التعجيل والصرف للفقراء للأمن من إحرام من يستحق، وإعطاء من لا يستحق لعدم لزوم تعميمهم، ومثل المعينين المدرسون وخدمة المسجد ونحوهم، والواحد منهم كالأجير له بحساب ما عمل سواء كان الوقف خراجيا، أو هلاليا " (٣). قال ابن عرفة: "وأما الحبس على بني زهرة، فلا يجب إلا بالقسم، من مات قبله سقط حظه " (٤). وقال السيوطي: " الملك إما للعين والمنفعة معاً وهو الغالب، وإما للمنفعة فقط كمنافع العبد الموصى بمنفعته أبداً، وكالمستأجر، والموقوف على معين، وقد يملك الانتفاع دون المنفعة كالمستعير، ...... وكذا

стр. 921

الموقوف على غير معين كالربط، والطعام المقدم للضيف، وكل من ملك المنفعة فله الإجارة، والإعارة، ومن ملك الانتفاع فليس له الإجارة قطعاً ولا الإعارة في الأصح " (١). وفي قواعد ابن رجب: " النوع الرابع: ملك الانتفاع المجرد، وله صور متعددة: منها: ملك المستعير، فإنه يملك الانتفاع لا المنفعة إلا على رواية ابن منصور عن أحمد أن العارية المؤقتة تلزم كذا قال الأصحاب، ويمكن أن يقال: لزوم العارية المؤقتة إنما يدل على وجوب الوفاء ببدل الانتفاع لا على تمليك المنفعة " (٢). فالموقوف على غير معين عندهم يملك الانتفاع، فلا يورث، كما لا يورث الانتفاع بالعارية. المطلب الثاني: إذا كان الوقف على معين يستحق بالصفة إذا كان الوقف على قوم معينين يستحقون الوقف بالصفة، كأولاده، أو فلان وفلان مسمين بأسمائهم، فذلك لا يخلو من حالتين: الحال الأولى: إذا كان الوقف غير محدد بمدة. إذا كان الوقف غير محدد بمدة، كقوله: وقفت هذه الدار، أو هذا الحائط على أولادي، أو على فلان وفلان، فيموت واحد منهم قبل أن يقبض ما يستحقه من الغلة، فهل يورث نصيبه عنه؟.

стр. 922

إن كانت الغلة ثمرة فلا يخلو أن يموت قبل ظهورها أو بعده. فإن مات أحد منهم قبل ظهور الثمرة، فلا شيء له، ولا لورثته؛ لأنه صلة محضة، فيسقط بالموت باتفاق فقهاء المذاهب الأربعة (١). وإن مات بعد ظهور الثمرة، فقد اختلف الفقهاء هل تستحق الثمرة بظهورها ووجودها فيورث عنه نصيبه منها بمجرد ذلك، أو لا بد من بدو الصلاح؟ اختلفوا في ذلك على أقوال: القول الأول: أن الوارث يملك الثمرة بعد التأبير. وبه قال أشهب (٢)، وبعض الشافعية (٣). وحجته: (٢٤٢?) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع " (٤). فاعتبر النبي ﷺ التأبير. القول الثاني: أن الموقوف عليه إن مات بعد ظهور الثمرة ووجودها، فإن نصيبه منها يورث عنه. ذهب إلى ذلك الحنفية (٥)، وجمهور الشافعية (٦).

стр. 923

قال الطرسوسي: " ....... بخلاف الوقف على الأولاد، والذرية فإنه يعتبر فيهم وقت ظهور الغلة، فمن مات بعد ظهورها، ولو لم يبد صلاحها صار ما يستحقه لورثته، وإلا سقط " (١). وقال ابن عابدين بعد أن أورد قول الطرسوسي السابق: "وتبعه في الأشباه، وأفتى به في الخيرية، وهو الذي حرره مفتي الروم أبو السعود العمادي … " (٢). وقال الهيتمي: "لو وجدت -أي الثمرة- ولو طلعاً ثم مات المستحق فتنتقل لورثته لا لمن بعده .... قال السبكي … والذي اقتضاه نظري موافقة الجمهور في أن المعتبر وجود الثمرة لا تأبيرها " (٣). القول الثالث: أن الموقوف عليه إن مات بعد بدو الصلاح، فإن الغلة تورث عنه، وإن مات قبل ذلك فلا تورث عنه. ذهب إلى ذلك بعض المالكية (٤)، ونقله ابن رجب عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. قال الباجي: "إن حبس على قوم معينين مسمين بأسمائهم، فمن أدرك طيب الثمرة فحقه فيها ثابت " (٥)، وقال الزرقاني: "من مات قبل طيب الثمرة وحصاد الزرع فلا شيء له " (٦). وقال ابن رجب: " أفتى الشيخ تقي الدين بأن الثمر إنما يستحقه من بدأ

