فمن له غلة شيء فعليه ضمانه، فصح اشتراط العمارة عليه.
قال ابن قدامة: " لأنه لما تبع شرطه في مصرفه وجب اتباعه في نفقته " (١).
٣ - أنه إذا لم يعين جهة فمن الغلة؛ لأن الوقف اقتضى تحبيس أصله، وتسبيل نفعه، ولا يحصل ذلك إلا بالإنفاق عليه، فهو من ضرورته، وكذلك عمارة الوقف قيساً على نفقته (٢).
ودليل المالكية: أنه لا يعمل بشرط إصلاحه على مستحقه؛ لأنه كراء مجهول، فالبطلان منصب على الشرط لا الوقف (٣).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يسلم أنه إجارة بل استيفاء، واستثناء من الغلة.
الثاني: أن عقود التبرعات أوسع من عقود المعاوضات، فلا يطلب فيها من التحرير والضبط ما يطلب في عقود المعاوضات.
ودليل القول الثالث: أن اشتراط كون العمارة من الغلة بمثابة اشتراط كون الإصلاح على الموقوف عليه، ويحاسب به من الغلة.
ونوقش: بأن العمارة من غلتها وإن لم يشترط الواقف ذلك فاشتراطه لم يزد شيئاً (٤).
стр. 947
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- قول جمهور أهل العلم؛ لقوة دليله، وضعف دليل المخالف بمناقشته.
المسألة الثانية: جهة الإنفاق إذا كان الوقف على جهة عامة:
إذا كان الوقف على جهة عامة كالمساجد، والمدارس، والثغور، والآبار، ونحو ذلك، فاحتاجت إلى عمارة، فاختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في جهة عمارة هذه الأوقاف على قولين:
القول الأول: وجوب عمارتها من الغلة، فإن لم يمكن فمن بيت المال.
وهذا قول جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية (١).
ونص المالكية: أنه إذا وجد متطوع قدم على بيت المال.
القول الثاني: أنه تجب عمارتها في بيت المال، فإن تعذر فمن غلته، فإن تعذر بيع.
وهو مذهب الحنابلة (٢).
الأدلة:
أدلة الرأي الأول:
(٢٤٤) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: بينا رجل واقف مع النبي ﷺ بعرفة إذ وقع عن راحلته، فوقصته أو قال: فأقعصته، فقال النبي ﷺ : " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين أو قال: ثوبيه " (٣).
стр. 948
فجعل النبي ﷺ المؤنة في مال المتوفى، فكذا عمارة الوقف إذا كان له غلة.
٢ - حديث سهل بن أبي حثمة: " أنه أخبره هو ورجال من كبراء قومه: أن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر، من جهد أصابهم، فأخبر محيصة أن عبد الله قتل وطرح في فقير أو عين، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه، قالوا: ما قتلناه والله ..... فقال رسول الله ﷺ : «إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب»، فكتب رسول الله ﷺ إليهم به، فكتبوا ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن: «أتحلفون، وتستحقون دم صاحبكم؟»، قالوا: لا، قال: «أفتحلف لكم يهود؟»، قالوا: ليسوا بمسلمين، فوداه رسول الله ﷺ من عنده مئة ناقة حتى أدخلت الدار، قال سهل: فركضتني منها ناقة " (١).
فالنبي ﷺ جعل الدية في بيت المال، فكذا عمارة الوقف؛ إذ كل من المصالح.
٣ - حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " الخراج بالضمان " (٢).
وجه الدلالة: دل الحديث على أن من له خراج شيء أي غلته، فعليه ضمانه، ومن ذلك عمارته.
٤ - أنه إذا لم يكن غلة فمن بيت المال؛ لأن مصرف بيت المال المصالح (٣).
٥ - ولأنه من حاجة المسلمين، فكان من بيت المال (٤).
стр. 949
دليل القول الثاني: (تجب العمارة في بيت المال، فإن تعذر فمن غلته)
استدل لهذا الرأي: بما تقدم من الدليل الثاني والثالث للرأي الأول.
ونوقش: بالتسليم، لكن إن كان له غلة فلما تقدم من دليل الرأي الأول.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، وضعف دليل القول الثاني بمناقشته.
وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: "والجواب: إذا كان المسجد الذي اجتاحته السيول تتعذر عمارته من غلة الوقف على سبيل الاستقلال أو المفاهمة من أهل البلد التي فيها المسجد وتجعل غلة الوقف فيه .... ، وأن القرية التي فيها المسجد الذي اجتاحته السيول لا تحتاج إلى عمارة مسجد، وأن المساجد الموجودة فيها لا يحتاج شيء منها إلى إصلاح لا في الوقت الحاضر ولا في الوقت القريب، وأن المسجد الذي سقط سقفه لا يمكن إصلاحه إلا من غلة هذا الوقف، فلا يظهر لنا مانع من إصلاحه بغلة الوقف، أما أصل الوقف فيبقى على البئر وتعمر من غلته في المستقبل إذا احتاجت إلى ذلك، والسلام عليكم" (١).
وفيه أيضا: " عمارة وقف من غلة آخر جائزة، بشرط اتحاد الواقف، واتحاد الجهة، قال في "مختصر مجموع المنقور": قال الشيخ تقي الدين: ولو وقف رجال أملاكا على جهة مثل أن يوقفوا على مسجد، فهل يجب، أو يجوز أن يعمر بعضها من فائدة بعض؟ الذي ينبغي جواز ذلك، بل وجوبه؛ لأن المستحق واحد. أهـ، وأفتى بعض أصحابنا بجواز عمارة وقف من ريع آخر بشرط اتحاد الجهة فقط.
стр. 950
قال في الإنصاف: وهو قوي، وعليه العمل. اهـ. ومما ذكرناه يظهر حكم المسألة، فإنه إذا جاز استبدال الوقف بغيره أو بيعه والشراء بثمنه بدله أصلح منه، فكذلك عمارة أحد الواقفين بالآخر، ومثله إصلاح بعض الوقف الواحد ببعض، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ".
وسئل أيضا: عمن أوصت بثلث مال من عقار ودار وأثاث، وجعل الوصية في قطع متعددة، والمصلحة تقضي بجعلها في عقار متحد، فإن كان تعلمون أن لفظ الموصي يجعل القطع المذكور وقفا لازما لا يجوز العدول عنه فتبقى على وقفيتها، وإن رأيتم جواز جمعها في العقار الذي يكون أصلح للوقف وللموقوف عليهم فبينوا لنا ذلك جزيتم عنا وعن المسلمين خيراً.
فأجاب: الذي يظهر لي جواز جعلها في عقار متحد؛ لأن ذلك مصلحة ظاهرة للوقف وللورثة، وقد قرر ابن تيمية ﵀: أنه يجوز مخالفة نصه إلى ما هو أنفع وأحب إلى الله، وقد ذكر الحافظ ابن رجب -﵀-في شرح الأربعين في الكلام على حديث عائشة ﵂ " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " قال: وهذا الحديث إنما رواه القاسم بن محمد لما سئل عن رجل له مساكن فأوصى بثلث ثلاث مساكن، هل يجمع في مسكن واحد، حدثتني عائشة أن النبي ﷺ قال: " من عمل عملاً فليس عليه أمرنا فهو رد " أخرجه مسلم، ومراده أن تغيير وصية الموصى إلى ما هو أحب إلى الله وأنفع جائز، وقد حكي هذا عن عطاء وابن جريج. انتهى. والله أعلم ".
