← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وفي «جامع بيان العلم وفضله» (١)، والطبراني في «معجميه الأوسط والصغير» (٢)، والطوسي في «رجال الشيعة» (٣)، وابن الجوزي في «المنتظم» وفي «الموضوعات» (٤)، وأبو الحسن علي بن القطان في «الوهم والإيهام» (٥)، وعبد الحق الأشبيلي في كتابه «الأحكام» (٦)، وابن حزم في «المحلى» (٧)، والبزار في «مسنده» (٨)، وابن ماكولا في «المؤتلف والمختلف» (٩)، والذهبي في «الميزان»، وفي «المغني في الضعفاء» و «ذيله» (١٠). وأما طريقة اعتماده على هذه المصادر وغيرها، فلم يكن مُجرَّدَ ناقل وجامع، رغم أن ذلك في حد ذاته كان له قيمته في عصره، إنقاذاً للتراث من الضياع كما أشرنا في حالة العصر العلمية، وكما ذكرت من مراجعه التي لا نجد كثيراً منها اليوم، ولكن العراقي بجانب معاناته في جمع النصوص وترتيبها، وتكملة بعضها ببعض، كما سنوضحه في الأمثلة، كانت له شخصيته:

стр. 1052

الواضحة، حيث نجده تارة يقر من ينقل عنه، وتارات يتعقبه بالرد، أو التصويب، أو الترجيح، أو التضعيف، أو المقارنة بغيره، كما سيأتي في بيان منهجه وآرائه. ومما يصور دقته: أن بعض الأسماء المشتبهة رجع فيها لثلاث نسخ من كتاب واحد، للتأكد من عدم التحريف أو التصحيف (١)، على أني وجدت بعض تراجم قليلة، لم يحدد مصدره فيها كلية (٢). منهج العراقي في الكتاب، وآراؤه النقدية: ١ - ترتيب التراجم على حروف المعجم. يدل ترتيب التراجم التي ذكرها ابن حجر في «اللسان» من كتاب شيخه العراقي، على أنه انتهج في الترتيب منهج الذهبي في «الميزان»، فرتب التراجم على حروف المعجم مراعيا ذلك في آباء الرواة أيضًا، بحيث ذكر «إسحق بن سليمان» مثلا قبل «إسحق بن شَرويه» (٣)، وهكذا، وهذا الترتيب يفيد في تضييق دائرة البحث عن الراوي في الكتاب، وجعل الكشف فيه أقرب تناولاً، من مراعاة الترتيب في الاسم الأول فقط، كما أشار إلى ذلك الذهبي (٤). وقد ظهر لي أنه بدأ كالمعتاد بذكر المعروفين بأسمائهم، لأنهم الأكثر، ثم

стр. 1053

أعقبهم بذكر المعروفين بكنيتهم في باب خاص (١)، ثم أصحاب الأنساب، في باب كذلك (٢)، مراعياً الترتيب المعجمي في الجميع. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن الذهبي في (الميزان)، عقد فصلا مفرداً للنساء، مع ذكره كثيراً منهن مع الرجال، بينما فرق ابن حجر في (اللسان) مَنْ على شرطه منهن، على الحروف مع الرجال، ولم يفرد لهن فصلا خاصاً، لكني لم أجده نقل عن شيخه العراقي في تراجم النساء عموماً، فلعل العراقي لم يستدرك أحداً منهن على الذهبي، أو لعله استدرك عليه ممن ذكرن في «تهذيب الكمال»، فلم يذكر هن ابن حجر في (اللسان) تبعاً لشرطه السابق بيانه، وهو أنه استبعد من «اللسان» من له ذكر في «التهذيب»، رجلا كان أو امرأة (٣). ثم إني وجدت العراقي قام بجهد آخر في الترتيب المعجمي للتراجم التي ذكرت في «الميزان» أو غيره من المصادر السابقة بدون ترتيب، بحيث لا يتيسر الوقوف عليها إلا بعد وقت وجهد في الاطلاع التفصيلي على «الميزان» أو غيره وبيان ذلك: أن الذهبي ذكر في (الميزان) كثيراً من الرواة في سياق تراجم رواة آخرين، لما يكون بينهم من علاقة، فقام العراقي بفصل كثير من تلك التراجم ووضعها في كتابه حسب الترتيب المعجمي المناسب، مع الإضافة من جانبه أو بدونها. مثال ذلك: قوله بشير بن خلاد، قال الذهبي في ترجمة «يحيى بن بشير

стр. 1054

ابن خلاد ولده، عن ابن القطان: يجهل هو وأبوه، وقال عبد الحق: ليس إسناد الحديث بقوي (١)، فتلاحظ أن الذهبي بين حال «بشير» المذكور، في ترجمة ولده (يحيى)؛ لاشتراكهما في الجهالة، ففصل العراقي بشيرا عن ترجمة ابنه، ووضعه في حرف الباء، بينما هو عند الذهبي في حرف ١٠٧٥ «الياء»، تبعا لترجمة ولده، وبوضعه الجديد عند العراقي، يسهل الكشف عنه والإهتداء إلى موضعه. ومما جمع فيه بين فائدة الترتيب والإضافة الهامة، قوله: «أبي بن نافع بن عمر بن معدي كرب، قال الخطيب: أخبره أبو سعد الماليني إجازة، أنا عبد الله بن عدي، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي نافع بن عمرو بن معدي يكرب، حدثني أبي بن نافع قال - وهو جدي - وهو ابن ١١٢ سنة، حدثني أبي بن نافع بن عمر قال: كنت مع النبي ﷺ ، فقال لعائشة: حب يحمل من الهند يقال له «الداري» من شرب منه لم تقبل له صلاة ٤٠ سنة، فإن تاب تاب الله عليه، قال الخطيب: كل رجال إسناده ما وراء ابن عدي لا يعرف، وعقب ابن حجر على ذلك بقوله: قلت: ذكره شيخنا في «الذيل»»، وقد أورده المؤلف بتمامه في ترجمة إسحق بن إبراهيم، وسيأتي (٢)، وقد رجعت لترجمة إسحق بن إبراهيم المذكور، فوجدتُ الذهبي ذكر فعلا ما تقدم بتمامه، لكني وجدت كلام الخطيب هناك عن الحديث المذكور: إنه قال: «رواته لا يُعرَفُون» (٣)، بينما المذكور عنه في كلام العراقي السابق «كل رجال إسناده ما

стр. 1055

ورواء ابن عدي لا يعرف، ففيه استثناء ابن عدي من الجرح بالجهالة وبذلك يكون ابن عدي على ما ذكره العراقي من عبارة الخطيب غير مجرح، وعلى ما ذكر الذهبي منها مجروح. ولا شك أن تحرير العبارة بما يخرج راويا من حيز الجرح إلى ساحة التعديل، يُعدُّ إضافة هامة من جانب العراقي، بجانب فصله لترجمة أبي بن نافع، وترتيبها». ٢ - أنواع الرجال المذكورين في كتاب العراقي من حيث التوثيق والتجريح بعد أن اطلع الحافظ ابن حجر على كتاب شيخه العراقي واستفاد منه كما قدمنا، بين أنواع الرجال المذكورين فيه إجمالاً، فقال: «إنه ذكر فيه من تكلم فيه، وفات صاحب «الميزان» ذكره» (١). والمقرر عند علماء النقد: أن من تكلم فيه أنواع، فقد يكون ضعيفًا مع التفاوت في درجة الضعف، وقد يكون مختلفًا فيه، وقد يكون معروفا بالثقة والضبط، فلا يلتفت إلى من تكلم فيه، لكن واقع التراجم التي اعتمد فيها ابن حجر في «اللسان» على كتاب شيخه، يدل على أن غالبهم من الضعفاء، والمختلف فيهم، وبعضهم من الثقات الذين ذكرهم لدفع شبهة الجرح عنهم، وهذا يلتقي مع منهج الذهبي في «الميزان»، فقد قال في نهايته إن أصله وموضوعه في الضعفاء، وأن فيه خلقا من الثقات، ذكرتهم للذب عنهم، أو لأن الكلام غير مؤثر فيهم ضعفًا (٢).