стр. 924

الصلاح في زمن استحقاقه حتى لو مات البطن الأول، وقد أطلع الثمر بعمله ثم بدأ صلاحه بعد موته، فإنه يكون للبطن الثاني " (١). هذا إن كانت الغلة ثمرة، فإن كانت الغلة أجرة، كما لو وقف داراً على أشخاص معينين بشرط أن تكون لهم غلتها لا سكناها، فتؤجر وتصرف الأجرة لهم، ففي هذه الحالة: لو مات أحد الموقوف عليهم قبل قبض الأجرة، فهل يورث عنه قسط ما عاشه من المدة، أو أن المعتبر في ذلك تمام القسط، فإن مات قبل تمامه لم يورث عنه، وإن مات بعده ورث عنه ما يستحقه منه؟. اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: يورث عنه قسط ما عاشه من المدة، فلو كانت الدار تؤجر أقساطاً -مثلاً- فمات أحد الموقوف عليهم في نصف السنة -مثلاً-، فإنه يورث عنه نصف نصيبه من أجرة القسط. وهذا القول مقتضى ما ذهب إليه الشافعية، حيث قال السبكي في الوقف على نحو الأولاد، فيشترط الواقف تقسيط الغلة على المدة: " فهنا تقسط الغلة كالثمرة على المدة، فيعطى منه ورثة من مات قسط ما باشره أو عاشه، وإن لم توجد الغلة إلا بعد موته " (٢). ذلك أن الأجرة في الحقيقة تتوزع على المدة، فهي بمنزلة اشتراط توزيع الغلة على المدة. القول الثاني: أن المعتبر في إرث ما يستحقه تمام القسط، فإن مات بعد تمام القسط ورث عنه نصيبه منه، وإن مات قبل تمامه لم يورث عنه قسط ما عاشه.

стр. 925

ذهب إلى ذلك الحنفية حيث قال ابن عابدين: " لو كان الوقف يؤجر أقساطاً فتمام كل قسط بمنزلة طلوع الغلة " (١). يعني أن من مات بعد تمام القسط يورث نصيبه، كما أن من مات بعد طلوع الغلة يورث نصيبه -كما سبق-، ومن مات قبل تمام القسط لا يورث عنه، كما أن من مات قبل طلوع الثمرة لا يورث عنه. ويناقش هذا الاستدلال: بأن قياس تمام القسط على طلوع الغلة قياس مع الفارق؛ ذلك أن الغلة قبل أن تظهر معدومة، بخلاف الأجرة قبل تمام القسط، فإنها تلزم بمضي الوقت، ولا تسقط عن المستأجر حتى لو تلفت العين المستأجرة قبل تمام مدة القسط. الترجيح: يترجح لي -والله أعلم- القول الأول؛ ذلك أن الأجرة تلزم بمضي المدة، فهي بمنزلة ما لو قبض أجرة كل ساعة بتمامها. الحال الثانية: إذا كان الوقف على معين محدداً بمدة. إذا كان الوقف على معين محدداً بمدة معينة، ينتقل بعدها إلى الفقراء -مثلاً- فيموت الموقوف عليه قبل تمام المدة، فهل يورث عنه حق المنفعة إلى تمام المدة المحددة؟. لا يخلو ذلك من أن يكون الموقوف عليه إلى أجل واحداً، أو أكثر من واحد، فإن كان الموقوف عليه واحداً معيناً كزيد -مثلاً- فمات قبل تمام الأجل، فهل يورث عنه حق المنفعة إلى تمام الأجل؟. لم أطلع على خلاف في هذه المسألة، والذي ذهب إليه المالكية والحنابلة: أن المنفعة تورث إلى تمام الأجل.