المسألة الثالثة: عمارة الوقف إذا كان على جهة خاصة:
إذا كان الوقف على جهة معينه كما لو أوقف شخص على أولاده منزلاً يسكنونه، أو دكاناً يستثمرونه، واحتاج إلى عمارة بأن انهدم بعضه –مثلاً- أو احتاج إلى ترميم حيث يتوقف الانتفاع به على ذلك، فما الجهة التي يصرف منها على عمارته وإصلاحه؟ وهل يجوز تركه بغير عمارة ولا إصلاح؟.
стр. 951
تحرير محل النزاع:
لا خلاف بين أهل العلم أن الوقف إذا كانت له غلة؛ فإنه ينفق على إصلاحه من هذه الغلة (١)، وإنما اختلفوا فيما لو كان الوقف لا غلة له كدار أوقفها شخص على أولاده ليسكنوها، فعلى من تكون عمارة الوقف؟.
للعلماء قولان:
القول الأول: أنه جهة الإنفاق على عمارة الوقف على المنتفع من الوقف، وهم الموقوف عليهم، فإن امتنعوا، فيستثمر الوقف وينفق على عمارته من غلته.
وهذا قول الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٥).
القول الثاني: أنه لا تجب عمارته على أحد.
وإلى هذا القول ذهب الحنابلة (٦).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (العمارة على الموقوف عليه، وإلا استثمر الوقف، وأنفق عليه من غلته)
١ - حديث ابن عباس ﵄ قال: بينا رجل واقف مع النبي ﷺ بعرفة إذ
стр. 952
وقع عن راحلته، فوقصته أو قال: فأقعصته، فقال النبي ﷺ : " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين أو قال: ثوبيه " (١).
فجعل النبي ﷺ المؤنة في مال المتوفى، فكذا عمارة الوقف إذا كان له غلة في مال الموقوف عليهم.
٢ - حديث عمر ﵁ في الوقف (٢).
وجه الدلالة: أن المقصود من الوقف الانتفاع به مع بقاء عينه، وهذا لا يتم إلا بالإنفاق على عمارته وإصلاحه (٣).
٣ - حديث عائشة ﵂، وفيه قوله ﷺ : " الخراج بالضمان " (٤).
وجه الدلالة: أن الغنم بالغرم، فالغنم بالانتفاع يقابله الغرم بالعمارة، فإذا لم ينفق الموقوف عليه لعمارة العين الموقوفة، فيمنع من خراجها حتى تتم عمارتها (٥).
٤ - حديث المغيرة بن شعبة ﵁، وفيه: " وكان ينهى -أي النبي ﷺ عن إضاعة المال " (٦)، وترك عمارة الوقف من إضاعة المال.
وجه الدلالة: أن إهمال الوقف دون عمارته يتضرر به الوقف.
٥ - حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار" (٧).
стр. 953
٦ - أن الواقف لا يرضى بإهمال الوقف وتضييعه، وترك عمارته تضييع له، فكأنه اشترطه.
دليل القول الثاني: (لا تجب عمارته على أحد)
يمكن الاستدلال لهم: بأن الموقوف عليهم إنما يستحقون الانتفاع بالوقف وليس عليهم بعد ذلك ما يلزمهم، فإلزامهم بشيء يفتقر إلى دليل.
ويمكن أن يناقش: بأنه لا ضرر عليهم في ذلك بل هم منتفعون، فإن لم يفعلوا ذلك بأنفسهم، فيؤخذ من غلة الوقف حيث أمكن استثماره، وإلا فإنما لزمهم لما يأتي من الدلالة على ذلك.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لما يترتب على ذلك وهو إهمال الوقف وخرابه ومن ثم انعدام الانتفاع به، فإن القواعد الشرعية تمنع ذلك وتفيد الإلزام به بعمارته.
ويؤيد هذا قاعدة: (المعروف عرفاً كالمشروط لفظاً) (١).
فلو أن الواقف اشترط على الموقوف عليه عمارته لزمه ذلك، فهو أيضا لا يرضى بإهمال وقفه وتضييعه، فيكون ذلك بمثابة المشروط لفظاً، والله أعلم.
المسألة الرابعة: جهة الإنفاق على العمارة إذا كان الوقف على جهة خاصة، ولم يمكن الانتفاع:
أما إذا كان الوقف على جهة خاصة والعين الموقوفة لا يمكن الانتفاع بها، فقد اختلف العلماء في جهة الإنفاق على عمارتها إذا احتاجت إلى العمارة على أربعة أقوال:
стр. 954
القول الأول: أنه لا تجب عمارتها على أحد، ولكن تباع ويشترى بثمنها مثلها مما ينتفع به في الوجه الذي وقف فيه.
وهذا القول قال به الحنفية (١)، وهو رواية عن الإمام مالك (٢)، وبعض الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
القول الثاني: أنه لا تجب عمارته على أحد، ولكن إذا أمكن عمارة بعضه ببيع بعضه جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته.
وبه قال ابن قدامة (٥).
قال ابن قدامة: " ويجوز بيع بعض آلته وصرفها في عمارته " (٦).
كما جاء في المغني: " وجملة ذلك أن الوقف إذا خرب وتعطلت منافعه كدارٍ انهدمت أو أرض خربت وعادت أمواتاً .... إلى أن قال: فلم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته " (٧).
وقد علل ذلك في الشرح الكبير بقوله: "لأنه إذا جاز بيع الجميع عند الحاجة إلى بيعه فبيع بعضه مع بقاء البعض أولى" (٨).
стр. 955
قال ابن مفلح: "ولم أجده لأحد قبله، والمراد مع اتحاد الواقف كالجهة" (١).
وبين الشيخ محمد بن إبراهيم أن هذه الصورة مما أقره الفقهاء مع وجود المصلحة الراجحة للوقف، حيث يقول ﵀: " صرح الفقهاء بجواز بيع بعض الوقف لإصلاح بقيته " (٢).
وقال أيضا: " ونفيدكما أنه جرى منا الاستفهام من فضيلة قاضي القطيف عما ذكرتما، فذكر لنا أن الوقف متعطلة مصالحه، ولكنه في موقع مرغوب يمكن بيع بعضه وعمارة الباقي بقيمة البعض المبيع، وأن في ذلك مصلحة ظاهرة للوقف.
وحيث إن هذا الرأي مستقيم وموافق للمقتضيات الشرعية، فإننا نفتيكما به، والله ولي التوفيق والسلام " (٣).
وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: "ويستفتى في بيع بعضها لتعمير الباقي؟ للاطلاع على ما ذكره، وبعث هيئة مؤتمنة للكشف على البيتين والحوش لمعرفة هل يمكن ترميمها في الوقت الحاضر، أو لا بد من بيع بعضها لإصلاح الباقي، فيباع أقلها رغبة لإصلاح أحسنها مستقبلاً، مع ملاحظة ما فيه الغبطة والمصلحة للوقف؛ حيث صرح الفقهاء بجواز بيع بعض الوقف لإصلاح باقيه إذا اتحد الواقف والجهة، سواء كان الوقف عينين أو عيناً واحدة ولم تنقص بالتشقيص، فعليك القيام بما يلزم حول ما ذكر، والسلام عليكم" (٤).