стр. 1056

ثم فصل ذلك في مقدمة كتابه تفصيلاً ينبغي ذكره هنا، لنعرف على ضوئه أنواع من ذكرهم العراقي في كتابه، وحكم كل نوع من القبول أو الرد، حيث يقول الذهبي: فقد احتوى كتابي على ذكر الكذابين الوضاعين، المتعمدين، قاتلهم الله، وعلى الكاذبين في أنهم سمعوا ولم يكونوا سمعوا، ثم على المتهمين بالوضع والتزوير، ثم على الكذابين في لهجتهم، لا في الحديث النبوي، ثم على المتروكين الهلكى، الذين كثر خطؤهم، وترك حديثهم، ولم يعتمد على روايتهم ثم على الحفاظ الذين في دينهم رقة، وفي حديثهم وهن. ثم على المحدثين الضعفاء من قبل حفظهم، فلهم غلط، وأوهام، ولم يترك حديثهم، بل يقبل ما رووه في الشاهد، والاعتبار بهم، لا في الأصول والحلال والحرام، ثم على المحدثين الصادقين، أو الشيوخ المستورين، الذين لم يبلغوا رتبة الأثبات المتقنين، وما أوردت منهم إلا من وجدته في كتاب «أسماء الضعفاء» ثم على خلق كثير من المجهولين، ممن نص أبو حاتم الرازي على أنه مجهول، أو قال غيره: «لا يُعرف، أو فيه جهالة، أو غير ذلك، من العبارات التي تدل على عدم شهرة الشيخ بالصدق، إذ المجهول غير محتج به، ثم على الثقات الأثبات الذين فيهم بدعة، أو الثقات الذين تكلم فيهم من لا يلتفت إلى كلامه، ولا إلى تضعيفه، لكونه تعنت فيه وخالف الجمهور من أولي النقد والتحرير (١). ثم بين حكم توثيق المبتدعة، وهم من عدا أهل السنة والجماعة، كالشيعة

стр. 1057

والروافض، وانتهى إلى أن غير الغلاة والدعاة منهم، مع الدين والورع والصدق، تقبل روايتهم، وهذا مذهب المعتدلين من علماء النقد، وقد أقر الذهبي عليه، الحافظ ابن حجر وقال: «إن عليه أكثر أهل الحديث» (١). وهكذا فصل الذهبي أنواع من ذكرهم في كتابه، وحكم كل نوع قبولاً أو ردا. وقد وجدت التراجم التي استمد فيها ابن حجر من كتاب شيخه العراقي، تضم عامة هذه الأنواع، وإليك بعض الأمثلة: فممن ذكر جرحهم بالإختلاط وأقره: أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن شمر البهزي، روى عنه ابن السمعاني وقال: «اختلط في آخر عمره، حكاه ابن نقطة» (٢). ومن المجاهيل: أحمد بن عبد الله بن سعيد بن كثير الحمصي، قال عبد الحق في الأحكام: «مجهول» (٣). وممن ذكر أن حديثه يخرج للاعتبار (٤) جميل بن حماد الطائي قال البرقاني، قلت للدارقطني: جميل بن حماد عن عصمة بن زامل عن أبي هريرة ﵁، فقال: «هذا إسناد بدوي، يخرج اعتبارا» (٥).

стр. 1058

وممن ذكرهم من الشيعة المقبولين: قوله: آدم بن عبد الله بن سعد الأشعري، أخذ عن جعفر الصادق، ذكره الطوسي في رجال الشيعة الإمامية، وأثنى عليه (١). وستأتي أمثلة أخرى في باقي عناصر منهج العراقي وآرائه. ٣ - بيان الاسم، والنسب، والنسبة، والكنية، واللقب، وتحقيق المختلف فيه أو المشتبه: يعتبر بيان الاسم، وسلسلة النسب، والنسبة إلى بلد، أو مهنة، ونحوها، وكذا الكنية، واللقب، كل ذلك من العناصر الأساسية في ترجمة الراوي والعالم؛ لأنها مناط تمييزه عن غيره من الثقات، أو المجروحين، وممن يشاركه في نفس العناصر المشار إليها، لهذا فإن علماء السنة، بما فيهم العراقي، جعلوا من أنواع علم الرجال: معرفة من ذكر من الرواة والعلماء بأسماء وصفات مختلفة، من كنية، أو لقب، أو نسب، وذلك لكشف التدليس (٢)، ومعرفة عكس هؤلاء أيضًا، وهم المنفردون بأسماء، وأنساب وكنى وألقاب (٣)، ومعرفة أسماء من اشتهر بكنيته، وكنية من اشتهر باسمه، حتى لا يُظَنَّ تعدد الواحد فيهم، عند ذكره مرة باسمه وأخرى بكنيته (٤)، وكذا معرفة الألقاب (٥).

стр. 1059

والأنساب (١)، والمؤتلف والمختلف من كل ذلك، والمتفق والمفترق، والمتشابه (٢)، وألفت في ذلك مؤلفات خاصة متعددة. ولهذا عني العراقي في تذييله على الميزان، ببيان هذه العناصر، عناية إجمالية، وتفصيلية بأقصى ما توفر له من الاطلاع والإجتهاد. أما عنايته الإجمالية، فتتمثل في تقسيم من ترجمهم إلى أقسام محددة، حسبما عرفوا به، من اسم، أو كنية، أو لقب، وذكر كل قسم منهم على حدة، كما قدمت في بيان ترتيبه للتراجم، حيث جعل القسم الأول لمن عرف باسمه، ويليه من عرف بكنيته، ثم من عرف بنشبته. وأما العناية التفصيلية: فتتمثل في أنه بين في كل قسم أكبر عدد توفر لديه من العناصر الأخرى، ففي قسم المعروفين بأسمائهم، بين ما وجده لأي منهم من كنية، أو لقب، أو نسبة، وفي قسم المعروفين بكناهم بين أيضًا ما وجده لأي منهم من الاسم، واللقب، والنسبة، وهكذا، واعتنى بذلك حتى في التراجم الموجزة، أو التي بيض لها، ولم يكملها، كما اهتم ببيان ما يكون في ذلك من خلاف، وترجيح ما يظهر له، وبيان المتفق من ذلك، والمفترق، وإليك بعض الأمثلة: فمن التراجم الموجزة قوله: «أحمد بن حماد بن سلمة، تغير بآخره (٣)» فذكر الاسم، ونسب الراوي، ثم الوصف المجروح به، وهو «تغيّر عقله في

стр. 1060

آخر حياته» وقد علق ابن حجر على ذلك بقوله: «كذا ذكره شيخنا في ذيله ولم يزد»، ثم إنه لم يزد هو الآخر. وأوجز من ذلك قوله: «عمر، شيخ دمشقي» (١)، فذكر الاسم، والنسبة إلى دمشق، والوصف المبين لدرجته، وهو «شيخ»، ولا يعد ذلك قدحًا في مبلغ علم العراقي بالرجال، لأن المؤلفات في هذا العلم، للمتقدمين والمتأخرين فيها أمثال تلك التراجم المقتضبة كثير. ومن التراجم التي لم يذكر فيها غير اسم الراوي، واسم أبيه، ولم يكمله: «أحمد بن جناح، قال الحافظ ابن حجر معلقا عليه، ذكره شيخنا في «الذيل» وبيض له» (٢) أي ترك بياضًا لإكمال الكلام عليه، والمعروف أن الحافظ ابن حجر وقف على مسودة الكتاب كما قدمنا، ولعل مما يدل على اتساع علم العراقي بالرجال، وجهده في البحث، أن الحافظ ابن حجر، على ما هو مشهود له به من طول الباع في علم الرجال، لم يقف على باقي المعلومات المتعلقة بالراوي المذكور، فوقف حيث وقف شيخه. ومثال ما بين الخلاف في نسبه، مع الترجيح، ورفع التوهم: إسحق بن شرقي، قال: «اخْتُلِفَ في ضبط أبيه، ففي «تاريخ البخاري» بالقاف، وعند الدارقطني «بالفاء» قال ابن أبي حاتم: ويقال له: اسحق بن أبي شداد، واسحق بن عبد الرحمن، واسحق بن أبي نباتة .. (٣) ويلاحظ