стр. 926

قال القاضي عبد الوهاب من المالكية: "إذا أسكن إنساناً داره إلى مدة معلومة فقد ملك المسكن الانتفاع بتمليك المدة، وليس للمالك الرجوع فيه، فإن مات الرجل المحبس عليه بقيت السكنى إلى المدة لورثته؛ لأنه مات عن حق له يصح الإرث في نوعه، فورثه ورثته كما لو كان على معاوضة " (١). وقال ابن قدامة: " إذا اشترط أن ينتفع به -أي الوقف- مدة معينة فمات فيها، فينبغي أن يكون ذلك لورثته، كما لو باع داراً واشترط أن يسكنها سنة، فمات في أثنائها " (٢). واشتراط الانتفاع بالوقف مدة معينة، كالوقف على معين مدة معينة، بل قال البهوتي: " (فلو مات) الواقف (المشروط له) نحو السكنى (في أثناء المدة المعينة) لنحو السكنى (فلورثته) السكنى ونحوها (باقي المدة) " (٣)، ولا فرق بين موقوف عليه وآخر، فإذا مات الموقوف عليه المعين الواحد قبل تمام الأجل المحدد، فإن المنفعة بهذا الوقف تنتقل إلى ورثته إلى تمام الأجل. ومقتضى مذهب الحنفية: أن منفعة الوقف إن كانت سكنى فإنها لا تورث إلى تمام الأجل؛ لأن السكنى منفعة مجردة، والمنفعة المجردة لا تورث عند الحنفية. وأما إن كان الموقوف عليه إلى أجل أكثر من واحد، كأحمد وزيد -مثلاً- فمات أحدهما قبل تمام الأجل، فهل يورث نصيبه عنه فيما تبقى من المدة؟ ذهب الحنفية، والمالكية إلى أنه لا يورث.

стр. 927

قال ابن الهمام -من الحنفية-: " كل من مات من المستحقين إذا لم يبين الواقف حال حصته بعد موته يقسم على الباقين " (١). وعند المالكية: إن كان الوقف على المعينين وبعدهم على الفقراء، فنصيب من مات من المعينين ينتقل إلى الفقراء، وإما إن كان الوقف على المعينين فقط ويرجع بعدهم ملكاً للواقف، فنصيب من مات منهم ينتقل لأصحابه إلى تمام الأجل، والفرق بينهما: أن الأولى لما كان الوقف مستمراً فيها احتيط لجانب الفقراء، فكان لهم بعد المعينين، وفي الثانية لما كان الوقف يرجع ملكاً احتيط لجانب الموقوف عليهم؛ ليستمر الوقف إلى تمام الأجل المحدد (٢). ومقتضى مذهب الحنابلة: أن نصيبه يورث عنه إلى تمام الأجل، بناء على ما سبق من رأيهم فيما إذا كان الموقوف عليه المعين واحداً. المطلب الثالث: إذا كان الوقف على معين يستحق بالعمل إذا كان الوقف على معين يستحق بالعمل، كالإمام، والمؤذن، والمدرس، ونحو ذلك، فمات أحدهم -مثلاً- بعد أن عمل في وظيفته ولم يقبض ما يستحقه، فهل يورث عنه؟ وهل يعتبر في استحقاقه ظهور الغلة أو لا؟

стр. 928

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: أن نصيبه يورث عنه، وهو بقدر ما باشر من العمل، ولا يعتبر في ذلك وجود الغلة. ذهب إلى ذلك بعض الحنفية (١)، وهو مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: أنه بالموت يسقط ما يستحقه من الوقف، فلا يورث عنه. ذهب إلى ذلك بعض الحنفية (٥). الأدلة: دليل القول الأول: أن ما يستحقه بالعمل كالأجرة (٦)، فلا يسقط بالموت. دليل القول الثاني: أن ما يستحقه من الوقف إذا مات ولم يقبضه، فإنه يسقط؛ لأنه كالصلة (٧). يناقش هذا الاستدلال: بأن الصلة إنما تكون صلة محضة إذا لم تكن في مقابلة شيء، أما إن كانت في مقابلة عمل كما هنا فلا تكون صلة محضة؛ بدليل أنه لو لم يقم بالعمل الذي جعل لأجله الوقف لم يستحق منه شيئاً.

стр. 929

الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، ومناقشة دليل القول الثاني.

стр. 930

المبحث الرابع والعشرون: مصرف غلة الوقف إذا ضاق عن مستحقيه، والمحاصة بينهم إذا ضاقت غلة الوقف عن الموقوف عليهم، فاختلف العلماء ﵏ في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنهم يتحاصون في ذلك. وهو قول الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١). جاء في الفتاوى الهندية: "ولو قال أرضي صدقة موقوفة على فقراء قرابتي يعطى كل واحد منهم في طعامه، وكسوته ما يكفيه بالمعروف، ويتحاصون في ذلك يضرب كل واحد منهم بما يكفيه، وإن وفَّت الغلة بكفايتهم يعطى كل واحد منهم كفايته، وإن نقصت يتضاربون بذلك، وإن فضلت الغلة على الكفاية، كان الفضل بينهم على عدد رؤوسهم" (٢). في حاشية القليوبي: " فرع: لو ضاق الوقف عن مستحقيه لم يقدم بعضهم على بعض، بل يقسم بينهم بالمحاصة".

