فدون ذلك عقبات كأداء، يعلمها من كابد الإشتغال بالتراث.
«وَلَشدَّ مَا سُرِرتُ عندما هيأ الله لي أستاذة جامعية فاضلة، ذَهَبَتْ إلى استنبول، ونقلت - مشكورة - صفحتين من أول النسخة، وبعضا من آخرها، وعناوين عدة أبواب من أثنائها، فكان ذلك فضلا من الله ونعمة أتيح به لهذا البحث، إلقاء الضوء على إنتاج علمي للعراقي، يحول دون الوقوف عليه جم المصاعب، وهو في نفس الوقت يمثل جانبًا من نضج العراقي العلمي، فالشكر الجزيل لله تعالى ثم لتلك الأستاذة الفاضلة على ذلك، وفي حدود ما وصلني من هذه النسخة، وعنها، أُعَرِّفُ بها، لندرتها، فأقول: «أن عدد أوراقها ٨ ورقات متوسطة الحجم، وعنوانها «نظم كتاب الاقتراح لابن دقيق العيد» للحافظ زين الدين عبد الرحيم بن العراقي، تغمده الله برحمته»، ومن هذا الترحم نفهم أنها منسوخة بعد وفاة العراقي، أما خطها فعادي، ولم يُذْكَرُ اسم ناسخها، ولا تاريخ النشخ، ولا وجود توثيقات عليها بالسماع، أو المقابلة ونحوهما، ثم إنه قد كتب بصفحة العنوان بها، نقلا عن ولي الدين ابن العراقي: أن عدد أبيات الكتاب ٤٢٧ بيتًا وهذا يعتبر عددًا موثقا؛ لأنه من أقرب الناس إلى العراقي، فهو ولده، ومن كبار تلاميذه، ودارسي هذا الكتاب عليه، وقد تبعه على ما ذكره ابن فهد أيضًا» (١).
وعلى هذا يكون نظم الاقتراح هذا، مقاربا لنصف الألفية.
الداعي لتأليف الكتاب:
يعتبر كتاب «الاقتراح» الذي نظمه العراقي من أهم «مختصرات كتاب ابن
стр. 1017
الصلاح» (١)، حيث إن مؤلفه تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ كان مجدد عصره، ومع أن نسخه الخطية حاليًا في حكم المفقودة، إلا أنه يبدو من النصوص المنقولة عنه، أن المؤلف خالف في تبويبه تبويب ابن الصلاح، سواء بفصل بعض الموضوعات عن بعضها، أو إدماجها في بعضها، بناء على وجهة نظره الخاصة، كما أدخل أيضًا بعض التعديلات بالحذف والإضافة والاستدراك على ابن الصلاح (٢).
ومن هنا كان الكتاب محل دراسة المشتغلين بالسنة منذ عصر مؤلفه، ولهذا اتجهت همة العراقي لنظمه، كما فعل في الكتاب أصله وهو «مقدمة ابن الصلاح» من قبله، وقد قال في مقدمته:
«يقول بعد حمده لربه … مصليًا على النبي وصحبه:
عبد الرحيم بن الحسين الآمل … نظم كتاب الاقتراح ليسهل» (٣)
وبهذا أشار إلى أنه قصد بنظمه تسهيل الإحاطة به على دارسيه، سواء من ناحية تسهيل حفظه على المبتدئين، كما كانت عادة العصر حينذاك في التعليم، وذلك لأن موسيقى الأوزان الشعرية تساعد على الحفظ أكثر من
стр. 1018
الكلام المنثور، أو من ناحية تمكين غير المبتدئين من الإلمام بمحتوى الكتاب واستحضاره بأيسر من حالة الكلام المنثور أيضًا.
وكلا الأمرين كانا من دواعي التأليف المعتبرة في عصر العراقي، هذا بجانب ما أدخله على الكتاب من تعديلات وإضافات كما سأوضح في منهج العراقي فيه، وفي دراسة بعض النصوص التي أُتيحت لي منه.
وليس نظم هذا الكتاب وتقديمه للدارسين مع وجود ألفية العراقي المتقدمة مما يغض من قيمتها العلمية، أو يفيد الإنصراف عنها، حتى اضطر العراقي لتقديم بديل جديد، فقد قدمنا من دلائل الإقبال عليها والعناية بها والاستفادة منها، ما يدفع ذلك كلية، وإنما المسألة ترجع إلى رعاية الحاجة العلمية، وتلبيتها على كل مستوى بحسبه، خاصة وأن العراقي حينئذ كان كما قدمت رائد مدرسة السنة داخل مصر وخارجها، فيعد مسئولاً علميًا عن ذلك، فجعل الألفية ككتاب عام، يفيد منه المبتدئ في دراسة هذا الفن، والمتبحر فيه، على السواء كما تقدم، فمن لم يتوافر له الاستعداد الكافي لحفظ الألفية واستيعابها فإن العراقي لا يهمله بل يقدم له نظما آخر جامعًا أهم مسائل الفن، مهذبة، مرتبة في أقل من نصف حجم الألفية، فإذا حصله ساعده على الإنتقال لما هو أوسع، وهو الألفية وغيرها من مؤلفاته، ومؤلفات سواه، وعلماء التربية والتعليم حتى اليوم، يقرون أهمية هذا المسلك الوجيه الذي سلكه العراقي، بمراعاته المستوى الإدراكي لطالب العلم في مراحله المختلفة، وتقديم ما يناسبه من المؤلفات في كل مرحلة، حتى يستوعبها بسهولة، ويفيد منها، وينطلق إلى ما فوقها، ولا يعكر على هذا أنه بدأ بالأكبر، وهو نظم الألفية، وثنى بالأصغر، وهو نظم «الإقتراح»؛ لأن ذلك يرجع لعوامل أخرى مؤثرة، منها
стр. 1019
اشتهار كتاب عن آخر في زمن معين، ومنها ما سجله التاريخ عموماً من تناقص همم اللاحق عن السابق، في الإقبال على هذا العلم (١).
وقد تأخر نظم (الاقتراح) عن الألفية بأزيد من ربع قرن كما قدمت وتأثير هذه المدة في انخفاض المستوى لا ينكر، فكان على العراقي أن يراعي متطلبات العصر والتأليف، حسب المستويات المختلفة، لتسهيل سبل هذا الفن أمام طلابه، كما صرح بذلك في مقدمة النظم.
منهج العراقي في الكتاب وموازنته بمنهجه في الألفية:
بعد أن أشار العراقي لما دعاه لنظم «الاقتراح» كما أوضحنا، انتقل لبيان منهجه فيه، وهو يتكون من عناصر ثلاثة:
أولها: استعمال اصطلاح خاص، طلباً للاختصار:
وأشار إليه بقوله:
«فإن يجيء ضمير أو فعل ولم يذكر له اسم نحو «عنه» و «جزم» أو أطلق «الشيخ» فما مقصودي في الكل إلا ابن دقيق العيد» (٢) فبين في البيتين ما جرى عليه في هذا النظم من أنه قد يورد ضمير المفرد مثلما في قوله «عنه» ولا يذاكر مرجعاً له، ويذكر الفعل المسند للواحد أيضاً مثل قوله: «جزم بكذا» ولا يذكر فاعله، ويذكر كذلك لقب «الشيخ» بدون تحديد اسمه، وفي هذه الأحوال الثلاثة يكون صاحب الضمير، وفاعل الفعل والمقصود بلقب «الشيخ» هو ابن دقيق العيد، صاحب كتاب «الاقتراح»
стр. 1020
المتضمن في النظم، ونلاحظ أن هذا الجانب الاصطلاحي من المنهج يوافق ما جرى عليه في نظم مقدمة ابن الصلاح في الألفية، ونبه عليه أيضًا في مقدمتها كما مر بك.