стр. 956
القول الثالث: أنه يجوز عمارة تلك الأوقاف من ريع وقف آخر على جهته.
وقال بعض الحنابلة (١)، ونصره المرداوي (٢)، ونسبه ابن رجب إلى بعض الحنفية (٣).
قال المرداوي: " وهو قوي بل عمل الناس عليه " (٤).
القول الرابع: أنه يتم عمارة العين الموقوفة من بيت المال، فإن لم يكن تركت حتى تهلك، ولا يلزم المحبس النفقة عليها.
وهذا قول المالكية (٥)، وقال به كثير من الشافعية (٦).
الأدلة:
أدلة القول الأول: (لا تجب عمارته على أحد، ولكن يباع .... )
استدل لهذا القول بما يلي:
١ - عمارة الأوقاف كعمارة الأملاك؛ والمالك لا يجب عليه أن يعمر ملكه، فلا تجب العمارة لا على الموقوف عليه إذا نسبنا الملك إليه، ولا في مال الله تعالى على قول إضافة الملك إلى الله.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن قوله: "لا يجب على المالك أن يعمر ملكه" غير مسلّم؛ لما تقدم من النهي عن إضاعة المال.
стр. 957
٢ - أنه إذا لم تجب عمارة العين الموقوفة على أحد وجب أن تباع ويشترى بثمنها مثلها مما ينتفع به في الوجه الذي وقف فيه؛ لأن في ذلك استبقاء الوقف بمعناه عند تعذر استبقائه بصورته (١).
دليل القول الثاني: (أنه يباع بعضه، ويعمر بالثمن بقيته)
أنه إذا جاز بيع الكل عند الحاجة، فبيع البعض مع بقاء البعض أولى (٢).
ونوقش: بأنه إنما جاز بيع الكل؛ لأنه في حكم البدل فالكل أبدل بعين أخرى فيها منفعة، أما هذا البعض فلم يبدل به عين موقوفة سوى عمارة ما بقي من العين.
دليل القول الثالث: (أنه يعمر من غلة وقف آخر)
مراعاة مصلحة الموقوف عليه الذي كان من المفروض أن يستفيد من غلة الوقفين معا، فإذا توقف أحد الوقفين عن الغلة واحتاج إلى العمارة أخذت نفقة العمارة من غلة الوقف الآخر المتحد معه في الجهة حتى يكون كلا الوقفين ذا غلة تدر على الموقوف عليه.
ونوقش هذا الاستدلال: أن الذي يراعى ليس مصلحة الموقوف عليه فقط، بل أيضا شرط الواقف الذي اشترط أن تصرف الغلة إلى تلك الجهة دون عمارة الأوقاف الأخرى، فكما نراعي مصلحة الموقوف عليه نراعي مصلحة الواقف المتمثلة بتنفيذ شروطه، هذا بالإضافة إلى أنه قد لا يكون في مصلحة الموقوف عليه حرمانه من غلة هذا العام لعمارة الوقف الآخر، فقد يموت قبل أن يستفيد من الوقف الآخر، فيكون حرم من غلة هذا الوقف دون أن يستفيد من الوقف الآخر الذي صرف حقه فيه.
стр. 958
وأجيب: بأن صرف الغلة في عمارة الوقف الآخر إذا كان الجهة واحدة فيها تحقيق لمصلحة الموقوف عليه، وعدم مخالفة شرط الواقف.
أدلة القول الرابع: (تعمر من بيت المال، وإلا تركت حتى تهلك)
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - عموم حديث عمر ﵁، وفيه قول الرسول ﷺ لعمر ﵁: " تصدق بأصله، لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره " (١).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا الحديث دل بعموم على عدم جواز بيع الوقف، ولكن هذا مشروط بعدم خرابه، وذلك بأن يكون له ثمرة، ولذلك قال الرسول ﷺ في آخر الحديث: "ولكن ينفق ثمره"، فإذا لم يكن له ثمرة يستفاد منها؛ فلا معنى لتعطيله وتركه مع إمكان تحقيق مقصود الواقف بدوام الانتفاع منه، وذلك بإبداله بعين ذات غلة ومنفعة.
٢ - أنه إذا لم يجز لهم البيع قبل الاختلال، فكذلك بعد الاختلال، كالعبد المعتق لا يجوز له بيعه بكل حال (٢).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أنه إنما امتنع البيع قبل الاختلال لتحقق مقصود الواقف من دوام الانتفاع المؤدي إلى استمرار الثواب، وهذا المعنى غير موجود بعد الاختلال وانقطاع المنفعة.
الوجه الثاني: أن القياس على المعتق قياس مع الفارق؛ لأن العتيق بعد أن صار حراً فليس لأحد الحق في التصرف لا بعينه ولا بمنفعته إلا بإذنه، فلا تشوبه شائبة الملك بخلاف العين الموقوفة، فإنه وإن امتنع بيعها قبل
стр. 959
الخراب إلا أن منفعته مملوكة للموقوف عليه يتصرف فيها كيف شاء، فالوقف فيه شائبة الملك.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- أنها تباع، ويشترى بثمنها مثلها مما ينتفع به؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بها إلا على هذا الوجه، أو تعمر من غلة وقف آخر مع اتحاد الجهة، كما سنبينه في مبحث توحيد الأوقاف.
المسألة الخامسة: جهة الإنفاق إذا كان الوقف ذا روح.
إذا كان الوقف ذا روح فإن النفقة عليه:
لا يخلو هذا من حالتين:
الحال الأول: أن يكون الوقف على جهة عامة كخيل الجهاد، وطلبة العلم، ينفق عليه من بيت المال؛ إذ إن بيت المال مصارفه لمصالح المسلمين، فإن تعذر فعلى من علم بهم من المسلمين؛ إذ إن هذا من شروط الكفايات.
الحال الثانية: أن يكون على جهة خاصة، فنفقته على الموقوف عليهم.
وقد تقدمت الأدلة قريباً على ذلك.
جاء عند المالكية: ينفق على الفرس المحبس من بيت المال، فإن لم يمكن بيع واشتري بالثمن ما لا يحتاج إلى نفقته كالسلاح (١).
وعند الشافعية: نفقته في بيت المال، فإن تعذر فعلى الموقوف عليه، فإن تعذر فعلى مياسير المسلمين (٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن لم تكن له غلة، مثل أن كان عبداً
стр. 960
تعطل أو بهيمة هزلت، فالموقوف عليه بالخيار بين الإنفاق عليه؛ لأنه هو المالك وبين أن يبيعه ويصرف ثمنه في مثله (١).
المطلب الرابع: ادخار شيء من غلة الوقف لعمارته فيما لو خرب
الحال الأولى: أن يشرط الواقف تقديم العمارة على المستحقين، فيدخر ما يحتاج إلى عمارته في المستقبل، متى حصلت غلبة ظن باحتياجه.
الحال الثانية: إذا لم يشترط تقديم العمارة على المستحقين.
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه إذا اشترط الواقف تقديم العمارة على المستحقين وجب ادخار قدر ما يحتاج إليه للعمارة في المستقبل، فيرصد الناظر القدر الذي يغلب على ظنه الحاجة إليه، وإذا لم يشترط الواقف تقديم العمارة، بل سكت فلا يدخر لها عند عدم الحاجة.
وبه قال بعض الحنفية (٢).