стр. 931

في الشرح الكبير: "وإن وقف على جماعة يمكن حصرهم واستيعابهم وجب تعميمهم والتسوية بينهم ". وحجته: ١ - بأنه لا يجوز تخصيص بعضهم على بعض (١). ٢ - ولأن اللفظ يقتضي ذلك، وقد أمكن الوفاء به، فوجب العمل بمقتضاه (٢). ٣ - القياس على وجوب التسوية فيما إذا أقر شخص بشيء لعدة أشخاص (٣). ٤ - القياس على وجوب التسوية فيما إذا وهب شخص شيئاً لعدة أشخاص (٤). القول الثاني: جواز التفضيل للحاجة فيما إذا كان الوقف مقصوداً به سد الخلة. وهو رواية عن الإمام أحمد (٥). قال المرداوي: "وهذا أقرب إلى الصواب". وحجته: النظر إلى قصد الواقف، فالواقف إنما قصد من وقفه نفع الموقوف عليهم، فإذا وجد ما يقتضي تفضيل بعضهم جاز.

стр. 932

ونوقش: بأن الواقف لو أراد تفضيل بعضهم لبينه، فلما أطلق الوقف دل على أنه إنما أراد التسوية بين الموقوف عليهم. القول الثالث: فصَّل المالكية في قسمة الوقف عند ضيقه عن مستحقيه، فذكروا: أنه إذا وقف الواقف على أقاربه وقفاً يقسم الوقف بينهم على حسب الإرث. فإذا ضاق الوقف عن كفايتهم، فلا يخلو الأمر من أحوال: أن يكون الموقوف عليهم ذكوراً: يقدم الأقرب فالأقرب. وإن كان الموقوف عليهم إناثاً: اشتركن في حال السعة والضيق، إلا أن البنات يقدمن في حال الضيق. وإن كانوا ذكوراً وإناثاً: فإن كان الذكور أقرب قُدِّموا على الإناث في السعة والضيق، وإن تساووا في القرب اشتركوا في حال السعة والضيق، وإن كان الإناث أقرب تساووا في حالة السعة، وقدم البنات في حالة الضيق (١). وحجته: اعتبار القرب من الواقف. والأقرب: أن يقال يرجع إلى اجتهاد الناظر، وما تقتضيه القرائن.

стр. 933

المبحث الخامس والعشرون: مصرف الوقف إذا تعطل الموقوف عليه كمسجد خرب، أو مدرسة تركت الدراسة فيها، ونحو ذلك. إذا تعطل الموقوف عليه، فاختلف العلماء ﵏ في مصرف هذا الوقف على قولين: القول الأول: أنه يصرف في وقف مثله. وبه قال بعض الحنفية، وبعض المالكية، وبعض الشافعية، والحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (١). وقيدوا بتعذر عود الوقف كما كان، أما إذا لم يتعذر عود الوقف، فإنه يحفظ، ويصرف عليه. جاء في حاشية ابن عابدين: " المسجد إذا خرب أو الحوض إذا خرب، ولم يحج إليه لتفرق الناس عنه صرفت أوقافه في مسجد آخر أو حوض آخر" (٢). وجاء في الشرح الكبير للدردير: "صرف (في مثلها) حقيقة إن أمكن فينقل لمسجد آخر بدل الأول، وكذا ينقل القرآن أو العلم الذي رتب فيه

стр. 934

لآخر أو لمدرسة أخرى، فإن لم يمكن صرف في مثلها نوعا أي في قرية أخرى" (١). وجاء في المنتهى وشرحه: " (ومن وقف على ثغر فاختل) الثغر الموقوف عليه (صرف) ما وقف عليه (في ثغر مثله وعلى قيامه) أي الثغر (مسجد ورباط ونحوهما) كسقاية، فإذا تعذر الصرف فيها صرف في مثلها تحصيلا لغرض الواقف حسب الإمكان (ونص) أحمد في رواية حرب (فيمن وقف على قنطرة فانحرف الماء برصد لعله يرجع) أي الماء إلى القنطرة فيصرف عليها ما وقف عليها ". وقال ابن تيمية: " وإذا خرب مكان موقوف فتعطل نفعه بيع وصرف ثمنه في نظيره أو نقلت إلى نظيره، وكذلك إذا خرب بعض الأماكن الموقوف عليها -كمسجد ونحوه- على وجه يتعذر عمارته، فإنه يُصرف ريع الوقف عليه إلى غيره " (٢). وحجته: أن صرف المتعطل في مثله أقرب إلى قصد الواقف، ومقاصد الواقفين معتبرة شرعاً، "والمسلمون على شروطهم ". القول الثاني: أن غلة الوقف تحفظ ولا يصرف لغيره. وبه قال بعض المالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (٣). قال الشيرازي: " وإن وقف شيئا على ثغر فبطل الثغر كطرسوس أو على مسجد، فاختل المكان حفظ الارتفاع، ولا يصرف إلى غيره لجواز أن يرجع كما كان " (٤).