وقد بين في شرح الألفية كما سلف، أنه وضع هذه الاصطلاحات للاختصار (١) حتى لا يتضخم حجم الكتاب بذكر مرجع كل ضمير، وفاعل كل فعل، وقرنَ لقب «الشيخ» باسمه كلما تكرر جميع ذلك، فيكون خلاف الداعي الأول للنظم، وهو تسهيل حفظ الكتاب واستحضاره، وقد بينا من قبل، إصابة العراقي في التنبيه على اصطلاحه الخاص الذي ينتهجه في تأليفه، لكنك عندما تقارن بيانه لاصطلاحه هنا في نظم «الاقتراح»، ببيانه لاصطلاحه في نظم «مقدمة ابن الصلاح»، تجد بيانه هنا أكمل؛ لأنه مثل في نفس النظم للاختصارات الثلاثة التي اصطلح عليها فقال: نحو «عنه» و «جزم» وأطلق لفظ «الشيخ» إلخ، أما في الألفية فذكر فقط مثال الفعل، ولفظ الشيخ، ولم يذكر مثالا للضمير في النظم، ولذا تلافاه في «شرح الألفية» فمثل له (٢).
ثانيها: تغيير ترتيب بعض الموضوعات عما هي عليه في «الاقتراح»:
وقد أشار إليه بقوله: «وربما قدمت للمناسبة» فبين بهذا أنه قدم بعض الموضوعات في النظم، عن محلها في كتاب «الاقتراح»، وبالتالي أخر بعضها عن محله فيه، وبذلك أصبح ترتيب الأبواب والموضوعات في النظم
стр. 1021
يغاير أحيانًا، ترتيبها في (الاقتراح)، ونبه العراقي على أنه لم يفعل ذلك لمجرد المخالفة وإظهار الفرق أيا كان، بين عمله، وعمل ابن دقيق العيد، ولكنه قدم وأخر، بناءً على ما ظهر له من مناسبة وارتباط، بين موضوعات الكتاب، ربما لم تظهر من قبل لابن دقيق العيد، أو لم تدخل في اعتباره عند تأليف كتابه، واختلاف وجهات نظر الباحثين أمر مقرر، وعنه ينشأ اختلاف المناهج الذي يميز كل باحث عن غيره، وينطبق ذلك هنا كما ترى، فقد توارد عمل ابن دقيق العيد، والعراقي، على مواد علمية واحدة، ولكن كل منهما انتهج في سياقها وترتيبها منهجا مخالفًا للآخر، على أساس تصوره الخاص لتلك المواد، ومبلغ علمه بجزئياتها، وعلاقة بعضها ببعض، وما ينبغي أن تكون عليه، اجتماعًا وانفرادا، وفائدة ذلك، في رسم صورة منظمة الجوانب والقسمات، لهذا العلم، وتقديمه عليها للدراسة والاستفادة، وبهذا الاختلاف المنهجي في العرض، والتصور، تميز عمل العراقي في النظم، عن عمل ابن دقيق العيد في (الاقتراح)، واعتبر هذا من آثاره العلمية المنهجية، وهذا العنصر من المنهج، قد سار عليه العراقي أيضًا في نظم (مقدمة ابن الصلاح) في الألفية كما سلف؛ لكنه لم ينبه عليه في بيانه لمنهجه في مقدمة الألفية، بل استنبطناه كما تقدم، من مقارنة الألفية بمقدمة ابن الصلاح، أما هنا فقد نبه عليه، مع بيان وجهه في مقدمة النظم كما ترى، وبهذا يعد بيانه لعناصر منهجه هنا أتم، وأوضح، وأوفر الجهد الباحث، في التتبع والمقارنة والاستنباط، كما أن ذلك من أدلة تصوير هذا النظم التطور نضج شخصية العراقي العلمية، بحيث تنبه فيه لتلافي جوانب التقصير في رسم منهجه عما ألفَه من قبله.
стр. 1022
ثالثها: زيادة بعض الإضافات العلمية على ما في «الاقتراح»:
وقد أشار إلى هذا العنصر بقوله: وربما زدت لأمر ناسبه (١)، فبين بهذا أنه أدخل بعض الزيادات العلمية على ما أودعه ابن دقيق العيد في «الاقتراح»، ونبه أيضا على أن ذلك ليس لمجرد حشد المعلومات، ولا لمطاولة صاحب «الاقتراح»، وإنما هو رعاية منه لبعض المناسبات التي رأى الموضوع فيها يحتاج لإيضاح، أو استكمال، مثلما رأى فيها بعض الموضوعات يحتاج لتقديم أو تأخير، ومن المثال الذي وقفت عليه كما سيأتي، يتضح أنه قد يقابل الزيادة حذف بعض محتوى «الاقتراح»، تبعا لوجهة نظر العراقي في أهمية ما أضافه، عما حذفه، ولهذا فإن هذا العنصر من منهجه يعد أوضح العناصر في الدلالة على نضج شخصيته، وبعد أثره العلمي، كما نلاحظ أن هذا العنصر موافق أيضًا لما انتهجه في نظم مقدمة ابن الصلاح، حيث أدخل فيه عدة زيادات، ونبه عليها في مقدمة الألفية مثلما فعل هنا، لكن لم ينبه هنا ولا هناك على الحذف المقابل، بل إن مقارنة ما حصلت عليه من نصوص «الاقتراح» ونظمه، يدل على أنه قد يحذف بدون إضافة مقابلة، كما سيأتي، وبذكر العراقي لهذا العنصر من منهجه، أنهى مقدمة النظم وانتقل للمبحث الأول في الكتاب وهو مبحث «الحديث الصحيح».
стр. 1023
دراسة نصية مقارنة لبعض محتويات الكتاب
١ - تعريف الحديث الصحيح:
يعتبر «مبحث الصحيح» هو أول مباحث النظم، وقد بدأه العراقي بقوله:
«حد الصحيح أن يكون عدلاً … ذا يقظة راويه، … ثم من لا
يحتج بالمرسل فزاد مسندا … زاد ألوا الحديث أن لا يوجدا
ذا علة وذا شذوذ، واحدُدِ … بذا الصحيح باتفاق ترشد»
وبتأمل هذه الأبيات الثلاثة تجدها تتضمن تعريف الحديث الصحيح، وبيان اختلاف العلماء فيه، ففي البيت الأول ذكر أن الحديث الصحيح يُعرف بأنه: ما رواه العدل الضابط، سواء كان متصل السند أم لا، وهذا تعريف من يحتج بالحديث المرسل من الفقهاء والأصوليين، فلم يشترطوا اتصال السند، أما من لا يحتج بالمرسل منهم فزاد شرطًا ثالثا، وهو اتصال السند، وإليه أشار العراقي بقوله: «ثم من لا يحتج بالمرسل زاد «مسندا»».
وعليه يكون الحديث الصحيح عند هؤلاء: ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه (١).
أما المحدثون فزادوا على الشروط الثلاثة السابقة شرطين آخرين هما:
أن يكون الحديث غير شاذ ولا معلل، وإلى ذلك أشار العراقي بقوله: «زاد ألوا الحديث أن لا يوجدا، ذا علة وذا شذوذ»، وعليه، فالحديث الصحيح عندهم: ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولا يكون:
стр. 1024
شاذا ولا معللا (١).
ولما كان التعريف على هذا جامعا لشروط جمهور الفقهاء، والأصوليين، والمحدثين، كما ترى، رأى ابن دقيق العيد أن الأولى أن يعتبر هذا حدًا للحديث الصحيح المجمع على صحته بين هؤلاء جميعًا، بدلا من إضافته لأهل الحديث فقط.
هذا بيان ما نظمه العراقي من كلام ابن دقيق العيد في «الاقتراح» في تعريف الصحيح، وعند بحثه ومقارنته يتضح لنا الآتي:
أولا: أنه ذكر ثلاثة تعاريف للصحيح، تبعا لذكر ابن دقيق العيد لها في كتابه، بينما نجده في الألفية اقتصر على التعريف الأخير منهم فقط، فقال:
فالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد
عن مثله من غير ما شذوذ … وعلة قادحة فتوذي (٢)
وذلك لاقتصار ابن الصلاح على هذا التعريف في مقدمته التي هي أصل الألفية، وهذا من أدلة اختلاف محتوى النظمين، حتى في الموضوعات المشتركة بينهما نتيجة لاختلاف محتوى الأصلين، وهما: «مقدمة ابن الصلاح»، وكتاب «الاقتراح».