جاء في المبسوط: " من ذلك أنه يشترط فيه أن يرفع الوالي من غلته كل عام ما يحتاج إليه لأداء العشر والخراج، وما يحتاج إليه لبذر الأرض ومؤنتها وأرزاق الولاة لها ووكلائها وأجور وكلائها ممن يحصدها ويدرسها وغير ذلك من نوائبها؛ لأن مقصود الواقف استدامة الوقف وأن تكون المنفعة
стр. 961
واصلة إلى الجهات المذكورة في كل وقت، ولا يحصل ذلك إلا برفع هذه المؤن من رأس الغلة " (١).
أما مقدار ما يتم تخصيصه فيجب ربطه برأي أهل الخبرة، وقد جاء في مشروع قانون الوقف الكويتي في إطار استثمار وتنمية الموارد الوقفية عن ذكر مقدار ما يحتفظ به الناظر لعمارة الوقف ما نصه: " يحتفظ الناظر لأعمال العمارة بخمسة في المئة من صافي الريع السنوي للأوقاف التي من شأنها أن تحتاج إلى ذلك بشرط أن لا يتجاوز مجموع ما يحتفظ به عشرين في المئة من صافي الريع " (٢).
وقد جاء بأن المشروع أخذ بما ورد في كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم حيث ورد فيه: " الواقف إذا شرط تقديم العمارة ثم الفاضل عنها للمستحقين كما هو الواقع في أوقاف القاهرة، فإنه يجب على الناظر إمساك قدر ما يحتاج إليه في العمارة في المستقبل، وإن كان الآن لا يحتاج الموقوف إلى العمارة " (٣).
القول الثاني: وجوب الادخار إذا كان الوقف على عمارة المسجد (٤).
وبه قال بعض الشافعية، وقيده السبكي بتوقع الحاجة للعمارة عن قرب بأن تكون الحاجة متوقعة بشرط: أن لا يخشى على المدخر من ظالم ونحوه، وإلا لم يدخر.
فإن كان توقع الخراب بعيداً، فالأولى أن يشترى به، فإنه يصير محفوظاً في العين المشتراة (٥).
стр. 962
وأما ما لم يوقف على عمارته كالموقوف على مصالحه أو مطلقاً، فإن فضل من غلته شيء ادخر منه قدر ما لو خرب أعيدت به العمارة ويشترى بباقيها ما فيه زيادة غلة ويوقف عليه، أما غلة ما وقف لعمارته فلا شراء بل يدخر لها (١).
وأشار ابن حجر الهيتمي: إلى أنه لا يدخر شيء مما لو يوقف على العمارة ولو كان فاضلا من الغلة، حيث قال: " أما غير المنهدم، فما فضل من غلة الموقوف على مصالحه فيشترى له بها عقار ويوقف عليه، بخلاف الموقوف على عمارته يجب ادخارها لأجلها " (٢).
المطلب الخامس: الرجوع فيما أنفق من مال الناظر أو المستأجر على عمارة الوقف
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الرجوع فيما أنفقه الناظر من ماله على عمارة الوقف:
إذا عمر الناظر الوقف من ماله الخاص، فلا يخلو من أمرين:
الأمر الأول: أن تكون الغلة موجودة:
إن كانت الغلة موجودة جاز الرجوع فيما أنفق على العمارة من تلك الغلة.
стр. 963
قال في منحة الخالق: " لو أنفق من ماله أو اشترى مع وجود مال للوقف يرجع ولو بلا أمر قاض " (١).
الأمر الثاني: أن تكون الغلة غير موجودة:
إذا كانت الغلة غير موجودة أصبح ذلك في حكم الاستدانة على الوقف، ويجري في صحة الرجوع بما أنفق الخلاف في حكم إذن القاضي في استدانة الناظر، فمن قال لا يستدين إلا بإذن القاضي -وهم الحنفية والشافعية (٢) - لم يجيزوا له الرجوع فيما أنفق إلا إذا كان ذلك بإذن القاضي (٣).
ومن قال بجواز الاستدانة بدون إذن القاضي أجاز للناظر الرجوع فيما أنفق على عمارة الوقف بنية الرجوع، وهم المالكية، والحنابلة.
وعلى هذا فالناظر لا يخلو من ثلاث حالات: أن ينفق بنية فله أن يرجع، وإن أنفق بنية التبرع فليس له أن يرجع؛ لأنه أخرجه لله ، وإن أطلق فموضع خلاف، والأقرب أن له الرجوع.
وقال شيخ الإسلام: " لو عمر وقفاً بالمعروف فله أخذ غلته " (٤).
المسألة الثانية: الرجوع فيما أنفقه المستأجر للوقف على عمارته:
إذا عمر المستأجر الوقف المؤجر له، ففي حكم رجوعه بما أنفق تفصيل، وذلك أن الأمر لا يخلو من حالتين:
الحال الأولى: أن تكون العمارة بإذن الناظر:
إذا عمر مستأجر العين الموقوفة تلك العين بإذن ناظرها، فيكون المتصرف هو الناظر، والمستأجر في منزلة المنفذ، وعلى هذا فيجري فيه
стр. 964
الخلاف السابق، فمقتضى من قال إن للناظر الرجوع بما أنفقه على عمارة الوقف ولو بلا إذن القاضي -وهم المالكية والحنابلة-: أنه يجوز للمستأجر الرجوع في غلة الوقف، ومقتضى من قال: إنه لا يجوز للناظر الرجوع بما أنفقه إلا إذا كان بإذن الناظر: أنه لا يسوغ للمستأجر الرجوع في غلة الوقف، بل قالوا يرجع على الناظر إن كان حياً أو على تركته إن كان ميتاً، وليس للناظر ولا لورثته الرجوع به على الوقف ما دام لم يأذن له الحاكم بذلك ولم يشرطه له الواقف.
لكن ذهب بعض الحنفية، وبعض الشافعية في هذه المسألة إلى ما ذهب إليه المالكية والحنابلة، قال في الفتاوى الخيرية: " اعلم أن عمارة الوقف بإذن متوليه ليرجع بما أنفق توجب الرجوع باتفاق أصحابنا بما أنفق " (١).
وتعقب ابن عابدين هذا القول فقال: " وظاهر ما مرّ عن الخيرية: أنه يرجع وإن لم يكن في يد القيم مال من غلة الوقف، وهو خلاف ما قدمناه عن الخانية فيما لو أنفق من مال نفسه، فلعل ما هنا مبني على رواية أنه لا يشترط في الاستدانة إذن القاضي، وإلا فهو مشكل فليتأمل " (٢).
وقال القليوبي: " إذن الناظر لمستأجر الوقف في الصرف في عمارته، ونقل عن بعض شيوخه قوله: هذا إن كان الصرف من أجرة عليه، فإن أريد الصرف ليكون ديناً على الوقف، فلا يكفي إذن الناظر، بل لا بد من إذن القاضي، ونقل عن بعضهم قوله: لا بد من إذن القاضي مطلقاً، ولا يكفي إذن الناظر وحده، قال: واكتفى بعض مشايخنا بإذن الناظر وحده مطلقاً خصوصاً إذا لزم على إذن القاضي غرامة مال " (٣).
стр. 965
الحال الثانية: عمارة المستأجر العين الموقوفة بلا إذن الناظر:
إذا عمر مستأجر العين الموقوفة من غير إذن الناظر، ففي رجوعه بما أنفق على العمارة خلاف بين العلماء على النحو التالي:
القول الأول: أنه إذا لم يضر بالوقف نزع ما عمره المستأجر، وإن أضر به فإنه يتملك الوقف بأقل القيمتين منزوعاً وغير منزوع.