стр. 935

وحجته: احتمال أن يرجع الوقف كما كان. ونوقش: بأنه مسلم إذا وجد غلبة ظن، أما إذا لم يكن شيء من ذلك فلا يتوجه حبس الوقف. والأقرب: القول الأول؛ إذ إن عدم صرف الوقف المتعطل إذا لم يكن ظن في رجوعه حبس لمال الوقف وتعطيل له، وهذا مخالف لشرط الواقف وربما ترتب على ذلك مفاسد.

стр. 936

الباب الرابع: التصرف في الوقف وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: التصرف المأذون فيه شرعاً. الفصل الثاني: التصرف المأذون فيه شرعاً بسبب. الفصل الثالث: التصرف غير المأذون فيه شرعاً.

стр. 937

تمهيد: التصرف لغةً: مصدر صرف يتصرف من الصرف، وهو في اللغة: التجربة والتقلب والحيلة. قال ابن فارس: " الصاد والراء والفاء: معظم بابه يدل على رَجْعِ الشيء، من ذلك صرفت القوم صرفاً وانصرفوا: إذا رجعتهم فرجعوا " (١). والصريف: اللبن ساعة يحلب وينصرف به … ويقال لحدث الدهر: صرف، والجمع: صروف، وسمي بذلك؛ لأنه يتصرف بالناس، أي يقبلهم ويردهم" (٢). والتصرف في الاصطلاح: التصرف عند الفقهاء المتقدمين ليس له تعريف معين، ولعل السبب هو وضوح معناه عندهم، وعدم بعده عن المعنى اللغوي من جانب آخر. أما المتأخرون فلهم في تعريف التصرف تعاريف متقاربة، ولعل الأقرب أن يقال في تعريف التصرف في الوقف اصطلاحاً: ما يكون من تصرفات الشخص في الوقف القولية والفعلية، ويترتب عليها أثر شرعي.

стр. 938

وينقسم التصرف بالوقف إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: تصرف مأذون فيه: وهذا متفق على جوازه، وذلك مثل التصرفات التي تؤدي الهدف المراد من الوقف، كتأجير المتاجر التجارية الموقوفة على جهة خيرية من أجل صرف ريعها على ما وقفت عليه، وكعمارة الوقف المتهدم، وترميم المسجد للصلاة فيه، ونحو ذلك من التصرفات التي تصب في صلب مصلحة الوقف والموقوف عليه (١). القسم الثاني: قسم غير مأذون فيه إطلاقاً: وهذا النوع من التصرفات يشمل أنواعاً متعددة. فمنها: ما هو ممنوع بنص الشارع، كتحويل المسجد إلى كنيسة، أو معبد للأوثان؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣)، وهذا فيه تعاون على الإثم والعدوان. ومنها: ما هو ممنوع بسبب نص الواقف، كأن ينص الواقف على عدم زراعة الأرض، أو يمنع من تأجير العمارة، ويأمر بإسكان المحتاجين فيها فقط. ومنها: ما هو ممنوع ليس بنص الشارع، ولا بنص الواقف، ولكن منع

стр. 939

لمصلحة الوقف نفسه، كأن يقوم بإعارة الموقوف، أو التبرع به أو بذله للغير على وجه السلفة والقرض بلا مبرر يقتضي جواز ذلك (١). القسم الثالث: ما كان جائزاً لسبب: كمصلحة الوقف نفسه، كإبدال الوقف الذي تعطلت منافعه ونقله إلى موقع آخر أفضل منه (٢)، وبيع الوقف لشراء آخر أفضل منه في مكان عامر بالسكان، وهكذا. أو كان هذا التصرف حتمياً لمصلحة عامة كفتح طريق لينفس على المسلمين، أو لتوسعة مسجد أو نحو هذا (٣).

стр. 940

الفصل الأول: التصرف المأذون فيه شرعاً وفيه مباحث: المبحث الأول: عمارة الوقف. المبحث الثاني: إجارة الوقف. المبحث الثالث: الشفعة للوقف وعليه. المبحث الرابع: تزويج الأمة الموقوفة: المبحث الخامس: زكاة غلة الأموال الموقوفة.