ثانيا: أن العراقي حذف بعض كلام ابن دقيق العيد دون زيادة شيء في مقابلة، وذلك المحذوف عبارة عن تعليل ابن دقيق العيد لما رآه، من أن الأولى اعتبار التعريف الأخير، مما تقدم، تعريفا للحديث الصحيح المتفق على صحته بين
стр. 1025
جمهور الفقهاء والأصوليين والمحدثين، كما أشرنا، فلم يذكر العراقي ذلك التعليل في النظم كما رأيت، ونص كلام ابن دقيق العيد كما نقله العراقي نفسه عنه في «شرح الألفية»، هكذا: قال ابن دقيق: العيد لو قيل في هذا أي في التعريف الأخير -: «الحديث الصحيح المجمع على صحته: هو كذا وكذا» إلخ. لكان حسنا؛ لأن من لا يشترط مثل هذه الشروط، لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف، ومن شرط الحد أن يكون جامعا مانعا» (١).
وما فعله العراقي هنا من الحذف بلا بديل، شبيه بفعله في نظم «مقدمة ابن الصلاح» في «الألفية»، وقد سبق بحثه.
ثالثا: أنه أقر ابن دقيق العيد على أن الأولى أن يعتبر التعريف الأخير للصحيح تعريفا له عند جمهور الفقهاء والأصوليين والمحدثين كما أسلفنا بدلا من اعتباره تعريفا للصحيح عند المحدثين فقط، وقد استدرك ابن دقيق العيد بهذا الرأي على ابن الصلاح في نسبة التعريف المذكور لأهل الحديث فقط (٢)، فكأنه يقول له: «لأي معنى تخصه بأهل الحديث؟» مع أن ما ذكر فيه هو أصعب الشروط؟ فمن لم يشترط السلامة من العلة والشذوذ، يصحح ما سلم منهما من باب الأولى، فكان ينبغي أن نقول: «هذا هو الحديث الصحيح إجماعا (٣)» فذكر العراقي لرأي ابن دقيق العيد، وإقراره عليه، دليل على موافقته له في ذلك وقد أقره أيضا في «شرح الألفية» (٤)، بينما
стр. 1026
نجده في «الألفية»، مشى على نسبة هذا التعريف لأهل الحديث فقط، كما فعل ابن الصلاح، فقال:
«وأهل هذا الشأن قسموا السنن … إلى صحيح وضعيف وحسن
فالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد
عن مثله من غير ما شذوذ … وعلة قادحة فتوذي»
فهذا من أمثلة اختلاف مضمون النظمين، وتميزهما تبعا لاختلاف أصليهما في بعض المسائل المشتركة بينهما
ثانيا: أقسام الحديث الضعيف، ورأي العراقي فيها، وأثره:
ذكر ابن الصلاح في نوع «معرفة الحديث الضعيف» أن ابن حبان البستي أطنب في تقسيمه، فبلغ به (٤٩) قسما، ومع اعتباره ذلك إطنابا من ابن حبان، فقد ذكر أنه يمكن بسط أقسامه لأكثر من هذا، ووضع ضابطًا لذلك
يقوم على أساس افتقاد صفات قبول الحديث، وهي: اتصال السند، وجبر المرسل بما يؤكده، وعدالة الرجال، والسلامة من كثرة الخطأ والغفلة، ومجيء الحديث من وجه آخر عند الاحتياج لذلك، والسلامة من الشذوذ ومن العلة، فمن أراد بسط الأقسام يعمد إلى صفة معينة منها، فيجعل ما عُدِمَتْ فيه من غير جابر قسما واحدًا، ثم ما عدمت فيه تلك الصفة مع صفة أخرى معينة قسمًا ثانيًا، وهكذا، إلى انتهاء الصفات المذكورة، ثم يعود فيأخذ صفة غير التي بدأ بها، ويستمر هكذا، وما كان من الصفات له شروط، عمل في شرطه نحو ذلك، فتتضاعف بذلك الأقسام (١). وبهذا
стр. 1027
الضابط الذي رسمه، وعدد الأقسام على أساسه، فتح الباب لمن بعده فقسموا الضعيف بمقتضاه إلى مئات الأقسام الافتراضية (١).
فلما نظم العراقي «مقدمة ابن الصلاح» في «الألفية»، تبعه فيما ذُكر من ضابط بسط أقسام الضعيف إلى أقسام عديدة، بناء على قاعدة فقد شروط القبول كما تقدم (٢).
لكنه عندما شرح الألفية، بحث الأقسام التي يمكن تحققها فعلا، فيما هو موجود في كتب السنة من الضعيف، فوجدها لا تجاوز (٤٢) قسما، فذكرها تفصيلا في «شرح الألفية»، ثم ذكر أربعة أقسام أخرى، مما يمكن تفريعه على القاعدة السابقة، وقال: إنه ترك ذكر أمثالها، لأن انقسام الضعيف إليها ظني، ولا يمكن وقوعها على الصحيح (٣).
وبالتالي لا فائدة من ذكرها.
وتصريح العراقي بالتوقف في تعديد أقسام الضعيف عند الذي رآه منها متحقق الوقوع فقط، وترك ما عداه من الأقسام الممكن تفريعها كما سلف، يفيد رجوعه عن متابعة ابن الصلاح في الألفية، على القول بتعديد الأقسام مطلقا، إلى القول بالتفصيل، وهو تعديد الممكن تحققه فعلا في المتوفر لدينا من كتب السنة، وترك الاشتغال بما عداه، لعدم جدواه تطبيقا، فلما نظم
стр. 1028
«الاقتراح» بعد هذا، وكان ابن دقيق العيد قد مشى فيه على قول ابن الصلاح بالتعديد المطلق للأقسام، لم يتبعه العراقي، بل حذف كلامه في هذا من النظم، ووضع بدلا عنه، بيان أوهى الأسانيد، حيث إن المروي بها أشد أنواع الضعيف الموجودة فعلا عند عدم العاضد لها، وقد عد الحاكم منها أحد عشر إسنادا، الأول منها قوله: «إن أوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن الحارث الأعور، عن علي ﵁» (١).
ويعتبر هذا العمل من العراقي تطبيقا منه لأحد آرائه التي سبق ذكره لها في «شرحه الكبير للألفية» كما قدمت توضيحه، حيث وجد قرينه البلقيني قد ذكر أوهى الأسانيد، عقب أصح الأسانيد، التي ألحقها ابن الصلاح بقسم الصحيح، فقرر في شرحه المذكور: أن إلحاق أوهى الأسانيد بقسم الضعيف أولى مقابل أصح الأسانيد في قسم الصحيح؛ وذلك لأن مناسبتها للضعيف أولى، وبهذا يعتبر «نظم الاقتراح» متضمنا لتحوله في الرأي، من تعديد أقسام الضعيف بحسب افتقاد شروط القبول، كما فعل في الألفية وشرحها، إلى حذف ذلك، واستبداله بأوهى الأسانيد المروي بها فعلا بعض الأحاديث الشديدة الضعف.
وبهذا يجد المطلع على نظم «الاقتراح»، الأمثلة التطبيقية الدالة على تفاوت درجات الضعيف، حتى تصل إلى أشدها وهو الواهي، مثلما يجد أمثلة أصح الأسانيد في قسم الصحيح، دالة على تفاوته في الصحة حتى يصل إلى أصح
стр. 1029
الصحيح، وبهذا التغيير المنهجي، والحذف والإضافة، تميز «نظم الاقتراح» كما، وكيفا، عن أصله، وهو «الاقتراح»، وعن مؤلفات العراقي السابقة في المصطلح، من الألفية، وشرحيها، والنكت على كتاب «ابن الصلاح»، وقد بين السيوطي في «شرحه لألفية العراقي» عمل العراقي هذا ورجحه وبين التقاء رأي تلميذ العراقي ابن حجر معه في هذا، وقال: إنه لو كان العراقي حذف من الألفية تعديد أقسام الضعيف التي ذكرها ابن الصلاح، وذكر بدلها أوهى الأسانيد، كما فعل في «نظم الاقتراح»، كان أولى (١).
وقد شارك العراقي في هذا، قرينه ابن الملقن (٢).
ولم يكتف السيوطي بترجيح ما سار عليه العراقي في «نظم الاقتراح»، بل أخذ هو به فعلا في ألفيته التي حاذى بها ألفية العراقي، كما قدمنا (٣) وفي «تدريب الراوي» (٤)، وبذلك امتد أثره فيمن بعده.