وهذا هو قول الحنفية (١).
دليل هذا القول: أن المستأجر هو المتعدي، فيتحمل ما يلحقه من ضرر، وما ضاع له من مال هو المضيع له (٢).
القول الثاني: أن المستأجر يرجع بقيمة ما أنفق إذا كان في البناء نفع للوقف ويتملك لجهة الوقف.
وهذا هو قول بعض الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥)، لكن بعض الحنابلة قيد ذلك بأن يكون شرطه الواقف في وقفه، أو رضي مستحق الريع بذلك.
أدلة القول الثاني:
١ - أن المستأجر قام عن الناظر بما لا بد له منه؛ إذ إن إصلاح الوقف على الناظر واجب لحق الله تعالى لا لأجل المستأجر (٦).
стр. 966
٢ - أنه ما دام في تملك البناء منفعة لجهة الوقف، فإن في ذلك مصلحة تعود على المستحق، فيقاس على شراء ولي بناء ليتيم إذا رآه مصلحة (١).
القول الثالث: أن المستأجر لا يرجع بشيء مما صرفه بغير إذن الناظر والحاكم الشرعي -حيث وجدا-، لكن ما بناه من الأنقاض باق على ملكه، حتى إذا طلبه مكن من أخذه بشرط أن يغرم أرش ما هدمه من بناء الوقف ليعاد الوقف بذلك الأرش كما كان، فإن كان لا يضر بالوقف فلا أرش عليه.
وبه قال بعض الحنفية (٢)، والشافعية (٣).
قال ابن عابدين: " قوله: (وما بناه مستأجر وغرسه فله): أي إذا بناه من ماله بلا إذن الناظر، ثم إذا لم يضر رفعه بالبناء القديم رفعه، وإن أضر فهو المضيع لماله فليتربص إلى أن يتخلص من تحت البناء ثم يأخذه، ولا يكون بناؤه مانعاً من صحة الإجارة من غيره؛ إذ لا يد له عليه حيث لا يملك رفعه، ولو اصطلحوا على أن يجعله للوقف بثمن لا يجاوز أقل القيمتين منزوعاً أو مبنياً فيه صحّ " (٤).
وقال ابن حجر الهيتمي: " إن المستأجر لا يرجع بشيء مما صرفه بغير إذن الناظر والحاكم الشرعي، وإن كان إنما عمر لامتناع الناظر من العمارة، نعم إن عدما -أعني الناظر والحاكم- أو غابا واضطر إلى العمارة فعمر بنية الرجوع، وأشهد على ذلك رجع فيما يظهر .... وإذا تقرر أن ما بناه المستأجر من الأنقاض باق على ملكه وطلبه، فالظاهر -كما يأتي- أنا نمكنه من أخذه، لكن بشرط أن يغرم أرش ما هدمه من بناء الوقف؛ ليعاد الوقف بذلك الأرش
стр. 967
كما كان، فإن كان ما يريد هدمه هو الذي عمره كله من ماله متعدياً، فلا أرش عليه للهدم " (١).
ودليل هذا القول: أن المستأجر يعتبر متبرعاً؛ لأنه تصرف في شيء لا يملكه بغير إذن.
قالوا: وإنما اعتبرت الأنقاض باقية على ملكه؛ لأن هناك فرقاً بين الأعيان وغيرها من المصاريف، كأجر البنائين ونحوهم، وهو أن تلك الأجر أخرجها من يده إلى غيره آذناً لهم في إتلافها، فلم يكن له الرجوع بها عليهم بهذا الإذن ولا على الوقف؛ لأنه كالمتبرع بها، وأما الأعيان الباقية فهي لا تخرج عن ملكه إلا بلفظ ولم يوجد (٢).
هذا بالإضافة إلى أنه متعد يتحمل ما يلحقه من الضرر، وما فات من ماله فهو المضيع له (٣).
стр. 968
المبحث الثاني: إجارة الوقف
وفيه مطالب:
المطلب الأول: متولي الإجارة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: تأجير الناظر:
اتفق الأئمة الأربعة: على أن ناظر الوقف يملك تأجير الوقف إذا كان مما تمكن إجارته سواء كان هو الموقوف أم غيره (١).
والناظر الخاص مقدم على القاضي؛ لأن ولايته خاصة وولاية القاضي عامة، والولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة (٢).
وقال شيخ الإسلام: " ليس للحاكم أن يولي ولا يتصرف في الوقف بدون أمر الناظر الشرعي الخاص، إلا أن يكون الناظر الشرعي قد تعدى فيما يفعله، فللحاكم أن يعترض عليه إذا خرج عما يجب عليه " (٣).
стр. 969
الأدلة:
١ - الأدلة الدالة على مشروعية الوقف (١).
وجه الدلالة: أن هذه دلت على تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة، أي إطلاق الانتفاع بها للموقوف عليه، ومن طرق الانتفاع بالوقف تأجيره.
٢ - أن الناظر إذا كان هو الموقوف عليه فهو مالك لمنفعة الوقف، فيملك تمليكها لغيره بالإجارة قياساً على المستأجر (٢).
٣ - أن ناظر الوقف إنما أقيم ليقوم بتصريف شؤون الوقف، واستثماره لصالح الموقوف عليه، فتدخل في ذلك إجارته؛ لأنها من وسائل الاستثمار.
المسألة الثانية: تأجير الواقف:
يختلف ذلك باختلاف نوع الوقف، وعلى هذا فلا يخلو من أحوال:
الأول: أن يكون الوقف على النفس، فله التصرف بمنفعته بإجارة أو إعارة وغير ذلك؛ لأن له حق الاستعمال والاستغلال.
الثاني: أن يكون الوقف على جهة خاصة فلا حق له في التأجير؛ لأن المنفعة قد انتقلت إلى الموقوف عليه إلا إذا شرط الولاية لنفسه فله الحق لوجود الشرط.
الثالث: أن يكون الوقف على جهة عامة فلا حق له في التأجير، إلا إن شرط الولاية لنفسه؛ لما تقدم (٣).
المسألة الثالثة: تأجير الموقوف عليه للوقف:
هذا لا يخلو من أحوال:
стр. 970
الحالة الأولى: أن يكون الوقف مطلقاً -كما لو قال-: وقفت داري على زيد، ففي هذه الحال تكون المنافع مملوكة للموقوف عليه، وعلى هذا فله أن يستوفيها بنفسه، ويجوز له أن يتصرف فيها بإعارة أو إجارة أو غيرها.
الحالة الثانية: أن يكون مالك للمنفعة، فله حق التأجير؛ لأن له الحق في استيفائها بنفسه، أو بنائبه.
الحالة الثالثة: أن يكون له حق الانتفاع فقط، فهذا لا يملك التأجير، وإنما يملك الانتفاع لنفسه.
الحالة الرابعة: أن يجعل الواقف للموقوف عليه حق تمليك المنافع -أي الاستغلال-.
فعند أكثر الحنفية: أن الموقوف عليه لا يملك الانتفاع بتلك الدار الموقوفة مثلاً السكنى، وإنما يملك التصرف في هذه المنافع بالإجارة، والإعارة، ونحو ذلك من التصرفات (١).