стр. 941

المبحث الأول: عمارة الوقف وفيه مطالب: المطلب الأول: قسما عمارة الوقف عمارة الوقف تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: العمارة المعنوية: ويراد بها: قيام شعائره، كالصرف على مدرس المدرسة، وإمام المسجد، ونحو ذلك. قال ابن عابدين: " إن انتهت عمارة الوقف وفضل من الغلة شيء، يبدأ بما هو أقرب للعمارة، وهي عمارته المعنوية التي هي قيام شعائره، قال في الحاوي القدسي: والذي يبدأ به من ارتفاع الوقف -أي من غلته- عمارته شرط الواقف أو لا، ثم ما هو أقرب إلى العمارة وأعم للمصلحة، كالإمام للمسجد، والمدرس للمدرسة، يصرف إليهم إلى قدر كفايتهم، ثم السراج والبساط كذلك، إلى آخر المصالح، هذا إذا لم يكن معيناً، فإن كان الوقف معيناً على شيء يصرف إليه بعد عمارة البناء " (١).

стр. 942

ونقل النووي من الشافعية عن صاحب العدة: " أنه يجوز دفع أجرة القيم مما وقف على العمارة، ولا يجوز صرف شيء منه إلى الإمام والمؤذن، قال: والفرق: أن القيم يحفظ العمارة، ونقل عن البغوي أنه لا يشترى الدهن والحصر مما وقف على عمارة المسجد " (١). والدليل على ذلك: ما تقدم من أدلة الوقف. وجه الدلالة: دلت هذه الأدلة على أن حكمة الوقف وغايته حصول الثواب، ودوامه، وهذا يحصل بعمارة الوقف المعنوية والحسية. القسم الثاني: العمارة الحسية: كل ما فيه بقاء العين الموقوفة من بناء، أو هدم ما يحتاج إلى هدم، وتغيير متعيب، ونحو ذلك. حكمها: حكم العمارة الحسية الوجوب باتفاق الأئمة (٢). والدليل على ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٣)، فنهى الله عن إيتاء السفهاء المال؛ لما في ذلك من إضاعة المال، فدل ذلك على النهي عن إضاعة المال، ومن ذلك ترك عمارة الوقف. ٢ - حديث المغيرة بن شعبة ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال: " إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال " (٤)، وترك عمارة الوقف من إضاعة المال.

стр. 943

٣ - ما تقدم من الأدلة على أن الوقف يراد به الدوام والاستمرار. وجه الدلالة: أن ترك عمارة الوقف يؤدي إلى انقطاعه وعدم دوامه (١). المطلب الثاني: تقديم عمارة الوقف تقدم عمارة الوقف على غيرها - شرط الواقف أو لم يشرطه (٢) - باتفاق الفقهاء؛ لما تقدم من تأكد وجوب العمارة، ولما في ترك عمارة الوقف من هلاك العين الموقوفة وفسادها، فلا يتحقق مقصد الواقف من الوقف، وهو صرف الغلة على الدوام حتى تكون صدقة جارية على التأبيد. قال ابن عابدين: "يبدأ بالتعمير الضروري حتى لو استغرق جميع الغلة صرفت كلها إليه، ولا يعطى أحد ولو إماماً أو مؤذناً " (٣). وقال الخرشي: " لا يتبع شرط الواقف عدم البداءة بإصلاح ما انثلم من الوقف، فلا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى بطلان الوقف من أصله، بل يبدأ بمرمة الوقف وإصلاحه " (٤). وقال الشربيني: " تقدم عمارة الموقوف على حق الموقوف عليهم " (٥).

стр. 944

وقال ابن مفلح: " وتقدم عمارته على أرباب الوظائف " (١). لكن إن أمكن الجمع بين مصلحة عمارة الوقف، وإعطاء أرباب الوظائف وجب حسب الإمكان. وقال شيخ الإسلام: " إذا أمكن الجمع بين المصلحتين بأن يصرف ما لا بد من صرفه لضرورة أهله وقيام العمل الواجب بهم، وأن يعمر بالباقي كان هذا هو المشروع، وإن تأخر بعض العمارة قدراً لا يضر تأخره، فإن العمارة واجبة، والأعمال التي لا تقوم إلا بالرزق واجبة، وسد الفاقات واجبة، فإذا أقيمت الواجبات كان أولى من ترك بعضها " (٢). وقال الرحيباني: " ويتجه هذا الجمع بين العمارة وأرباب الوظائف فيما إذا احتيج إلى عمارة شرعية، كحائط مسجد ومدرسة وسقفهما، فيعاد ذلك بلا تزويق بنقش وصبغ وكتابة وغيره " (٣). المطلب الثالث: جهة عمارة الوقف وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن تكون العمارة معينة من جهة الواقف: إذا كانت عمارة الوقف معينة من جهة الواقف كوقف آخر، أو غلة