عناية العلماء بشرح «نظم الاقتراح» وبحثه:
وبجانب ظهور هذا الأثر للكتاب من الناحية المنهجية، فإن العناية ببحثه وبشرحه، وجدت منذ عصر العراقي، فقد وجدت على ظاهر نسخة النظم السابق ذكرها، قول ولي الدين بن العراقي: «وكنت شرحت منه مواضع متفرقة عندما حضرت بحثه عليه»، يعني على والده.
стр. 1030
ثم إني وجدت تعقيبا على ذلك نصه: «قلت: وقد تتبعت أنا هذه القطع المفرقة من شرحه، ونقلت منها ما تيسر من خطه، وأرجو الله من فضله تمام شرحه، سالكا طريقه إن شاء الله تعالى» إهـ. لكني لم أجد هذا النص منسوبا لأحد مُعَيّن.
وقد ذكر كل من ابن فهد (١)، والسخاوي (٢)، مثلما ذكر ولي الدين عن نفسه: أنه شرح مواضع متفرقة من هذا النظم، وعلى هذا يحمل قول السيوطي: «إن ولي الدين شرح «نظم الاقتراح» لوالده، دون أن يفصل: هل أكمله، أو لا؟» (٣)، وكذا صاحب «هدية العارفين» (٤).
ثم ذكر السخاوي أيضا أنه شرح هذا النظم (٥)، وذكر الشوكاني أن السخاوي سمّى هذا الشرح: (الإيضاح في شرح نظم الاقتراح)، وذكر أنه يقع في مجلد لطيف (٦)، وهذا يدل على أن السخاوي أكمله، وتداوله العلماء حتى عصر الشوكاني.
لكني للأسف لم أقف على شيء مما شرحه ولي الدين، ولا على شرح السخاوي الذي أكمله.
стр. 1031
٦ - شرح كتاب النووي المسمى بـ «التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير» في أصول الحديث، والرد على السيوطي
ذكر صاحب «كشف الظنون» كتاب النووي المذكور، ثم ذكر الشروح العديدة له، وأول شرح ذكره هو شرح الإمام الحافظ زين الدين العراقي (١) وذكر ذلك الشرح أيضاً صاحب «الرسالة المستطرفة» (٢).
أما السيوطي في مقدمة شرحه لكتاب التقريب هذا المسمى بـ «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي» فقد قال: «إن كتاب «التقريب» مع جلالته وجلالة صاحبه، وتطاول هذه الأزمان من حين وضعه، لم يتصد أحد إلى وضع شرح عليه، ولا الإنابة إليه، فقلت: لعل ذلك فضل ذخره الله تعالى لمن يشاء من العبيد» (٣). يعني نفسه، وبهذا نفي كلية، أن يكون سبقه أحد إلى شرح الكتاب، لا العراقي ولا غيره.
وهذا في الحقيقة نفي جزافي منه، يدفعه ما ذكره صاحب «كشف الظنون» وأيده الواقع، فقد ذكر صاحب «كشف الظنون» ممن شرح «التقريب» بعد العراقي، وقبل السيوطي: برهان الدين القباقبي المتوفى سنة ٨٥٠ هـ، وهو تلميذ للعراقي، ثم شمس الدين عبد الرحمن السخاوي سنة ٩٠٢ هـ وهو معاصر السيوطي ومنافسه (٤)، وقد وقفت على نسخة خطية من
стр. 1032
شرح السخاوي، وهي تعد دليلا واقعيًا على نفي كلام السيوطي السابق، وقد حصلت - بفضل الله تعالى - على صورة لها، وأعددتها للطباعة في أقرب فرصة إن شاء الله، كما أن وجودها يكشف سر نفي السيوطي كلية وجود شرح لأحد قبله لهذا الكتاب، وهو أنه قصد إنكار أو تجاهل شرح منافسه السخاوي، بطريقة ضمنية، حتى يجعل لشرحه هو مكانة، ويحاول حماية نفسه مما هو معتاد بين المتنافسين من الرمي بالتقليد أو السطو، أو مجرد الاستفادة، كما حدث بين ابن حجر والعيني بالنسبة لشرحيهما لصحيح البخاري في وقت واحد، ولكن وجود شرح السخاوي فَوَّتَ عليه هدفه، وعليه فإن ما ادعاه السيوطي من عدم وجود أي شرح لتقريب النووي قبل شرحه، لا ينفي ما أثبته صاحب (كشف الظنون) وغيره، من وجود شروح سابقة على السيوطي، في مقدمتها شرح العراقي، والواقع العملي قد أيد ذلك، بوجود نسخة خطية حتى الآن، من شرح السخاوي، منافس السيوطي، وهي كافية في رد نفيه المطلق لأي شرح لغيره، لكني للأسف لم أقف على نسخة من شرح العراقي للتقريب، ولا على نقول عنه
стр. 1033
القسم الثاني: اثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في علوم رجال السنة
стр. 1034
المقصود بعلم رجال السنة، وتقسيمه:
تسمية هذا العلم، بعلم الرجال، من باب التغليب، ولكنه في الحقيقة عِلْمٌ يشتمل على تاريخ وأحوال رواة السنة الذين تحملوها وأدوها سواء أكانوا رجالا أم نساء، ابتداءً من صحابة وصحابيات رسول الله ﷺ ، وهلم جرا، ويشمل كذلك تاريخ وأحوال حفاظها وعلمائها الذين دونوها وبحثوا وألفوا في علومها المختلفة، وقد قسمه العلماء إلى قسمين كبيرين:
إحدهما: علم تاريخ الرجال، وثانيهما: علم الجرح والتعديل، وتحت كل منهما أقسام متعددة، كما سنرى في مؤلفات العراقي فيها، وقد قرر العلماء أن على دارسي السنة، العناية بدراسة علم رجالها بقسميه، وفروعهما (١)، وقد صاحبت العناية بعلم رجال السنة، العناية بالسنة نفسها، منذ عصر الرسول ﷺ ؛ لأن ثبوت السنة وتمييز صحيحها من سقيمها، وموصولها من مقطوعها، ونفي الدخيل عنها، كل ذلك متوقف على معرفة تاريخ وأحوال سلسلة إسنادها، مولدًا، ووفاة، ولقاء، ورحلة، وموطنا، وثقة، وقدحًا.
ونتيجة للعناية المتوالية في كل عصر، وصل هذا العلم إلى عصر العراقي وقد تقررت أسسه، ومعظم قواعده، وألفت فيه مؤلفات عديدة، منوعة المناهج، ومتفاوتة الأحجام، كل على قدر علمه واجتهاده (٢).
стр. 1035
إجمال مهمات العراقي وغيره من المتأخرين في خدمة علم رجال السنة:
وبذلك أصبحت مهمة العراقي وغيره من المتأخرين، تتركز إجمالا في اتجاهين:
أولهما: العناية بمؤلفات السابقين، وذلك بجمع متفرقها، وتدارك ما لا يسلم منه علم بشري، من الخطأ، والوهم، وتعديل مناهجها بما يلائم الحاجات، والمطالب العلمية المتجددة.
وثانيهما: التذييل على تلك المؤلفات بما فات مؤلفيها، أو تجدد بعدهما. وكما توفرت للعراقي الدراية الكافية بعلم الرجال، والشروط المطلوبة فيمن يتصدى للجرح والتعديل، كما أوضحت في جوانب شخصيته، فإنه قام من خلال الإتجاهين المذكورين بتأليف عدد من المؤلفات، أثبت فيها جهده وإسهامه العمليين، وبث فيها آراءه في علم الرجال، تأريخا، وتعديلا، وجرحا، وسأتناول ذلك على النحو التالي:
стр. 1036
تفصيل مهمات العراقي في علم رجال السنة
أولا: تأليفه وآراؤه في الصحابة:
تذييله على مختصر الذهبي الأسد لغابة في معرفة الصحابة
ذكر العراقي في شرحه لألفيته في المصطلح، أن أجمع المؤلفات في بيان الصحابة حتى عصره، هو كتاب «أسد الغابة في معرفة الصحابة» لأبي الحسن ابن الأثير الجزري المتوفى سنة ٦٣٠ هـ وذكر أن الذهبي اختصره في مختصر لطيف.