стр. 1061

ترجيحه من كل ذلك: أنه «شرقي» كما عند البخاري، حيث أثبته في أصل الترجمة، وفي صدر كلامه، وقد صرّح في نكته على ابن الصلاح أن ما يصدر به العالم كلامه فهو الراجح عنده (١)، ثم إن تفصيله للآراء الأخرى وجمعها من عدة مصادر متفرقة، يوفر جهد البحث عنها، ويدفع أيضًا توهم تعدد الراوي المذكور، لمن يقف عليه في كل مرجع على حدة، لاختلاف اسم والده فيها كما رأيت. وقد أشار العراقي بنفسه إلى اهتمامه بدفع ذلك التوهم في ترجمة أخرى، حيث قال: «إسماعيل بن يحيى أبو أمية، وعقب على ذلك بقوله: كذا اسمي أبو أحمد» (٢) ويقال ابن يعلى، وبذلك جزم ابن أبي حاتم والنسائي وغيرهما أن اسم أبيه (يعلى) وهو في الميزان، وإنما ذكرته هنا لئلا يظن أنه آخر (٣). ومثال ما بين فيه المتفق في الاسم واسم الأب والنسبة مع الافتراق في الجد، وفي التوثيق والتجريح: قوله: «إبراهيم بن حاتم الانباري، عن سويد بن سعيد» وبين حاله قائلا: «ضعفه الدارقطني فقال: متروك»، ثم أعقب ذلك بقوله: «أما إسحق بن إبراهيم بن رجاء الأنباري عن وهب بن بقية … وإسحق بن إبراهيم بن الخصيب للأنباري عن عبد الله بن صالح … فلا أعلم فيها جرحًا، وقد ذكر الخطيب في «تاريخ بغداد» الثلاثة» (٤) وهذا المثال

стр. 1062

واضح الدلالة على أهمية بيان العراقي لهذا النوع من الرواة وهناك أمثلة أخرى (١). ومثال ما بين فيه الخلاف في اسم الراوي مع الترجيح قوله: جابان، ويقال موسى بن جابان، عن أنس. فذكره اسم «جابان» أولا وبناء الترتيب المعجمي عليه ثم قوله: ويقال موسى، … يدل على تضعيفه للرأي الثاني وترجيح الأول عليه، كما أنه ذكر له في باقي الترجمة حديثا وذكره في السند باسم «جابان (٢) وذلك يزيد الرأي الأول قوة وقد استدرك على الذهبي بعض من ذكره بأكثر من اسم في مؤلفاته مثل قوله: «دحيم بن محمد الصيداوي عن أبي بكر بن عياش، له حديث موضوع» وبين مصدره بقوله: «ذكره المؤلف - يعني الذهبي - في «ذيل المغني» له، قال ابن حجر: انتهى كلام شيخنا، وسيأتي الحديث في عبد الرحمن بن محمد الأسدي وهو اسم دحيم هذا» (٣) وبالرجوع لترجمة عبد الرحمن المذكور وجدت الذهبي يقول: «عبد الرحمن ابن محمد الأسدي ويقال: دحيم … » (٤) ومثال ما بين فيه نسبة الراوي ووجهها قوله: إسماعيل بن مرزوق بن يزيد المرادي الكعبي من بني الحارث بن كعب بن عوف بن أنعم بن مراد المصري» (٥)

стр. 1063

ومن أمثلة عنايته ببيان الكنية وضبطها قوله: «سعيد بن أبي سعيد مولى المهري يكنى أبا سميط، بمهملتين، مصغرا» (١). كما عنى أيضًا بتمييز من اشترك مع غيره في كنية واحدة، مثل: «أبو عبد الله القرشي روى عن سالم بن عبد الله الكلاعي خبرًا منكرا»، وقال ابن حجر قال: شيخنا أبو عبد الله القرشي هذا غير الذي روى عن أبي بردة يعني المذكور في «التهذيب» للمزي و «الميزان» للذهبي (٢). ٤ - بيانه لشيوخ الراوي وتلاميذه وأهمية ذلك: يعتبر بيان شيوخ الراوي وتلاميذه من العناصر المميزة له عن غيره، كما أن من قواعد الجرح والتعديل أن من لم يرو عنه إلا واحد يعد مجهول العين وقبول روايته مختلف فيه فإذا روى عنه اثنان على الأقل زالت جهالته (٣). ولهذا عني العراقي فيمن ترجم لهم ببيان ببعض شيوخهم وتلاميذهم لتمييزهم عن غيرهم ولدفع الجهالة عنهم واهتم بصفة خاصة بإثبات تعدد تلاميذ كثير ممن قرر غيره من العلماء جهالتهم لعدم تعدد الرواة عنهم كالبزار (٤) وغيره وبذلك أزال الجهالة عنهم وإليك بعض الأمثلة: أحمد بن علي بن عيسى بن هبة الله الهاشمي المقري، عن أبي غالب بن البنا وأبي البدر الكرخي وغيرهما، روى عنه يوسف بن خليل وأبو بكر بن

стр. 1064

شق (١) فبين بذلك تعدد شيوخه وتلاميذه. ومثال ما رد جهالته بتعدد الرواة قوله: «زكريا بن الحكم عن عمرو بن عمر العسقلاني وعنه أحمد بن حماد بن عبد الله الرقي وأبو عروبة وجماعة من أهل الجزيرة، قال ابن القطان: مجهول قلت: وليس بمجهول فقد روى عنه هؤلاء، ووثقه ابن حبان» (٢). ٥ - بيانه للتعديل والتجريح واعتداله فيهما: يعتبر بيان توثيق الراوي أو تجريحه عند علماء السنة أهم عناصر الترجمة للرواة والمحدثين. لأنهما مناط قبول المرويات وردها، والتجريح في اصطلاح علماء النقد: أن يوصف الراوي أو العالم بصفة أو أكثر مما يخل بدينه أو خلقه أو حفظه وضبطه، ويترتب على ذلك تضعيف روايته أو ردها، ويقابله التعديل وهو: وصف الراوي أو العالم بما يزكيه في دينه وخلقه وحفظه وضبطه، ويترتب على ذلك قبول روايته. وقد قدمت في بيان زيادات العراقي في ألفيته أن العلماء اصطلحوا على ألفاظ خاصة لبيان التعديل والتجريح وأن العراقي قسم كلا منها إلى خمس مراتب تبعًا لما قرره الحافظ الذهبي في مقدمة كتابه (الميزان) وطبقه على من ذكرهم فيه، بحيث إذا وصف الراوي بشيء منها عرفت درجة ما يرويه من القبول أو الرد، وهكذا فعل العراقي في (ذيل الميزان) فطبق على من ذكرهم فيه ما أقره في الألفية وغيرها من ألفاظ الجرح والتعديل ومراتبهما.

стр. 1065

ثم إن العلماء الذين تصدوا لنقد الرواة، قد انقسموا عموما إلى متشددين ومعتدلين ومتساهلين وعندما نتتبع منهج العراقي في نقد الراوي تعديلا وتجريحًا خلال كتابه هذا نجده من المعتدلين المنصفين في الجملة فلم يأخذ بقول كل جارح أو موثق، بل أخذ بعض آراء المتشددين ورد عليهم بعضها، وفعل مثل ذلك مع المتساهلين، وفي نفس الوقت نجد له شخصيته المميزة بين المعتدلين بحيث يقف من آرائهم أيضا موقف الناقد البصير، حذرا مما لا يسلم منه بشر من الوهم والاشتباه والخطأ، ثم إنه قد يحدد سبب الجرح وقد يورده مجملا، وإليك التفصيل والتمثيل. موقفه من المتساهلين والمعتدلين: مما يوضح ذلك قوله: «إسحق بن كامل مولى آل عثمان بن عفان» يكنى أبا يعقوب، المؤدب، يروي عن عبد الله بن كليب، لم يتابع، في حديثه مناكير، توفي في شعبان سنة ٢٦٥ بمصر، قاله أبو سعيد بن يونس، وأخرج الحاكم في «المستدرك» من طريق أحمد بن داؤد الحراني عن إسحق بن كامل عن إدريس بن يحيى عن حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن نافع عن ابن عمر ﵄، حديث صلاة التسبيح وتعليمه لجعفر بن أبي طالب، وقال صحيح لا غبار عليه، قال ابن حجر وتعقبه - أي الحاكم - شيخنا في «ذيله» فقال: بل هو - أي سند الحديث المذكور - مظلم لا نور عليه، وأحمد بن داود كذبه الدارقطني هـ ونقل ابن عبد الهادي في «الأحكام الكبرى» عن شيخيه المزي والذهبي أنه - أي إسحق بن كامل - لا يعرف، وزاد ابن عبد الهادي من جانبه قوله: «والله أعلم هل له وجود أم لا؟» وعقب ابن حجر على ذلك بقوله: «كذا قالوا، وقد عرف وجوده ابن يونس