стр. 945

الوقف، أو مال الواقف أو الموقوف عليه، فاختلف العلماء في تعيين تلك الجهة على قولين: القول الأول: أنها تتعين تلك الجهة، فإن لم يعين جهة فمن غلته. وهو قول جمهور أهل العلم (١). القول الثاني: أنه إذا كانت الجهة الموقوف عليه بطل التعيين، وتعينت الغلة. وهو الأصح عند المالكية (٢). القول الثالث: أن تعيين الجهة يبطل مطلقاً، ولو كان الغلة. وبه قال بعض المالكية (٣). الأدلة: أدلة الجمهور: استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - ما تقدم من الأدلة على وجوب العمل بشرط الواقف (٤). (٢٤٣) ٢ - ما رواه أحمد قال: حدثنا يحيى، عن ابن أبي ذئب قال: حدثني مخلد بن خُفاف بن إيماء، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: «الخَرَاجُ بالضَّمَان» (٥).

стр. 946

فمن له غلة شيء فعليه ضمانه، فصح اشتراط العمارة عليه. قال ابن قدامة: " لأنه لما تبع شرطه في مصرفه وجب اتباعه في نفقته " (١). ٣ - أنه إذا لم يعين جهة فمن الغلة؛ لأن الوقف اقتضى تحبيس أصله، وتسبيل نفعه، ولا يحصل ذلك إلا بالإنفاق عليه، فهو من ضرورته، وكذلك عمارة الوقف قيساً على نفقته (٢). ودليل المالكية: أنه لا يعمل بشرط إصلاحه على مستحقه؛ لأنه كراء مجهول، فالبطلان منصب على الشرط لا الوقف (٣). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يسلم أنه إجارة بل استيفاء، واستثناء من الغلة. الثاني: أن عقود التبرعات أوسع من عقود المعاوضات، فلا يطلب فيها من التحرير والضبط ما يطلب في عقود المعاوضات. ودليل القول الثالث: أن اشتراط كون العمارة من الغلة بمثابة اشتراط كون الإصلاح على الموقوف عليه، ويحاسب به من الغلة. ونوقش: بأن العمارة من غلتها وإن لم يشترط الواقف ذلك فاشتراطه لم يزد شيئاً (٤).

стр. 947

الترجيح: الراجح -والله أعلم- قول جمهور أهل العلم؛ لقوة دليله، وضعف دليل المخالف بمناقشته. المسألة الثانية: جهة الإنفاق إذا كان الوقف على جهة عامة: إذا كان الوقف على جهة عامة كالمساجد، والمدارس، والثغور، والآبار، ونحو ذلك، فاحتاجت إلى عمارة، فاختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في جهة عمارة هذه الأوقاف على قولين: القول الأول: وجوب عمارتها من الغلة، فإن لم يمكن فمن بيت المال. وهذا قول جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية (١). ونص المالكية: أنه إذا وجد متطوع قدم على بيت المال. القول الثاني: أنه تجب عمارتها في بيت المال، فإن تعذر فمن غلته، فإن تعذر بيع. وهو مذهب الحنابلة (٢). الأدلة: أدلة الرأي الأول: (٢٤٤) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: بينا رجل واقف مع النبي ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته، فوقصته أو قال: فأقعصته، فقال النبي ﷺ : " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين أو قال: ثوبيه " (٣).

стр. 948

فجعل النبي ﷺ المؤنة في مال المتوفى، فكذا عمارة الوقف إذا كان له غلة. ٢ - حديث سهل بن أبي حثمة: " أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه: أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر، من جهد أصابهم، فأخبر محيصة أن عبد الله قتل وطرح في فقير أو عين، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: ما قتلناه والله ..... فقال رسول الله ﷺ : «إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب»، فكتب رسول الله ﷺ إليهم به، فكتبوا ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: «أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟»، قالوا: لا، قال: «أفتحلف لكم يهود؟»، قالوا: ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله ﷺ من عنده مئة ناقة حتى أدخلت الدار، قال سهل: فركضتني منها ناقة " (١). فالنبي ﷺ جعل الدية في بيت المال، فكذا عمارة الوقف؛ إذ كل من المصالح. ٣ - حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " الخراج بالضمان " (٢). وجه الدلالة: دل الحديث على أن من له خراج شيء أي غلته، فعليه ضمانه، ومن ذلك عمارته. ٤ - أنه إذا لم يكن غلة فمن بيت المال؛ لأن مصرف بيت المال المصالح (٣). ٥ - ولأنه من حاجة المسلمين، فكان من بيت المال (٤).