ثم قال: «وقد ذيلت عليه بعدة أسماء لم تقع له» (١) وذكر ذلك من بعده محمد بن إبراهيم الوزير (٢)، ثم السخاوي (٣)، وذكر العراقي لهذا الذيل في شرحه للألفية، مما يدل على أنه ألفه قبل هذا الشرح، الذي فرغ منه في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ كما بينا، ولم يذكر هو ولا غيره اسما معينا لهذا الذيل، ولكني وجدت بروكلمان ذكر من مؤلفات العراقي كتابا باسم «تمييز الأصحاب» وقال: «إنه توجد منه نسخة بمكتبة فيض الله باستنبول برقم (٥٦)» (٤)، قلت: لعله يكون هذا الذيل، ورجعت لفهرس المكتبة المذكورة المطبوع سنة ١٣١٠ هـ فوجدت الكتاب فعلا مذكورًا بهذا الرقم ضمن مؤلفات علم الحديث، ومنسوبا لزين الدين العراقي، وذكر
стр. 1037
المفهرس أنه يقع في مجلد، ولكن لم يذكر تفصيلات عن محتواه (١)، فرجعت لفهرس المكتبة المخطوط الموجود بدار الكتب المصرية (٢)، فوجدت المذكور تحت الرقم السابق في هذه المكتبة، عبارة عن قطعة من تفسير أبي حيان الأندلسي، المعروف بـ (البحر المحيط)، فأعطيت رقم الكتاب لبعض من ذهب لاستانبول للبحث في مخطوطاتها، لتحقيق هذا الموضوع، فطلب - مشكورا - الكتاب بنفس الرقم، فوجده قطعة من تفسير أبي حيان، تبدأ بقوله تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى﴾ (٣) فراسلت المسئولين عن المكتبة باستانبول لإفادتي عن سبب اختلاف فهرس المكتبة في هذا الكتاب، وبيان حقيقته وذلك كمحاولة أخيرة لمعرفة الحقيقة، وما زلت في انتظار الرد، على أن عدم وجود نسخة للكتاب، لا ينفي ثبوته، خاصة وأن العراقي هو الذي صرح بتأليفه له، واعتبره جهدًا علميا بذله، تتميما لجهود من سبقه كما بينا، فإن لم يصل إلينا، فقد يكون وقف عليه تلميذه ابن حجر واستفاد منه في مؤلفه المعروف الذي جَمَعَ فيه شتات ما ألف في الصحابة حتى عصره، ويسمى: «الإصابة في تمييز الصحابة».
على أن العراقي قد تعرض في مؤلفاته في المصطلح، السابق ذكرها لتعريف الصحابي، وشروطه، وأفاض في ذلك في «شرحه المتوسط للألفية» وفي «نكته على ابن الصلاح»، وكان لرأيه في ذلك أثره فيمن بعده، كما أشرت في موضعه، وقد ترجم في الكتابين المشار إليهما لعدد
стр. 1038
من الصحابة أيضًا، مع تحقيق وفياتهم، وأماكنها، وروايات المكثرين من الرواية منهم، وبيان أكابرهم في العلم، والفضل، وأولهم إسلاما، مع تحقيق ذلك، وبيان آخر من مات منهم مطلقا، وفي أقطار الإسلام المختلفة شرقا وغربا، وبعض من اختلف في صحبته منهم، مع تحقيق الخلاف، وغير ذلك (١).
وإليك مثالاً لمن ذكرهم من الصحابة في شرحه للألفية:
أنموذج ترجمته لبعض الصحابة:
حيث قال: «وآخر من مات منهم بمصر، عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي، قاله سفيان بن عيينة، وعلي بن المديني، وأبو زكريا ابن منده، واختلف في سنة وفاته، فالمشهور سنة ٨٦، وقيل ٨٥، وقيل ٨٧، وقيل ٨٩، وذكر الطحاوي أنه مات بسفط القدور، وهي التي تعرف اليوم بـ (سفط أبي تراب) وقد قيل إنه مات باليمامة، حكاه أبو عبد الله بن مندة، وقال أيضًا إنه شهد بدرًا، فعلى هذا هو آخر البدريين موتا، ولا يصح شهوده بدرًا، والله أعلم» (٢).
ونلاحظ أنه جمع الترجمة من عدة مصادر، وبين الأقوال المتعددة، مع تمييز المشهور من غيره، والتنبيه على ما لم يره صحيحًا، وذلك مما يثبت جهده في البحث وبروز شخصيته، ورأيه في الترجيح والتضعيف، والتحقيق.
كذلك أورد العراقي ترجمة عدد من الصحابة في رجال كتابه «تقريب
стр. 1039
الأسانيد، في أحاديث الأحكام، كما سيأتي، وبذلك تيسرت لنا نماذج متعددة، تعوضنا في بيان أثره في تراجم الصحابة، عن تذييله المفتقد، وبالله التوفيق.
ثانيا: تأليف العراقي ومنهجه في: جمع المؤتلف والمختلف من أسماء، وألقاب، وكنى رواة السنة، وأثره:
ذكر العراقي أن من فنون الحديث المهمة: معرفة المؤتلف خطا، والمختلف لفظا من الأسماء والألقاب والأنساب ونحوها، الخاصة برواة السنة، وذلك مثل (سَلَّام) بتشديد اللام، وبتخفيفها، وقد بين أهمية معرفة هذا الفن فقال: «وينبغي لطالب الحديث أن يعتني بمعرفة ذلك، وإلا كثر عثاره، وافتضح بين أهله، ثم ذكر المصنفات فيه حتى عصره، وعقب عليها قائلا: «وقد فات جميع من صنف فيه ألفاظ كثيرة، علقت منها جملة، وإن يسر الله تعالى جمعتها، مع ما تقدم، في مجموع واحد، ليكون أسهل لتناولها، إن شاء الله تعالى»» (١).
ولكني رغم البحث المتواصل، لم أقف على هذه الجملة التي علقها، كما أن المنهج الذي رسمه لتأليف كتاب جامع لما تفرق في مؤلفات من تقدموه، مع ضم الزيادات التي جمعها هو ببحثه واطلاعه، ذكر السخاوي أنه لم يتيسر له تطبيقه، بتأليف ذلك الكتاب الجامع (٢).
ولكن الفكرة لم تمت أو تبتعد عن صاحبها كثيرا، حيث هيأ الله تعالى
стр. 1040
تلميذ العراقي، ابن حجر، ليطبق هذا المنهج الذي رسمه شيخه، ويخرجه إلى حيز الوجود، ممثلا في كتابه المسمى «تبصير المنتبه بتحرير المشتبه».
حيث ذكر في مقدمته أنه ضمنه خلاصة كتاب «المشتبه» للذهبي، وهو أجمع ما ألف حتى عصره، مع زياداته هو عليه، التي امتدت إلى معاصريه مميزا لها بقوله: «قلت» في أول كل منها، و «انتهى» في آخرها، ورتب الجميع على حروف المعجم (١)، فجاء كتابًا حافلا، وهو مطبوع الآن في ثلاثة مجلدات كبار، محققا (٢).
ومما لا شك فيه أن ابن حجر اطلع على منهج شيخه السابق، وكتبه بيده، نظرا لأنه قرأ على العراقي شرحه للألفية الذي ورد فيه هذا المنهج، بل وكتب الشرح بخطه (٣) وبذلك يكون كتابه هذا أثرًا تطبيقيًا للمنهج الذي ارتاه شيخه، وتجسيدا لتصوره للوضع الذي ينبغي أن يكون عليه هذا الجانب من علم رواة السنة، ليكون سهل التناول كما قال أيضًا.
ولعل مما يزيد الأمر تأكيدًا، أن ابن حجر في مقدمة كتابه المشار إليه، انتقد كتاب الذهبي من ثلاثة أوجه: أولهم وثانيهم مذكوران في الألفية، لشيخه العراقي (٤).
ثم إن العراقي تناول في ألفيته، وفي شرحها، وفي نكته، على ابن الصلاح كثيرًا من المباحث والتراجم الخاصة بالمؤتلف والمختلف من الرواة، وأبدى بعض
стр. 1041
الآراء التي كان لها تأثيرها كما قدمنا، في بحث تلك المؤلفات (١).