стр. 1066

وهو بلدي وأعرف الناس بالمصريين (١). وبالتأمل نجد في هذا المثال أمورًا هي: أن العراقي قد بين حال إسحق بن كامل، واعتمد في بيان حاله - وهو مصري - على ابن يونس المؤرخ المصري وصاحب كتاب «تاريخ مصر» الذي سبق ذكره في مصادر العراقي، وقد حدّد ابن يونس نوع الجرح في إسحق وهو أنه لم يتابع على حديثه وفي حديثه مناكير، وذلك يقتضي ضعفه من جهة ضبطه، بينما المزي والذهبي قررا أنه مجهول، لا يُعرف مطلقا، لا عينا ولا حالا، وزاد تلميذهما ابن عبد الهادي التشكيك في وجود ابن كامل أصلا، وقد اتخذ الحافظ ابن حجر موقفا نقديا حيال تلك الآراء المتعارضة في ابن كامل، فرد رأي الثلاثة المتفقين على جهالته، وهم المزي والذهبي وتلميذهما ابن عبد الهادي ورجح رأي شيخه العراقي باعتماده قول ابن يونس الدال على أن ابن كامل معروف الحال بما يدل على ضعفه من جهة ضبطه فقط، واستدل الحافظ ابن حجر لذلك بدليل وجيه وهو أن ابن يونس بلدي ابن كامل فكلاهما مصري، في حين أن القائلين بجهالة ابن كامل، أو الشك في وجوده، شاميون، وهم: المزي والذهبي وتلميذهما ابن عبد الهادي، وبالتالي فإن معرفتهم بالمصريين عموما أقل، حتى شك ثالثهم في وجود ابن كامل أصلا كما مر، وبالتالي يترجح ما قرره الأعرف والأقرب وهو ابن يونس المصري. ومن هنا يتضح لنا دقة العراقي في بحث الآراء النقدية واجتهاده في ترجيح بعضها على بعض؛ ثم إنه بين بما تقدم، أن السند الذي قرر الحاكم صحته

стр. 1067

ونظافته ليس كذلك، بل فيه مجروح وهو أحمد بن داود وحدد نوع جرحه. بأنه الكذب كما قال الدارقطني، وهذا من أشد أنواع الجرح، وبذلك يرد الحديث المذكور بهذا السند المشتمل على أحمد بن داؤود، وقد قرر العلماء أن الحاكم متساهل في التوثيق وإن الدارقطني معتدل (١)، وعليه يكون العراقي قد خالف الحاكم في تساهله ووافق الدارقطني على جرحه المبين لابن داود وابن يونس على جرحه المبين لابن كامل، وبهذا ظهرت شخصيته في الاختيار بين الرأيين المتعارضين في ابن داود بين الحاكم وشيخه الدارقطني كما ظهرت في الترجيح بين الآراء السابقة في ابن كامل. موقفه من المتشددين: قرر العلماء أن المتشدد في الجرح يقبل توثيقه مطلقا، وأما جرحه فينظر فيه: من جهة التفسير وعدمه، والتفرد وعدمه، والمخالفة من مُعْتَبَر وعدمها (٢)، وقد جرى العراقي على هذا المنهج المعتدل فمن رده للجرح من بعض المتشددين واثبات ثقة الراوي قوله: أبو بكر بن أبي عاصم عن عبد الجبار بن العلاء، العطار، وعنه عبد الله بن محمد بن جعفر، شيخ أبي نعيم قال ابن القطان: لا أعرفه، وعقب العراقي على هذا بقوله: «كذا قال، وهو - أي أبو بكر - إمام ثقة حافظ مصنف لا يجهل مثله»، قال ابن حجر انتهى كلام شيخنا (٣) فابن القطان معدود من

стр. 1068

المتشددين، ولما لم يجد العراقي من وافقه على وصف أبي بكر المذكور بالجهالة، رد عليه قوله وأثبت توثيق أبي بكر بأعلا مراتب التوثيق عنده، وهي الجمع بين لفظي التوثيق كما ترى (١). ولكنا نجد العراقي في موضع آخر يعتمد قول المتشدد، متى توافر له ما يقتضي قبوله من الاعتبارات السابق الإشارة إليها. فقد ذكر «عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي» وذكر فيه قول أبي حاتم الرازي: مجهول، وأقره، ويلاحظ مما ذكره فيه من الأقوال، أن أبا حاتم لم ينفرد بذلك بل شاركه قرينه أبو زرعة الرازي، ثم الإمام الدارقطني (٢). ولعل مما يدل على اعتداله كذلك، أن الإمام الذهبي من قبله قرر: أن أبا الفتح محمد بن الحسين الأزدي المتوفى سنة ٣٧٤ هـ «في لسانه في الجرح رَهَق» (٣)، ولكنا نجد العراقي - أكثر من مرة - يعتد بجرحه، إذا لم يجد في الراوي كلاما لغيره، فقد ذكر «جابان، ويقال: موسى بن جابان، وذكر فيه قول الأزدي: «متروك الحديث» ولم يذكر لا هو ولا ابن حجر من بعده، كلاما في هذا الراوي لغير الأزدي، ولم يتعقبا قوله بشيء (٤). وذكر العراقي أيضا «جابر بن إسحق الموصلي» وحكى فيه قول الأزدي: «ليس حديثه بالقائم» ولم يذكر لا هو ولا ابن حجر في هذا

стр. 1069

الاراوي قولا لغير الأزدي، ولا تعقبا قوله بشيء (١). وبهذا يتضح لنا يقظة العراقي واعتداله في الأخذ بنقد المتشددين، أو رده، حسبما يتوافر لديه من مقتضيات القبول أو الرد. ثم إن هذا هو الطابع العام الذي لاحظته من صنيع العراقي فيما تيسر لي من تراجم هذا الكتاب، وربما لو تيسر لي الكتاب بأكمله، وجدت فيه، أو في غيره من مؤلفاته ما يعتبر من التساهل أو التشدد في بيان حال الراوي. ٦ - بيانه التاريخي الميلاد والوفاة: يعتبر بيان تاريخي ميلاد الراوي ووفاته وبيان مقدار عمره أحد أنواع علم الرجال الهامة لأنها من وسائل كشف كذب الراوي أو تدليسه، ولهذا قال حسان بن يزيد لم يُسْتَعَنْ على الكذابين بمثل التاريخ، تقول للشيخ سنة كم ولدت؟ فإذا أقر بمولده عرفنا صدقه من كذبه، وقال حفص بن غياث القاضي إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين: يريد احسبوا سنه وسن من كتب عنه (٢). لهذا عُني العراقي بقدر ما توفر له من المصادر، ببيان تاريخ الميلاد أو الوفاة أو كليهما لكثير ممن ترجمهم في كتابه؛ بل أحيانًا يُعنى ببيان الأقوال المتعددة إن وجدت، وإليك بعض الأمثلة: أحمد بن عبد العزيز بن أحمد بن محمد أبو بكر المقري المعروف بابن الأطروشي المنذري، قال ابن خيرون (وهو من تلاميذه) ولد سنة ٣٨١ هـ.

стр. 1070

وقال أبو علي بن البنا: مات في جمادى الآخرة سنة ٤٥٩ هـ (١). ويلاحظ أنه اعتمد في الميلاد على مصدر، وفي الوفاة على آخر، مما يدل على جهوده في البحث والتجميع. ومما ذكر فيه أكثر من قول في الوفاة مع بيان مكانها قوله: «زيد بن بشر الحضرمي أبو بشر، من أهل مصر .. » ثم نقل عن أبي زرعة (الرازي) قوله: خرج إلى المغرب فمات هناك، وأتبعه بقول ابن يونس: توفي ٢٤٢ هـ وقيل سنة ٢٤٣ هـ (٢) وتلاحظ أيضًا جهده في جمع عناصر الترجمة حيث اعتمد على أبي زرعة في مكان الوفاة، ولما لم يحدد أبو زرعة تاريخها بحث عنها في مصدر آخر وأثبتها لتتكامل عناصر الترجمة المتفرقة بين أكثر من مرجع. ٧ - ذكره لبعض الأحاديث مع بيان درجتها جرى كثير من المؤلفين في علم الرجال على أن يذكروا في ترجمة الراوي حديثًا أو أكثر من مروياته مع بيان درجتها، ولهذا تعتبر الكتب المؤلفة في الضعفاء والمتروكين من مصادر الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وقد تذكر فيها أحاديث مع بيان صحتها، وقد جرى العراقي في كتابه على منهج سلفه من العلماء في ذلك، فذكر كثيرًا من الأحاديث في تراجم رواتها مع بيان درجتها، وإليك بعض الأمثلة: قال في ترجمة: أسلم الكوفي: روى عن مرة الطيب عن زيد بن أرقم عن أبي