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يملك الأمرين جميعاً فإن شاء سكن، وإن شاء تصرف في هذه المنافع (٢).
قال ابن عابدين: " ولا تصح إجارة من له السكنى إذا لم يكن متوليا، ولو زادت على قدر حاجته، ولا مستحق غيره " (٣).
قال القرافي: " إذا وقف وقفا على أن يسكن أو على السكنى، ولم يزد على ذلك فظاهر اللفظ: يقتضي أن الواقف إنما ملك الموقوف عليه الانتفاع بالسكنى دون المنفعة، فليس له أن يؤاجر غيره، ولا يسكنه " (٤).
стр. 971
وقال النووي: " المنافع المستحقة للموقوف عليه يجوز أن يستوفيها بنفسه، ويجوز أن يقيم غيره مقامه بإعارة أو إجارة والأجر ملك له هذا إن كان الوقف مطلقا، فإن قال: وقفت داري ليسكنها من يعلم الصبيان في هذه القرية فللمعلم أن يسكنها، وليس له أن يسكنها غيره بأجرة ولا بغيرها، ولو قال: وقفت داري على أن تستغل، وتصرف غلتها إلى فلان تعين الاستغلال، ولم يجز له أن يسكنها " (١).
وقال ابن القيم: " تمليك المنفعة شيء، وتمليك الانتفاع شيء آخر، فالأول يملك به الانتفاع والمعاوضة، والثاني يملك به الانتفاع دون المعاوضة " (٢).
المسألة الرابعة: إذا مات الناظر الخاص، فهل ينتقل حق النظر إلى الموقوف عليه ليتولى تأجيره، أو إلى القاضي؟.
للعلماء في ذلك قولان:
القول الأول: أنه ينتقل حق النظر والتأجير إلى الموقوف عليه.
وبه قال المالكية، والشافعية في وجه، والحنابلة في ظاهر المذهب (٣).
وحجته: أنه مالك للمنفعة فملك النظر كالملك المطلق.
القول الثاني: أن النظر ينتقل إلى القاضي، ويكون أحق بتأجيره.
وهو قول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (٤).
وحجته: أن الوقف انتقل إلى ملك الله تعالى.
стр. 972
ونوقش: بأن كون الوقف انتقل إلى ملك الله تعالى لا يمنع الموقوف عليه من التصرف بالمنفعة؛ إذ مالك لها.
والأقرب: هو القول الأول؛ لقوة ما عللوا به.
المطلب الثاني: قدر الإجارة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: إجارة الناظر للوقف بأقل من أجرة المثل:
يجب على ناظر الوقف ألا يؤجره حتى يغلب على ظنه أنه ليس هناك من يزيد عليه، وأن يشهر ذلك عند أهل الرغبات الذين جرت العادة باستئجارهم مثل ذلك المكان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإذا فعل ذلك فقد آجره المثل، وهي الإجارة الشرعية " (١).
فإن أجره بأكثر من أجرة مثله صحت الإجارة، بل ذكر بعض الفقهاء أن ذلك أفضل وأحسن (٢).
فالإجارة الشرعية هي أجرة المثل، أو أكثر منها، أو أقل منها بشيء يسير بقدر ما يتغابن الناس فيه في العادة (٣).
أما إذا كان الغبن فاحشاً، فإن الناظر لا يخلو من حالتين:
стр. 973
الحال الأولى: حكم إجارة الناظر للوقف بغبن فاحش إذا كان هو الموقوف عليه:
الغبن الفاحش: قيل الذي لا يدخل تحت تقويم المقومين، وغير الفاحش: الذي يدخل تحت تقويم المقومين.
وقيل: إن مرده إلى العرف: فما يتغابن الناس به عرفاً فليس فاحشاً، وما يتغابن الناس به عرفاً فهو فاحش (١).
اختلف الفقهاء في هذه المسألة علي قولين:
القول الأول: أن الناظر يملك إجارة الوقف بأقل من أجرة المثل إذا كان هو الموقوف عليه.
وهو مقتضى قول المالكية، وبه قال الشافعية (٢)، وهو وجه محتمل عند الحنابلة (٣).
جاء في مغني المحتاج: " وإذا أجر الناظر العين الموقوفة على غيره مدة بأجرة مثله فزادت الأجرة في المدة أو ظهر طالب بالزيادة عليها لم ينفسخ العقد في الأصح؛ لأن العقد قد جرى بالغبطة في وقته، فأشبه ما إذا باع الولي مال الطفل، ثم ارتفعت القيم بالأسواق، أو ظهر طالب بالزيادة، والثاني: ينفسخ إذا كان للزيادة وقع والطالب ثقة لتبين وقوعه على خلاف الغبطة، أما إذا أجر العين الموقوفة عليه فإنه يصح قطعا، ولو بدون أجرة
стр. 974
المثل كما لو أجر المطلق به، أو أجر الناظر الوقوف على غيره بدون أجرة المثل، فإنه لا يصح قطعا " (١).
وجاء في كشاف القناع: " (وإن أجر الناظر) العين الموقوفة بـ (أنقص من أجرة المثل صح) عقد الإجارة (وضمن) الناظر (النقص) عن أجرة المثل إن كان المستحق غيره، وكان أكثر مما يتغابن به في العادة كالوكيل إذا باع بدون ثمن المثل أو أجر بدون أجرة المثل، وفيه وجه بعدم الصحة.
قال الحارثي: وهو الأصح لانتفاء الإذن فيه (ولا تنفسخ الإجارة) حيث صحت (لو طلب) الوقف (بزيادة) عن الأجرة الأولى، وإن لم يكن فيها ضرر؛ لأنها عقد لازم من الطرفين وتقدم " (٢).
القول الثاني: أن الناظر لا يملك إجارة الوقف بأقل من أجرة المثل إذا كان هو الموقوف عليه، وتفسد الإجارة.
وبهذا قال الحنفية (٣)، وهو وجه محتمل عند الحنابلة (٤).
جاء في البحر الرائق: " وصرح قاضيخان من كتاب الإجارة بأنه إذا أجر بأقل من أجرة المثل، فإن كان بنقصان يتغابن الناس فيه فهي صحيحة، وليس للمتولي فسخها، وإن كان بنقصان لا يتغابن الناس فيه فهي فاسدة، وله أن يؤاجرها إجارة صحيحة، إما من الأول أو من غيره بأجر المثل وبالزيادة على قدر ما يرضى به المستأجر " (٥).
стр. 975
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - ما تقدم من أدلة مشروعية الوقف.
وجه الدلالة: دلت هذه الأدلة على أن الوقف تحبيس للأصل وتسبيل للثمرة، أي إطلاق ثمرة الوقف، ومنافعه للموقوف عليه، له كامل التصرف، وإذا كان كذلك ملك تأجير الوقف بأقل من أجرة المثل.
٢ - قياس إجارة الناظر إذا كان هو الموقوف عليه على إجارة المالك، وذلك أن الإجارة متعلقة بالحق الخاص للموقوف عليه، فكان كالمالك في تصرفه بالأجرة؛ لأنه إذا آجر بدون أجر المثل فإنما يتصرف في ملك نفسه (١).
٣ - القياس على الهبة، فكما تصح هبة بعض أجرة الوقف، فكذا إسقاطها.
دليل القول الثاني: (أن الناظر لا يملك تأجير الوقف بأقل من أجرة المثل)
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
أن الناظر قد يموت قبل انقضاء مدة الإجارة وتنفسخ الإجارة.