ثالثا: تأليف العراقي في جمع بعض الأكابر، الرواة عن الأصاغر، ورأيه، وأثره في هذا النوع:
المقصود بالأكبر والأصغر ما هو أعم من السن، أو المكانة في العلم والفضل وقد ذكر العراقي وغيره من فائدة معرفة هذا النوع من علم الرجال، أن لا يتوهم كون المروي عنه أكبر وأفضل من الراوي عنه، لكون ذلك هو الأغلب فمعرفته تنزل أهل العلم منازلهم.
وقد ذكر ابن الصلاح من أمثلة رواية الأكابر عن الأصاغر هذا، رواية أكثر من عشرين من التابعين، عن عمرو بن شعيب، وقال: «إنه لم يكن من: التابعين، وأن عبد الغني بن سعيد، جمع الرواة عنه من التابعين، فبلغوا عشرين نفسا».
وقد تعقبه العراقي قائلا: «قلت: وعمرو بن شعيب، وإن عده غير واحد في أتباع التابعين، فهو من التابعين»، ودلل على ذلك بقوله: «فقد سمع من زينب بنت أبي سلمة، والربيع بنت معوذ بن عفراء، ولهما صحبة» ثم قال: «وقول ابن الصلاح: روى عنه أكثر من عشرين من التابعين، جمعهم عبد الغني، ليس بجيد، فإنه قد بلغ بهم تسعة وثلاثين رجلا»، ثم قال: «قلت: وقد جمعتهم في جزء، فبلغت بهم فوق الخمسين» (٢)، ويفهم من ذكره الجمعهم
стр. 1042
في هذا الجزء في شرح الألفية أنه فرغ منه قبل الفراغ من شرح الألفية، وللأسف أني لم أقف على هذا الجزء، ولكن العراقي قدم لنا بديلا عنه، في بحوثه الملحقة بنكته على كتاب ابن الصلاح كما قدمت، وذلك بذكر من أوردهم الحافظ عبد الغني بن سعيد في الجزء الذي جمعه، وذلك كرد عملي من العراقي، على ابن الصلاح في قوله إن من ذكرهم عبد الغني، عشرين فقط، فقال: إن عبد الغني بن سعيد عدهم في الجزء المذكور أربعين نفسًا إلا واحدًا، وهذه أسماؤهم مرتبين على الحروف: إبراهيم بن ميسرة، وأيوب السختياني وبكير بن الأشج … وهكذا سرد الباقين، وبذلك حفظ لنا خلاصة هذا الجزء من مؤلفات الحافظ عبد الغني بن سعيد، حيث لا يكاد يوجد الآن حسب علمي، ثم ذكر أنه قد روى عن عمرو بن شعيب جماعة كثيرون من التابعين، لم يذكرهم عبد الغني بن سعيد، وهم: «ثابت بن عجلان، وحسان بن عطية … ، وساق تمام إثني عشر واحدًا، ثم بين إجمال ما ذكره فقال: فهؤلاء زيادة على الخمسين من التابعين، قد رووا عنه» (١).
وبهذا قدم العراقي لنا في النكت خلاصة لجزئه المذكور، الذي لم يتح لي العثور عليه.
هذا وقد كان لعمل العراقي ذلك، ورده على ابن الصلاح، أثرهما فيمن بعده، بحيث نقل السيوطي عنه ما تقدم برمته، وأقره عليه (٢).
стр. 1043
رابعًا: تأليفه وآراؤه في نقد رجال السنة:
أ - تذييله على «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» للذهبي:
أهمية الكتاب وتاريخ تأليفه:
ينقسم رواة السنة وعلماؤها عمومًا إلى ثقات معدلين، وإلى ضعفاء مجروحين، وإلى مجهولين عينًا وحالًا، أو حالًا فقط، ومعرفة الأقسام الثلاثة لازمة، لتمييز صحيح الحديث من سقيمه، ولذلك يقول العراقي: «واجعل من عنايتك معرفة الثقات والضعفاء، فهو أجل أنواع علم الحديث، فإنه المرقاة إلى التفرقة بين صحيح الحديث وسقيمه» (١)
ويطلق على ذلك النوع من علوم الحديث علم «الجرح والتعديل» أو «نقد الرجال» كما عنون الذهبي كتابه، الذي ذيل عليه العراقي.
ومن أجل تلك الأهمية المعرفة كل من الثقات والضعفاء، لم تقتصر عناية علماء الرجال على التأليف في الثقات، بل اهتموا أيضًا بجمع الضعفاء في مؤلفات خاصة، وبينوا أحوال الفريقين المتفاوتة، تعديلًا أو جرحًا، وقبولا أو ردًا، مع ذكر بعض نماذج لمروياتهم في كثير من الأحيان.
وقد كان من أجمع ما ألف فيهم حتى عصر العراقي، هو كتاب الحافظ أبو عبد الله الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ المسمى «ميزان الإعتدال في نقد الرجال» (٢)، وقد نظر فيه العراقي فوجد أن الذهبي رغم بسطه له، قد فاته جماعة ممن تُكُلِّمَ فيهم، كما وجد بعض أشخاص أوردهم الذهبي في
стр. 1044
سياق تراجم آخرين، وبالتالي لا يسهل الوقوف عليهم إلا بمطالعة الكتاب تفصيليا، فقام بتجريد كثير ممن فات الذهبي ذكره، فبلغ ذلك مجلدا لطيفا، وجعله ذيلا على الميزان، وقد بين العراقي بنفسه ذلك في شرحه للألفية، حيث ساق أهم المؤلفات والمؤلفين في الضعفاء، حتى وصل إلى كتاب «الميزان» للذهبي فقال: «وفاته جماعة، ذيلت عليه ذيلا في مجلد» (١).
وبهذا وضع العراقي قدمه حيث انتهى سلفه المعاصر له، وهو الحافظ الذهبي، وتقدم بعده بتلك الإضافة العلمية ذات المحتوى المفيد، في هذا النوع الهام من علم الرجال، كما سنفصله.
ويفهم من ذكر العراقي لهذا الكتاب في شرحه للألفية الذي فرغ منه كما تقدم في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ، قد أنه ألفه قبل التاريخ المذكور، كما يلاحظ أنه لم يسمه باسم معين، وكذا لم يذكر له غيره اسما (٢).
نسخ الكتاب وما وقفت عليه من نصوصه:
ورغم أن الزمن الذي حدده العراقي لتأليف هذا الكتاب، يدل على أنه من أوائل مؤلفاته، إلا أن ابن فهد ذكر أن العراقي لم يبيضه بل تركه مسودة (٣) وهذا يتفق فعلا مع وصف الحافظ ابن حجر له عند النقل عنه في كتابه (لسان الميزان) الآتي ذكره، كما وصفه أيضا من واقع اطلاعه عليه، بأنه في مجلد لطيف الحجم (٤).
стр. 1045
ورغم هذا لم يتح للعراقي تبييضه بنفسه، كما اكتفى غيره من تلاميذه ومن بعدهم، بالاستفادة به على حاله، ولهذا لم يوقفني البحث الدؤوب على نسخة لهذا الكتاب، وإنما ذكر لي بعض الثقات من زملائي العرب (١)، أنه توجد نسخة منه بمكتبة خاصة بأحد علماء بغداد (٢)، وذكر لي أنها تقع في ١٢٠ ورقة تقريبا من القطع العادي، ولكن لم يتح لي الحصول عليها ولا على نصوص منها، ثم وقفت على ترجمة واحدة في مجموع، للعلاء بن خطيب الناصرية وتلميذ ولي الدين بن العراقي (٣)، وقد كتبه بخطه، وصدر نقله لهذه الترجمة بقوله: «قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في «ذيله على الميزان»، ومن خطه نقلت … وساق الترجمة في ٦ أسطر كما سنذكرها بعد، ويظهر من ترحم ابن خطيب الناصرية على العراقي أنه نقل هذه الترجمة بعد وفاته، وتصريحه بأنه نقل من خطه يدل على وقوفه على المسودة المشار إليها، كما أنه أثبت في نفس المجموع، سماعه بالقاهرة من ولي الدين بن العراقي سنة ٨٠٨ هـ، فلعله وقف عليها حينذاك، وهذا يدل على وجود تلك المسودة بعد وفاة العراقي، بل نقل عنها بعض المتأخرين عن ذاك بكثير كما سيأتي.