стр. 1071

بكر رفعه: «لا يدخل الجنة جسد غُذِي بحرام» (الحديث) أخرجه البزار وقال ليس بالمعروف وقال أيضا: لا نعلم رواه عنه غير عبد الواحد بن يزيد، وقال ابن القطان لا يعرف بغير هذا، وضعف به عبد الحق حديث: «ملعون من ضار مسلما أو مكر به» وقال ابن حجر انتهى كلام شيخنا» (١). ومثال ما ذكره من الأحاديث وبين صحته: ما في ترجمة (سعيد بن أبي سعيد مولى المهري) حيث قال: (روى عن أبيه عن عبد الله بن عمر (أن معاذ أراد سفرا فقال: يا رسول الله أوصني، فقال: اعبد الله ولا تشرك به شيئًا قال يا رسول الله زدني، قال إذا أسأت فأحسن، قال يا رسول الله زدني قال استقم وليحسن خُلقك) رواه عنه حرملة بن عمران التجيبي، قال ابن يونس لم يحدث عنه غيره) ثم تعقب ذلك بقوله: «كذا قال، وقد ذكر البخاري وابن حبان في «الثقات» أنه روى عنه أيضا أسامة بن زيد وأخرج حديثه المذكور الحاكم وصححه» (٢) وهكذا رد العراقي على ابن يونس حكمه بجهالة أبي سعيد المذكور وأقر تصحيح الحاكم للحديث كما أقره أيضا الذهبي (٣) وستأتي أمثلة أخرى في أثر الكتاب فيما بعده. ٨ - بعض الانتقادات الموجهة إلى الكتاب. رغم هذا المنهج القويم الذي سلكه العراقي في كتابه، واستيفاؤه فيه المباحث الأساسية المطلوبة في مؤلفات علم الرجال، وتقديم جهوده وآرائه خلال ذلك

стр. 1072

كما أوضحناه، فإنه لم يخل من بعض الأمور التي انتقدت عليه، فمن ذلك أن الذهبي ذكر أنه لا يورد في «الميزان» من قيل فيه (هو شيخ) وقال: لأن هذا وشبهه يدل على عدم الضعف المطلق (١) وبمقتضى تذييل العراقي عليه أن لا يورد من قيل فيه ذلك أيضًا، مع إقراره، ولكني وجدته ذكر بعض من قيل فيه «شيخ»، وأقره، حيث قال: قاسم بن عبيد الله الأسدي «شيخ» يروي عن أبي المليح، عن واثلة» (٢). ومن ذلك أن الذهبي ذكر في «الميزان» اسماعيل بن سيف، بصري يروي عنه عبدان الأهوازي وقال: «كانوا يضعفونه … » ونقل ابن حجر عنه تلك الترجمة في «اللسان» (٣) ثم أورد بعده من ذيل العراقي قوله: «إسماعيل ابن سيف، آخر»، ويكنى أبا إسحق: روى عن عوين بن عمرو أخي رياح القيسي، وعنه عبد الله بن أحمد الدورقي، قال أبو حاتم مجهول. وعقب ابن حجر على ذلك بقوله: «هكذا أفرده شيخنا وعندي أنه الذي قبله» (٤). وقد لاحظت أن ما ذكره العراقي في الترجمة المذكورة مطابق فعلا لما ذكره الذهبي في سابقتها مع زيادة يسيرة. وقد علل ابن حجر مثل هذا بأن تكون الترجمة التي يستدركها شيخه، قد سقطت من نسخة «الميزان» الخاصه به (٥).

стр. 1073

ومن ذلك أيضا الترجمة التي وقفت عليها في مجموع ابن خطيب الناصرية وقد صرح بنقلها من خط العراقي ونصها: «محمد بن جرير بن رستم أبو جعفر الطبري، رافضي خبيث، ذكره الحافظ عبد العزيز الكناني» وقال: «أنه رافضي له مؤلفات منها كتاب «الرواة عن أهل البيت»، ولعل السليماني إنما أراد بالتضعيف هذا، فإنه قال فيه: «إنه كان يضع للروافض، فذكر الذهبي في «الميزان» محمد بن جرير الطبري الإمام المشهور، وذكر قول السليماني ورده، وكأنه لم يعلم بأنه في الرافضة من شاركه في الاسم واسم الأب والكنية والنسبة وإنما يفترقان في اسم الجد فقط، فالرافضي اسم جده «رستم» والإمام المشهور: اسم جده «يزيد»، ولعل ما حكي عن محمد بن جرير الطبري من الاكتفاء في الوضوء بمسح الرجلين إنما هو عن هذا الرافضي، فإنه مذهب الشيعة والله أعلم»» (١). فهذه الترجمة استدركها العراقي على الذهبي وانتقده بعدم معرفتها كما ترى، بينما هي موجودة في النسخ المطبوعة التي بين أيدينا حاليا من كتاب «الميزان» للذهبي، عقب ترجمة محمد بن جرير الطبري، الإمام، مع إشارة الذهبي في آخر ترجمة الإمام الى ذكر ترجمة الرافضي بعده حيث قال بعد الرد على السليماني كما أشار العراقي ما نصه: «فلعل السليماني أراد الآتي»: وذكر محمد بن جرير من رستم الذي استدركه العراقي (٢) وقد علل ابن حجر ذلك بأن يكون سقط من نسخة العراقي من «الميزان» قول الذهبي: «فلعل

стр. 1074

السليماني أراد الآتي»، ثم ذكر ترجمة الرافضي التي استدركها، ويؤكد هذا إشارة محقق الميزان إلى وجود هذا السقط فعلا في النسخة الخطية الخاصة بسبط بن العجمي وهو تلميذ العراقي كما أسلفنا (١). «وبهذا يكون للعراقي في مثل هذا، العذر في استدراكه على الذهبي بسبب السقط في نسخه من الميزان». أثر الكتاب فيما بعده: من أوضح الشواهد على أثر كتاب العراقي هذا فيما بعده من كتب الرجال ما قدمته من استمداد الحافظ ابن حجر منه في كتابه «لسان الميزان» من أوله إلى آخره، بحيث كان اللسان هو عمدتي في بحث كتاب العراقي ونقده كما مر، وقد أشرت فيما تقدم إلى أن ما استمده ابن حجر في «اللسان» من كتاب شيخه العراقي يعدل ثلث زوائد ابن حجر على كتاب «الميزان» للذهبي، وعن طريق «لسان الميزان» امتد أثر كتاب العراقي حتى الآن، في كتب الرجال، وغيرها حيث يعد «اللسان» عمدة الباحثين في تاريخ الرجال والجرح والتعديل، وبيان درجة الأحاديث، خاصة الضعيفة والموضوعة. وقد وجدتُ الحافظ عبد الرؤوف المناوي (المتوفى سنة ١٠٣١ هـ) ينقل عن ذيل العراقي بواسطة «اللسان» مثل قوله في شرح حديث «واصنع المعروف إلى من هو أهله وإلى غير أهله» (الحديث) إنه ضعيف، وذلك لأن فيه بشر بن يزيد الأزدي «قال في «اللسان» عن «ذيل الميزان»: «له مناكير» ثم ساق منها هذا الخبر»، ثم عقبه بقوله: «قال الدارقطني في

стр. 1075

الغرائب: «إسناده ضعيف ورجاله مجهولون» (١) وقد رجعت إلى «اللسان» فوجدت ذلك فيه فعلا إلا أن علامة الذيل وهي حرف «ذ» التي اصطلح ابن حجر على الرمز بها لما أخذه منه غير موجودة في المطبوعة (٢) وهذا يؤكد ما قدمته من أن العلامة غير محققة في طبعة «اللسان» المتداولة حاليًا أما أبو الحسن بن عراق (المتوفي سنة ٩٦٣ هـ) صاحب «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة»، فقد وجدته يعتمد فيه على «ذيل العراقي» مباشرة في بيان علة بعض الأحاديث أو الدفاع عن وضعها بما ذكره العراقي بشأنها (٣) وهذا يفيد عموم الاستفادة بالكتاب سواء في بيان أحوال الرواة أو درجات الأحاديث، كما يفيد وقوف ابن عراق على الكتاب، رغم تأخره كثيرًا عن زمن العراقي. والله أعلم. ب - تذييل العراقي على ما جمعه شيخه العلائي من أسماء الرواة المدلسين وأثره التدليس مأخوذ من الدلس بتحريك اللام، وهو في اللغة اختلاط الظلام الذي هو سبب لتغطية الأشياء عن البصر، وفي الاصطلاح يرجع إلى ذلك أيضًا (٤).