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن موت الناظر لا يلزم منه ضرر من بعده من البطون؛ لقيامه مقامه في استيفاء النفع، وإن كان هناك غبن فيما بقي من المدة فله الحق في الفسخ، أو مطالبة الأرش.
стр. 976
الوجه الثاني: أن الناظر لا يملك إجارة الوقف مدة طويلة كما سيأتي.
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بملكية الناظر لإجارة الوقف بأقل من أجرة المثل إذا كان هو الموقوف عليه؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الناظر إذا كان هو الموقوف، فإنه يعد مالكاً لمنفعة الوقف ملكاً تاماً، فله أن يتصرف كما يشاء، وما ترتب على المأذون غير مضمون، بشرط عدم الإضرار بما سيأتي من بعده من البطون، فإن حصل ضرر عليهم أزيل بعدم إطالة المدة.
الحال الثانية: حكم إجارة الناظر للوقف بغبن فاحش إذا لم يكن هو الموقوف عليه:
اختلف الفقهاء في صحتها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الإجارة صحيحة، ويضمن الناظر ما نقص عن أجرة المثل.
وهذا هو المذهب عند الحنابلة (١).
وعند شيخ الإسلام: أن الناظر إذا احتاط واجتهد ولم يفرط: أنه لا ضمان عليه.
جاء في الاختيارات: " وإذا اشترى الوكيل أو المضارب بأكثر من ثمن المثل، أو باع بدونه صح ولزمه النقص والزيادة نص عليه.
قال أبو العباس: وكذلك الشريك والوصي والناظر على الوقف وبيت المال، ونحو ذلك، قال: وهذا ظاهر إذا فرط، وأما إذا احتاط في البيع
стр. 977
والشراء، ثم ظهر غبن لم يقصر فيه، فهذا معذور يشبه خطأ الإمام والحاكم، ويشبه تصرفه قبل علمه بالعزل " (١).
القول الثاني: لا تصح إجارة الناظر للوقف بأقل من أجرة المثل، والعقد فاسد.
وبهذا قال الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، وهو وجه عند الحنابلة (٤).
ولو تسلمها المستأجر فعليه أجر المثل بالغا ما بلغ، واستثنى الحنفية من ذلك صورتين:
الأولى: ما أشار إليه ابن عابدين، فقال: " لا يصح إذا كان بغبن فاحش … إلا عن ضرورة، وفي فتاوى الحانوتي: شرط إجارة الوقف بدون أجرة المثل إذا نابته نائبة، أو كان دين ".
الثانية: أشار إليها الأسروشني فقال: " والفتوى على أنه يجب أجر المثل في هذه الصورة بالغا ما بلغ؛ إلا إذا انتقص المنزل بسكنى المستأجر، وكان ضمان النقصان أنفع لليتيم والوقف، أو نقصتها الزراعة وكان ضمان النقصان أنفع، فحينئذ يجب ضمان النقصان، فالحاصل: أنه ينظر إلى النقصان وإلى أجر المثل، فأيهما كان أكثر يجب ذلك للوقف وللصغير " (٥).
القول الثالث: تفسخ الإجارة إذا طُلب الوقف بأجرة المثل، ويضمن الناظر تمام أجرة المثل إن كان مليئاً، وإلا فالمستأجر.
стр. 978
قال العدوي: " إذا أكرى الناظر بغير أجرة المثل ضمن أجرة المثل إن كان مليا، وإلا رجع على المستأجر؛ لأنه مباشرة، وكل من رجع عليه لا يرجع على الآخر ".
وبهذا قال المالكية (١).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢)، فناظر الوقف بمنزلة ولي اليتيم، بجامع أن كلاً منهما يتصرف لغيره، وليس من قربان الوقف بالتي هي أحسن تأجيره بغبن فاحش.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ (٣)، وتأجيره بغبن فاحش خلاف الأمانة.
٣ - أن ناظر الوقف يتصرف في مال غيره على وجه الخطر، فيضمن ما نقص بعقده، قياساً على الوكيل إذا باع أو أجر بدون ثمن أو أجرة المثل (٤).
٤ - ودليل شيخ الإسلام: أنه إذا اجتهد ولم يفرط أنه لا ضمان عليه قياساً على خطأ الإمام والحاكم.
وقياساً على ما إذا تصرف قبل علمه بالعزل (٥).
стр. 979
دليل القول الثاني: (لا تصح إجارة الناظر بأقل من أجرة المثل)
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
أن إجارة الناظر للوقف بأقل من أجرة المثل بغبن فاحش تصرف لم يؤذن له فيه، فلا تجوز، ويفسد العقد (١).
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أن أصل الإذن في التصرف موجود، وإنما حصلت المخالفة في مقدار الأجرة، فيصح العقد لوجود أصل الإذن، ويضمن الناظر ما حصل بسبب مخالفته وهو النقص عن أجرة المثل.
الوجه الثاني: أن العقد لا يبطل؛ لتعلق حق المستأجر.
أدلة القول الثالث: (تفسخ الإجارة إذا طلب الوقف بأجرة المثل … )
١ - أنه يفسخ إذا طلب الوقف بأجرة المثل: بما استدل به أصحاب القول الثاني، وقد سبقت مناقشته.
٢ - أن الناظر يضمن النقص إذا كان مليئاً: بأن التفريط قد حصل منه، فيلزمه ما يترتب على تفريطه.
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة -والله أعلم بالصواب- هو القول الأول القائل بصحة إجارة الناظر للوقف بأقل من أجرة المثل إذا لم يكن هو الموقوف عليه؛ لأن الإجارة وقعت مستوفية لشروطها والخلل إنما هو في تقدير الأجرة، وهذا مما يمكن تصحيحه، ولقوة ما استدلوا به، ولأن الإذن في أصل التصرف قد حصل، ويضمن ما نتج عن مخالفته بالنقص عن أجرة المثل لتفريطه في طلب أجرة المثل، ويستثنى من ذلك ما إذا احتاط واجتهد
стр. 980
فلا ضمان عليه، كما ذكر شيخ الإسلام، فإن كان المستأجر عالما بكونه وقفا، وبأن الأجرة أقل من أجرة المثل فيضمن؛ لأنه المباشر.
المسألة الثانية: زيادة الأجرة أثناء المدة.
إذا طرأت زيادة في إجارة العين الموقوفة، فهل يملك الناظر الفسخ أو لا؟
للعلماء في ذلك أقوال:
القول الأول: أن إجارة الوقف لا تفسخ، ويبقى العقد على المسمى.
وبه قال: المالكية، والشافعية، والحنابلة، واختاره شيخ الإسلام (١).
وحجته:
١ - أدلة وجوب الوفاء بالعقود.
٢ - أن الإجارة عقد لازم من الطرفين فلا يجوز فسخها بغير سبب موجب، وإذا أوجبنا الزيادة على المستأجر فيجب أن نبيح له النقص، إذا نقص أجر المثل عن المسمى.
٣ - أن العقد وقع بالغبطة في وقته، فأشبه ارتفاع القيمة، أو الأجرة بعد بيع، أو إجارة مال المحجور (٢).
القول الثاني: أن زيادة أجرة المثل، أو ظهور راغب بها بزيادة عذر يفسخ به عقد الإجارة إلا إن رضي المستأجر بدفع الزيادة.