стр. 1046
بيان نصوص الكتاب الموجودة في «لسان الميزان» لابن حجر، وتحريرها:
أما أكبر قدر من نصوص الكتاب، فقد وقفت عليه في كتاب «لسان الميزان» لابن حجر العسقلاني، حيث ذكر في مقدمته: «أنه اختصر كتاب «الميزان» للذهبي، بحذف من ذكروا فيه، وهم مذكورون في «تهذيب الكمال للمزي»، وزاد بدلهم تراجم أخرى، ووضع عليها علامة (ز)»، وأردف قائلا: «ثم وقفت على مجلد لطيف لشيخنا حافظ الوقت أبي الفضل بن الحسين، جعله ذيلا على الميزان، وذكر فيه من تكلم فيه، وفات صاحب «الميزان» ذكره، والكثير منهم، من رجال التهذيب، فعلمت على من ذكره شيخنا في هذا الذيل صورة (ذ)، فيه، إشارة إلى أنه من الذيل لشيخنا، وما زدته في أثناء ترجمة، ختمت كلامه بقول: انتهى، وما بعدها فهو من كلامي» (١).
ومما ذكره ابن حجر نفهم أن كتاب العراقي اشتمل على عدد كثير ممن ذكرهم المزي في كتابه «تهذيب الكمال» وهو يضم رجال الكتب الستة المعروفة وعددا آخر من المصنفات لأصحاب الكتب الستة أيضا. ونفهم كذلك أن ابن حجر لم يذكر من هؤلاء أحدا، لأن من منهجه في الاختصار كما قدمت، حذف المذكورين في «التهذيب»، لكني وجدته ذكر بعض التراجم ليستدرك فيها على العراقي (٢).
وبذلك يكون من ذكرهم من كتاب شيخه العراقي، أغلبهم ممن لم يذكروا في «تهذيب الكمال»، وعليه فهم يمثلون الجهد الأكبر للعراقي، في البحث،
стр. 1047
والتنقيب، لجمعهم من المصادر العديدة، كما أن هذا يرد قول بعض الباحثين الفضلاء: إن ابن حجر ذكر في كتابه ذيل شيخه العراقي كله (١).
ويفهم من كلام ابن حجر أيضًا، أنه كما نقل من كتاب شيخه تراجم كاملة، فقد نقل أيضًا بعض نصوص متفرقة، وختمها بقوله: انتهى، وكتاب (لسان الميزان) الذي ضمنه ابن حجر بعض التراجم والنقول من كتاب شيخه، يقع في ٦ مجلدات في الطبعة الهندية، وقد توزعت تلك التراجم والنقول في الكتاب كله، حسب ترتيبه المعجمي، ولذا عانيت كثيرًا لتحديدها، حتى أبحث كتاب العراقي من خلالها، لافتقاد أصله حين إنجاز هذا البحث كما أشرت.
وقد وجدت عدد التراجم الكاملة التي عليها علامة ذيل العراقي يبلغ ١٥٢ ترجمة، أما التراجم التي نقل ابن حجر في أثنائها، فتبلغ ٣٤ ترجمة، فالمجموع ١٨٦ ترجمة، لكنه ظهر لي بالفحص أن ما ذكره ابن حجر من علامة الترجمة الكاملة المأخوذة عن ذيل شيخه، وهي «ذ» وعلامة النقل في الأثناء وهي: «انتهى» كلاهما غير مطرد الوجود والإنضباط في طبعة «لسان الميزان» المتداولة حاليًا، فهناك تراجم عليها علامتي ذيل العراقي وزيادة ابن حجر وهما: «ذ» و «ز» (٢) وبعض تراجم عليها علامة «ذيل» العراقي، ثم تكرر بعضها، وعليها علامة زيادة ابن حجر (٣).
стр. 1048
وهناك تراجم تُعَدُّ من ذيل العراقي، وليس عليها علامته مثل «جميل بن جرير عن عبد الله بن يزيد، فقد ذكر بدون علامة (١)، ثم ذكر «عبد الله بن يزيد» وعليه علامة ذيل العراقي، وقال ابن حجر بعد ذكر كلام شيخه: قلت: «استدركه شيخنا تبعاً لابن حزم وقد ذكر ما يرد على ابن حزم من ذلك في ترجمة جميل» (٢).
فهذا يدل على أن ترجمة جميل هذه من ذيل العراقي، وهي مشتملة فعلاً على رده على ابن حزم، كما أنني رجعت للميزان فلم أجد ترجمة «جميل» فيه، والمعروف أن ما ليس عليه علامتي زيادة ابن حجر. ولا ذيل العراقي، فهو من «الميزان» كما قدمت في بيان اصطلاح ابن حجر». وهناك أمثلة أخرى (٣)
كذلك وجدت بعض التراجم عليها علامة ذيل العراقي، ومضمونها مصرح بأنها من «ميزان الذهبي»، حيث أحال فيها على كتابه المعروف بـ «تذكرة الحفاظ» (٤).
وهذا كله لم أجد من نبه عليه من قبلي، ومنه يتضح أن تحديد ما استمده ابن حجر في «اللسان» من كتاب شيخه العراقي، بناء على طبعة «اللسان» الهندية المتداولة حالياً، غير دقيق ولا محرر، ولذلك اعتمدت في بحثي على الاطلاع التفصيلي على التراجم، مع المقارنة بميزان الذهبي، وهكذا ينبغي أن
стр. 1049
يفعل الذين يعتمدون على «اللِّسان» في بحوثهم، حتى لا ينسبوا شيئًا لغير قائله.
ثم إني وجدتُ العراقي قد بيَّن أحوال عدد من الرجال في سياق تراجم غيرهم لاشتراكهم في سند واحد، أو في حالة واحدة (١)، وقد يقوم الحافظ ابن حجر بتجريد بعض هؤلاء، ويستوفي الكلام عليهم، ويعدهم من زياداته (٢) وبناء على ذلك أقرر: أنه إذا كان ما أحصيته من التراجم التي استمدها ابن حجر، أو استمد فيها من شيخه العراقي، قد بلغ ١٨٦ ترجمة، فإنه يمكن القول: إنها تزيد في الواقع على مائتين، وهذا القدر يوازي ثلث ما زاده ابن حجر في «اللِّسان» جميعه، على «ميزان الذهبي»، حيث ذكر تقي الدين الفاسي قرين ابن حجر وتلميذه: أن زياداته في «اللِّسان» على ما في «الميزان» تزيد على ٦٠٠ ترجمة (٣).
مصادر العراقي في «ذيل الميزان»، وكيفية اعتماده عليها:
قدمت من قبل قول ابن حجر: إن كثيرًا ممن ذكرهم شيخه في الذيل هم من رجال «التهذيب»، ومعنى ذلك أن «تهذيب الكمال» للمزي يُعدُّ في مقدمة المصادر التي استخدمها العراقي في محتوى كتابه، أما باقي المصادر فقد وقفت عليها بالفحص التفصيلي للتراجم والنقول التي ذكرها ابن حجر من «الذيل في اللِّسان».
стр. 1050
وقد تبيّن لي أنها تزيد على خمسين كتابًا، من الكتب الأصلية: في علم الرجال، وفي متن الحديث، وعلله، كما أنها من مؤلفات المتشددين في الجرح والتعديل، والمتوسطين، والمتساهلين، والثقات من علماء الشيعة، والمتقدمين، والمتأخرين، حتى عصر العراقي.
وأكثر من اعتمد عليهم من كل هؤلاء: الإمام البخاري في «تاريخه» (١)، وأبو حاتم الرازي وابنه، كلاهما في كتاب «العلل» (٢)، وأبو سعيد بن يونس مؤلف «تاريخ مصر» الذي يعد حاليًا في حكم المفقود (٣)، وأبو عبد الله بن مندة في «الأسماء والكنى» وفي «معرفة الصحابة» (٤)، والترمذي في «العلل» (٥)، وابن عدي في «الكامل» (٦)، وابن حبان في «صحيحه»، وفي «الثقات»، وفي «الضعفاء» (٧)، والخطيب البغدادي في «المتفق والمفترق»، وفي «تاريخ بغداد»، وفي الرواة عن مالك (٨)، والدارقطني في «السنن»، وفي «العلل»، وفي «المؤتلف والمختلف»، وفي «غرائب مالك» (٩)، وابن عبد البر في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب»،
стр. 1051
وفي «جامع بيان العلم وفضله» (١)، والطبراني في «معجميه الأوسط والصغير» (٢)، والطوسي في «رجال الشيعة» (٣)، وابن الجوزي في «المنتظم» وفي «الموضوعات» (٤)، وأبو الحسن علي بن القطان في «الوهم والإيهام» (٥)، وعبد الحق الأشبيلي في كتابه «الأحكام» (٦)، وابن حزم في «المحلى» (٧)، والبزار في «مسنده» (٨)، وابن ماكولا في «المؤتلف والمختلف» (٩)، والذهبي في «الميزان»، وفي «المغني في الضعفاء» و «ذيله» (١٠).