стр. 949

دليل القول الثاني: (تجب العمارة في بيت المال، فإن تعذر فمن غلته) استدل لهذا الرأي: بما تقدم من الدليل الثاني والثالث للرأي الأول. ونوقش: بالتسليم، لكن إن كان له غلة فلما تقدم من دليل الرأي الأول. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، وضعف دليل القول الثاني بمناقشته. وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: "والجواب: إذا كان المسجد الذي اجتاحته السيول تتعذر عمارته من غلة الوقف على سبيل الاستقلال أو المفاهمة من أهل البلد التي فيها المسجد وتجعل غلة الوقف فيه .... ، وأن القرية التي فيها المسجد الذي اجتاحته السيول لا تحتاج إلى عمارة مسجد، وأن المساجد الموجودة فيها لا يحتاج شيء منها إلى إصلاح لا في الوقت الحاضر ولا في الوقت القريب، وأن المسجد الذي سقط سقفه لا يمكن إصلاحه إلا من غلة هذا الوقف، فلا يظهر لنا مانع من إصلاحه بغلة الوقف، أما أصل الوقف فيبقى على البئر وتعمر من غلته في المستقبل إذا احتاجت إلى ذلك، والسلام عليكم" (١). وفيه أيضا: " عمارة وقف من غلة آخر جائزة، بشرط اتحاد الواقف، واتحاد الجهة، قال في "مختصر مجموع المنقور": قال الشيخ تقي الدين: ولو وقف رجال أملاكا على جهة مثل أن يوقفوا على مسجد، فهل يجب، أو يجوز أن يعمر بعضها من فائدة بعض؟ الذي ينبغي جواز ذلك، بل وجوبه؛ لأن المستحق واحد. أهـ، وأفتى بعض أصحابنا بجواز عمارة وقف من ريع آخر بشرط اتحاد الجهة فقط.

стр. 950

قال في الإنصاف: وهو قوي، وعليه العمل. اهـ. ومما ذكرناه يظهر حكم المسألة، فإنه إذا جاز استبدال الوقف بغيره أو بيعه والشراء بثمنه بدله أصلح منه، فكذلك عمارة أحد الواقفين بالآخر، ومثله إصلاح بعض الوقف الواحد ببعض، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ". وسئل أيضا: عمن أوصت بثلث مال من عقار ودار وأثاث، وجعل الوصية في قطع متعددة، والمصلحة تقضي بجعلها في عقار متحد، فإن كان تعلمون أن لفظ الموصي يجعل القطع المذكور وقفا لازما لا يجوز العدول عنه فتبقى على وقفيتها، وإن رأيتم جواز جمعها في العقار الذي يكون أصلح للوقف وللموقوف عليهم فبينوا لنا ذلك جزيتم عنا وعن المسلمين خيراً. فأجاب: الذي يظهر لي جواز جعلها في عقار متحد؛ لأن ذلك مصلحة ظاهرة للوقف وللورثة، وقد قرر ابن تيمية ﵀: أنه يجوز مخالفة نصه إلى ما هو أنفع وأحب إلى الله، وقد ذكر الحافظ ابن رجب -﵀-في شرح الأربعين في الكلام على حديث عائشة ﵂ " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " قال: وهذا الحديث إنما رواه القاسم بن محمد لما سئل عن رجل له مساكن فأوصى بثلث ثلاث مساكن، هل يجمع في مسكن واحد، حدثتني عائشة أن النبي ﷺ قال: " من عمل عملاً فليس عليه أمرنا فهو رد " أخرجه مسلم، ومراده أن تغيير وصية الموصى إلى ما هو أحب إلى الله وأنفع جائز، وقد حكي هذا عن عطاء وابن جريج. انتهى. والله أعلم ". المسألة الثالثة: عمارة الوقف إذا كان على جهة خاصة: إذا كان الوقف على جهة معينه كما لو أوقف شخص على أولاده منزلاً يسكنونه، أو دكاناً يستثمرونه، واحتاج إلى عمارة بأن انهدم بعضه –مثلاً- أو احتاج إلى ترميم حيث يتوقف الانتفاع به على ذلك، فما الجهة التي يصرف منها على عمارته وإصلاحه؟ وهل يجوز تركه بغير عمارة ولا إصلاح؟.
следующие страницы →