стр. 1076

وهو ينقسم إلى عدة أقسام ترجع إلى قسمين هما: تدليس الإسناد وتدليس الشيوخ. أما تدليس الإسناد فعرفه العراقي على المشهور بأنه: أن يُسقط الراوي اسم شيخه الذي سمع منه، ويرتقي إلى شيخ شيخه، أو من فوقه، فيسند ذلك إليه بلفظ لا يقتضي الاتصال، بل بلفظ موهم له، كقوله: عن فلان، أو قال فلان، موهما بذلك أنه سمعه ممن رواه عنه، قال: «إنما يكون تدليسًا إذا كان المدلس قد عاصر المروي عنه أو لقيه، ولم يسمع منه، أو سمع منه ولم يسمع منه ذلك الحديث الذي دلسه عنه» (١) ولعلك تلاحظ طول عبارة العراقي في تعريف هذا القسم، وأوجز منه عبارة تلميذه ابن حجر حيث قال: «هو أن يروي عمن لقيه شيئًا لم يسمعه منه بصيغة محتملة، ويلتحق به من رآه ولم يجالسه» (٢). وقد اختلف في قبول رواية المعروفين بهذا النوع من التدليس، وقد ذكر العراقي تبعا لابن الصلاح، أن الصواب التفصيل: «فإن صرح بالاتصال كسمعت وحدثنا، فهو مقبول محتج به، وان أتى بلفظ محتمل، فحكمه حكم المرسل عند الأكثرين» (٣). والقسم الثاني: تدليس الشيوخ، وهو أخف من الأول، وقد عرفه العراقي بقوله: أن يصف المدلس شيخه الذي سمع ذلك الحديث منه، بوصف لا

стр. 1077

يُعرف به من اسم أو كنية أو نسبة … كي يُوَطَّرَ الطريق إلى معرفة السامع له، وذلك فيه تضييع للمروي عنه، وللمروي، بأن لا يتنبه له، فيصير بعض رواته مجهولاً، وتختلف الحال في كراهة هذا النوع باختلاف المقصد الحامل عليه، وشره ما كان الحامل عليه كون المروي عنه ضعيفًا فيدلسه حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء (١) وقد اعتبر التدليس عمومًا من أسباب جرح الرواة. ومن أجل هذا وذاك، ألف علماء الرجال المتقدمون والمتأخرون مؤلفات خاصة، نظمًا ونثرًا ترجموا فيها من عرفوا بالتدليس وبينوا طبقاتهم وأنواع تدليسهم ودرجاته (٢) إلى أن كان عصر العراقي، فألف شيخه الحافظ صلاح الدين العلائي (٣) كتابًا يسمى (جامع التحصيل في أحكام المراسيل) وخصص منه الفرع السابع من الباب الرابع لأحكام التدليس وتقسيم المدلسين من حيث قدح تدليسهم في اتصال السند، وعدمه إلى أقسام، ثم جمع ما تيسر له من أسماء المدلسين فصار هذا الفرع عمدة من جاء بعده، ونقطة ارتكازهم التأليفي في هذا الباب، فاطلع العراقي عليه، فوجد أن شيخه لم يستوعب ذكر الموصوفين بالتدليس، وتيسر له الوقوف على عدد من المدلسين لم يذكرهم شيخه، فعلقهم بهامش نسخته من كتاب شيخه، تتميمًا للموضوع، ولم يتأت له تجريدهم في مؤلف خاص، ففعل ذلك ولده أحمد من بعده، حيث ضم ما زاده والده بهامش النسخة، إلى ما ذكره العلائي في أصل الكتاب، وزاد عليهما بعض أسماء وقعت له أيضًا لم يذكرها والده،

стр. 1078

ولا شيخه العلائي، وأخرج ذلك في كتاب أسماه «أخبار المدلسين» (١). ثم تلاه تلميذ والده أيضا المعروف بسبط بن العجمي فألف في حياة شيخه العراقي كتاب (التبين لأسماء المدلسين) (٢) ذكر فيه ما جمعه العلائي وزاد عليه ما تيسر له (٣) ثم تلاه الحافظ ابن حجر فألف كتاب طبقات المدلسين المسمى (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس) وجمع فيه ما ذكره العلائي وما ذيل به عليه كل من العراقي، وولده، وسبط ابن العجمي، وزاد عليهم بدوره ما تيسر له، فصار كتابه المصدر الجامع لكل ما تقدم مع زيادته هو عليه، وقد أشار لذلك في مقدمة الكتاب فقال: «أما بعد فهذه معرفة مراتب الموصوفين بالتدليس في أسانيد الحديث النبوى لخصتها في هذه الأوراق لتحفظ، وهي مستمدة من «جامع التحصيل» للإمام صلاح الدين العلائي شيخ شيوخنا تغمده الله برحمته، مع زيادات كثيرة في الأسماء تعرف بالتأمل … فمن عليه رقم (هـ) فهو مذكور في الفصل الذي ذكره، أي العلائي، في أسماء المدلسين، وإلا فهو من الزيادات … ». ثم ذكر من أفرد المدلسين بالتصنيف من العلماء حتى العراقي (٤) فقال عنه: «ثم ذيل شيخنا حافظ العصر أبو الفضل بن الحسين في هوامش كتاب العلائي أسماء وقعت له زائدة، ثم ضمها ولده العلامة قاضي القضاة ولي الدين أبو زرعة … . إلى ما ذكره العلائي وجعله تصنيفا مستقلا وزاد فيه من

стр. 1079

تتبعه شيئًا يسيرًا وعلم بما زاده على العلائي (ز)، ثم قال: (وأفرد المدلسين بالتصنيف من المتأخرين المحدث الكبير المتقن برهان الدين الحلبي سبط بن العجمي)، غير متقيد بكتاب العلائي فزاد عليهم قليلا. ثم حدد ما لكل واحد من هؤلاء فقال: «فجميع ما في كتاب العلائي من الأسماء ٦٨ نفسًا، وزاد عليهم ابن العراقي ١٣ نفسًا وزاد عليه الحلبي ٣٢ نفسًا»، ثم بين ما زاده هو بقوله: «وزدت عليهما ٣٩ نفسًا» ثم ختم ببيان اشتمال كتابه على جملة ما تقدم، له، ولمن قبله فقال: «فجملة ما في كتابي هذا (١٥٢) نفسًا» (١). ويلاحظ على ما قاله ابن حجر الآتي: ١ - قوله فمن عليه رقم (هـ) فهو مذكور في الفصل الذي ذكره العلائي، لم أجد هذه العلامة المميزة على أي ترجمة لا في طبعات الكتاب ولا في عدة نسخ خطية موثقة منه رجعت إليها (٢) كما أنه لم يميز لنا زيادات العراقي أو ابنه أو الحلبي على العلائي مع تصريحه بتضمن كتابه لتلك الزيادات كما رأيت، وبهذا فإنك حين تطلع على الكتاب لا تستطيع التعرف على ما لكل واحد منهم بما في ذلك العراقي الذي يعنينا بحث نتاجه العلمي وتقويمه وهذا من أمثلة صعوبات البحث عن تراث العراقي في علوم السنة. ٢ - لم يحدد ابن حجر عدد الأسماء التي ذيلها العراقي على شيخه العلائي ولا عدد الأسماء التي زادها ولي الدين ابن العراقي على تذييل والده بل اكتفى

стр. 1080

بذكر جملة ما زاده ولي الدين على العلائي وهو ١٣ نفسًا وقوله «إن ولي الدين قد ضم في كتابه زيادات والده إلى ما ذكره العلائي، يفيد أن الـ ١٣ المذكورين داخل فيهم ما زاده والده على العلائي، ووصفه ما زاده ولي الدين ابن العراقي بأنه «يسير جدًا» يدل على أن أكثر الـ ١٣ ممن ذكرهم والده، وللأسف أن كتاب ولي الدين هذا لم نقف له على أي نسخة حتى نتمكن من حسم الأمر من واقع بحثه وإحصاء الأسماء التي تضمنها» (١). ٣ - قول ابن حجر إن ما زاده الحلبي ٣٢ نفسًا يقتضي أن يكون مجموع ما في كتاب الحلبي ١١٣ نفسًا، إن اعتبرنا الزيادة على ما ذكره العلائي وولي الدين ابن العراقي معًا، أو يكون (١٠٠) نفسًا، إن اعتبرنا الزيادة على ما ذكره العلائي فقط، ولكني رجعت لكتاب سبط ابن العجمي في طبعته المحققة على أوثق نسخه الخطية (٢) وأحصيت من فيه عدة مرات فوجدتهم (٩٦) نفسًا، وهذا لا يتفق مع أي من الاعتبارين السابقين، ولا ثالث لهما. نسخ الكتاب: تقدم أن ما ذيله العراقي على شيخه العلائي علقه بهامش نسخته من كتاب «جامع التحصيل» ولم يجرده في كتاب مستقل، ثم جرده ولده ولي الدين وأودعه كتابه المسمى «بأخبار المدلسين»، ثم ضمن ابن حجر هذا في كتابه «تعريف أهل التقديس» وبناء عليه يكون وجود ما ذيله العراقي مرتبطا بثلاثة مصادر:

стр. 1081

أولها: نسخته الخاصة من كتاب (جامع التحصيل) التي علق عليها بخطه ما ذيله. وثانيها: كتاب (أخبار المدلسين) لولده ولي الدين. وثالثها: كتاب (تعريف أهل التقديس) لتلميذه ابن حجر. ولم يوقفني البحث حين إعداد هذه الرسالة إلا على كتاب ابن حجر فقط وهو مطبوع متداول ويقع في ٢٣ صفحة حسب طبعة محمد أمين الخاني بالمطبعة الحسينية سنة ١٣٢٢ هـ. وإذا كان عدم تحديد ابن حجر في خلال الكتاب ما لكل واحد ممن بين تضمن كتابه لما ذكروه، يحول دون التعرف على الأسماء التي ذيل بها العراقي بالتحديد، فإن إشارته الإجمالية في مقدمة الكتاب إلى أنه تضمن زياداتهم، كافية في الدلالة على أنه يضم ضمن مشتملاته ما ذيله العراقي من «أسماء المدلسين»، وبهذا يعد كتاب «تعريف أهل التقديس» هذا - بعد كتاب أبي زرعة بن العراقي - هو المصدر المتوفر لدينا الذي يضم بين دفتيه ما ألفه العراقي في هذا الجانب من علم رجال السنة، وجعله حلقة متصلة بجهد من تقدمه في إفراد هذا النوع بالتصنيف، وزيادة صاعدة به نحو الإكتمال ودافعة من جاء بعده من تلاميذه لمواصلة البحث عن المزيد، وتنمية التأليف في الموضوع، فألف تلميذه الحلبي كتابه المتقدم ذكره، وألف ولي الدين بن العراقي، كتابه السالف ذكره أيضًا، واستعان بما ذيله والده ثم استعان به أبرز تلاميذه ابن حجر في إخراج مؤلفه الجامع في طبقات المدلسين الذي يعد حتى الآن عمدة الباحثين في رجال السنة عن هذا النوع، مما يجعل فائدته عامة.

стр. 1082

وأثره ممتدا من خلال هذا الكتاب والله أعلم. جـ - تأليف العراقي في رواة المراسيل وأثره من أنواع التأليف في علم الرجال، التأليف في بيان رواة الأحاديث المرسلة، ومن يرسلون عنهم، نظرا لأن الإرسال من غير الصحابي يقتضي الضعف في الحديث إذا لم يوجد له عاضد معتبر في السند أو المتن على الصحيح (١). وتنبني معرفة رواة المراسيل، على تعريف الحديث المرسل، وهو نوعان: مرسل ظاهر الإرسال، ومرسل خفي الإرسال، وقد اختلف في تعريف كل منهما، وبناء عليه، اختلف في تعريف راوي المراسيل، وأوسع تعاريف المرسل الظاهر كما ذكر العراقي وغيره، أنه: «ما سقط من إسناده راو فأكثر، من أي موضع كان» (٢). وخصص العلائي هذا الإطلاق بقوله: «إن الظاهر أن المراد: ما سقط منه التابعي مع الصحابي، أو سقط منه اثنان بعد الصحابي ونحو ذلك وقد تقرر هذا التخصيص، حتى لا يؤدي عموم التعريف إلى إسقاط اعتبار الأسانيد، مع أنه مجمع على اعتبارها في كل عصر» (٣) ويشترط كذلك أن يكون عدم تعاصر الراوي والمروي عنه واضحا بحيث لا يشتبه إرساله باتصاله، على أهل الحديث، كأن يروي مالك مثلا عن سعيد بن المسيب فعدم تعاصرها واضح (٤).

стр. 1083

أما المرسل الخفي فعرفه العراقي بأنه: أن يروي الشخص عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، أو عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، فهذا يخفى على كثير من أهل الحديث، لكون الراوي والمروي عنه قد جمعهما عصر واحد، وهذا النوع كما قال العراقي، أشبه برواية المدلسين (١) ولكن السخاوي فرق بينهما بأن يكون الراوي بالنسبة إلى المرسل لم يوصف بالتدليس (٢). ومقتضى هذين التعريفين أن يكون من رواة المراسيل: الصحابي والتابعي ومن دونهما لكن مرسل الصحابي محمول على الاتصال ومحتج به على الصحيح المشهور (٣) ومع هذا فإن أئمة المؤلفين في رواة المراسيل ذكروا المرسلين من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، مثل ابن أبي حاتم الرازي والعلائي في مراسيلهما (٤). وقد سبق العراقي من المتأخرين إلى التأليف في رواة المراسيل، شيخه صلاح الدين العلائي في كتاب جامع، سماه (جامع التحصيل لأحكام المراسيل) ورتبه على ٦ أبواب، سادسها خصصه لذكر الرواة المحكوم على روايتهم

стр. 1084

بالإرسال، مرتبا لهم على حروف المعجم (١). وقد اطلع العراقي على الكتاب واستمد منه في بعض مؤلفاته، ثم ألف كتابه في المراسيل كما نذكره فيما يأتي: نسبة الكتاب إلى العراقي وزمن تأليفه وتسميته: وقد نسب غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم إليه كتابًا في المراسيل، في مقدمتهم تلميذه الحافظ ابن حجر حيث قال: «وقرأت عليه كتابه في المراسيل وهو من أواخر ما جمعه» (٢) وأقره على هذا تلميذ العراقي أيضًا ابن فهد وأضاف أن العراقي سمى هذا الكتاب «الإنصاف» (٣) وكذلك ذكر السخاوي أن العراقي عمل كتابًا في المراسيل وقال: «إنه من أواخر ما جمعه» (٤) ومن مجموع ذلك يتقرر ثبوت نسبة الكتاب إليه، وبيان تسميته له كما يتقرر زمن تأليفه، وترتيبه بين مؤلفات العراقي، على وجه التقريب. نسخ الكتاب وتصحيح خطأ المفهرسين فيها: يفهم من قول ابن حجر أنه قرأ هذا الكتاب على شيخه العراقي، أنه قد بيضه وأعده للتداول، وقد وجدت بفهرس مكتبة راغب باشا، باستانبول تحت رقم (٢٣٦) كتابا بعنوان (جامع التحصيل) لعبد الرحيم العراقي (٥).

стр. 1085

ثم وجدت الشيخ طاهر الجزائري ﵀ ذكر نفس النسخة بعنوان (حاصل التحصيل) ونسبها إلى عبد الرحيم العراقي أيضًا (١). ورغم الصعوبة البالغة في الحصول حاليًا على مخطوطات تركيا للأسف أو حتى الحصول على معلومات كافية عنها لمن لا يذهب بنفسه إلى هناك رغم هذا، فقد حاولت الحصول على بعض المعلومات الكافية عن تلك النسخة، أو الحصول على بعض نصوصها، علها تكون من كتاب العراقي المذكور في المراسيل وإن اختلف العنوانان المذكوران عن التسمية التي ذكرها ابن فهد لهذا الكتاب وهي (الإنصاف) كما قدمت، وبالفعل وفقني الله تعالى للإستعانة بزميلة فاضلة ذهبت إلى استانبول ونقلت لي عنوان النسخة المشار إليها وصفحتين كاملتين من أولها، وخاتمة الكتاب، وقد وجدت نص العنوان هكذا (جامع التحصيل لأحكام المراسيل) للإمام العلامة الحجة أبو سعيد العلائي، شيخ الحافظ عبد الرحيم العراقي، رحمهما الله تعالى، آمين، أما الصفحتان الأوليان فقد قابلتهما بأول نسخة مصورة (٢) من كتاب «جامع التحصيل» للعلائي، فوجدتهما متطابقتين بدون اختلاف، إلا ما هو معروف من فروق النسخ الخطية للكتاب الواحد، أما خاتمة النسخة فقد جاء بها ما نصه: (قال مصنفه ﵁ ورحمه: «فرغت منه يوم الأحد خامس شوال سنة ٧٤٦ هـ ببيت المقدس الشريف حماه الله وكان ابتداؤه في أثناء شعبان من السنة المذكورة، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد من لا نبي بعده»).