وأما طريقة اعتماده على هذه المصادر وغيرها، فلم يكن مُجرَّدَ ناقل وجامع، رغم أن ذلك في حد ذاته كان له قيمته في عصره، إنقاذاً للتراث من الضياع كما أشرنا في حالة العصر العلمية، وكما ذكرت من مراجعه التي لا نجد كثيراً منها اليوم، ولكن العراقي بجانب معاناته في جمع النصوص وترتيبها، وتكملة بعضها ببعض، كما سنوضحه في الأمثلة، كانت له شخصيته:
стр. 1052
الواضحة، حيث نجده تارة يقر من ينقل عنه، وتارات يتعقبه بالرد، أو التصويب، أو الترجيح، أو التضعيف، أو المقارنة بغيره، كما سيأتي في بيان منهجه وآرائه.
ومما يصور دقته: أن بعض الأسماء المشتبهة رجع فيها لثلاث نسخ من كتاب واحد، للتأكد من عدم التحريف أو التصحيف (١)، على أني وجدت بعض تراجم قليلة، لم يحدد مصدره فيها كلية (٢).
منهج العراقي في الكتاب، وآراؤه النقدية:
١ - ترتيب التراجم على حروف المعجم.
يدل ترتيب التراجم التي ذكرها ابن حجر في «اللسان» من كتاب شيخه العراقي، على أنه انتهج في الترتيب منهج الذهبي في «الميزان»، فرتب التراجم على حروف المعجم مراعيا ذلك في آباء الرواة أيضًا، بحيث ذكر «إسحق بن سليمان» مثلا قبل «إسحق بن شَرويه» (٣)، وهكذا، وهذا الترتيب يفيد في تضييق دائرة البحث عن الراوي في الكتاب، وجعل الكشف فيه أقرب تناولاً، من مراعاة الترتيب في الاسم الأول فقط، كما أشار إلى ذلك الذهبي (٤).
وقد ظهر لي أنه بدأ كالمعتاد بذكر المعروفين بأسمائهم، لأنهم الأكثر، ثم
стр. 1053
أعقبهم بذكر المعروفين بكنيتهم في باب خاص (١)، ثم أصحاب الأنساب، في باب كذلك (٢)، مراعياً الترتيب المعجمي في الجميع.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن الذهبي في (الميزان)، عقد فصلا مفرداً للنساء، مع ذكره كثيراً منهن مع الرجال، بينما فرق ابن حجر في (اللسان) مَنْ على شرطه منهن، على الحروف مع الرجال، ولم يفرد لهن فصلا خاصاً، لكني لم أجده نقل عن شيخه العراقي في تراجم النساء عموماً، فلعل العراقي لم يستدرك أحداً منهن على الذهبي، أو لعله استدرك عليه ممن ذكرن في «تهذيب الكمال»، فلم يذكر هن ابن حجر في (اللسان) تبعاً لشرطه السابق بيانه، وهو أنه استبعد من «اللسان» من له ذكر في «التهذيب»، رجلا كان أو امرأة (٣).
ثم إني وجدت العراقي قام بجهد آخر في الترتيب المعجمي للتراجم التي ذكرت في «الميزان» أو غيره من المصادر السابقة بدون ترتيب، بحيث لا يتيسر الوقوف عليها إلا بعد وقت وجهد في الاطلاع التفصيلي على «الميزان» أو غيره وبيان ذلك: أن الذهبي ذكر في (الميزان) كثيراً من الرواة في سياق تراجم رواة آخرين، لما يكون بينهم من علاقة، فقام العراقي بفصل كثير من تلك التراجم ووضعها في كتابه حسب الترتيب المعجمي المناسب، مع الإضافة من جانبه أو بدونها.
مثال ذلك: قوله بشير بن خلاد، قال الذهبي في ترجمة «يحيى بن بشير
стр. 1054
ابن خلاد ولده، عن ابن القطان: يجهل هو وأبوه، وقال عبد الحق: ليس إسناد الحديث بقوي (١)، فتلاحظ أن الذهبي بين حال «بشير» المذكور، في ترجمة ولده (يحيى)؛ لاشتراكهما في الجهالة، ففصل العراقي بشيرا عن ترجمة ابنه، ووضعه في حرف الباء، بينما هو عند الذهبي في حرف ١٠٧٥ «الياء»، تبعا لترجمة ولده، وبوضعه الجديد عند العراقي، يسهل الكشف عنه والإهتداء إلى موضعه.
ومما جمع فيه بين فائدة الترتيب والإضافة الهامة، قوله: «أبي بن نافع بن عمر بن معدي كرب، قال الخطيب: أخبره أبو سعد الماليني إجازة، أنا عبد الله بن عدي، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي نافع بن عمرو بن معدي يكرب، حدثني أبي بن نافع قال - وهو جدي - وهو ابن ١١٢ سنة، حدثني أبي بن نافع بن عمر قال: كنت مع النبي ﷺ ، فقال لعائشة: حب يحمل من الهند يقال له «الداري» من شرب منه لم تقبل له صلاة ٤٠ سنة، فإن تاب تاب الله عليه، قال الخطيب: كل رجال إسناده ما وراء ابن عدي لا يعرف، وعقب ابن حجر على ذلك بقوله: قلت: ذكره شيخنا في «الذيل»»، وقد أورده المؤلف بتمامه في ترجمة إسحق بن إبراهيم، وسيأتي (٢)، وقد رجعت لترجمة إسحق بن إبراهيم المذكور، فوجدتُ الذهبي ذكر فعلا ما تقدم بتمامه، لكني وجدت كلام الخطيب هناك عن الحديث المذكور: إنه قال: «رواته لا يُعرَفُون» (٣)، بينما المذكور عنه في كلام العراقي السابق «كل رجال إسناده ما
стр. 1055
ورواء ابن عدي لا يعرف، ففيه استثناء ابن عدي من الجرح بالجهالة وبذلك يكون ابن عدي على ما ذكره العراقي من عبارة الخطيب غير مجرح، وعلى ما ذكر الذهبي منها مجروح.
ولا شك أن تحرير العبارة بما يخرج راويا من حيز الجرح إلى ساحة التعديل، يُعدُّ إضافة هامة من جانب العراقي، بجانب فصله لترجمة أبي بن نافع، وترتيبها».
٢ - أنواع الرجال المذكورين في كتاب العراقي من حيث التوثيق والتجريح
بعد أن اطلع الحافظ ابن حجر على كتاب شيخه العراقي واستفاد منه كما قدمنا، بين أنواع الرجال المذكورين فيه إجمالاً، فقال: «إنه ذكر فيه من تكلم فيه، وفات صاحب «الميزان» ذكره» (١).
والمقرر عند علماء النقد: أن من تكلم فيه أنواع، فقد يكون ضعيفًا مع التفاوت في درجة الضعف، وقد يكون مختلفًا فيه، وقد يكون معروفا بالثقة والضبط، فلا يلتفت إلى من تكلم فيه، لكن واقع التراجم التي اعتمد فيها ابن حجر في «اللسان» على كتاب شيخه، يدل على أن غالبهم من الضعفاء، والمختلف فيهم، وبعضهم من الثقات الذين ذكرهم لدفع شبهة الجرح عنهم، وهذا يلتقي مع منهج الذهبي في «الميزان»، فقد قال في نهايته إن أصله وموضوعه في الضعفاء، وأن فيه خلقا من الثقات، ذكرتهم للذب عنهم، أو لأن الكلام غير مؤثر فيهم ضعفًا (٢).