وهذا المفتى به عنه الحنفية، ووجه عند الشافعية، ووجه عند الحنابلة (٣).
стр. 981
لكن اشترط الحنفية للفسخ شروطا:
الشرط الأول: أن يكون المؤجر الناظر بحكم الولاية لا الموقوف عليه، وهذا اشترطه أيضا الشافعية، والحنابلة.
الشرط الثاني: أن تكون الزيادة فاحشة غير يسيرة.
وهذا أيضا شرط عند الجميع - وتقدم تفسير الفاحش قريبا -.
وقدر بعض الشافعية والحنابلة: الزيادة بالثلث.
الشرط الثالث: أن تكون الزيادة في عامة أمثال الوقف لا بسبب ما أحدثه المستأجر فيه من العمارة.
الشرط الرابع: أن تكون الزيادة حقيقية بمعنى أن لا يكون طالب الزيادة مريدا الإضرار بالمستأجر.
الشرط الخامس: أن يمكن الفسخ بأن لا يكون للمستأجر في الأرض زرع لم يحصد، بل يترك إلى الحصاد بأجرة المثل، وما قبله فبالمسمى.
الشرط السادس: أن يتحقق من الزيادة بأن يكثر الطالب بها، وإلا لم يعتبر جزما.
وحجته: أنه بزيادة أجرة المثل تبين أن العقد الأول وقع بخلاف الغبطة، وفي ذلك ضرر على الوقف فيجب فسخه.
القول الثالث: التفصيل فإن كانت الإجارة سنة فما دونها لم يتأثر العقد، وإن كانت أكثر تأثر بها.
وهذا وجه عند الشافعية (١).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- قول جمهور أهل العلم بعدم انفساخ الإجارة بزيادة
стр. 982
الأجرة؛ لأن العقد قد تم بشروطه، ولأن الأوقاف يلحقها ضرر من جهة أن الناس يعرضون عن استئجارها إذا علموا بجواز الفسخ عند زيادة الأجرة.
المسألة الثالثة: نقصان الأجرة أثناء المدة.
إذا أجر الناظر الوقف بأجرة مثله ثم نقصت، فطلب المستأجر نقص الأجرة، أو نقص العقد، فإنه لا يجاب باتفاق الفقهاء؛ للزوم الضرر على الوقف.
ولأن العاقد معه وهو الناظر لا يملك ذلك؛ لأنه ممنوع من كل تصرف يضر بالوقف.
ويستثنى من ذلك مصلحة الوقف، فإذا كان في الإقالة مصلحة للوقف جاز للناظر أن يقيل المستأجر.
وكذلك إذا كان الناظر هو الموقوف عليه فله أن يجيب المستأجر في نقص الأجرة، أو الإقالة؛ إذ هو المالك للمنفعة، وله هبتها.
المسألة الرابعة: إجارة الوقف بالعروض.
القول الأول: يجوز عقد الإجارة على كل عوض يصلح في البيع.
قال به المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
قال النووي: " يشترط العلم بقدر الأجرة ووصفها إذا كانت في الذمة .... ولو استأجره بقدر من الحنطة أو الشعير وضبطه ضبط السلم جاز .... ولو استأجره بأرطال خبز بني على جواز السلم في الخبر … ".
وقال أيضا: " يجوز أن تكون الأجرة منفعة سواء اتفق الجنس كما إذا أجر دارا بمنفعة دار، أو اختلف بأن أجرها بمنفعة عبد، ولا ربا في المنافع أصلا .. ".
стр. 983
وقال ابن قدامة: " كل ما جاز ثمنا في البيع جاز عوضا في الإجارة؛ لأنه عقد معاوضة أشبه البيع، فعلى هذا: يجوز أن يكون العوض عينا أو منفعة أخرى، سواء كان الجنس واحدا، كمنفعة دار بمنفعة أخرى، أو مختلفا؛ كمنفعة دار بمنفعة عبد … ".
القول الثاني: أنه لا يجوز تأجير الوقف بالعروض.
وبه قال بعض الحنفية (١).
وحجته: القياس على الوكيل.
ونوقش: بأن الأصل المقيس عليه موضع خلاف بين العلماء.
الترجيح:
يترجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، لكن إن كانت مصلحة الوقف تقتضي عدم ذلك، فيمنع منه، إلا إن كان المؤجر هو الموقوف عليه فله ذلك؛ لما تقدم من أنه مالك للمنفعة.
المطلب الثالث: مدة إجارة الوقف
اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على أنه إذا اشترط الواقف على الناظر مدة معينة في إجارة الوقف، كسنة مثلاً، فإنه يجب على الناظر مراعاة الشرط، فلا يزيد على المدة المحددة، ما لم يكن في الزيادة مصلحة، أو
стр. 984
تكن هناك ضرورة، فيجوز ذلك، كما سبق بيان ذلك عند الكلام عن تغيير شرط الواقف.
فقد قال بذلك الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
لكن إذا دعت المصلحة خلاف هذا الشرط لحاجة الوقف أو الموقوف عليه جاز مخالفته بعد إذن القاضي.
قال ابن لجين: " ومراد المصنف عند عدم شرط الواقف، فإن نص على شيء فأجره الناظر أكثر منه لا يجوز، إلا إذا كانت إجارتها أكثر أنفع للفقراء، والناس لا يرغبون في استئجارها فللقيم أن يرفع الأمر إلى القاضي حتى يؤاجرها.
وقال الخرشي: " ثم إن كلام المؤلف مقيد بما إذا لم يشترط الواقف مدة، وإلا عمل على ما شرط، وربما إذا لم تدع الضرورة لعدم ذلك لأجل مصلحة الوقف.
وقال الشربيني: " ويستثنى من إطلاق المصنف حال الضرورة كما لو شرط ألا تأجر الدار أكثر من سنة ثم انهدمت وليس لها جهة عمارة إلا بإجارة سنين".
وقال البهوتي: " فإذا شرط ألا يأجر أكثر من سنة لم تجز الزيادة عليها، لكن عند الضرورة يزاد بحسبها ولم يزل عمل القضاة في عصرنا وقبله عليه ".
стр. 985
أما إذا لم يشترط الواقف مدة معينة في الإجارة، بل أطلق فإنه يجب على الناظر أن يفعل ما فيه مصلحة الوقف من الإجارة يومياً، أو أسبوعية، أو شهرياً، أو سنوياً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والواجب على الناظر أن يفعل مصلحة الوقف في إجارة المكان مُسَانَهة، أو مشاهرة، أو موايمة … " (١).
أما بالنسبة لمدى صحة تطويل مدة الإجارة، فقد اختلف الفقهاء فيها على قولين:
القول الأول: أن الناظر لا يملك إجارة الوقف مدة طويلة.
وبهذا قال أكثر الحنفية (٢)، وبه قال المالكية (٣)، وبعض الشافعية (٤)، وبعض الحنابلة (٥).
واختلفوا في تقدير المدة التي تعتبر غير طويلة فقدرها الحنفية في المختار بثلاث سنين، وقال بعضهم: لا يزاد على ثلاث سنين في الضياع وعلى سنة في غيرها.
وأما المالكية فقالوا: إن أجرت لمن مرجعها له فيجوز لعشر سنين، وإن كان لغير من مرجعها له فيقدر بالسنتين لا أكثر، واستحسن بعضهم كونه لأربعة أعوام.