стр. 1086

وبذلك يثبت أن هذه النسخة من كتاب العلائي السابق ذكره، وليس من كتاب تلميذه العراقي، وتكون نسبته في فهرس المكتبة وفي كتاب الشيخ طاهر الجزائري إلى العراقي خاطئة، وغير مطابقة لواقع النسخة المفهرسة، ولعل الذي أوقع المفهرس في هذا الخطأ سبق بصره إلى ما ذكر في عنوان النسخة كما قدمت من أن العلائي شيخ الحافظ عبد الرحيم العراقي، ثم نقل الشيخ الجزائري بدوره من الفهرس، ولم يرجع إلى واقع النسخة فلينتبه لذلك من يطلع على الفهرس المذكور، وعلى منتخبات الجزائري، أو على من يعتمد عليهما. وللأسف أن بحثي الدائب لم يوقفني على أي نسخة أخرى من كتاب العراقي هذا، كما لم أقف على شيء من النصوص المنقولة عنه. أثر الكتاب فيمن بعده: ورغم هذا، فإن ما تقدم من تصريح الحافظ ابن حجر بأنه قرأ هذا الكتاب على العراقي، يدل على استفادته بمضمونه، كما يستفاد من ذلك تداول الكتاب في حياة العراقي وبين تلاميذه على الأقل، وقيام العراقي بتدريسه وروايته لهم، ثم إني وقفت على ذكر كتاب منسوب لأبي زرعة بن العراقي بعنوان «تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل» (١). وقد أفادني الأخ الأستاذ «شكر الله قوجاني» محقق كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، بوجود نسخة لهذا الكتاب بمكتبة «كوبريلي» باستانبول - تركيا - ضمن مجموع برقم [٣٨٦]، وأنه اطلع عليها بنفسه، فشكر الله له،

стр. 1087

حيث قوي بذلك عزمي على محاولة الحصول على مصورة لها، رغم ما هو معروف من صعوبة الحصول على صور مخطوطات تركيا، وبفضل الله تعالى، ثم معاونة كريمة من أحد أصدقائي من الأساتذة الأتراك، تيسر لي الحصول على نسخة «ميكروفيلمية» للكتاب، فله مني جزيل الشكر، من الله تعالى عظيم الجزاء. وقد اطلعت على الكتاب اطلاعا تفصيليا، فلم أجد مؤلفه نص في المقدمة على كتاب والده هذا في المراسيل، ولكنه خلال بعض التراجم صرح بالنقل عن خط والده فيما يتعلق بإرسال بعض الرواة، ويفهم من بعض المواضع أن والده كان حيا حين نقله عنه، حيث قال في ترجمة «جرير بن حازم»: «قال والدي حفظه الله تعالى … ». وفي بعض المواضع يقول: «نقلته من خط والدي» ومرة يقول: «فيما وجدته بخط والدي» / تنظر ورقة ١٦٤/ أ، ب و ١٦٩/ أ/ فلعل نقله الذي في مثل هذه المواضع، من كتاب والده هذا وإن لم يصرح بذلك، ولعل مما يؤيد هذا أنه في بعض المواضع الأخرى قد نقل عن بعض مؤلفات والده فحددها، مثل ألفية المصطلح وشرحها، (في ورقة ١٦٥/ ب)، و «تكملة شرح الترمذي» كما في ورقة (١٦٨/ ب)، والله أعلم. خامسا: (تأليفه وآراؤه في بعض رجال الصحيحين وغيرهما من كتب السنة وأثر ذلك) من أنواع التأليف في علم الرجال تخصيص مؤلفات لبيان حال المروي عنهم في بعض كتب السنة «كالموطأ» و «الصحيحين» و «السنن الأربعة» و «مسند

стр. 1088

الإمام أحمد» وقد تركزت عناية العلماء حتى عصر العراقي على التأليف في رجال الكتب السالفة الذكر اجتماعا وانفرادا (١) فبجانب عناية العراقي بالتأليف في الصحابة وفي بقية أنواع الرجال عموما ونقدهم كما مر. وبجانب هذا اتجهت همته إلى مجال التأليف في رجال بعض كتب السنة، مراعيا ما لم ينل عناية كافية ممن قبله بالتأليف فيه، سواء بعض رجال الصحيحين أو غيرهما من كتب السنة، وكان لذلك أثره فيما بعده كما سأوضحه على النحو التالي: أ - تأليفه في الوحدان من رجال الصحيحين ودفعه لجهالتهم ذكر العراقي أنه قد جمع في جزء مفرد الرواة الذين خرج لهم البخاري ومسلم في صحيحيهما من غير الصحابة ولم يرو عن كل منهم إلا راو واحد (٢) ويعرف الذين لم يرو عنهم إلا راو واحد في مصطلح علوم السنة (بالوحدان) (٣) وقد ألفت فيهم عموما عدة مؤلفات قبل العراقي كما سيأتي إلا أنه لم يعرف من خص رجال الصحيحين منهم بالتأليف قبل العراقي، بل ولا بعده حتى الآن.

стр. 1089

وقد ذكر هذا الجزء للعراقي كل من البقاعي (١) والسخاوي (٢) والسيوطي (٣) ووصفه بـ «الجزء» يفيد صغر حجمه، بما لا يقل عن ست أوراق في المتوسط، حسب المعتاد في الأجزاء الحديثية، وعلى ضوء الأمثلة الآتية، يمكن اشتماله على عدد غير قليل من التراجم، ولكن البحث لم يُوقفني على شيء من نسخه، ولذا سأعتمد في بحثه على النماذج التي ذكرها العراقي وغيره المحتواه: منهج الكتاب إجمالا، وجهد العراقي فيه: بعد أن ذكر العراقي تأليفه لهذا الكتاب أعقبه بذكر خمسة من الرواة الذين جمعهم، فيه، ثلاثة ممن أخرج لهم البخاري واثنين ممن أخرج لهم مسلم وذكر السخاوي بعد ذكر الكتاب أيضًا راويًا سادسًا ممن أخرج له الشيخان معا، ثم أتبعه بالخمسة الذين ذكرهم العراقي، مع إضافة اثنين إليهم ممن أخرج لهم البخاري، فصار المجموع ثمانية. وسياقهما هذه الأمثلة لما جمع في الكتاب عقب ذكره، يدل على أنه ألف على غرار ذلك، ولهذا فإننا نستطيع اعتمادًا على تلك الأمثلة، وطريقة إيرادها التعرف الإجمالي على منهج العراقي في الكتاب، وجهده العلمي فيه وتقويمه، وذلك على النحو التالي: أولا: ذكر العراقي والسخاوي للكتاب وسياقهما الأمثلة: حيث قال العراقي: «فينبغي أن يمثل بمن خرج له البخاري ومسلم من غير الصحابة ولم

стр. 1090

يَروي عنه إلا راوٍ واحد، وقد جمعتهم في جزءٍ مفرد، فمنهم عند البخاري: ١ - جويرية بن قدامة، تفرد عنه أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي. ٢ - وكذلك زيد (١) بن رباح المدني، تفرد عنه مالك. ٣ - وكذلك الوليد بن عبد الرحمن الجارودي، تفرد عنه ابنه المنذر بن الوليد. ومن ذلك عند مسلم: ١ - جابر بن إسماعيل الحضرمي، تفرد عنه عبد الله بن وهب. ٢ - وكذلك خباب صاحب المقصورة تفرد عنه عامر بن سعد بن أبي وقاص (٢). أما السخاوي فإنه بعد أن ذكر إفراد المؤلف لهؤلاء الرواة بالتأليف قال: «فمنهم ممن اتفقا عليه: حصين بن محمد الأنصاري المدني، وممن انفرد به البخاري: جويرية أو جارية بن قدامة، وزيد بن رباح المدني، وعبد الله بن وديعة الأنصاري، وعمر بن محمد بن جبير بن مطعم، والوليد بن عبد الرحمن الجارودي». وممن انفرد به مسلم: جابر بن إسماعيل الحضرمي، وخباب المدني صاحب المقصورة ثم ذكر من تفرد عن كل منهم (٣).
следующие страницы →